المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم

بعضها يعيد النجوم إلى ميشلان لأن الإقبال على «الشعبي» أكبر

المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم
TT

المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم

المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم

في عالم المطاعم حدث فريد يحدث مرة كل عام، وهو موعد نشر دليل «ميشلان» لتصنيف المطاعم. فالقليل منها يحصل على 3 نجوم، وبعضها يحصل على نجمتين أو نجمة واحدة. والجميع يعتز بالتصنيف، ويحاول المحافظة عليه، لأنه يتغير من عام لعام، ويمكن للمطاعم أن تفقد نجماتها، كما يمكن أن تحافظ على مكانتها، أو تحسن منها.
وفي لندن، هناك اهتمام خاص بدليل «ميشلان» لأنها مدينة عالمية، تفوقت على باريس مرة في نسبة المطاعم المصنفة من ميشلان، ولكن باريس - وفرنسا - استعادت قمة الدليل في نسخة 2017. وهي تحافظ على مركزها عاماً بعد عام. ومن جرب تناول وجبات في مطاعم ميشلان يعرف أنه مقبل على تجربة فريدة، فالأطباق تأتي إلى مائدته مثل القطع الفنية التي بذل فيها الشيف جهداً لكي تلهب الحواس، ولا تكتفي بإشباع الضيف فقط.
ويحسب لميشلان أن باحثيها يذهبون خفية إلى المطاعم من أجل تصنيفها، كما يدفعون ثمن وجباتهم، ولذلك فإن التصنيف يعد محايداً تماماً، ولا غبار عليه، من حيث شبهات التواطؤ مع المطاعم المصنفة.
وفي حين تكتفي الأغلبية من مطاعم ميشلان بتقديم وجبات متميزة يقدمها الشيف المسؤول، وفقاً لخبرته المكتسبة في كثير من المطابخ، فإن بعض مطاعم ميشلان تذهب أحياناً إلى أبعاد خيالية في الابتكار، مثل ذلك الشيف في ألمانيا الذي كشف لزبائنه، ذات ليلة، عن قائمة طعام فيها وجبة مكونة من 30 طبقاً. واستخدم الشيف في إعداد كل طبق وسائل طهي جديدة، مثل غاز تجميد الأطعمة، ثم طهيها على المائدة بلهب محمول في اليد. وبعد الوجبة التي استمرت 3 ساعات، خرج معظم الضيوف - وهم من الإعلاميين - وهم في حالة حائرة بين الشبع والجوع. واقترح أحدهم الذهاب إلى مطعم آخر يقدم وجبة واحدة ذات قيمة.
هذه التجارب التي تذهب إلى أبعاد خيالية أحياناً هي واحدة من الانتقادات التي وجهت إلى مطاعم ميشلان. أما الانتقاد الأهم، فهو أن معظمها باهظ الثمن. فالوجبات لا غبار عليها، وهي من أعلى مستويات التجهيز والتقديم، ولكن بعض المطاعم يأخذ نجمات ميشلان مبرراً لمضاعفة الثمن.
وقد دفع هذا بعض وسائل الإعلام البريطانية للبحث عن أرخص مطعم مصنف من ميشلان في بريطانيا، وعثرت عليه في منطقة تاين، نورث شيلدز في شمال إنجلترا، وهو مقهى اسمه «ريفر كافيه».
ومن الانتقادات الأخرى الموجهة إلى مطاعم ميشلان أنها تغفل مطاعم إثنية خاصة بدول العالم الثالث. فالمطاعم الإثنية في تعريف ميشلان هي في الغالب مطاعم إيطالية، أو حتى فرنسية. وهي تعترف مثلاً بالوجبات الأميركية والألمانية، وتقبل انضمام مطاعم هندية أو صينية أو تايلاندية، وبعضها في لندن حاصل على نجمات ميشلان، ولكن المطاعم الإثنية الأخرى مهملة لأن خبراء ميشلان لا يذهبون إليها أصلاً، أو لا يصنفونها.
وربما لهذه الأسباب، يفضل العامة من الباحثين عن وجبات جيدة التوجه إلى مطاعم شعبية تقدم وجبات شهية رخيصة، ليس لها علاقة بميشلان من قريب أو بعيد. فهناك مطعم «أراكي»، في لندن، وهو حاصل على نجمتي ميشلان، وتبلغ تكلفة الوجبة فيه للفرد الواحد نحو 300 جنيه إسترليني (375 دولاراً). وتوجد في لندن 3 مطاعم حاصلة على 3 نجمات من ميشلان، وهو أعلى تقدير، وهي مطاعم غوردن رامزي وآلان دوكاس، في فندق الدورشستر ومطعم ووترسايد إن. وتوجد عدة مطاعم مصنفة من ميشلان، ورخيصة في الوقت نفسه، مثل ريفر كافيه ويوزو في مانشستر، ودابا في غلاسكو.

* دليل ميشلان

وهو ينشر سنوياً منذ نحو قرن من الزمان، ويسمى أحياناً الدليل الأحمر، ويشمل الفنادق والمطاعم في تصنيف الجودة. وتهتم هذه الجهات بالتصنيف السنوي لأن اكتساب نجمة أو فقدانها يمكن أن تكون له نتائج جذرية على مصير ومستقبل الفندق أو المطعم. وتنشر مؤسسة ميشلان أكثر من دليل يخص بلداناً مختلفة.
ويسمى مراجعو ميشلان «مفتشين»، وهم يقومون بعملهم في سرية تامة، ويختلطون مع بقية الزبائن، ولا يعلنون عن حضورهم. وتمنع ميشلان هؤلاء المفتشين من البوح بمهنتهم حتى لعائلاتهم، كما أنهم ممنوعون من التحدث إلى الإعلام. ويتم جمع التقارير وفحصها في اجتماع خاص، تتم خلاله مناقشة حصول المطاعم على تقدير النجوم أو عدمه. ولا يزور المفتشون المطاعم التي يرون أنها لا تستحق أن تدخل في التصنيف.
ويعتبر الطهاة المخضرمون أن تقدير ميشلان هو بمثابة الأوسكار لمهنتهم. وفي فرنسا، يعتبرون أن تصنيف ميشلان هو الوحيد الذي له قيمة. وللدليل أهمية خاصة في الإعلام الفرنسي الذي يتوقع النتائج، ويحتفل بها، وتناقشها قنوات التلفزيون والصحف اليومية. وفي السنوات الأخيرة، أدخل الدليل فئة جديدة اسمها «نجوم صاعدة»، عن المطاعم الواعدة التي يمكن أن تتأهل في المستقبل لنجمة ميشلان.
ومنذ عام 1955، ينشر الدليل أيضًا قسماً للمطاعم التي توفر وجبات جيدة بأسعار معقولة، ويطلق عليها اسم «بيب غورميه». وبيب اختصار لكلمة «بيبندوم»، وهو رجل ميشلان المطاطي.
وابتكرت شركة ميشلان للإطارات دليل الفنادق والمطاعم في عام 1900، كوسيلة لتشجيع رحلات السيارات، وبالتالي رفع الطلب على الإطارات. وفي ذلك الحين، لم يكن في كل فرنسا أكثر من 3 آلاف سيارة. وفي أول إصدار، طبعت الشركة 35 ألف نسخة من الدليل، كانت توزع مجاناً، وبها معلومات مهمة للسائقين، وخرائط وإرشادات عن تغيير الإطارات، ولائحة بالفنادق والمطاعم ومحطات الوقود. وفي عام 1904، نشرت ميشلان أول دليل خاص ببلجيكا.
وبعدها توالت الطبعات، وكان ثالثها في الجزائر، ثم تونس، ثم جبال الألب وشمال إيطاليا وسويسرا وبافاريا وهولندا (1908)، وبريطانيا (1911).
وتوقف إصدار الدليل أثناء الحرب العالمية الأولي، ثم أعيد الإصدار بعدها. وفي عام 1920، لاحظ مدير الشركة أندريه ميشلان أن ورشة إطارات ميشلان كانت تستخدم الدليل لدعم منصة إصلاح الإطارات، فقررت الشركة أن يباع الدليل الواحد بنحو دولارين حتى يتم احترامه.
وجرت بعد ذلك عدة تغييرات في الدليل، بمنع الإعلانات فيه، وتصنيف المطاعم بإرسال مفتشين سراً إليها لتقييمها. وفي عام 1926، بدأ الدليل يمنح نجماته الشهيرة، وبدأت بنجمة واحدة، ثم زادت إلى 3 نجمات، في عام 1936. وكانت النجمة الواحدة تعني «مطعم جيد جداً في فئته»، أما النجمتان، فتعني «أكل متميز يستحق تغيير مسار الرحلة من أجله»، ثم يأتي تعريف الـ3 نجمات بأن المطعم به «مطبخ متميز يستحق رحلة خاصة إليه». ومنذ عام 1931، تغير لون غلاف الدليل من الأزرق إلى الأحمر، وظل كذلك حتى اليوم.
وبعد الحرب العالمية الثانية، توسع الدليل إلى خارج أوروبا، وشمل نيويورك وطوكيو وهونغ كونغ وماكاو. وبلغ عدد الدول التي تغطيها طبعات الدليل المختلفة 23 دولة في عام 2013.

* انتقادات «ميشلانية»

في عام 2004، كتب مفتش ميشلان السابق باسكال ريمي كتاباً نشر فيه أسرار حياة مفتشي ميشلان، الأمر الذي أفقده وظيفته. ووصف باسكال في كتابه «حياة مفتش» ميشلان بأنها حياة بائسة وحيدة، وأجرها ضعيف، حيث يقضي المفتش وقته في القيادة لمسافات طويلة حول مدن فرنسا، ويتناول طعامه بمفرده، ويكتب التقارير الطويلة المفصلة، في وقت مضغوط. وأشار إشارة مهمة إلى أن الدليل أصبح متساهلاً في معاييره.
وفي الوقت الذي ذكر دليل ميشلان أن المفتش الواحد يزور 4 آلاف مطعم في فرنسا كل 18 شهراً، وكل المطاعم التي حصلت على نجمات أكثر من مرة في السنة، يقول باسكال إن زيارة المطاعم الممكنة عملياً كانت مرة كل 3 سنوات ونصف السنة، لأن ميشلان لا تملك أكثر من 11 مفتشاً في فرنسا. وعند بداية عمله في ميشلان، كان يعمل معه 50 مفتشاً تناقص عددهم عبر السنين.
أيضًا اتهم باسكال دليل ميشلان بتفضيل الطهاة المشهورين، والانحياز لهم، ومنحهم استثناءات من المعايير المطبقة على غيرهم. وبالطبع، تنفي ميشلان هذه الادعاءات.
هناك أيضًا اتهامات من خبراء التقييم، غير الفرنسيين، بأن دليل ميشلان منحاز إلى المطبخ الفرنسي. واتهمت صحيفة بريطانية الدليل بأنه «أداة سيطرة ثقافية إمبريالية فرنسية». وانتقد كاتب أميركي في «نيويورك تايمز» دليل ميشلان لمطاعم نيويورك، بأن نصف المطاعم المصنفة بنجمات ميشلان فرنسية الهوية، وأن التركيز كان على الرسميات، وتقديم الطعام بدلاً من التركيز على نوعية الطعام ذاته.
اتهام ثالث بأن ميشلان منحت المطاعم اليابانية في طوكيو نجمات بالجملة، مما أثار الشكوك في أن الشركة تريد تسويق اسم ميشلان، وبالتالي إطارات الشركة الأم في أسواق اليابان. ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في عام 2010، أن الطهاة اليابانيين أنفسهم فوجئوا بحصولهم على نجمات ميشلان. وبعضهم تردد في قبول التكريم حتى لا يزداد الطلب على المطعم إلى حدود تفوق إمكانيات الخدمة.
أيضًا طلبت بعض المطاعم من ميشلان سحب نجماتها لأنها «تخلق توقعات غير مرغوبة لدى الزبائن، أو تخلق ضغوطاً على مزيد من الإنفاق على الديكور والخدمة». وطلبت مطاعم في إسبانيا ولندن وبلجيكا سحب نجمات ميشلان لأسباب مختلفة، أغلبها يتعلق بتوقعات الزبائن، لأن بعضهم كان يتوقع معاملة خاصة ومختلفة من مطعم مصنف من ميشلان.
وتعترف مطاعم متعددة بأن كثيراً من الزبائن تفضل وجبات بسيطة في مناخ غير رسمي، وهذا يتعارض مع معايير ميشلان، ولذلك ترفض بعض المطاعم تقييمها، وتعيد لميشلان نجماته.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».