السبت - 26 جمادى الآخرة 1438 هـ - 25 مارس 2017 مـ - رقم العدد13997
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/03/25
loading..

المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم

المطاعم وحرب البساطة مقابل النجوم

بعضها يعيد النجوم إلى ميشلان لأن الإقبال على «الشعبي» أكبر
الأحد - 20 جمادى الآخرة 1438 هـ - 19 مارس 2017 مـ رقم العدد [13991]
نسخة للطباعة Send by email
لندن: «الشرق الأوسط»
في عالم المطاعم حدث فريد يحدث مرة كل عام، وهو موعد نشر دليل «ميشلان» لتصنيف المطاعم. فالقليل منها يحصل على 3 نجوم، وبعضها يحصل على نجمتين أو نجمة واحدة. والجميع يعتز بالتصنيف، ويحاول المحافظة عليه، لأنه يتغير من عام لعام، ويمكن للمطاعم أن تفقد نجماتها، كما يمكن أن تحافظ على مكانتها، أو تحسن منها.
وفي لندن، هناك اهتمام خاص بدليل «ميشلان» لأنها مدينة عالمية، تفوقت على باريس مرة في نسبة المطاعم المصنفة من ميشلان، ولكن باريس - وفرنسا - استعادت قمة الدليل في نسخة 2017. وهي تحافظ على مركزها عاماً بعد عام. ومن جرب تناول وجبات في مطاعم ميشلان يعرف أنه مقبل على تجربة فريدة، فالأطباق تأتي إلى مائدته مثل القطع الفنية التي بذل فيها الشيف جهداً لكي تلهب الحواس، ولا تكتفي بإشباع الضيف فقط.
ويحسب لميشلان أن باحثيها يذهبون خفية إلى المطاعم من أجل تصنيفها، كما يدفعون ثمن وجباتهم، ولذلك فإن التصنيف يعد محايداً تماماً، ولا غبار عليه، من حيث شبهات التواطؤ مع المطاعم المصنفة.
وفي حين تكتفي الأغلبية من مطاعم ميشلان بتقديم وجبات متميزة يقدمها الشيف المسؤول، وفقاً لخبرته المكتسبة في كثير من المطابخ، فإن بعض مطاعم ميشلان تذهب أحياناً إلى أبعاد خيالية في الابتكار، مثل ذلك الشيف في ألمانيا الذي كشف لزبائنه، ذات ليلة، عن قائمة طعام فيها وجبة مكونة من 30 طبقاً. واستخدم الشيف في إعداد كل طبق وسائل طهي جديدة، مثل غاز تجميد الأطعمة، ثم طهيها على المائدة بلهب محمول في اليد. وبعد الوجبة التي استمرت 3 ساعات، خرج معظم الضيوف - وهم من الإعلاميين - وهم في حالة حائرة بين الشبع والجوع. واقترح أحدهم الذهاب إلى مطعم آخر يقدم وجبة واحدة ذات قيمة.
هذه التجارب التي تذهب إلى أبعاد خيالية أحياناً هي واحدة من الانتقادات التي وجهت إلى مطاعم ميشلان. أما الانتقاد الأهم، فهو أن معظمها باهظ الثمن. فالوجبات لا غبار عليها، وهي من أعلى مستويات التجهيز والتقديم، ولكن بعض المطاعم يأخذ نجمات ميشلان مبرراً لمضاعفة الثمن.
وقد دفع هذا بعض وسائل الإعلام البريطانية للبحث عن أرخص مطعم مصنف من ميشلان في بريطانيا، وعثرت عليه في منطقة تاين، نورث شيلدز في شمال إنجلترا، وهو مقهى اسمه «ريفر كافيه».
ومن الانتقادات الأخرى الموجهة إلى مطاعم ميشلان أنها تغفل مطاعم إثنية خاصة بدول العالم الثالث. فالمطاعم الإثنية في تعريف ميشلان هي في الغالب مطاعم إيطالية، أو حتى فرنسية. وهي تعترف مثلاً بالوجبات الأميركية والألمانية، وتقبل انضمام مطاعم هندية أو صينية أو تايلاندية، وبعضها في لندن حاصل على نجمات ميشلان، ولكن المطاعم الإثنية الأخرى مهملة لأن خبراء ميشلان لا يذهبون إليها أصلاً، أو لا يصنفونها.
وربما لهذه الأسباب، يفضل العامة من الباحثين عن وجبات جيدة التوجه إلى مطاعم شعبية تقدم وجبات شهية رخيصة، ليس لها علاقة بميشلان من قريب أو بعيد. فهناك مطعم «أراكي»، في لندن، وهو حاصل على نجمتي ميشلان، وتبلغ تكلفة الوجبة فيه للفرد الواحد نحو 300 جنيه إسترليني (375 دولاراً). وتوجد في لندن 3 مطاعم حاصلة على 3 نجمات من ميشلان، وهو أعلى تقدير، وهي مطاعم غوردن رامزي وآلان دوكاس، في فندق الدورشستر ومطعم ووترسايد إن. وتوجد عدة مطاعم مصنفة من ميشلان، ورخيصة في الوقت نفسه، مثل ريفر كافيه ويوزو في مانشستر، ودابا في غلاسكو.

* دليل ميشلان

وهو ينشر سنوياً منذ نحو قرن من الزمان، ويسمى أحياناً الدليل الأحمر، ويشمل الفنادق والمطاعم في تصنيف الجودة. وتهتم هذه الجهات بالتصنيف السنوي لأن اكتساب نجمة أو فقدانها يمكن أن تكون له نتائج جذرية على مصير ومستقبل الفندق أو المطعم. وتنشر مؤسسة ميشلان أكثر من دليل يخص بلداناً مختلفة.
ويسمى مراجعو ميشلان «مفتشين»، وهم يقومون بعملهم في سرية تامة، ويختلطون مع بقية الزبائن، ولا يعلنون عن حضورهم. وتمنع ميشلان هؤلاء المفتشين من البوح بمهنتهم حتى لعائلاتهم، كما أنهم ممنوعون من التحدث إلى الإعلام. ويتم جمع التقارير وفحصها في اجتماع خاص، تتم خلاله مناقشة حصول المطاعم على تقدير النجوم أو عدمه. ولا يزور المفتشون المطاعم التي يرون أنها لا تستحق أن تدخل في التصنيف.
ويعتبر الطهاة المخضرمون أن تقدير ميشلان هو بمثابة الأوسكار لمهنتهم. وفي فرنسا، يعتبرون أن تصنيف ميشلان هو الوحيد الذي له قيمة. وللدليل أهمية خاصة في الإعلام الفرنسي الذي يتوقع النتائج، ويحتفل بها، وتناقشها قنوات التلفزيون والصحف اليومية. وفي السنوات الأخيرة، أدخل الدليل فئة جديدة اسمها «نجوم صاعدة»، عن المطاعم الواعدة التي يمكن أن تتأهل في المستقبل لنجمة ميشلان.
ومنذ عام 1955، ينشر الدليل أيضًا قسماً للمطاعم التي توفر وجبات جيدة بأسعار معقولة، ويطلق عليها اسم «بيب غورميه». وبيب اختصار لكلمة «بيبندوم»، وهو رجل ميشلان المطاطي.
وابتكرت شركة ميشلان للإطارات دليل الفنادق والمطاعم في عام 1900، كوسيلة لتشجيع رحلات السيارات، وبالتالي رفع الطلب على الإطارات. وفي ذلك الحين، لم يكن في كل فرنسا أكثر من 3 آلاف سيارة. وفي أول إصدار، طبعت الشركة 35 ألف نسخة من الدليل، كانت توزع مجاناً، وبها معلومات مهمة للسائقين، وخرائط وإرشادات عن تغيير الإطارات، ولائحة بالفنادق والمطاعم ومحطات الوقود. وفي عام 1904، نشرت ميشلان أول دليل خاص ببلجيكا.
وبعدها توالت الطبعات، وكان ثالثها في الجزائر، ثم تونس، ثم جبال الألب وشمال إيطاليا وسويسرا وبافاريا وهولندا (1908)، وبريطانيا (1911).
وتوقف إصدار الدليل أثناء الحرب العالمية الأولي، ثم أعيد الإصدار بعدها. وفي عام 1920، لاحظ مدير الشركة أندريه ميشلان أن ورشة إطارات ميشلان كانت تستخدم الدليل لدعم منصة إصلاح الإطارات، فقررت الشركة أن يباع الدليل الواحد بنحو دولارين حتى يتم احترامه.
وجرت بعد ذلك عدة تغييرات في الدليل، بمنع الإعلانات فيه، وتصنيف المطاعم بإرسال مفتشين سراً إليها لتقييمها. وفي عام 1926، بدأ الدليل يمنح نجماته الشهيرة، وبدأت بنجمة واحدة، ثم زادت إلى 3 نجمات، في عام 1936. وكانت النجمة الواحدة تعني «مطعم جيد جداً في فئته»، أما النجمتان، فتعني «أكل متميز يستحق تغيير مسار الرحلة من أجله»، ثم يأتي تعريف الـ3 نجمات بأن المطعم به «مطبخ متميز يستحق رحلة خاصة إليه». ومنذ عام 1931، تغير لون غلاف الدليل من الأزرق إلى الأحمر، وظل كذلك حتى اليوم.
وبعد الحرب العالمية الثانية، توسع الدليل إلى خارج أوروبا، وشمل نيويورك وطوكيو وهونغ كونغ وماكاو. وبلغ عدد الدول التي تغطيها طبعات الدليل المختلفة 23 دولة في عام 2013.

* انتقادات «ميشلانية»

في عام 2004، كتب مفتش ميشلان السابق باسكال ريمي كتاباً نشر فيه أسرار حياة مفتشي ميشلان، الأمر الذي أفقده وظيفته. ووصف باسكال في كتابه «حياة مفتش» ميشلان بأنها حياة بائسة وحيدة، وأجرها ضعيف، حيث يقضي المفتش وقته في القيادة لمسافات طويلة حول مدن فرنسا، ويتناول طعامه بمفرده، ويكتب التقارير الطويلة المفصلة، في وقت مضغوط. وأشار إشارة مهمة إلى أن الدليل أصبح متساهلاً في معاييره.
وفي الوقت الذي ذكر دليل ميشلان أن المفتش الواحد يزور 4 آلاف مطعم في فرنسا كل 18 شهراً، وكل المطاعم التي حصلت على نجمات أكثر من مرة في السنة، يقول باسكال إن زيارة المطاعم الممكنة عملياً كانت مرة كل 3 سنوات ونصف السنة، لأن ميشلان لا تملك أكثر من 11 مفتشاً في فرنسا. وعند بداية عمله في ميشلان، كان يعمل معه 50 مفتشاً تناقص عددهم عبر السنين.
أيضًا اتهم باسكال دليل ميشلان بتفضيل الطهاة المشهورين، والانحياز لهم، ومنحهم استثناءات من المعايير المطبقة على غيرهم. وبالطبع، تنفي ميشلان هذه الادعاءات.
هناك أيضًا اتهامات من خبراء التقييم، غير الفرنسيين، بأن دليل ميشلان منحاز إلى المطبخ الفرنسي. واتهمت صحيفة بريطانية الدليل بأنه «أداة سيطرة ثقافية إمبريالية فرنسية». وانتقد كاتب أميركي في «نيويورك تايمز» دليل ميشلان لمطاعم نيويورك، بأن نصف المطاعم المصنفة بنجمات ميشلان فرنسية الهوية، وأن التركيز كان على الرسميات، وتقديم الطعام بدلاً من التركيز على نوعية الطعام ذاته.
اتهام ثالث بأن ميشلان منحت المطاعم اليابانية في طوكيو نجمات بالجملة، مما أثار الشكوك في أن الشركة تريد تسويق اسم ميشلان، وبالتالي إطارات الشركة الأم في أسواق اليابان. ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في عام 2010، أن الطهاة اليابانيين أنفسهم فوجئوا بحصولهم على نجمات ميشلان. وبعضهم تردد في قبول التكريم حتى لا يزداد الطلب على المطعم إلى حدود تفوق إمكانيات الخدمة.
أيضًا طلبت بعض المطاعم من ميشلان سحب نجماتها لأنها «تخلق توقعات غير مرغوبة لدى الزبائن، أو تخلق ضغوطاً على مزيد من الإنفاق على الديكور والخدمة». وطلبت مطاعم في إسبانيا ولندن وبلجيكا سحب نجمات ميشلان لأسباب مختلفة، أغلبها يتعلق بتوقعات الزبائن، لأن بعضهم كان يتوقع معاملة خاصة ومختلفة من مطعم مصنف من ميشلان.
وتعترف مطاعم متعددة بأن كثيراً من الزبائن تفضل وجبات بسيطة في مناخ غير رسمي، وهذا يتعارض مع معايير ميشلان، ولذلك ترفض بعض المطاعم تقييمها، وتعيد لميشلان نجماته.