الاثنين - 28 جمادى الآخرة 1438 هـ - 27 مارس 2017 مـ - رقم العدد13999
نسخة اليوم
نسخة اليوم  27-03-2017
loading..

دوريك والكوت... مواجهة الإرث الكولونيالي وملحمة البحث عن الجذور

دوريك والكوت... مواجهة الإرث الكولونيالي وملحمة البحث عن الجذور

صاحب «أوميروس» يرحل عن 87 عاماً في جزيرته
الأحد - 20 جمادى الآخرة 1438 هـ - 19 مارس 2017 مـ رقم العدد [13991]
دوريك والكوت
نسخة للطباعة Send by email
لندن: فاضل السلطاني
يقول دوريك والكوت في ملحمته «أوميروس»: «الآن ترون ماذا يعني المرء أن يكون بلا جذور في هذا العالم». هذه الموضوعة الكبرى في كل أعمال والكوت، الذي حاز على نوبل للآداب عام 1992، الذي رحل أمس عن 87 عاما في جزيرة سانت لوسيا في البحر الكاريبي. أوميروس والكوت هو هوميروس معاصر، طروادته الوحيدة هي البحث عن الجذور. شخصيات تتصارع فيما بينها وبين الآخرين لتحقيق وجودها المستلب، كما يبدو من السطح، لكنها في حقيقتها ليست سوى شخصيات منبوذة، هامشية، ومع ذلك لا تكف عن الصراع الإنساني لترسيخ جذورها في مكان يمكن أن تحس أنها مكانها الخاص.
في قصائده ومسرحياته، لكن في «أوميروس» بشكل خاص، يتتبع والكوت مثل هذه الشخصيات في بحث دائم لا ينتهي. إنه يعود دائما إلى التاريخ، تاريخ الكاريبي، وتاريخ أفريقيا، ما قبل وما بعد المرحلة الكولونالية، ليس فقط على المستوى الرمزي، وإنما على المستوى المادي أيضا. فهو نفسه كان رحالة كبيرا في بحثه عن جذوره الأولى في سانت لوسيا نفسها، التي يرحل عنها ثم سرعان ما يعود إليها، هذه الجزيرة الصغيرة التي صارت مجموعة من كسر، مثل الكاريبي كله، الذي يقول والكوت نفسه في مقابلة معه، لا يملك مركزا أو محيطا، بل هو في الحقيقة استيعاب فوضوي لبيئات أفريقية، وأوروبية، وأميركية - هندية، وآسيوية أيضاً.
كان والكوت يؤمن أن التخلص من الإرث الكولونيالي لا يكمن في الهرب منه، بل في كشفه، وفهمه، وبالتالي مواجهته. وهو في ذلك يتفق مع أغلب كتاب ما بعد المرحلة الكولونالية. لكن ما يميزه عن معظمهم، إنه لا يفكك الواقع لخلق إحساس بالهوية، كما يفعل النيجيري وول سوينكا أو سلمان رشدي مثلا، بل يتحدى التاريخ، أو سلطة التاريخ، ليستعيد ما يسميه أحد النقاد بـ«بذور الموروث»، ليزرعها في تربتها الأصلية من جديد.
هذه العودة إلى الماضي، كما هو معروف، هي سمة مشتركة في أدب ما بعد الكولونيالية، لكن آخرين، مثل سوينكا، يرون أن «التوافق الثقافي»، بين المستعمر - بكسر الميم - والمستعمر - بفتحها - من دون نبذ التراث الكولونيالي، لا يمكن أن يقود إلى تحقيق الهوية، وإحياء آداب وطنية حقيقية، بل إلى إعادة سيادة الأول ثقافيا. وبسبب ذلك، اتهم والكوت بـ«التبعية الثقافية» من قبل كثير من أقرانه.
آمن والكوت بالذاكرة كوسيلة لاستعادة الهوية. الذاكرة عنده جزء أساسي في تكوين مثل هذه الهوية، وهذا ما عكسه بقوة في الكتاب الخامس من «أوميروس». إنه يتتبع رحلة «أخيل»، الذي انطلق من سنت لوسيا بعدما طرح على نفسه أسئلة ممضة عن هويته، إلى قبيلة أجداده في أفريقيا. وعلى عكس أخيل هوميروس، الذي لم يستطع أن يصل إلى بلده لأنه فقد ذاكرته، أخيل والكوت يستعيد ذاكرته بمجرد أن يصل إلى أفريقيا، بعد رحلة ملحمية يتشابك فيها الزمان والمكان، والحاضر والماضي، والضياء والظلام، والأحياء والموتى. يكتب والكوت واصفا هذا المشهد.
«توغل الحزن في أعماقه ببطء وهو يبلغ موطنه. صار هو ذاكرته».
يوحي لنا والكوت هنا بأن الهوية تتمثل في الذاكرة، وتبعا لذلك نحن نستطيع أن نعيد بناء هويتنا المتشظية عبر الذاكرة. ولكن هل يمكن أن نعيد بناء تجاربنا عبر الذاكرة؟ إنه يؤمن، كما كان يؤمن الفيلسوف ديفيد هيوم، بإمكانية ذلك، فالإنسان ليس أكثر من ذاكرة، وإن العدمية ستسود البشر من دونها. الهوية بالنسبة للاثنين ليست مجرد إحساس بمكان، بل بتاريخ، مهما كان هذا التاريخ، وهذا التاريخ هو الذاكرة، أو إن الذاكرة هو التاريخ.
يعبر والكوت عن ذلك شعريا في «أوميروس» حين يواجه «أخيل»، الذي كان قادرا على التنبؤ بالمستقبل، كابوس العبودية في طريقه لقرية أجداده:
كان بإمكانه أن يسمع الأصداء نفسها التي تولدها فؤوسهم الحجرية،
في المرتفعات فوق أوتاد المستعمرة المثبتة بإحكام، حيث الأصداء التي توقعها.
نظر أخيل في الخريطة التي يحملها في يده
إنها تتشعب مثل الأنهار، والساحل...
ثم قامت الحرب.
في المشهد التالي، نرى أخيل بمجرد مواجهته كل ذلك، يفقد ذاكرته، فتبدأ واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في التاريخ: العبودية، وتلتها الكولونيالية بأشكالها المختلفة.

بروفايل

> ولد دوريك التون والكوت في سانت لوتشيا، إحدى جزر الهند الغربية، عام 1930، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة الكولدج في جزر الهند الغربية. وفي عام 1959 عقد دورة دراسية في مسرح ترينداد حيث عرضت مسرحياته لأول مرة. نشر والكوت أكثر من 20 مجموعة شعرية وأكثر من 30 مسرحية. ومن أعماله: «في ليلة خضراء» قصائد 1948 - 1960 (نشر في عام 1962)، و«الناجي من الغرق وقصائد أخرى» 1965، و«عنب البحر» 1976، و«مملكة التفاح النجمي» 1977، و«الخليج» 1969، و«المسافر المحظوظ» 1981، و«منتصف صيف» 1982، و«طقوس كاريبية» 1984، و«قصائد لدخول الملكوت» 1987، و«العودة إلى الرحم» 1991، كما نشرت قصائده المختارة في عام 1993.
وكانت الأكاديمية السويدية قد منحت جائزتها في الآداب لعام 1992 لوالكوت، وذلك عن مجموعة أعماله الشعرية التي وصفت بأنها «تتميّز برؤية تاريخية عميقة، وتعبر عن التزام متعدد الجوانب».