الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي يتتبع أخطاء المترجمين في رحلة «سادلير» عبر الجزيرة العربية

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب
TT

الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب

يسلط المترجم، عدنان العوامي في تحقيقه كتاب الرحالة البريطاني النقيب جورج فوستر سادلير عن رحلته عبر الجزيرة العربية، الضوء على قضية الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها المؤلفون الأجانب، من مستشرقين ورحالة، ويقع فيها المترجمون، بل وحتى المحققون الذين لا يتقنون التعامل مع النصّ الأجنبي، ولا يفترضون إمكانية ورود الأخطاء في النطق والتدوين. الكتاب الذي بين أيدينا لم يتعرض فقط لتلك المآسي الهائلة في التدوين الخاطئ لأسماء الأمكنة والمعالم الجغرافية، بل يذهب إلى وثائق الكتاب الأصلي تعرضت للنهب والسرقة، ثم أعيد تدوين الرحلة من جديد اعتماداً على الذاكرة.
الكتاب الصادر عن مؤسسة «الانتشار العربي»، والواقع في 230 صفحة من الحجم المتوسط، يحمل عنوان: «يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية: من القطيف في الخليج إلى ينبع في البحر الأحمر خلال عام 1819م»، وهو من تأليف النقيب جورج فوستر سادلير، وتولى المحقق والشاعر السعودي عدنان السيد محمد العوامي ترجمته وتحقيقه، كما راجع الترجمة عبد المجيد الحامد.
يسرد الكتاب وصفاً موجزاً لرحلة الكابتن جورج فورستر سادلير، وهو ضابط من الفيلق الملكي البريطاني الـ47، في رحلته التي قام بها عام 1819م من القطيف على ساحل الخليج العربي، إلى ينبع على البحر الأحمر. وجاءت الرحلة بتكليف من قبل «حكومة بومباي» في الهند، حين كُلف النقيب البريطاني التوجُّه إلى معسكر إبراهيم باشا، الذي كان منهمكاً– آنذاك- في تدمير الدرعيَّة عاصمة الدولة السعودية الأولى، بهدف الاتصال بإبراهيم باشا وتقديم عرض باسم حكومة بريطانيا عليه للتعاون.
بدأ سادلير رحلته من القطيف، بعد محاولات متكررة بدأها من مسقط في عُمان، لكنه أخفق في إقناع السلطان توفير مساعدين وأدلاّء له. ومن القطيف بدأ رحلته مخترقاً الصحراء في رحلة طولها 1200 كيلومتر. يقول العوامي في مقدمته: «أقلع سادلير من بومباي في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1819م، في رحلة شاقَّة زار فيها (سلطنة عُمان)، ثم (أبو شهر)، ومنها كرَّ راجعاً إلى الجزيرة العربية عَبر القطيف، ثم الأحساء حيث توجَّه إلى نجد، وهناك علم بأن إبراهيم باشا غادرها إلى المدينة المنورة، فتبعه إليها، وتمكن من لقائه في (أبيار علي)، ومن ينبع توجَّه إلى جدة حيث قابل الباشا بها مرة ثانية، ومنها غادر إلى (المخا) في اليمن، بطريق البحر، عائداً إلى الهند».
ويلاحظ العوامي، أن سادلير دوَّن رحلته هذه في هيئة مذكرات، لكن استولى عليها البدو من كاتبه الإيراني، بما فيها تلك التي دوَّن فيها أسماء المواضع التي مرَّ بها، وهو أشار إلى ذلك في كتاب (ترجمة الرفاعي الطبعة 1 ص: 154. والطبعة 2 ص: 158)، ويبدو أنه قام بتدوينها ثانية، بعد عودته معتمداً على ذاكرته، وعلى ما توافر له من خرائط ومراجع عن الجزيرة العربية، حسب ما يفهم من مقدمته «ترجمة الرفاعي المذكورة»... ليس هذا وحسب؛ بل إن البوصلة التي اعتمد عليها في تحديد مساره تعطلت، ولم يشعر بعطلها إلا بعد مغادرته مدينة «الحناكية» وسط السعودية؛ لذلك ساد وصفه خط رحلته التشويش والاضطراب بصورة عامة، ومن أبرز معالم الاضطراب أن ترى بعض مذكراته مؤرخة في اليوم السابق على الأحداث التي تتحدث عنها، ناهيك عن الاضطراب في خط سيره، واعتذاراته الكثيرة عن مواضع نسي أسماءها، ومن أمثلة ذلك استدراكه بعبارات اعتذارية، مثل: «لم أذكر اسم هذه القرية ضمن ملاحظاتي، وأخشى ألا أقدر على معالجة هذا الإهمال».
* كتاب الرحلة
تولت الحكومة البريطانية طباعة تلك المذكرات بعد 47 عاماً من تلك الرحلة، أي في عام 1866م، وطبعتها في بومباي، بالهند، وصدرت أول ترجمة عربية لها محققة لسعود بن غانم الجمران العجمي، الذي أفاد بأنه حصل على نسخة منها من المتحف البريطاني بلندن، فكلف مترجماً هو أنس الرفاعي ترجمتها إلى العربية «ترجمة صحيحة وسليمة»، وتولى هو تحقيقها، والتعليق عليها، ثم نشرها، لأول مرة، بعنوان: «رحلة عبر الجزيرة العربية»، (صدرت عن دار الفكر بدمشق، 1983م)، كما صدرت لها طبعة ثانية في الكويت سنة 2005.
يلاحظ العوامي، أن النسخة المحققة تلك حملت عدداً من الأخطاء في الترجمة، ويقول: «من حقنا أن نعاتبه– المحقق- على تسامحه في تلك التحريفات والتصحيفات الفاحشة التي وقعت في الكتاب، وأخَصُّها تلك المتصلة بالمواضع والقرى والبلدات، والأعيان، ولا سيما أنه وضع للكتاب ملاحق للاستدراكات والتعليقات، إلا أنه لم يتعرض لأخطاء الترجمة، بل إنه أكَّد صحة بعضها في تعليقاته».
من الأمثلة التي يوردها العوامي، تعليق المحقق على تسمية «القواسم» بالجواسميين، حيث قال بالنص: «وتسمية سادلير لهم بالجواسميين يتطابق مع لفظ أهل الخليج لهذا الاسم حتى اليوم، وهو نسبة إلى جدهم الأعلى جاسم، وصحته قاسم»، يضيف العوامي: هذا القول ملتبس بالصواب والاشتباه؛ فبعض أهل الخليج ينطقون القاف في (قاسم) جيماً، فيقولون: (جاسم)، فإذا نسبوه قالوا: «جاسمي»، ويَجمَعونه جمعَ تكسير: «جواسم»، لكن الأغلب يتبع الفصحى فيقول: «القواسم»، كما كتبها، هو نفسه، بعفويته الفطرية في مقدمته.
لكن المحقق العجمي، التفت إلى وجود أخطاء في الطبعة الأولى قام بتصويبها في الطبعة الثانية، وهي قليلة، مثل: «عنجير» التي صوَّب بعضها إلى «العجير»، في بعض الصفحات، وترك بعضها الآخر على حاله، كما صحح «الشارقة» و«هجر»، و«أوال»، «لكننا نأخذ عليه إبقاء مسردي الأعلام والأماكن والبلدان كما هما في الطبعة السابقة، فلم يُجرِ أي تعديل عليهما».
ثمة ترجمة أخرى لرحلة سادلير، وضعها الدكتور عيسى محمد أمين، رئيس «جمعية تاريخ وتراث البحرين»، ونشرت برعاية وزارة الإعلام والثقافة والتراث الوطني بمملكة البحرين ضمن سلسلة «كتاب البحرين الثقافية»، بعنوان «رحلة إلى الجزيرة العربية»، وطبعت بالمطابع المركزية، في عَمَّان، بالأردن، عام 2005، ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، يقول العوامي: «هذه الترجمة لا تختلف عن أختها إلا في كثرة الأخطاء والتصحيفات، والحذف، فمع أنها تفادت بعض ما وقعت فيه ترجمة الرفاعي، مما يتصل بالتعريف والتنكير في أسماء البلدان والمواضع، إلا أنها وقعت في شبيهها مثل: (السدير، ص: 17)، وصوابها: (سدير) غير معرفة».
ويضيف: «لعل أغرب ما يلاحظ على هذه الترجمة، الغفلة المفرطة، حتى في الأسماء المعروفة الشائعة، مثل: (بتال) الذي ترجمه إلى (بطال)، والأكثر من هذا تردده في هذا الاسم فيترجمه حيناً: (بطل الوهابي)، ثم يستدرك فيبدله إلى (بطال الوهابي)».
* أخطاء الترجمات
عكف العوامي على دراسة الأخطاء التي وقع فيها الكتاب أولاً، والمترجمون ثانياً، يقول «الأدهى أنه كثيراً ما يُخطئ في رسم الأسماء مثل (الحجاز) و(ضريبة الجهاد) و(العقير) و(قلعة الهفوف) وكملة (الوالي) و(جبل ماوان) و(جبل شمّر) و(خور كلبا) و(باب المندب) وغيرها».
كما لا يخلو الأمر أيضاً– بحسب العوامي– من أخطاء جوهرية في رسم الاسم؛ مما يقلب المعنى أو يحرفه، مثل «منفواح والصحيح: منفوحة»، (البركاس المترجمة من اللفظ الإنجليزي Al - Birkas لكنه في الاسم العربي «البرك» جمع بركة وهي علم على موضع في المدينة المنورة).. وغيرها الكثير.
ويكشف المحقق عدنان العوامي الأخطاء التي تضمنتها النسخة الأصلية لرحلة سادلير، وكذلك أخطاء مترجِمي رحلته، مبتدأً بالخريطة التي رُسم بها خط الرحلة من القطيف إلى ينبع، فهذه الخريطة لم يضعها سادلير بنفسه، وإنما وضعها شخص اسمه (M. G. M Souythton، H.) اعتماداً على مدونات سادلير، وجاءت الخريطة في ترجمة الرفاعي، وترجمة عيسى أمين.
أما أخطاء تلك الخريطة، فهي لا تتعلق فقط باسقطات الخريطة التي تمثل خط بداية وسير الرحلة فقط، بل بالنسبة للتسميات التي تقع فوقها... تشير الخريطة إلى «الشمال من هذا الموقع تأتي (الدمام)، وشماليها (طاروط) - كذا بطاء في أولها وأخرى في آخرها، والمقصود بها: (تاروت)».
أمثلة أخرى على أماكن وآبار مياه، من بينها «الإشارة على ذات الخريطة إلى الشمال بميل قليل إلى الغرب مساحة كبيرة جرداء عُنوِنَت باسم: (مقاطعة دحينة)، وقد تقرأ: (مقاطعة رحينة).. فنعت الاسم بالمقاطعة يوحي بأن المراد بادية (الدهناء). غير أن موقع هذه في الغرب من الأحساء، وليس كما ذكر في الخريطة. أما في الجهة التي تشير إليها الخريطة فليس فيها إلا (الدهينة)، وهي مورد ماء تابع للنعيرية، ولا يصح نعتها بالمقاطعة». يتتبع العوامي أسماء عشرات المواقع على امتداد الرحلة التي قام بها سادلير تم تسجيلها بطريقة خاطئة؛ مما أفقد الرحلة توثيقها الجغرافي والتاريخي، بل إن الكتاب فقد معناه في التعبير عن الأماكن التي مرّ بها الرحالة البريطاني، وعلاقتها بخطوط التجارة مثلاً، أو مصادر المياه، أو ممرات رحلات التجارة والحج.
ويعقد العوامي عدداً من المقارنات بين ترجمتي الرفاعي والترجمة التي أصدرها عيسى أمين للكتاب:
«على الصفحة 114 من ترجمة الرفاعي لمذكرة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر (أيلول)» نقرأ الفقرة التالية: «حدث بعد ظهر هذا اليوم حادث يؤسف له، فقد وصلت حامية عسكرية في طريقها من ينبع نحو المدينة إلى نقطة تبعد ثلاثة أميال عن (أبيار علي) عندما انفصل أحد الضباط الأساسيين عن الحرس، وهو ابن الوزير بسبب شوقه للوصول إلى المدينة في أبكر وقت ممكن، واندفع إلى الأمام بحماية خمسة رجال خيالة، وفي طريق ضيق بين الجبال هاجمتهم مجموعة من قطاع الطرق التي تغزو هذه الجبال باستمرار وبأعداد كبيرة، فجرح ابن الوزير جرحاً بليغاً في ركبته ورمي أحد الخيالة في صدره، وهرب الخيالة الباقون».
أما ترجمة الدكتور عيسى لهذه الفقرة من المذكرة نفسها ص 109 تقول: «حدثت حادثة مؤلمة اليوم فقد أصيب أحد الضباط المرافقين لقافلة الحج، وذلك عندما انفصل عنها متقدماً إلى المدينة، ووقع في كمين لقطاع الطرق. كانت إصابة الضابط في ركبته بينما أصيب أحد المرافقين في صدره، وهرب إلى (بير علي)». فالحامية العسكرية في ترجمة تتحول إلى قافلة حجاج في الترجمة الأخرى، وكأن لا فرق بين الحجاج والعسكر؟!



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.