كيف تحدث التوقعات الاقتصادية الخاطئة؟

المواطن الرشيد شخص خيالي ولا يمكننا التكهن بمستقبل الاقتصاد بناء على وجوده

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صدمة كبرى لاقتصادها
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صدمة كبرى لاقتصادها
TT

كيف تحدث التوقعات الاقتصادية الخاطئة؟

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صدمة كبرى لاقتصادها
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صدمة كبرى لاقتصادها

كانت هناك درجة استثنائية من التوافق بين علماء الاقتصاد بشأن ما سيحدث في حال تصويت بريطانيا بالموافقة على خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي خلال الاستفتاء الذي تم إجراؤه في 23 يونيو (حزيران) من العام الماضي. اللغة التي استخدمها صندوق النقد الدولي كانت «اعتيادية»، حيث عبّر عن المخاوف من حدوث «رد فعل مفاجئ»، مضيفاً أن هذا «قد يكون بدأ بالفعل».
وذكرت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، أن عواقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوف تتنوع بين «السيئ جداً، والسيئ جداً جداً».
وحذر مصرف إنجلترا، وهو المصرف المركزي بالمملكة المتحدة، من حدوث ركود، وانكماش في إجمالي الناتج المحلي، وارتفاع معدل البطالة. ونشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ورقة بعنوان «العواقب الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» تتوقع حدوث «صدمة سلبية كبرى لاقتصاد المملكة المتحدة». وحتى علماء الاقتصاد المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي توقعوا انكماشاً فورياً. وقال جيرارد ليونز، المستشار الاقتصادي السابق لبوريس جونسون، المؤيد البارز لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إن المسار سيكون على شكل هبوط يعقبه صعود.
ما حدث عوضاً عن ذلك كان تمتع بريطانيا بأفضل نمو من بين الاقتصادات الأكثر تقدماً خلال عام 2016. وسارع المتشائمون نحو توضيح أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يحدث بعد حقاً، لذا تأجلت كل الصدمات المتوقعة ولم يتم تفاديها، وهو ما أسجل أنه ما أعتقده شخصياً.
مع ذلك، يظل الأمر محرجاً لكل من صرحوا بهذه التوقعات التي تنم عن ثقة زائدة عن الحد. يتفق أندي هالدين، كبير خبراء الاقتصاد لدى المصرف المركزي للمملكة المتحدة، والذي كان من بين مصادر تلك التوقعات، مع ذلك. ويرى وجهًا للشبه بين عيوب وسقطات التوقع الاقتصادي، ونشرة الأرصاد الجوية الخاطئة التي تعد الأشهر في تاريخ بريطانيا، والتي أذاعتها قناة الـ«بي بي سي» في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1987، حيث اتصلت امرأة بالقناة لتعبر عن قلقها من حدوث إعصار، فرد عليها مقدم النشرة الجوية قائلاً: «لا تقلقي لن يكون هناك أعاصير»؛ وفي تلك الليلة توفي 22 شخصا بسبب رياح تصل قوتها إلى قوة الإعصار.
وربما على شاكلة ما شهده علم الفيزياء خلال القرن العشرين، يبدو أن الاقتصاد الكلي على وشك أن يشهد فترة تتسم بالتغيرات الكبرى.
ليست هذه هي المرة الأولى، التي ينتقد فيها هالدين الوضع الحالي للاقتصاد الكلي، الذي يمثل الصورة الكبيرة، والجانب الشامل من الاقتصاد؛ فقد ألقى خلال الخريف الماضي خطاباً مهماً واسع النطاق يحمل عنواناً أنيقاً كان «عالم مرقط»، وأوضح فيه أن الركود العالمي المفاجئ الذي بدأ في نهاية عام 2007 قد خلّف وراءه «أزمة في الاقتصاد والمال كمجال».
وأشار إلى أن التوقعات الاقتصادية ليلة حدوث الأزمة الائتمانية، والكساد الكبير، «لم تكن خاطئة فحسب، بل خاطئة بدرجة مذهلة». كان مسار توقعات ما قبل الأزمة بوجه عام يتجه نحو الأعلى، في حين كان الواقع يمثل شكل حرف «في» - باللغة الإنجليزية - عميق.
وما يدل على أزمة فكرية عميقة بالنسبة إلى الاقتصاد الكلي، هو أن مقصد هذا المجال وهدفه، منذ أرساه مينارد كينز في ثلاثينات القرن الماضي، هو منع مثل هذا الركود الشديد من الحدوث. تحدث كينز ذات مرة عن مستقبل يكون فيه الاقتصاد «متواضع، وبه أشخاص يتمتعون بكفاءة تصل إلى كفاءة أطباء الأسنان»، في حين ألقت استر دوفلو، خبيرة الاقتصاد الفرنسية اللامعة والمتألقة، مؤخراً محاضرة مثيرة للإعجاب في صندوق النقد الدولي بعنوان «خبير الاقتصاد كسباك».
مع ذلك يبدو لي أن ما يفعله الاقتصاد الكلي يشبه كثيراً تفكيك القنبلة. لقد تم وضع علم الاقتصاد الكلي بشكل فريد بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية بهدف محدد وواقعي، وبغرض الابتعاد عن تحقق هدف سلبي، وهو منع أي شيء مثل الكساد الكبير من الحدوث مرة أخرى. بالنظر إلى هذا الهدف، وهو تفادي وقوع أزمات منهجية، وحالات ركود، كانت كل من الأزمة الائتمانية، والكساد الكبير بمثابة أزمة فكرية للاقتصاد الكلي.
إذا نظرنا إلى ما حدث مرة أخرى، سنرى أن أساس فشل هذا المبحث في توقع الأزمة ومنع حدوثها، هو أخطاء فكرية عميقة؛ من بينها رفض غامض للمشاركة فيما يقوم به القطاع المصرفي والمالي في الاقتصاد، وافتراض أن هذا المبحث العلمي هو ملاحظة الدوافع الفردية والتعليق عليها، بفرض أن الأفراد يتصرفون بعقلانية من الناحية الاقتصادية في إطار سعيهم نحو «البحث عن أمثل» عملية اتخاذ للقرار. ويعد هذا قصوراً فكرياً في بناء النماذج، لكنه أيضاً ضرب من الخيال ليس فقط من واقع تجربتنا الإنسانية، بل أيضاً من واقع علم الاقتصاد، حيث حقق الاقتصاد الجزئي مؤخراً تقدماً مثيراً في دراسة «لا منطقية» البشر، والانحياز، والخطأ الإدراكي.
يتعلق الأمر بحقيقة قابلة للإثبات؛ وهي أن عملية اتخاذنا للقرار لا تقوم على المنطق بشكل كامل... لذا سيكون سند النماذج الاقتصادية المبنية على فرضية عقلانيتنا وتفكيرنا المنطقي ضعيفاً.
كان خطاب هالدين يركّز على هذه النقطة الثانية، حيث تحدث عن ضرورة أن يتعلم الاقتصاد الكلي من المباحث العلمية الأخرى سواء في العلوم الطبيعية، أو الاجتماعية من أجل السعي نحو «منظور مختلف لسلوك الأفراد، وديناميات النظام». وأوضح أن المجال «قد اقتبس القليل من المباحث العلمية الأخرى»، وأصبح «أحادي الثقافة من ناحية المنهج»، وبالتالي يتضمن احتمال خطأ جميع العاملين في هذا المجال بالطريقة نفسها، وفي الوقت نفسه. وكذلك يجد دليلاً دامغاً في مسح أجراه أساتذة أميركيون للعلوم الاجتماعية، تم سؤالهم ما إذا كانت المعرفة «التي تشمل كل المباحث العملية» أفضل من المعرفة التي «يتم الحصول عليها من خلال مبحث واحد فقط». ويعتقد أكثر علماء الاجتماع أن الإجابة هي نعم، وذلك بفارق كبير جداً.
مع ذلك يختلف 57 في المائة من علماء الاقتصاد مع هذا الطرح، حيث يعتقد علماء الاقتصاد حرفياً أنه لا يوجد ما يمكنهم تعلمه من أي شخص آخر. كذلك يعاني المجال من جمود في التسلسل الهرمي، والافتقار إلى التنوع في الجنس والعرق. كما يقول هادلين: «من الصعب الفرار من الاستنتاج بأن الاقتصاد لا يزال مبحثاً علمياً منعزلاً يمثل مرجعية ذاته».
اقترح هادلين حلاً للمشكلة، يتمحور حول مجال جديد يسمى وضع النماذج على أساس العامل، والذي يتم فيه استخدام طاقة كبيرة للكومبيوتر من أجل وضع نماذج يكون للأفراد بها دوافع خاصة بهم، وكذلك يكون لهم عاملهم. تصطدم هذه العوامل وتتداخل ببعضها البعض، وكذلك تتفاعل، لتنتج توقعات من خلال عملية تتسم بالعشوائية والفوضى تشبه الحياة الحقيقية أكثر مما تشبه النماذج المرتبة للاقتصاد الكلي ذي الطراز القديم. ويبدو أن هذه الطريقة واعدة في مجالات أخرى، خاصة علم الفيزياء، وكذلك في وضع نماذج خاصة بمشكلات العالم الحقيقي مثل اتجاه شجر الجوز البرازيلي نحو الارتقاء إلى أعلى المراتب. قد يبدو هذا غريباً، لكن يوضح هادلين أن الأبحاث الخاصة بالجوز قد توصلت إلى استخدامات عملية للجوز في مجالات مثل الصناعات الدوائية، والتصنيع.
ولا يعد هادلين هو الخبير الاقتصادي البارز الوحيد غير الأكاديمي الذي يعتقد في وجود مشكلات عميقة في علم الاقتصاد الكلي؛ حيث يشاركه الرأي بول رومر، عالم الاقتصاد الكلي البارز الذي أصبح مؤخراً كبير خبراء الاقتصاد في المصرف الدولي.
كان رومر هو من يعود إليه فضل وضع الشعار الشهير «الأزمة أكبر من أن يتم إهدارها» في عام 2004. وقد أصدر خلال فصل الشتاء الماضي نقداً لاذعاً لمجاله بعنوان «المشكلة الكامنة في علم الاقتصاد الكلي».
وكان يركز في طرحه على مسألة «التحديد»، والذي يشير في هذا المجال إلى كيفية قيام علماء الاقتصاد بتحديد سبب أي حدث. ويعد هذا الأمر من الأمور المهمة بالنسبة لعلم الاقتصاد، لأنه إذا لم يستطع المرء معرفة أن العامل س، أو ص، قد تسبب في حدوث شيء ما، فلن يعلم ما هي المتغيرات التي عليه دراستها، أو قياسها، أو تغييرها.
ويعد حذف عامل المال، ودور الأموال من النماذج الاقتصادية، هو نقطة الضعف الكبرى في هذا المجال كما يعتقد رومر. من الصعب على شخص غير عالم الاقتصاد أن يحاول إفهامنا حقيقة أن نماذج الاقتصاد الكلي السائدة، بما فيها تلك التي تستخدمها المصارف المركزية، لم تضع في اعتبارها كيفية عمل الأموال، خاصة في ما يتعلق بالتقلبات المحيطة. تبدو هذه الملاحظة غريبة، بل وغير بديهية إطلاقاً، لكن هذا ما حدث، وكان له دور كبير في منح الاقتصاد الكلي قدرة على «نفي الحقائق الواضحة» على حد تعبير رومر.
ويعد كل من مصرف إنجلترا والبنك الدولي من أهم المصارف غير التجارية في العالم؛ ومن المذهل والمبهج المرعب أيضاً أن يعتقد خبراء الاقتصاد الرئيسيون في المؤسستين أن عملهم يقوم على الأزمة.
منذ فترة ليست بالبعيدة كان كبار علماء الاقتصاد الكلي يعتقدون أن القسم الأكبر من عملهم قد انتهى. وزعم روبرت لوكاس، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، هذا خلال خطابه الموجّه إلى الجمعية الاقتصادية الأميركية خلال عام 2003. وقال إن الاقتصاد الكلي «قد نجح؛ فقد تم حل مشكلته الأساسية المتمثلة في الوقاية من الركود».
ويبدو هذا الآن استعلائياً بدرجة كبيرة. قد يكون علم الاقتصاد الكلي حالياً عند النقطة التي كان علم الفيزياء عندها في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كان بعض العلماء يعتقدون أنه قد تم حل المشكلات الأساسية في مجالهم، في إطار نظريات نيوتن، التي بات من المعلوم اليوم أنها غير كافية للتعبير عن الواقع ووصفه. وقد يكون علم الاقتصاد الكلي، مثل الفيزياء خلال القرن العشرين، على وشك أن يشهد فترة تتسم بالبطولة. إذا حدث ذلك، سوف يظهر في البداية في عمل أشخاص مثل رومر وهادلين، اللذين يعتزمان الحديث عن الإخفاقات الهائلة لهذا العلم؛ فالأزمة أكبر من أن يتم إهدارها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.