«جنيف» تنتهي بغموض حول أجندة المحادثات المقبلة

تناقضات في المواقف الروسية إزاء {الهيئة العليا للتفاوض}

من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
TT

«جنيف» تنتهي بغموض حول أجندة المحادثات المقبلة

من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء
من لقاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف مساء الأربعاء

7 أيام انقضت على انطلاق الجولة الراهنة من «جنيف 4»، التي تسدل الستارة عليها اليوم مساء، دون تحقيق أي اختراق يذكر، ووسط تضارب في التوقعات والتحليلات، خصوصاً وسط «بلبلة» في المواقف الروسية.
وكثف المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا اتصالاته في الساعات الـ48 الأخيرة، خصوصاً يوم أمس، إذ اجتمع تباعاً بكل الوفود السورية، نظاما ومعارضة، في مسعى منه للتوصل إلى خلاصات يمكن البناء عليها، ومن المنتظر، كما قالت مصادر المعارضة السورية، أن يضمنها ورقة تلخص نقاط التلاقي بين النظام والمعارضة.
وأبرز ما ستتضمنه الورقة المذكورة أجندة المفاوضات، إذا ما نجح دي ميستورا في دفع المعارضة والنظام إلى القبول بما اقترحه؛ أي التركيز على الملفات الثلاثة المنصوص عليها في القرار الدولي رقم 2254، بينما يصر وفد النظام على إدراج بند الإرهاب.
لكن تصريح رئيس وفد النظام، عقب لقائه عصر أمس بالمبعوث الدولي، أظهر أن الخلاف لم يحل، وأن ملف الإرهاب يمكن أن يطيح بالمحادثات. فقد حمل السفير بشار الجعفري، سلفاً، وفد الهيئة العليا للمعارضة مسؤولية فشل المحادثات، وقال الجعفري إن «حوار (جنيف) يجب ألا يكون رهينة لمنصة الرياض (أي وفد الهيئة العليا) التي رفضت تشكيل وفد موحد للمعارضة». وبرأيه أنه «لا يجب السماح لوفد الرياض أن يأخذ مفاوضات جنيف رهينة لمواقفهم المتعنتة»، مضيفاً أنه بذلك «يتحمل مسؤولية أي فشل في هذه المحادثات». ويذكر كلام رئيس وفد النظام بجولتي «جنيف» الثانية والثالثة، حيث استخدم الجعفري الحجة نفسها لمنع تناول عملية الانتقال السياسية.
وكشفت مصادر المعارضة أن المبعوث الدولي أخبر وفد الهيئة العليا، مساء الأربعاء، بمناسبة الاجتماع الذي عقده معها في فندق كراون بلازا، القريب من مطار جنيف، أن الجعفري أصر على إدراج بند الإرهاب على جدول المحادثات.
وأضافت المصادر أن دي ميستورا أعلن قبوله الطلب، لكنه نبهه إلى أنه سيقوم بإعداد لائحة تشمل الأعمال التي يعتبرها المجتمع الدولي إرهابية، المنصوص عليها في وثائق دولية، مثل إلقاء البراميل المتفجرة، واستهداف المدنيين، واستخدام السلاح الكيماوي، وما شابه.
ونقلت مصادر المعارضة عن دي ميستورا سعيه للدعوة إلى استئناف المحادثات في العشرين من الشهر الحالي، وسط تساؤلات دبلوماسيين غربيين يرافقون «جنيف 4» عن «المغزى» من وقف المحادثات لأسبوعين قد يأتيان بتطورات ميدانية أو سياسية من شأنها جعل جمع الطرفين (النظام والمعارضة) أمراً بالغ الصعوبة. وتقول المصادر الدبلوماسية إن «الحجة» القائلة إن فنادق جنيف محجوزة بسبب معرض السيارات المقبل «ليست مقبولة»، إذ يمكن نقلها إلى مدينة سويسرية أخرى، مثل لوزان أو مونترو.
حقيقة الوضع أنه، حتى مساء أمس، كان الغموض ما زال يلف مسألة أجندة المفاوضات، عندما ستعاود بعد فترة الانقطاع. وفيما يؤكد وفد النظام أن ملف الإرهاب أصبح النقطة الرابعة على جدول الأعمال الذي سيناقش بالتوازي الملفات الأربعة (الحوكمة والدستور والانتخابات والإرهاب)، بقيت الهيئة العليا متمسكة بصيغة مغايرة. فهي من جهة ترفض الخوض في ملف الإرهاب غير المدرج في القرار 2254، كما أنها ما زالت مترددة في تناول الملفات الأربعة بالتوازي، وتتمسك بملف الانتقال السياسي كنقطة «أساسية». ويعود تخوف المعارضة من موضوع الإرهاب لكون النظام ما زال يصف كل مكوناتها بـ«الإرهابيين».
بيد أن الهيئة ترى، رغم ذلك، أن ما حصل في جنيف أفضى إلى «تغير» في موقف النظام الذي قبل بضغط روسي مناقشة موضوع الانتقال السياسي. وقال نصر الحريري لصحافيين، ليل أول من أمس، إن «موضوع الانتقال السياسي أصبح الموضوع الرئيسي على الطاولة». وفي حال قبل وفد النظام حقيقة الخوض فيه، فإن ذلك يعد «إنجازاً». لكن مصادر دبلوماسية أوروبية اتصلت بها «الشرق الأوسط»، أمس، حذرت من المبالغة في التفسير، ونبهت إلى أن «الانتقال السياسي عنوان فضفاض، والأهم معرفة كيفية فهم النظام له».
وأشارت هذه المصادر إلى أن غاتيلوف ربما يكون قد نجح في إحداث هذا التغير، مقابل أن يضم ملف الإرهاب إلى جدول الأعمال. وفي أي حال، فإنها «نصحت» وفد الهيئة العليا بأمرين: الأول، إظهار الليونة والقبول بمناقشة الملفات دفعة واحدة، خصوصاً أن دي ميستورا قدم ضمانات في رسالة الدعوة التي نصت على مبدأ أن «لا بند يمكن اعتباره قد قبل، ما دام التفاهم على بقية البنود لم يتم». والثاني، الامتناع عن طرح خروج الأسد من السلطة منذ بدء المفاوضات، لمنع الطرف الآخر من تعطيلها فوراً.
بالمقابل، تلتزم شخصيات أخرى معارضة في جنيف مواقف أكثر حذراً. وقالت بسمة قضماني، عضو وفد الهيئة العليا، أمس، إن احتمالات إحراز تقدم «ضعيفة للغاية»، وإن هذا ما يمكن استنتاجه من أسبوعين أو 10 أيام من المحادثات في جنيف.
بيد أن مفاجأة الأمس الكبرى تمثلت بالهجوم العنيف الذي شنته الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على وفد الهيئة العليا الذي كان قد اجتمع ليل الأربعاء / الخميس مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف. وقال الدكتور يحيي العريضي، مستشار وفد الهيئة، إن غاتيلوف «أشاد» بوفد الهيئة وبـ«أدائه»، وبالتالي فإنه اعتبر أن تصريحات زاخاروفا «تحمل تناقضاً» مع ما جاء به غاتيلوف. وبحسب العريضي، فإن التفسير الأرجح هو أن موسكو أرادت «معادلة الكفة»، أي أن الانتقادات الموجهة للهيئة العليا تهدف لـ«الموازنة» مع الضغوط التي مارسها غاتيلوف على وفد النظام من أجل قبول البحث في ملف الانتقال السياسي.
وأضاف العريضي أن موسكو دأبت على تحميل المعارضة مسؤولية فشل الجولات السابقة في جنيف، تارة بحجة الانقسامأ وطورا بحجة المطالبة بتنحية الرئيس الأسد. والحال أن غاتيلوف نفسه أكد أن لقاءه مع الهيئة كان بناءً، وأن جميع الأطراف وافقت على بحث القضايا الرئيسية بشكل متواز، معتبرًا أن ما تحقق يعد «خطوة كبيرة للأمام».
وأوضح غاتيلوف أن الهيئة العليا للمفاوضات وافقت على أجندة المبعوث الأممي، وأكد أن شيئاً كهذا يبعث على الأمل. وتعتبر الهيئة العليا أن انفتاح موسكو عليها أمر إيجابي. ووفق تصريحات لنائب رئيس الوفد يحيى القضماني، فإن الهيئة ترغب في أن تصبح موسكو «حيادية، وليست عدواً لسوريا»، وأن تقوم برعاية عملية الانتقال السياسي. وكان اجتماع مساء الأربعاء الأول من نوعه بين الطرفين.
ومن جانبه، نقل يحيى العريضي لـ«الشرق الأوسط» أن قدري جميل، وهو الشخصية الأبرز في منصة موسكو، سيأتي إلى فندق الهيئة للقاء عدد من شخصياتها. وسبق لوفد الهيئة العليا أن اجتمع مع جهاد المقدسي وجمال سليمان، من منصة القاهرة، بحثاً عن تنسيق المواقف، لكن الطرفين لم يتوصلا إلى تفاهم لتشكيل وفد موحد. وما لم يتحقق بينهما، سيكون من الصعب تحقيقه بين منصة موسكو ووفد الهيئة العليا، بالنظر إلى الاتهامات المتبادلة والتباعد في المواقف.
وأمس، كثف المبعوث الدولي اتصالاته، فاجتمع صباحاً بممثلين عن منصتي القاهرة وموسكو، كما اجتمع بعد الظهر ومساء تباعاً بوفدي الهيئة العليا والنظام. لكنه حتى مساء أمس، لم ينجح في جمع وفدي النظام والهيئة العليا في محادثات مباشرة رأى غاتيلوف أنها صعبة الحصول في الظروف الحالية. وشكلت الجلسة الافتتاحية الباردة المناسبة الوحيدة التي اجتمعت فيها كل الوفود السورية، رغم رغبة الهيئة العليا بالدخول فوراً في مفاوضات مباشرة مع وفد النظام السوري. لكن وفد النظام كرر للمبعوث الدولي أنه «لا مجال» لمفاوضات مباشرة مع وفود معارضة متعددة، مطالباً إياه بأن يدفع باتجاه وفد معارض واحد.
وتقول المصادر الأوروبية إنه «من المنتظر» أن تتبين في الأيام المقبلة ملامح السياسة التي تعتزم الإدارة الأميركية الجديدة اتباعها إزاء الملف السوري، وأن شيئاً كهذا يمكن أن يكون له تأثيره على سير المفاوضات المستقبلية. وتضيف هذه المصادر أن «اختلال التوازن» مكن موسكو من لعب الدور الأول عسكرياً وسياسياً، وأن الدول الغربية الأخرى أو الخليجية أو الإقليمية غير قادرة على الحلول محلها، وبالتالي فإن بلورة السياسة الأميركية بعد تسلم الرئيس ترمب توصيات وزارة الدفاع، يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً لجولات التفاوض اللاحقة.
وكان رئيس وفد الهيئة العليا قد أشار إلى ذلك في لقاء مع عدد من الصحافيين، ليل الخميس، إذ اعتبر أن الشعب السوري ينتظر «دوراً إيجابياً، ويسعى لبناء علاقة شراكة لمعالجة كل الملفات العالقة مع الإدارة الأميركية الجديدة لتصحيح أخطاء الإدارة السابقة» التي وصف مواقفها بـ«المخزية». وثمة ملفان تتطابق فيهما رؤية الطرفين، وهما محاربة الإرهاب وتحجيم النفوذ الإيراني. وقد تكون إحدى المؤشرات الملموسة للموقف الأميركي الجديد معاودته تزويد فصائل المعارضة التي كان يدعمها بالسلاح والعتاد، وهو ما كانت إدارة ترمب قد أوقفته قبل نحو 20 يوماً.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.