الكاتب الذي أماتَ المؤلف وأحيا القارئ

«رولان بارت: مقدمة قصيرة جدًا» بالعربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الكاتب الذي أماتَ المؤلف وأحيا القارئ

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ليس من اليسير مراجعة المنجز الأدبي والفكري لفيلسوف وناقد من طراز رولان بارت الذي تخصص في جوانب أدبية ونقدية وفلسفية متعددة. ومع ذلك فقد أخذ المُنظِّر جوناثان كولر على عاتقه فكرة التصدّي لمنجز بارت برمته ومناقشة أفكاره في كتاب سماه «رولان بارت: مقدمة قصيرة جدًا»، ترجمة سامح سمير فرج ومراجعة محمد فتحي خضر.
لعل المشكلة الأبرز في هذا الكتاب هي عدم التوازن في فصوله الأحد عشر، فقد تضمّن الفصل الأول ثلث معلومات الكتاب، بينما حظيت الفصول العشرة كلها بالثلثين الآخرين، الأمر الذي أربكَ عملية التوازن وجَعَلها تميل لمصلحة فصل بعينه دون بقية الفصول.
يمكن اختصار المقدمة التي كتبها كولر بسؤال واحد مفاده: كيف يمكننا أن نقرأ كتابات بارت بعد وفاته؟ وهذا سؤال إشكالي يمكن أن نعيد صياغته بالشكل الآتي: ما الذي تبقّى من منجز بارت؟ وأي كتبه أقدر على الصمود والثبات أمام تقادم الأعوام؟
يُوصف بارت بألقاب متعددة يستحقها جميعًا فهو بنيوي، وما بعد بنيوي، وسيميوطيقي، وناقد، ومؤرخ أدبي، وأديب، وكاتب، وأكثر من ذلك فهو «مُجرِّب عام» في عدد من الفنون القولية وغير القولية. وبما أن الفصل الأول المعنون بـ«رجل الأدوار» مكتظ بالأفكار والنظريات فسنختار الأبرز منها، وهي فكرة «موت المؤلف» التي تبنّاها وحمل لواءها لفترة طويلة من الزمن، وعمل على إزاحة هذه الشخصية المحورية التي تحتلها في الدراسات النقدية والأدبية. وبالمقابل فقد منح القارئ دورًا فعّالا في العملية الإبداعية، لأن «موت المؤلف» يقتضي بالضرورة «ولادة القارئ».
يشتهر بارت بدفاعه المستميت عن الكتابات التجريبية التي توصف بأنها «غير صالحة للقراءة»، ذلك لأنها تخلو من الحبكة، وتفتقر إلى الشخصيات المثيرة للاهتمام، وهي بهذا المعنى تتحدى توقعاتنا، وتفرض علينا، كقرّاء، جهدًا إضافيًا لإعادة صياغة هذا النص المبعثر عن قصد.
لا بد من التوقف عند فكرة «التناسي» المُهيمنة في هذا الفصل، فهو مفكر غزير الإنتاج، لكنه لا يواصل الاشتغال على فكرة محددة، وسرعان ما ينتقل إلى العمل على فكرة جديدة أخرى لمعت في ذهنه، متناسيا الفكرة السابقة التي شغلته زمنًا طويلاً. وبحسب كولر فهو يحب الأفكار التي لا تزال بطور التشكّل.
يحيلنا الناقد كولر إلى عدد كبير من مؤلفات بارت نذكر منها «إمبراطورية العلامات»، و«شذرات من خطاب في العشق»، و«الغرفة المضيئة»، و«الكتابة بدرجة الصفر»، و«لذة النص»، و«بارت بقلم بارت»، وغيرها من الكتب المهمة التي رسّخت مكانة بارت كناقد رصين، وكاتب غزير الإنتاج. لا نريد التركيز على سيرته الذاتية، فهي معروفة للقرّاء، لكن يجب التأكيد على ثلاثة عوامل مهمة تركت أثرًا كبيرًا في حياته وهي: الفقر، ومرض السل الذي حرمه من مواصله دراسته العليا، وعدم الاستقرار في حياته المهنية.
يعتقد بارت «بأنّ الأدب يجب أن يحتفظ بعلاقة حيّة مع التاريخ والمجتمع» (ص25)، وهو يمحض الأدب بشقّيه الكلاسيكي والحداثي حُبًا من نوع خاص، ويرفض ذلك التقييم اللاموضوعي الذي يرى في الأدب الحداثي انحرافًا بائسًا، لا أخلاقيًا أو «سرطانًا من الكلمات» (ن.ص).
يعتبر بارت كتاب «أسطوريات» من أسهل كتبه على الإطلاق، لكن صعوبته الوحيدة تكمن في تعريف الأسطورة نفسها بوصفها «وهمًا ينبغي فضحه» (ص31)، لكنها سرعان ما ينتهي إلى التأكيد بأنها شكل من أشكال التواصل أو نسق من الدرجة الثانية. ثمة أمثلة مُغرية جدًا يوردها بارت عن المصارعة والملاكمة، والتصوير الفوتوغرافي، وحملات الدعاية مشفوعة بعدد من الأسئلة التي قد تراود الجميع من دون أن تحظى بإجابات شافية.
يركِّز كولر على بارت الناقد الذي حلل أعمال كُتّاب ينتمون إلى عصر سابق مثل «ميشليه، راسين وساد»، وكُتّاب طليعيين مثل «بريخت، روب - غرييه وسوليرز». من الجدير بالذكر أن بارت قرأ كل أعمال ميشليه في المصحّة، وحوّل كتاباته إلى سلسلة من «الشذرات المشهدية»، كما كانت «اللذة النصيّة» هي التي تقوده للكتابة عن تلك النصوص أو ما يتصل بها من موضوعات. ثمة كُتاب آخرون يحبهم بارت أمثال ديدرو وبريخت وآيزنشتاين، لأنهم يفضلون المشهد على القصة، واللوحة الدرامية على التطور السردي، باختصار شديد أنه يحب الشذرات التي تُربك السرد وتقوِّض استمراريته، وتدفع القارئ لمعرفة ما يحدث بالفعل بغية بناء القصة من جديد.
على الرغم من أن بارت كان شخصًا نشيطًا فإنه ظل على الهامش في المشهد الثقافي الفرنسي في أوائل الستينات من القرن الماضي، وما إن ألّف كتابًا عن راسين عام 1963 حتى ذاع صيته، وشاع خبره بين الأوساط الثقافية، ولعل الفضل يعود إلى الناقد ريموند بيكار الذي هاجم بارت بدراسة لاذعة سماها «نقد جديد، أم أكذوبة جديدة» وضعته في مصاف النقاد المتطرّفين في ميدان الدراسات الأدبية، كما وصفت أحكامه بغير المسؤولة، ولغته اصطلاحية مضللة. أما بارت فقد أصبح متسامحًا جدًا، ويستقصي متعته الخاصة بعد أن أصدر كتاب «نقد وحقيقة» كردٍ على اتهامات بيكار ودعوة إلى «علم أدب» بنيوي.
لم يكن اختيار بارت للسيميوطيقي في كوليج دي فرانس نابعًا من فراغ، فلقد أحبّ هذا الميدان وأنجز فيه كتاب «عناصر السيميوطيقا» 1964، وبيّن فيه الفرق بين اللغة والكلام، والدال والمدلول. كما لم يفت الناقد كولر التركيز على عدة أنساق اجترحها بارت مثل «نسق الطعام» و«نسق الموضة»، وحيثما يكون هناك معنى يكون هناك نسق أيضًا، وهذه من بنات أفكار بارت التي أشاعها بيننا.
تعتبر البنيوية من أهم محطات بارت الثقافية فهي «طريقة لتحليل المنتجات الثقافية» التي تجد منبعها في مناهج اللغويات. وقد روّج بواسطتها لتحليل دور القارئ في إنتاج المعنى وانحسار دور المؤلف كشخصية محورية. تتجلى في هذا المنهج عملية تفتيت النص إلى شذرات، لأنه موقن تمامًا بأنّ «النص نسيج من اقتباسات مستمدة من مصادر ثقافية متعددة لا حصر لها» (ص71)، كما جاء في «هسهسة اللغة».
ربما تختصر الجملة الآتية فصل «المُتَعي» برمته حيث يقول بارت «إن متعة النص هي تلك اللحظة التي يبدأ فيها جسدي ملاحقة أفكاره الخاصة» (82)، وبما أن المعنى ليس مهمًا في القصة فإن التعبير والمعنى والصياغة ليست مهمة في الغناء قدر أهمية «نسيج الصوت» نفسه.
يتوصل كولر في الفصل التاسع من الكتاب إلى أن بارت لا يرى في نفسه ناقدًا أو سيميوطيقيًا، بل كاتبًا، وهذا استنتاج صحيح جدًا يعزوه إلى أسباب عدة من بينها زيارته لليابان التي قال عنها «إنها حرّرتني بدرجة كبيرة على صعيد الكتابة» (ص91)، ويمكن إحالة القارئ الكريم إلى آراء كثيرة عن الكتابة في مؤلفه الشائق «بارت بقلم بارت».
أما شخصية الكاتب بوصفه أديبًا فتتجلى في حياته التي أخذت شكل المغامرة مع اللغة. كما مثّلت تعليقاته على القضايا الثقافية موقفًا جماليًا راقيًا. يخلص المؤلف في خاتمة الكتاب إلى الإجابة عن السؤال الذي طرحناه سلفًا: ماذا أصبح بارت بعد عشرين عامًا من وفاته؟ فيأتي الجواب صريحًا لا ريب فيه: لقد أصبح كاتبًا «يضطلع بالإنتاج بدلاً من دراسة مُنتج ما» (ص119).



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».