ذكريات الأقارب والأنصار تهيمن على جنازة مؤسس {الجماعة الإسلامية}

«الشرق الأوسط» في مسقط رأس «الشيخ الضرير» في بلدة الجمالية بدلتا مصر

أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
TT

ذكريات الأقارب والأنصار تهيمن على جنازة مؤسس {الجماعة الإسلامية}

أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)
أقارب عبد الرحمن حول سيارة تحمل نعشه في مطار القاهرة أمس (أ.ف.ب)

هيمنت ذكريات الأقارب والأنصار على جنازة الشيخ عمر عبد الرحمن الذي توفي في محبسه في الولايات المتحدة، حيث كان يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بتهمة التآمر في قضية تفجيرات نيويورك سنة 1993. ومنذ ذلك الوقت لم يرجع إلى مصر، وغاب تماما عن التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك ظهور تنظيم «القاعدة» وأخيرا تنظيم داعش. وتقول ابنة أخيه، فوقية، والدموع في عينيها: «رحم الله عمي... فقد جئت للحياة دون أن أراه. عرفته من الحكايات التي يرويها عنه أهل البلدة».
ويوصف عبد الرحمن بأنه الزعيم الروحي لـ«الجماعة الإسلامية» التي مارست العنف ضد الدولة المصرية لسنوات وراح ضحية ذلك مئات من رجال الشرطة والمدنيين والسياح الأجانب. وجرى اعتقاله في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1981. وعرف باسم «الشيخ الضرير» بسبب فقده للبصر في طفولته.
ويقول نجله عمار البالغ من العمر 29 عاما: «منذ 24 عاما، أي منذ دخوله السجن في الولايات المتحدة، كان محظورا عليه التحدث مع أولاده. كانت تعليمات الجانب الأميركي أن تكون والدتي فقط هي من تتلقى المكالمة. كانوا يتصلون أولا للتأكد من أنها موجودة بجوار الهاتف».
وفي مضيفة، على بعد شارع من مركز شرطة الجمالية، احتشد عدد كبير من عناصر الجماعة الإسلامية وتيارات دينية أخرى وعلى رأسهم الشيخ حافظ سلامة الملقب بـ«شيخ المجاهدين». ولم تكن هناك قيادات كبيرة من الجماعات الدينية المعروفة. وبلغ عدد الحضور إجمالا نحو ألفي مشيع غالبيتهم من أبناء الجمالية، وهي بلدة زراعية صغيرة تابعة لمحافظة الدقهلية وتقع شمال القاهرة بنحو 130 كيلومترا.
ووسط إجراءات أمنية مشددة، رافق عدد من أقارب وأنصار «الشيخ الضرير» جثمانه من مطار القاهرة، عقب وصوله من نيويورك على متن طائرة مصر للطيران، واتجهوا إلى بلدته.
وكان مقررا الصلاة على جثمان عبد الرحمن، مع صلاة العصر، إلا أن تأخر وصوله من القاهرة إلى الجمالية، عبر الطريق الإقليمي، وليس طريق الإسكندرية الزراعي، جعل الصلاة تتأجل إلى وقت المغرب، وذلك في المسجد الكبير الذي يقع في بلدته، ويبعد عن مركز الشرطة عدة مئات من الأمتار. وحرصت عناصر الأمن على الابتعاد عن كل من موقع المضيفة والمسجد. وتركز وجودها أمام مركز الشرطة، تحت قيادة مدير أمن الدقهلية ومدير المباحث.
ولأسباب تتعلق بمنع حدوث أي مشاكل مع السلطات الأمنية، وفقا لمصادر من أسرة الشيخ الضرير، تم التنبيه على من قدموا العزاء في منطقة المقابر التي دفن فيها، بالانصراف منعا للازدحام في مجلس العزاء أمام دار العائلة في الجمالية. كما قررت الأسرة تلقي العزاء ممن لم يتمكن من الحضور إلى الجمالية، أمام منزل العائلة في منطقة العمرانية، أو في أي مقر من مقرات الجماعة الإسلامية، وذلك «تخفيفًا على المسافرين».
وتوفي عبد الرحمن في سجن سبورتينغ بولاية كولورادو الأميركية يوم السبت الماضي. ويقول التقرير الطبي إن سبب الوفاة طبيعي، جراء إصابته بهبوط حاد بالدورة الدموية والقلب. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي خلافات المصريين حول الرجل الذي كان ملء السمع والبصر في أوساط التيارات الدينية فيما مضى.
وبينما حمله البعض مسؤولية العنف الذي شهدته مصر في تلك الفترة، وأنه كان منظرا للعمل المسلح ضد الدولة، دعا آخرون إلى طلب الرحمة للميت بغض النظر عما كان يقوم به في حياته.
كما جرت محاولات من جانب بعض المتعاطفين مع «الشيخ الضرير» للفصل بينه وبين التيارات التي كانت تحمل السلاح ضد معارضيها، بالقول إنه {جرى تحريف الكثير من فتاواه لصالحها}.
ويقول عمار، إن والده كان يشكو، في وحدته في السجن، من السكري ومن الكثير من الأمراض، مشيرا، في مقابلة سابقة معه، إلى إنه حاول كثيرا تسلمه من الولايات المتحدة، خاصة أثناء إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إلا أن هذه المحاولات لم تكتمل.
وقبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة في مطلع تسعينات القرن الماضي، كان الشيخ عمر عبد الرحمن يلقي خطبا دينية رأت الحكومة المصرية أنها تدعو إلى العنف. وأقام خلال تلك الفترة ما بين محافظتي الفيوم وأسيوط. وبالأمس توجه لحضور الجنازة بعض من أبناء هاتين المحافظتين أيضا، خصوصا من الفيوم التي كان يلقي في «مسجد الشهداء»، فيها، الكثير من الخطب وتعرض خلالها للمطاردات الأمنية.
ويقول أحد أفراد أسرته وهو يسير وسط المشيعين: الشيخ أوصى بدفنه هنا بجانب والدته ووالده وشقيقه أحمد. وتقول فوقية: «رحم الله عمي، فأنا أعتز به وأدعو الله أن يرحمه، فقد كان طيب القلب مما سمعته عنه... جئت للحياة ولم أره، ولكن عرفته من خلال حب الناس له ومن خلال الحكايات التي تروى عنه».
ويضيف ابن شقيقه، شمس، الذي يمتلك مكتبة في البلدة: {عندما جرى اتهامه في قضية اغتيال الرئيس السادات، ظهرت براءته، وقام هو بالدفاع عن نفسه، ومكث فترة في بلدة الجمالية، وكان يقوم بإعطاء الدروس الدينية في المساجد، وتحفيظ القرآن الكريم... وبعد أن حكم عليه بالمؤبد في الولايات المتحدة، كان ينتظر الموت في كل وقت، وكان، منذ البداية، يعلم أن نهايته في الغربة}.
ومن جانبه يكشف عمار عن أن والده كان يحب «مسجد الشهداء» بالفيوم حبا كبيرا، وشعر بحزن عميق حين تم منعه من ارتياده. وكان «مسجد الشهداء» يبعد عن منزل الأسرة في الفيوم نحو 15 دقيقة مشيا على الأقدام... «كان مسجدا صغيرا يقع تحت منزل ومع ذلك كانت له علاقة قوية به ولم يتحمل فراقه». ويضيف أنه طوال فترة حبسه في الولايات المتحدة كان كل اتصال هاتفي يأتي منه وهو في السجن، تسبقه رسالة مسجلة تقول إنه «لا يُسمح بالحديث مع الشيخ إلا لزوجته عائشة حسن محمد سعد، ولا يسمح لأحد غيرها، وإذا تكلم أحد غيرها سوف يتم قطع المكالمة».
ومن بين من حرصوا على حضور صلاة الجنازة على جثمان عمر عبد الرحمن، مساء أمس، عناصر من التيار السلفي ومن جماعة أنصار السنة المحمدية، ومن جماعة الإخوان المسلمين المصنفة في مصر كـ«منظمة إرهابية».
وخلال عام 2013 حاولت الجماعة الإسلامية وتيارات دينية أخرى، منها جماعة الإخوان، الضغط على الولايات المتحدة من أجل الإفراج عن عمر عبد الرحمن. وأقيمت عدة خيام واعتصامات أمام مقر السفارة الأميركية في القاهرة لهذا الغرض.
وولد الشيخ عبد الرحمن في الجمالية عام 1938، وفقد بصره بعد عدة أشهر من ولادته، وحصل على الثانوية الأزهرية عام 1960. ثم التحق بكلية أصول الدين بالقاهرة، ودرس فيها حتى تخرج عام 1965، وجرى تعيينه في وزارة الأوقاف، وحصل على شهادة الماجستير، وعمل معيدًا بالكلية وحصل أيضا على الدكتوراه، وعمل في جامعة أسيوط، إلى أن تم اعتقاله في قضية اغتيال السادات.
ويقول الشيخ نبيل عبد الرحمن، المقاتل السابق في أفغانستان الذي كان يلقب بـ«أبو مسعود المصري»: «كنت مسجونا مع الدكتور عمر عبد الرحمن، وآخرين، في قضية اغتيال السادات رقم 217 أمن دولة عليا... كنا 67 عنصرا، وحصلنا على البراءة إلا أنه تم اعتقالنا مرة أخرى في بداية عهد الرئيس حسني مبارك. وانتقلنا من سجن استقبال طرة إلى سجن أبو زعبل السياسي، في عام 1984. وبعد حوار بيننا اتفقنا على قتال العدو البعيد قبل العدو القريب. وبهذا بدأنا السفر لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان».
ويتذكر أبو مسعود قائلا إن «الشيخ عمر عبد الرحمن حضر في ذلك الوقت إلى أفغانستان، وكنا في عملية لدك معسكر روسي بالمدفعية الثقيلة، وأصر هو على الخروج معنا، وكان ارتفاع الجبل الذي صعدناه قرابة كيلومتر، واستغرق المشوار ثلاثة أيام، حتى وصلنا قمته بالخيول والحمير والبغال وعلى الأقدام. وهنا طلب الشيخ الضرير أن يشارك في رمي المعسكر بالمدفعية... واحترنا ماذا نفعل، لكن قمنا بضبط الأبعاد والمسافات على موقع داخل معسكر الروس، وقام هو بعملية إطلاق القذيفة، وهو يصيح: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)».
ومن جانبه يقول السيد محمد، أحد جيران الشيخ عمر عبد الرحمن، في الجمالية: «كنت أصطحبه إلى قرية (ميت شرف)، المجاورة، حيث توجد هناك دار لتحفيظ القرآن... الجميع يحترمه ويقدره». ويضيف جمال قضا، وهو معلم وأحد جيران الشيخ الضرير في البلدة، إنه «كان يقيم بجوارنا في شارع الترعة... حفظ القرآن من صغره وهو كفيف، وتعلم في الأزهر، وعُين بجامعة أسيوط، ثم سافر إلى السودان، والولايات المتحدة، واعتقل هناك».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.