جولة على خريطة الطعام الهندي الحريف

تختلف حدته بحسب الولاية

جولة على خريطة الطعام الهندي الحريف
TT

جولة على خريطة الطعام الهندي الحريف

جولة على خريطة الطعام الهندي الحريف

رغم أن أصول الفلفل الحار التاريخية تعود إلى المناطق الوسطى من الأميركتين، فمن غير المستغرب أن تكون الهند اليوم إلى حد كبير هي أكبر دولة منتجة له على مستوى العالم. إلى جانب ذلك، يوجد فلفل «بهوت جولوكيا»، وهو أكثر أنواع الفلفل الحريف قوة في العالم في الهند، وعندما يتعلق الأمر بالبلد الذي تتسم أطباقه بأنها الأولى في النكهة الحريفة، ستكون الهند هي أول دولة تخطر بالبال.
في هذه السلسلة الخاصة بالطعام، سنصطحب قراءنا في رحلة استكشافية بين أكثر مطابخ الهند سخونة، مع أطباق حارة تلهب الألسنة إلى درجة الاحتراق. ويعد الطعام، الذي يوجد في ولاية أندرا براديش الجنوبية، هو الأكثر شهرة باستخدام أنواع التوابل الحارة الحريفة، ويقل فيه استخدام الصوص والزبد، بينما يكثر فيه استخدام الفلفل الحار الذي قد يجعلك تتنفس بصعوبة.
* مطبخ ولاية أندرا براديش
نظرًا لأن ولاية أندرا براديش هي الأكثر إنتاجًا للفلفل الحار، والأرز في الهند، أكثر الأطباق انتشارًا في أغلب أنحاء الولاية هي تلك القائمة على الأرز، التي يُضاف إليها مجموعة متنوعة من البهارات حتى تجعل نكهتها مزيجًا من النكهة الحارة الحريفة واللاذعة، رغم أن الوصفات قد تختلف من منطقة لأخرى في الولاية نفسها، وكذلك تختلف باختلاف مذاقات وتقاليد الأشخاص الذين يعدّونها.
مع تنوع الوصفات بين الأطباق النباتية وغير النباتية، ورغم أنك ستتحير في الاختيار بين عددها الكبير، تشترك هذه الأطباق جميعها في كونها الأطباق ذات النكهة الحريفة الأقوى في الهند. كان للمسلمين، الذي وصلوا إلى ولاية أندرا براديش في القرن الرابع عشر، تأثير كبير عليها، حيث تحتوي أكثر الأطباق على اللحم، سواء كان لحم دجاج، أو لحم ضأن، أو سمك، مع كمية وفيرة من البهارات والدسم. ويعد البرياني أحد أشهر الأطباق غير النباتية في مطبخ الولاية.
على الجانب الآخر، يوجد في ولاية أندرا براديش الكثير من الأطباق النباتية أيضًا، حيث يستخدم الأرز في إعداد بعض الأطباق بعدة طرق مختلفة. ويمكن غلي الأرز، وتناوله مع الكاري، أو إعداده كعصيدة في أطباق مثل «أتو» أو «دوساس». كذلك يتم إعداد الخضراوات بطرق متنوعة مع استخدام أنواع مختلفة من البهارات، التي تمنح هذه الأصناف نكهة قوية متفردة تحمل بصمة طعام الولاية. بإيجاز يمكن القول إن المطبخ في هذه الولاية حريف حقًا.
ويعد الدجاج بالفلفل الحار أحد الأمثلة التي توضح وجود الفلفل الحار بقوة في هذا المطبخ، حيث يحتوي طبق الدجاج الحار على كمية كبيرة من الفلفل الحار. وقبل نقع الدجاج ووضعه على النار الهادئة في عجين الفلفل الأخضر، يتم ذبح الدجاجة، وحشوها بالفلفل الأخضر. ولا يحتاج المرء إلى أي معرفة المزيد ليقتنع بأن ولاية أندرا براديش هي الولاية الأولى في استخدام الفلفل الحار في مطبخها.
* لماذا هي الولاية الأولى في قوة النكهة الحريفة؟
تخبرنا أسطورة محلية بأنه حدثت مجاعة شديدة ذات يوم في المنطقة، وكان النبات الوحيد الذي ينمو جيدًا هو الفلفل الأحمر الحار. وتعد الولاية هي المصدر الرئيسي لفلفل غونتور الأحمر الحار، الذي يستخدم لإضافة نكهة قوية إلى المطبخ في هذه الولاية. وهناك تفسير أكثر واقعية يقدمه لنا خبراء في التغذية، حيث يقولون إن ارتفاع درجة الحرارة في هذه الولاية يجعل سكانها أكثر عرضة للإصابة بأمراض في المعدة. ويمكن العثور على نموذج مماثل في ولاية راجستان الصحراوية في شمال الهند.
وأوضح بحث تم إجراؤه في جامعة كورنيل أن من أسباب حب دول كثيرة ذات مناخ دافئ للطعام الحريف هو أن الطعام الحريف يساعد على مقاومة الكائنات الدقيقة التي تفسد الطعام، والبكتريا التي قد يحملها الطعام. في المناخ الدافئ خاصة قبل اختراع الثلاجات، كان احتمال بقاء البكتريا، التي يحملها الطعام، أكبر من احتمال بقائها في المناخ البارد. وفي دراسة أميركية حديثة، وفي محاولة لمقاومة بكتريا السالمونيلا، البكتريا التي تسبب التسمم الغذائي، قامت أودري ماكلروي من جامعة فيرجينيا تيك، في بلدة بلاكسبرغ، في إضافة مادة الكبساسين إلى طعام بعض الدجاج، التي تمنح الفلفل طعمه الحار الحريف، ثم تم حقن الطيور بالسالمونيلا.
وتبين أن الطعام الحار قد ساعد في الحد من عدد الطيور المصابة بهذه البكتريا في أعضائها الداخلية بمقدار النصف تقريبًا مقارنة بالمجموعة التي تناولت طعامًا معتادًا. ومن الأسباب الأخرى هي أن تناول الطعام الحريف يخفف درجة حرارة الجسم، أو على الأقل يجعلك تشعر بذلك، فهو يحفز التعرق، ومع تبخر العرق يبرد الجلد. كذلك من مميزات الفلفل الحار أنه يحفز إفراز الإندروفين ويزيد الرغبة الجنسية.
* فلفل غونتور
أكبر سوق للفلفل الحار في آسيا في غونتور في دلتا كريشنا في ولاية أندرا براديش. ويدين مطبخ ولاية أندرا براديش بمكانته المميزة للفلفل الحار المدخن، والنكهة التي يمنحها للطعام. الأهم من ذلك هو فلفل غونتور الأحمر، الذي يعد من أشهر أنواع الفلفل في الولاية بسبب لونه وحدة نكهته الحريفة. ويتم زراعة هذا النوع من الفلفل بكثرة في منطقة بالنادو في ولاية أندرا براديش ويتم حصاده في أيام الصيف الأولى. ويتسم هذا الفلفل بسماكة قشرته الخارجية، ولونه الأحمر القاني، وحدة مذاقه الحريف. في أغلب الأحوال تحصد ربات البيوت هذا النوع، ويتخلصن من السيقان الميتة، ويتم وضع الفلفل في حقائب، وتصديره إلى ماليزيا، وتايلاند، واليابان، والصين، وألمانيا، وكندا، وغيرها من البلدان. ويحتوي الفلفل الأحمر الحار على كمية كبيرة من فيتامين «ج»، والكاروتين (طليعة فيتامين «أ»).
بمجرد وصولك إلى غونتور، لن تستطيع أن تفوت فرصة تناول الطبق المحلي المفضل وهو «باكادوس الفلفل» (ميركي بهاجي) الذي يتمتع بشهرة عالمية. يتم إعداده من خلال غمس الفلفل الأخضر في حوض، ثم قليه. وتبيع المنصات الموجودة على جانبي الطريق هذا الطبق مقابل روبية واحدة. ويتراوح عدد الأطباق، التي تبيعها عربة واحدة يوميًا من هذا الصنف، بين ألفين وخمسة آلاف طبق بحسب بعض التقديرات.
ويعد المخلل جزءًا لا يتجزأ من مطبخ ولاية أندرا براديش، فهو عنصر لذيذ من عناصر تجارة الفلفل في غونتور. من أنواع المخلل، الذي تقدمه الولاية للعالم، مخلل المانغو، والليمون، والمعضوضة كرمية الأوراق، والتمر الهندي، والقريدس، والدجاج، ولحم الغنم. ويتم إعداد بعض أكثر أنواع المخلل الحريف شهرة بالفلفل الحار، والزنجبيل، والخضراوات، وعنب الثعلب (الكشمش الشائك)، وغيرها. ويتم إعداد بعضها سريعًا، في حين يستغرق إعداد البعض الآخر بعض الوقت. ويتم تقديم المخلل مع كل الوجبات.
وتعرف أفضل أنواع المخلل منخفضة التكلفة الشهيرة باسم «باندو ميراباكايا باكادي»، أي المخلل المعدّ من الفلفل الأحمر القديم، والتمر الهندي الخام. ويطلق عليه في بعض مناطق ولاية أندرا براديش اسم «كوريفي كرام»، وهو أكثر أنواع المخلل حدة في مذاقه الحريف، وتشتهر به الولاية كثيرًا، ويتم إعداده بجرش الفلفل الأحمر الناضج مع التمر الهندي الخام والملح.
ولا يقل الـ«بودي»، وهو خليط من عدة مكونات يتم تجفيفها وطحنها، أهمية عن المخلل. ويتم رش أنواع البودي المعدّ في المنزل على الأرز، وكذلك يتم تقديم قليل من الدسم الخالص، ويخلط مع البودي، والأرز.
* أطعمة متنوعة
أولاً لنُلقِ نظرة على بعض أشهر أطباق مطبخ ولاية أندار براديش، وهو طبق الـ«بوليهورا»، وهو الأرز بالكركم، الذي يتميز بنكته اللاذعة، والحارة، والمالحة في الوقت ذاته.
وطبق «غوتي فانكايا كورا» هو طبق استثنائي، ويتكون من الباذنجان المحشو بالكاري، وهو من الأطباق المميزة في الولاية ويعني اسمه حرفيًا «الباذنجان المحشو بالكاري». ويتم حشو حبات الباذنجان الصغيرة بخليط خاص من البهارات، التي تم تحميصها حديثًا، وطهيه جيدًا. ويقدم مع الأرز الساخن، وخبز الشاباتي. أما الـ«تشابا بولوسو»، فهو عبارة عن طبق من السمك والكاري مع صوص التمر هندي، ويتسم بمذاقه الحار اللاذع. ويتم مزج الكاري جيدًا بعصير التمر هندي وإضافة البهارات.
أما طبق الـ«بوالو»، أو الـ«كودي بوالو»، فهو طبق بديع يمثل وجبة كاملة تطهى في إناء واحد، ويعد من التوابل الطازجة، واللحم المطهو، أو الخضراوات الذي يتم تشويحها على نار هادئة، مع الأرز (غير المطهي) الذي يُمزَج به حتى ينضج. ويعد الطبق وجبة شهية بديلة لطبق اللحم والبطاطس القديم. ويتم تحضير هذا الطبق بإضافة الدجاج إلى اللحم الجيد، والأرز، والتوابل. ويشبه طبق الـ«كودي بوالو» البرياني، لكنه أقل دسامة، حيث لا يحتوي على دهون. ويتم تقديمه ساخنًا على الغداء، ويعد من الأطباق الهندية المحببة.
** طريقة فريدة لتناول طعام ولاية أندرا براديش
* يقوم أشخاص يجلسون على سجاجيد، أو مقاعد خشبية مرتفعة قليلا عن الأرض، بتقديم أصناف ولاية أندرا براديش على أوراق الموز بالأساس. ويتم رشّ القليل من الماء حول أوراق الموز في إشارة إلى أن الطبق قد بات جاهزًا للتقديم. ويتم تقديم الأرز مع القليل من الدسم، وكل وجبة تُقدم على ورقة واحدة، أما إذا كان الطبق كبيرًا فيتم تقديمه على عدة أوراق بعد تشبيكها ببعضها البعض. وبدأ عدد من الناس أخيرا في استخدام أطباق معدنية في التقديم تسمى «كانشام».
عادة ما تتضمن الوجبة خمسة أصناف، لكن هناك أصناف لا غني عنها في الوجبة المثالية وهي المخلل الساخن الشهير، والصوص بمختلف أنواعه، والمساحيق. ويمكن جعل مذاق الوجبة أقل حدة باستخدام أنواع الروائب. ويتم تقديم الأصناف على طبق واحدة بترتيب محدد، حيث يتم وضع الكاري على الجانب الأيمن من طاولة الطعام، في حين يتم وضع المخلل والبودي على الجانب الأيسر منها، ووضع أصناف خاصة مثل الـ«بوليهورا»، والـ«غاريلو»، على أعلى يمين الطاولة، بينما يتم وضع كمية كبيرة من الأرز في الوسط. كذلك يتم رشّ كميات صغيرة من البلوسو، والدسم، واللبن الرائب، على الأوراق. ويتم خلط الدسم بكل صنف من تلك الأصناف.
يتم بدء تناول الوجبة بتناول «القضمة الأولى»، وهي الأرز مع أنواع متنوعة من المخلل، والدسم. عادة ما تكون تلك المقبلات لاذعة أو حريفة المذاق، ولها رائحة قوية، وتحتوي على مكونات لها فوائد طبية مثل الزنجبيل الجاف، وأوراق الكاري، حيث يكون الهدف من تناولها هو فتح الشهية، والمساعدة على هضم الطعام. ولا يتم تناول هذه المقبلات إلا بكميات صغيرة جدًا، أي أربع أو خمس كرات من الأرز على سبيل المثال.
ويتم تناول الأرز كمقبلات مع المخلل الحريف، ثم تناول الكاري بعد ذلك. ويكون الصنف الرابع في هذه الوجبة إما الروائب، أو الزبادي، أو اللبن الرائب، مع مخلل حريف، أو أي بهارات أخرى.
تقدم الأسر التقليدية بعد الوجبة أوراق نبات التنبول. أما في المناسبات الاحتفالية فيتم تقديم الحلوى مع الوجبة، وعادة ما يتم تناولها أولا.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».