غذاء العالم في خطر

هل سيواكب النمو في إنتاج الغذاء النمو السكاني؟

الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
TT

غذاء العالم في خطر

الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)

كعادتها في كل عام، تستقبل برلين أكثر من 1500 مزارع ومنتج مواد غذائية وزراعية من كل أنحاء العالم من أجل عرض منتجاتهم، من لحوم وأسماك وأجبان ومعلبات على أنواعها، وهذه السنة كانت المجر ضيف المعرض الذي أُقيم في الفترة من 20 إلى 29 يناير (كانون الثاني).
وإلى جانب العروض الزراعية تعقد حلقات مناقشة تتطرق إلى أهم المواضيع، منها أزمة الغذاء في العالم وتراجع المساحات الزراعية، خصوصًا في البلدان الفقيرة.
وبلغت مساحة الأراضي الزراعية في العالم قرابة الـ5.6 مليار هكتار، وهو رقم قليل مقارنة بسكان الأرض، الذين يتجاوز عددهم اليوم 7 مليارات نسمة.
وبناءً على بيانات منظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو)، فإن كثيرًا من هذه المساحات المزروعة لا تعود منتجاتها بالفائدة على المزارعين أصحاب الأرض، وبالتحديد صغار المزارعين، بل هي تحت سيطرة نفوذ مصانع الأغذية العالمية العملاقة التي تستثمرها على أفضل وجه، مما يجعلها تسيطر أيضًا على أسعار منتجاتها، مما يقوي موقفها على حساب المستهلك، وترى المنظمة أن حل هذه الإشكاليات التي تتفاقم وتتسبب في المجاعات حول العالم، يجب أن يكون جذريًا وعلى مستوى عالمي وبإسهام كبار الدول.
لكن المشكلة الأعمق أن حكومات كثير من هذه الدول إما شريكة أو داعمة للمصانع المستغلة للأراضي الزراعية، التي تشتري أراضي شاسعة للمتاجرة بمنتجاتها وطرحها بأسعار عالية، دون أن يولي أحدهم أي أهمية لأزمة الغذاء الحادة التي يعيشها العالم اليوم.
هنا يُذكّر خبراء تغذية بوعود الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بأن القرن الـ21 هو قرن التغلب على الجوع والفقر في العالم.
الرجل أخفق بشدة في تحقيق ندائه، لأن الآليات اللازمة لمحاربة قلة الغذاء أو عدم عدالة توزيعه وتوفيره وسيطرة مؤسسات محددة على تدفق وأسعار السلع، غير متوفرة لدى الأمم المتحدة، فهي ليست مؤسسة ذات سلطة كي تطلق هذه العبارات التي كانت فارغة من كل محتوى، والدليل على ذلك تزايد عدد الجياع في العالم مع مطلع هذا القرن.
بتقدير منظمة «الفاو» سوف يتجاوز عدد سكان العالم حتى عام 2050 تسعة مليارات نسمة، بينما كان العدد عام 1950 ثلاثة مليارات، مما يجعل الحاجة إلى مصادر لسد الجوع أكبر بكثير، لكن اليوم يبرز عنصر يسرق غذاء الإنسان وهو الوقود البديل (الإيثانول).
من أجل سد حاجة الصناعات الكبيرة واستبدال طاقة نظيفة لا تنضب بالطاقة التقليدية، تلجأ شركات ضخمة إلى استئجار أراضٍ زراعية شاسعة في بلدان فقيرة من أجل زراعتها على سبيل المثال بالقمح والذرة والشمندر ومواد زراعية أخرى، ومن السكريات والنشا الموجودة فيها يتم إنتاج الإيثانول.
وتبرر الشركات المنتجة هذه الخطوة بسعيها للمحافظة على البيئة من الغازات السامة المنبعثة من الوقود التقليدي.
ومع استخدامها الأراضي الشاسعة لإنتاج الوقود البديل ارتفعت أسعار المواد الغذائية عند عرضها على المستهلكين، وهكذا تُزرع الأراضي كي يُحرق مُنتجها في محرك السيارة، بينما يموت الملايين جوعًا، وزادت المشكلة عمقًا مع تسابق بعض المزارعين الصغار لبيع أو تأجير أراضيهم لمنتجي الوقود الحيوي من أجل الكسب السريع.
وهنا يشير تقرير لمنظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو) إلى أن إنتاج الوقود البديل سوف يتضاعف حتى عام 2021، مما يربط الزراعة العالمية بشكل متزايد مع أسواق الطاقة، وهذا لا يقلل فقط من مساحة الأراضي المزروعة بالغذاء، بل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وينعكس على أسعار المواد الغذائية، ومع الوقت تتحول مثلاً زراعة قصب السكر والحبوب الخشنة لإنتاج الوقود البديل فقط.
وفي هذا الصدد يشير تقرير مُشترك صادر عن «الفاو» ومنظمة التعاون والتنمية الدولية، إلى أنه تنبغي زيادة الإنتاج الزراعي في العالم خلال السنوات الـ40 المقبلة 60 في المائة، أي بواقع مليار طن من الحبوب و200 مليون طن من اللحوم سنويًا، لإطعام سكان الأرض، مما يعني ضغطًا كبيرًا على القطاع الزراعي في العالم، لأن المساحات الزراعية والمخصصة لتربية المواشي محدودة، وبالتالي فإن نمو الإنتاج المتوقع لهذا العقد سيكون 1.7 في المائة، أقل مما كان عليه في العقود السابقة، مما يعني عدم التمكن من رفع سقف الإنتاج، الذي هو العامل الحاسم للحد من ارتفاع الأسعار.
وينظر معهد بحوث التأثيرات المناخية في مدينة بوتسدام الألمانية بريبة إلى التنافس من أجل زراعة أراضٍ خصيصًا لإنتاج الوقود البديل، وحذر في تقريره قبل فترة من هذا من التوسع غير المنضبط، لأن ذلك سيكون على حساب الطبيعة.
ويرى المعهد أن نتيجة ما يسمى بتحرير السوق العالمية ستتمثل في زيادة المساحات المزروعة في المناطق الاستوائية، حيث تُقلع الأشجار في الغابات كما يحدث اليوم في غابات الأمازون لتحويلها إلى مساحات زراعية، وهذا سوف يكون له تأثير سلبي على المنتجات الزراعية ويعود بالضرر الكبير على البيئة، مثل ضرر الثقب الأوزوني، فالغازات المسببة للاحتباس الحراري سوف تزيد بنحو 15 في المائة، لذا يدعو المعهد لمعالجة قواعد التجارة العالمية، بالأخص فيما يتعلق بالزراعة، بهدف إنتاج الوقود البديل وحماية المناخ في المفاوضات الدولية.
والمنافسة لا تقتصر على المصانع لإنتاج الوقود البديل، إذ لم يعد سرًا أن كثيرًا من البلدان الغنية اشترت أو استأجرت أراضي شاسعة لصالحها لقلة الأراضي الزراعية لديها، وتسخر اليد العاملة الرخيصة هناك من أجل زراعتها بمحاصيل معينة، إلا أن سكان البلد المضيف يصيبهم بعض الضرر، فهم لا يحصلون على حصة مما يزرعونه، بل تذهب المحاصيل بالكامل إلى المستأجر، في الوقت نفسه يلحق الضرر بالأرض لأنها تُزرع زراعة أحادية، ومع الوقت لا تعود صالحة بالشكل الطبيعي للزراعة، فيخسر المزارع أرضه، بينما يبحث المستأجر عن أرض أخرى كي ينتج منها ثم يفسدها، وهكذا دواليك، والزراعة الأحادية ألحقت الضرر بالفعل بنحو 10 في المائة من مساحة الأراضي في بلدان أفريقية مثل كينيا وغانا.
ويوصف كثير من عقود الاستئجار بالصفقات المشبوهة، لأنها تتم عبر مسؤولين حكوميين كبار أو حكام البلد أنفسهم من أجل الكسب المادي الشخصي، دون إعطاء أهمية لحالة الأرض مستقبلاً.
ويعتقد المزارع أنه سوف يكسب من هذا الصفقات، لكن في النهاية يصبح بلا أرض أو طعام، وينضم إلى قافلة الجياع في بلده، وتضطر حكومته إلى استيراد المواد الغذائية من الخارج بعد أن كانت تزرعها.
ومن البلدان التي تُعقد معها هذه الاتفاقيات السودان وكينيا ومدغشقر وإثيوبيا وأوكرانيا وكمبوديا وباكستان ومصر، وتُزرع المساحات بشكل عام اليوم بالحنطة والذرة من أجل صناعة الوقود البديل. وقبل فترة بنت حكومة دولة قطر لكينيا ميناءً على المحيط الهادي وصلت تكاليفه إلى قرابة 3 مليارات دولار مقابل استغلال قطر لـ40 ألف هكتار زراعي، ولم يغب السودان ومصر عن نظر أغنياء العرب، فمؤسسة أبراج كابيتال المالية تزرع في السودان 30 ألف هكتار، وفي مصر نحو 324 ألف هكتار.
وقامت كوريا الجنوبية بعقد اتفاقيات مع مدغشقر، لاستئجار أكثر من 30 ألف هكتار من الأراضي من أجل زراعتها بالأرز.
وتزرع اليابان لحسابها في البرازيل نحو مائة ألف هكتار، ووقعت الصين عقودًا معها، لكنها تُرسل آلات وخبراء مقابل زراعة الأراضي بمزروعات يحتاجها الشعب الصيني، مثل الرز والصويا والذرة. وبعد اهتمام كبار المستثمرين في العالم بالنفط والغاز الروسيين تحولت أنظارهم أيضًا إلى الأراضي الزراعية الروسية، بالأخص بعد ارتفاع أسعار الحبوب في الأسواق العالمية الصيف الماضي، نتيجة تراجع مخزونها في بلدان اندلعت فيها أعمال شغب.
* المضاربات في أسعار الغذاء
لم يعد سرًا أن كثيرًا من المصارف والمؤسسات المالية العالمية حولت غذاء الفقراء إلى سلعة لها أسهم وأسعار يضاربون بها في أسواق البورصة، مما خفض حصة التجار التقليديين الذين يتاجرون بالقمح مثلاً من 88 في المائة عام 1996، إلى 35 في المائة عام 2008، وهذا يعني أن 53 في المائة من عقود شراء القمح يتم تداولها من قبل المضاربين الماليين.
ومن المؤسسات التي كشفت منظمة أوكسفام عن دورها في المضاربات بالمواد الغذائية بورصة شيكاغو التجارية (سي بي أو تي)، وهي أهم سوق للأسهم الرئيسية في العالم للمنتجات الزراعية، ومن أبرز المؤسسات المالية المضاربة «غولدن ساكس»، ومصرف «بركليس» و«كوميرس بنك» الألماني، و«إليانز» للتأمينات، و«دويتش بنك» (المصرف الألماني)، و«جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، الذي استثمر وبشكل مركز بين عامي 2010 و2013 في أسواق السلع العالمية، وفي عام 2012 لوحده وصلت أرباحه من المضاربات في الغذاء إلى مليار دولار.
وحاول «دويتشه بنك» الدفاع عن نفسه بعد حملة انتقادات حادة ضده في ألمانيا لتحوله إلى مضارب في مواد أساسية مثل القمح والكاكاو والنحاس والألمنيوم، مبررًا ذلك بأنه خطوة لمساعدة البلدان الفقيرة، وهو غير مستعد للانسحاب من سوق المضاربات.
* الحروب سبب لفقدان الأراضي
من مسببات انحصار المساحات المزروعة التي لا يجب إغفالها هي كوارث الحروب، حيث تبقى أراضٍ شاسعة من دون زراعة لسنوات طويلة، كما الأمر في العراق، فبسبب المعارك والصراعات الداخلية أُهملت مساحات زراعية شاسعة جدًا.
وتسببت آلة الحرب في خسارة العراق ما لا يقل عن مليوني متر مربع من الأراضي، التي كانت من أفضل الأراضي الزراعية لوجود نهري دجلة والفرات.
والحرب لا تقضي فقط على التربة الصالحة، بل على الخبرة الزراعية، ففي الوقت الحالي شحت العمالة الزراعية في العراق بشكل كبير، فكل مزارع سابق انضم إلى الطرف الموالي له وحمل سلاحًا وهجر الأرض، ومن أجل سد الثغرة استعانت حكومة بغداد كما سلطة الأكراد في شمال العراق بيد عاملة أجنبية، لكن هذا الحل لم يجدِ نفعًا، لأن العمال غير مستعدين للعمل في ظل المدافع، مما جعل الشعب العراقي بكل أطيافه يعتمد على المواد الغذائية المستوردة بعد أن كان بلدًا مصدرًا لها. والسبب الآخر لخسارة الأراضي الزراعية، الذي بدأ خبراء البيئة في التحدث عنه، هو أضرار الأسلحة البيولوجية التي تُستخدم خلال الحرب على تربة الأراضي الزراعية. بعد الحرب التي استمرت أكثر من 30 سنة في فيتنام واستخدم فيها الجيش الأميركي 35 مليون طن من الأسلحة، لم تخلف فقط قتلى أو معوقين أو مرضى أو ولادات مشوهة، بل أفسدت مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت في السابق صالحة للزراعة، خصوصًا زراعة الأرز.
يثير النمو الشديد في عدد سكان الأرض القلق، فالمؤسسات العالمية تتوقع ارتفاع عدد سكان الأرض في عام 2050 إلى 9 مليارات نسمة، ففي كل دقيقة يولد 150 إنسانًا، مما يعني أن عدد سكان العالم يزيد كل يوم 22 ألف شخص، وأكثر من 80 مليون إنسان كل سنة، وهؤلاء بحاجة إلى مكان وطعام وشراب، فكيف سيتم إطعامهم؟
من وجهة نظر خبير الشؤون الزراعية كاميليو بولاك، فإن إنتاج كميات كافية من الطعام الصحي وبأسعار معقولة لـ9 مليارات نسمة هو أكبر تحدٍ للزراعة، وسوف يضطر المزارعون للتصدي لهذا التحدي، لأن السياسيين لا يضعون الأمر على قمة أولوياتهم، والتصدي يتم عبر التوعية بأهمية قطاع الزراعة، لأنه أهم رب عمل، وسوف تزداد أهميته في العالم خلال السنوات الأربعين المقبلة، فالإنتاج الزراعي يجب أن يتضاعف من أجل تأمين الإمدادات الغذائية للبشر، مما سيجعل الزراعة من أكثر المهن أهمية يومًا بعد يوم.
وحسب بيانات منظمة الغذاء والزراعة العالمية، هناك ما يقرب من 1.3 مليار إنسان في العالم يعملون في قطاع الزراعة، أي نحو 40 في المائة من إجمالي العمالة في العالم، وفي أفريقيا وحدها يعمل في هذا القطاع 52 في المائة.
الزراعة لم تستنفد بعد كل إمكانياتها الطبيعية، إلا أن مواصلة الاستفادة يجب أن تتوفر عبر الاستخدام الأمثل للتربة، أي عدم زراعة الأرض دائمًا بنوع واحد من المزروعات وتدريب المزارعين بشكل يمكنهم من تحسين نوعية المحاصيل التي تعود بالفائدة المادية الأفضل عليهم، مما يجنبهم الجوع وهجرة الأرض، لكن في الدرجة الأولى إقدام الحكومات والمؤسسات الإنمائية على المساعدة، وإلا فإن المساحات الصالحة للزراعة سوف تتراجع، ففي عام 1970 كانت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة للفرد الواحد 0.3 هكتار، وبحلول عام 2050 من المتوقع أن تنقص إلى النصف، ولن تزيد على 0.15 هكتار للفرد.
واليوم تمثل مساحة الأراضي الزراعية نحو 5.6 مليار هكتار، أي ما يقرب من 11 في المائة من سطح الأرض، إلا أن ما يقارب من 5 إلى 7 ملايين هكتار سنويًا منها يلحق به التملح أو التآكل أو الجفاف والتصحر أو تصلب التربة أو البناء بشكل عشوائي.



واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
TT

واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)

في خطوة تعيد إحياء أدوات الدبلوماسية الأميركية الكلاسيكية بروح العصر الرقمي، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق مبادرة «فيلق التكنولوجيا» (Tech Corps)، وهي نسخة مطورة من «فيلق السلام» (Peace Corps) التاريخي.

تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى إرسال آلاف المتطوعين من خريجي العلوم والرياضيات إلى الدول النامية، لا لتعليم الزراعة ولا الإسعافات الأولية هذه المرة؛ بل لترسيخ السيادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، وصد الزحف الصيني المتصاعد في دول «الجنوب العالمي».

«فيلق السلام» برداء تقني

المبادرة التي كشف عنها مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، خلال «قمة تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، تسعى لاستقطاب نحو 5 آلاف متطوع ومستشار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة. وسيعمل هؤلاء المتطوعون في الدول الشريكة لفيلق السلام لمساعدة المستشفيات والمزارع والمدارس على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية في بنيتها التحتية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح «فيلق السلام» الذي تأسس في عهد كنيدي عام 1961: «هدفاً وجودياً جديداً» يتناسب مع عصر السيادة التقنية؛ حيث تتحول الدبلوماسية من مجرد المساعدات الإنسانية إلى «تصدير التكنولوجيا والقيم الرقمية».

المواجهة مع «طريق الحرير الرقمي»

تأتي هذه التحركات الأميركية رداً مباشراً على الشعبية الجارفة التي بدأت تحققها النماذج الصينية المفتوحة مثل «Qwen3» من شركة «علي بابا» و«كيمي» و«ديب سيك». ففي الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة البحوث المتقدمة بنماذج مغلقة ومكلفة مثل «تشات جي بي تي– 5»، تكتسح الصين أسواق الدول النامية بنماذج تمتاز بـ«كفاءة التكلفة» والقدرة على التشغيل المحلي دون الحاجة لبنية سحابية باهظة.

وتشير التقارير إلى أن النماذج الصينية باتت الأكثر تحميلاً على منصات المطورين مثل (Hugging Face)، نظراً لسهولة تخصيصها وتشغيلها بتكاليف حوسبة منخفضة، وهو ما تراه واشنطن تهديداً لهيمنتها التقنية طويلة الأمد.

هل تغلب «الدبلوماسية» لغة الأرقام؟

رغم الطموح الأميركي، يشكك خبراء في قدرة «فيلق التكنولوجيا» على مواجهة الإغراءات الاقتصادية الصينية. ويرى كايل تشان، الزميل في معهد بروكينغز، أن «الإقناع الودي» من قبل المتطوعين قد لا يصمد أمام الفجوة الكبيرة في التكاليف؛ فالمؤسسات في الدول النامية تبحث عن الحلول الأرخص والأكثر مرونة، وهو ما توفره بكين حالياً، وفق «بلومبرغ».

ولمعالجة هذه الفجوة، أعلنت واشنطن أن المبادرة لن تكتفي بالبشر؛ بل ستدعمها حزم تمويلية من وزارة الخارجية وبنك التصدير والاستيراد (إكزيم)، لتقديم «باقات متكاملة» تشمل الرقائق، والخوادم، والخدمات السحابية الأميركية بأسعار تنافسية تحت مظلة «برنامج صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي».

«صُنع في أميركا»

لا تقتصر أهداف «فيلق التكنولوجيا» على بيع البرمجيات؛ بل تمتد لفرض معايير تقنية عالمية تتماشى مع المصالح الأميركية. ويشمل ذلك مبادرة لوضع معايير «وكلاء الذكاء الاصطناعي» لضمان أن تكون الأنظمة العالمية متوافقة مع التكنولوجيا الأميركية.

وتحت شعار «تقنية أميركية... خير عالمي»، سيعمل المتطوعون لمدة تتراوح بين 12 و27 شهراً على الأرض، ليكونوا بمثابة «سفراء تقنيين» يبنون القدرات المحلية، ويخصصون الأنظمة الأميركية لتناسب اللغات والاحتياجات المحلية، في محاولة لقطع الطريق على «طريق الحرير الرقمي» الصيني الذي بنى شبكات الاتصالات في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.

تمثل مبادرة «فيلق التكنولوجيا» تحولاً جذرياً في كيفية استخدام واشنطن قوتها الناعمة. فبينما يتم تفكيك بعض برامج المساعدات التقليدية، يتم ضخ الموارد في «جيش تقني» يسعى لضمان ألا يخرج العالم النامي عن فلك التكنولوجيا الأميركية. المعركة الآن ليست على الأرض فقط؛ بل على «النماذج» و«الأكواد» التي ستدير مستشفيات ومدارس وجيوش المستقبل.


ماكرون يشيد بحكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية

ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
TT

ماكرون يشيد بحكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية

ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)
ماكرون يتحدث عن قرار المحكمة العليا الأميركية خلال افتتاح المعرض الزراعي الدولي السنوي في باريس 21 فبراير 2026 (إكس)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ​ماكرون، السبت، إن حكم المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب يُظهر أنه من الجيد وجود موازين للسلطة وسيادة ‌القانون في ‌البلدان الديمقراطية.

وقال ​في ‌المعرض ⁠الزراعي ​الدولي السنوي ⁠في باريس: «ليس من السيئ وجود محكمة عليا وسيادة قانون»، رداً على سؤال حول قرار المحكمة العليا الأميركية بأن ⁠الرسوم الجمركية التي فرضها ‌الرئيس دونالد ‌ترمب بموجب قانون ​طوارئ اقتصادية، ‌غير قانونية.

وأضاف: «من الجيد ‌وجود سلطة وموازين للسلطة في البلدان الديمقراطية».

وذكر أن فرنسا ستنظر في تداعيات الرسوم الجمركية العالمية ‌الجديدة التي فرضها ترمب بنسبة 10 في المائة وستتكيف معها، ⁠وأن ⁠فرنسا تريد أن تواصل تصدير منتجاتها، بما في ذلك السلع الزراعية والفاخرة والأزياء ومنتجات قطاع الطيران.

وقال إن هناك حاجة ماسة إلى عقلية هادئة، وإن القاعدة الأكثر إنصافاً هي «المعاملة بالمثل»، لا «الخضوع لقرارات ​أحادية ​الجانب».


اقتصادات آسيا تقيِّم أثر رسوم ترمب الجديدة بعد قرار المحكمة الأميركية العليا

حاويات ورافعات عملاقة في أحد المواني الصينية (رويترز)
حاويات ورافعات عملاقة في أحد المواني الصينية (رويترز)
TT

اقتصادات آسيا تقيِّم أثر رسوم ترمب الجديدة بعد قرار المحكمة الأميركية العليا

حاويات ورافعات عملاقة في أحد المواني الصينية (رويترز)
حاويات ورافعات عملاقة في أحد المواني الصينية (رويترز)

بدأ شركاء الولايات المتحدة التجاريون في آسيا تقييم أوجه الضبابية الجديدة، السبت، بعد أن تعهد الرئيس دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية ​جديدة على الواردات، بعد ساعات من إلغاء المحكمة العليا كثيراً من الرسوم الجمركية الشاملة التي استخدمها لشن حرب تجارية عالمية.

وأبطل قرار المحكمة بعض الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب على دول آسيوية مصدِّرة، من الصين وكوريا الجنوبية إلى اليابان وتايوان، أكبر مصنِّع للرقائق الإلكترونية في العالم، والطرف الرئيسي في سلاسل توريد التكنولوجيا.

وفي غضون ساعات، ‌قال ترمب ‌إنه سيفرض رسوماً جديدة تبلغ ​10 في المائة ‌على ⁠الواردات من ​جميع ⁠البلدان إلى الولايات المتحدة، بدءاً من يوم الثلاثاء، لمدة 150 يوماً، بشكل مبدئي بموجب قانون مختلف، ما دفع المحللين إلى التحذير من احتمال اتخاذ مزيد من الإجراءات، ما يهدد بمزيد من الارتباك للشركات والمستثمرين.

وفي اليابان، قال متحدث باسم الحكومة، إن طوكيو «ستدرس بعناية محتوى هذا الحكم، ورد ⁠إدارة ترمب عليه، وسترد بشكل مناسب».

ولم ‌تصدر الصين التي تستعد لاستضافة ‌ترمب في أواخر مارس (آذار) ​أي تعليق رسمي، ولم تتخذ ‌أي إجراءات مضادة بسبب عطلة محلية طويلة. ولكن مسؤولاً ‌مالياً كبيراً في هونغ كونغ الخاضعة للحكم الصيني، وصف الوضع في الولايات المتحدة بأنه «فشل ذريع».

وقال ​مسؤول رفيع المستوى في مدينة هونغ كونغ، السبت، إن قرار ‌الرئيس ‌ترمب ⁠بفرض ​رسوم جمركية ⁠جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات إلى الولايات المتحدة ⁠سيفيد هونغ كونغ ‌كونها ‌مركزاً ​تجارياً.

ووصف ‌كريستوفر هوي، ‌وزير الخدمات المالية والخزانة، الوضع الجمركي في الولايات ‌المتحدة بـ«الفشل الذريع» خلال مقابلة ⁠أجرتها معه إذاعة ⁠هونغ كونغ التجارية. وقال إن الضريبة الجديدة تسلط الضوء على «المزايا التجارية الفريدة» ​لهونغ ​كونغ.

ومع فرض واشنطن رسوماً على صادرات البر الرئيسي للصين، تواجه المنتجات المصنوعة في هونغ كونغ عموماً ‌معدلات جمركية أقل، ما يسمح للمدينة بالحفاظ على التدفقات التجارية حتى مع تصاعد التوتر ⁠بين الصين والولايات ⁠المتحدة.

وفي تايوان، قالت الحكومة إنها تراقب الوضع من كثب، مشيرة إلى أن الحكومة الأميركية لم تحدد بعد كيفية التنفيذ الكامل لاتفاقياتها التجارية مع كثير من الدول.

وقال بيان صادر عن مجلس الوزراء: «على الرغم من أن التأثير الأولي على تايوان يبدو محدوداً، فإن الحكومة ستراقب التطورات من كثب، وستحافظ على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة، لفهم تفاصيل التنفيذ المحددة والاستجابة بشكل مناسب».

ووقَّعت تايوان في الآونة الأخيرة اتفاقيتين مع الولايات المتحدة: الأولى مذكرة ​تفاهم الشهر الماضي التزمت ​فيها تايوان باستثمار 250 مليار دولار، والثانية تم توقيعها هذا الشهر لخفض الرسوم الجمركية المضادة.