«النصرة» في طريقها لأن تصبح اللاعب الأكبر والمعارضة السورية تخشى سيطرتها على الشمال

«هيئة تحرير الشام» كيان جديد يضمها مع فصائل معارضة... وحركة «الأحرار» مهددة بالتفكك

«النصرة» في طريقها لأن تصبح اللاعب الأكبر  والمعارضة السورية تخشى سيطرتها على الشمال
TT

«النصرة» في طريقها لأن تصبح اللاعب الأكبر والمعارضة السورية تخشى سيطرتها على الشمال

«النصرة» في طريقها لأن تصبح اللاعب الأكبر  والمعارضة السورية تخشى سيطرتها على الشمال

خلعت «جبهة النصرة» ثوبها الجديد «فتح الشام»، لتلبس ثوبا جديدا هو «هيئة تحرير الشام»، في محاولة للسيطرة على الشمال السوري، وذلك بعد أيام من المواجهات العنيفة مع فصائل المعارضة السورية في أكثر من منطقة. وكان أول تداعيات هذا الثوب الجديد اهتزاز عنيف ضرب حركة «أحرار الشام» كبرى الحركات المسلحة المعارضة، التي كانت احتمت فيها الفصائل الصغيرة قبل أيام هربا من حملة «النصرة» العسكرية.
وبعد ساعات قليلة على إصدار «فتح الشام» وأربع فصائل أخرى بيانا يعلن الاندماج في جسم جديد يحمل اسم «هيئة تحرير الشام»، أعلن القيادي البارز في «الأحرار»، أبو جابر الشيخ، استقالته من التنظيم تمهيدا لتوليه مسؤولية قيادة الهيئة الجديدة. وقالت المعلومات إن قائد «فتح الشام»، أبو محمد الجولاني، سيكون القائد العسكري العام لـ«الهيئة»، ثم توالت بعدها إعلانات مشابهة لقياديين آخرين يمثلون القوة العسكرية الكبرى في «الأحرار».
والآن يهدد سقوط «الأحرار» بأن يكون الكيان المتشدد الجديد هو المسيطر شبه الوحيد لضعف فصائل الجيش السوري الحر مقارنة بـ«النصرة» وحلفائها، ما قد يؤدي إلى صبغ منطقة المعارضة في الشمال السوري بـ«اللون الأسود» أي لون تنظيم القاعدة، كما حذر معارضون سوريون. وهذا الأمر يجعل منطقة عمل قوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا تحت اسم «درع الفرات» هي المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة السورية.
من جهة أخرى، مع أن هذا السيناريو لا يزال بعيدا عن التطبيق، يراهن المعارضون السوريون على قدرة ما تبقى من تنظيم أحرار الشام على الصمود واندماجه مع بقية أطياف المعارضة السورية لتحقيق التوازن المنشود.
وكانت خطوة الاندماج في «الهيئة» الجديدة قد خرجت إلى العلن أمس ببيان لتشكيلات «جيش الفتح» و«حركة نور الدين زنكي» و«جيش السنة» و«لواء الحق» و«جبهة أنصار الدين». وبرّر البيان التشكيل الجديد بأنه أنشئ لمواجهة «المؤامرات التي تعصف بالثورة السورية والاحتراب الداخلي الذي يهدد وجودها»، ودعوا التشكيلات المعارضة الأخرى للانضمام إليهم من أجل «أن يكون هذا المشروع نواة تجمع مقدرات الثورة وتحفظ خط سيرها وتحقق أهدافها المنشودة بإسقاط النظام المجرم، وليعش أهل الشام بعزة وكرامة في ظل شريعة الرحمن».
ويأتي الاندماج بين المكوّنات الخمسة تحت قيادة هاشم الشيخ في «أحرار الشام»، الذي كان قد أسس سابقًا «جيش الأحرار»، ثم ألغاه، ليعود فينشق مجددا أمس. ويضم «جيش الأحرار» عددًا من الفصائل والكتائب في الحركة أبرزها «لواء التمكين» المهيمن على مدينة بنش ومحيطها في محافظة إدلب. وفي حين لم يعلن «جند الأقصى» انضمامه إلى التشكيل الجديد، إلا أنه رحب به بما قد يمهد لانضمامه إليه، كما الحزب الإسلامي التركستاني، الذي تردد أنه في طريقه للانضمام إلى «الهيئة» أيضا.
وبعد ساعة واحدة من قيام «الهيئة»، أعلن قائدها أبو جابر الشيخ عن وقف إطلاق النار الجاري بين «فتح الشام» والفصائل الأخرى، كما أعلن الإفراج عن نجل قائد «صقور الشام» الذي أسرته «فتح الشام» في المعركة تعبيرا عن «حسن النية». في المقابل، اتهم رئيس المكتب السياسي لتجمع «فاستقم» زكريا ملاحفجي، الجبهة بـ«محاولة السيطرة على إدلب ومناطق أخرى، لتحويلها إلى إمارة خاصة بها، وهذا يتوافق تمامًا مع فكر (داعش)». وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الجبهة «ترفض كل الحلول، لأنها تعرف أن أي حلّ سياسي يقود إلى إنهاء أصحاب الفكر المتطرف، ولذلك هم يقاتلون القوى الوطنية التي تختلف معهم فكريا وسياسيا».
وتابع ملاحفجي، الذي انضمّ تجمعه إلى «أحرار الشام» مؤخرا، أن «الأمور ذاهبة نحو التصعيد، فهم (فتح الشام)، إذا سيطروا على مناطق الشمال، بالتأكيد سيتصالحون مع (داعش)، لأنهم أصحاب فكر واحد»، مبديًا أسفه، لأن «جماعة نور الدين الزنكي تقف معهم في هذه الحرب»، مذكرًا بأن «خلاف الجولاني (أمير النصرة) وأبو بكر البغدادي (أمير «داعش») خلاف على السلطة والإمارة، وليس خلافًا فكريًا».
هذا، وتحاول «فتح الشام» حل أغلب الفصائل العسكرية في محافظتي إدلب وحلب، حيث استولت على مستودعات التسليح التابعة لـ«جيش المجاهدين» و«الجبهة الشامية»، كما أنها تواصل هجماتها على مواقع «ألوية صقور الشام» بجبل الزاوية، رغم إعلان الأخير موافقته على المبادرة الداعية للتحاكم الشرعي.
إلى ذلك حذّر قيادي عسكري في الجيش السوري الحرّ من «إمكانية سيطرة (النصرة) على مناطق واسعة في شمال سوريا». وأكد القيادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «رفض (النصرة) مبادرة (أحرار الشام) يعني حربًا مفتوحة، وقد وضعت الجميع أمام خيار من اثنين، إما قضاء الجيش الحرّ على هذا التنظيم، وإما أن تنجح (النصرة) في تحقيق هدفها، بتفكيك الجيش الحر وطرده من المنطقة»، مبديًا أسفه لأن «فرصة نجاح مشروع (النصرة) أكبر، لأن المعطيات لا تخدمنا، خصوصًا بعدما خرجنا من معركة حلب منهكين، وانخراطنا في قوات (درع الفرات)». وللعلم، كانت حركة «أحرار الشام»، قد أطلقت ليل الجمعة مبادرة بعنوان «إنقاذ وترشيد مسار الثورة»، بهدف وقف الاقتتال بين الفصائل في محافظتي حلب وإدلب. وقالت في بيان لها: «بعد اعتداءات عناصر (فتح الشام) على بقية فصائل المعارضة، من دون أي مبرر شرعي أو عقلي، فإن الحركة تطرح رؤيتها، قبل أن يغرق مركب الثورة في قتال لا طاقة لأحد به»، داعية إلى «وقف جميع أشكال التحشيد العسكري والاقتتال في جميع المناطق على الفور، ومن ثم العمل الفوري على احتواء جميع مقاتلي الفصائل المنضمة للحركة حديثا، ودمجهم داخل مكونات الحركة بشكل كامل، بما يحفظ المخزون البشري للثوار الشرفاء، من حصول ردات الفعل والتسرب، ومنع بقاء التكتلات وعودة الشتات».
وشددت «أحرار الشام» في بيانها، على «القبول بمبادرة أهل العلم، التي تنص على دعوة قادة الفصائل الموجودة حاليا في الشمال السوري إلى اجتماع عاجل خلال يومين، يتمخض عنه قيادة موحدة للمناطق المحررة تتمثل بمجلس شورى أعلى من قادة الفصائل وأهل العلم، وتمثيل سياسي وقيادة عسكرية ومرجعية شرعية وقضاء». وأوكلت الحركة إلى مجلس الشورى المشكل «مسؤولية إزالة العقبات وردم الفجوات التي أحدثتها الاعتداءات الأخيرة، لينتهي عمله بإعلان اندماج كامل للساحة خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، والاتفاق مع قيادة (فتح الشام) على تشكيل محكمة شرعية فورًا، من أجل النظر في أي خصومات أو دماء أو حقوق لأحد طرفي الاقتتال».
وأكدت قيادة «أحرار الشام»، أنه «في حال استمرت الجبهة في تحشيدها العسكري والهجوم على مقرات الحركة في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، وغيرها ورفضها المبادرة المطروحة، فإن الحركة ستبدأ في رد الصيال على دماء عناصرها ومقراتها»، مشددة على أن «النتائج وتبعاتها ستكون على الجبهة التي من تسببت بهذه الحال».
ولم يتأخر ردّ «فتح الشام»، حيث سارعت إلى رفض مبادرة «أحرار الشام». واعتبرت أن «الحل الصحيح هو بتشكيل قيادة عسكرية وسياسية واحدة بقيادة (أمير واحد) توضع بها كل المقدرات المادية والبشرية، ويذوب فيها أغلب الفصائل والتجمعات العسكرية».
ميدانيًا، شهد جبل الزاوية في ريف إدلب، ليل الخميس الجمعة ويوم أمس السبت، معارك عنيفة، بين «فتح الشام» من جهة، و«ألوية صقور الشام» وفصائل أخرى انضوت مؤخرًا تحت راية «أحرار الشام» من جهة أخرى. وأعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، أن الجبهة «تمكنت من السيطرة على إحسم بعد طردها سابقًا من المنطقة، إضافة إلى سيطرتها على أجزاء من الدانا»، مشيرًا إلى أن «المعلومات لا تزال متضاربة حول صحة سيطرتها على دير سنبل التي ستمكنها من الوصول إلى قرية سرجة، مسقط رأس قائد ألوية صقور الشام». وأكد أن «الجبهة اعتقلت نجل قائد (صقور الشام) مع عدد من المقاتلين الذين كانوا برفقته، قرب بلدة حرش بينين بريف إدلب».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.