بعد «آستانة» وقبل «جنيف»... المعارضة السورية مجددًا أمام امتحان تثبيت «وقف إطلاق النار»

المرحلة الفاصلة ستشهد العمل على إعادة تشكيل أو توسيع وفد «الهيئة» إلى سويسرا

بعد «آستانة» وقبل «جنيف»... المعارضة السورية مجددًا أمام امتحان تثبيت «وقف إطلاق النار»
TT

بعد «آستانة» وقبل «جنيف»... المعارضة السورية مجددًا أمام امتحان تثبيت «وقف إطلاق النار»

بعد «آستانة» وقبل «جنيف»... المعارضة السورية مجددًا أمام امتحان تثبيت «وقف إطلاق النار»

بعد انتهاء «مؤتمر آستانة» حول سوريا، وقبل أسبوعين من الموعد المقرّر لمفاوضات جنيف في 8 فبراير (شباط) المقبل، تقف المعارضة السورية أمام «الامتحان» نفسه لحسم موقفها النهائي بشأن الذهاب إلى سويسرا، وتحديدا الوصول إلى مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار، خلال عشرة أيام، في موازاة الضغوط التي تتعرض لها نتيجة إصرار روسيا وتركيا للمضي قدما بجهودهما أو خطّطهما لفرض حلّ في سوريا.
ورغم تأكيد المعارضة عدم بحثها أي «مسودة دستور روسية» في آستانة معتبرة الأمر محاولة لشق صفوفها، عادت موسكو وأكّدت عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أنها عمدت «إلى توزيع مشروع في آستانة يعتمد على اقتراحات طرحتها الحكومة السورية والمعارضة ودول المنطقة». وهو المشروع الذي من المتوقع أن يكون على طاولة بحث اللقاءات التي سيعقدها وزير خارجية روسيا مع نحو 25 شخصية سورية تلقت دعوات للقائه في موسكو يوم غد الجمعة، إضافة إلى نتائج مفاوضات آستانة، وقد يكون مفتاحا أيضا لتوسيع وفد المعارضة إلى جنيف تحت الضغوط، بحسب ما أشارت مصادر في المعارضة، لـ«الشرق الأوسط».
الدعوات للحضور إلى موسكو أرسلت بصفة شخصية، بحسب ما أكّد مصدر في المعارضة، لـ«الشرق الأوسط»، وبين المدعوين «شخصيًا» أنس العبدة رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» ورياض حجاب رئيس «الهيئة العليا للتفاوض» وحسن عبد العظيم رئيس «هيئة التنسيق»، ومعهم قدري جميل، مما يسمى بـ«منصة موسكو» وآخرون في منصتي القاهرة وحميميم، إضافة لممثل عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. وأكد المصدر أن الدعوات لم تشمل الفصائل العسكرية على اعتبار أنها كانت جميعها ممثلة في مؤتمر آستانة. هذا، ومن المتوقّع أن تبدأ المعارضة بإعادة تشكيل وفدها الذي سيمثّلها في سويسرا على أن يجمع بين شخصيات من الفصائل و«الهيئة العليا»، كما أشار هشام مروة، عضو «الائتلاف» الذي كان مشاركا في آستانة. وتابع مروة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن قرار المشاركة في جنيف أو عدمه «لن يكون سهلا إذا بقي الوضع على ما هو عليه لجهة الخروقات التي يقوم بها النظام السوري، وهي التي كانت قد قدّمت مقترحا وآلية لتثبيت وقف إطلاق النار».
ومن جهة ثانية، اعتبر المستشار القانوني أيمن أبو هاشم - الذي كان أيضا ضمن وفد المستشارين إلى آستانة - في تصريح لـ«الشرق الأوسط» مهمة المعارضة اليوم بعد «آستانة» «إعادة تقويم ما حصل ووضع آلية تنسيق بين المعارضة السياسية والعسكرية قبل موعد أي مفاوضات مقبلة». ورأى أبو هاشم أنّ عدم نجاح موسكو في تنفيذ وعودها لجهة ضمان وقف النار سيعني أن الذهاب إلى جنيف سيكون غير ذي فائدة، مشكّكا بقدرة موسكو على هذا الأمر لا سيما في ظل محاولات إيران والنظام لمنع التوصل إلى أي حل. وهذا ما أشار إليه أيضا، عضو المكتب السياسي في «الجيش السوري الحر» زكريا ملاحفجي، معتبرا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» «أن الأمر الوحيد الذي حقّقته موسكو في (آستانة) كان عقد المؤتمر وليس أكثر»، مضيفا: «وفي حين أثبت تركيا أنها قادرة على التأثير على المعارضة، كان الوضع مختلفًا بالنسبة إلى روسيا التي قدّمت نفسها كضامن ولم تنجح في مهمتها، وهو ما بات مستبعدا أن ينجح في المرحلة المقبلة».
وعاد مروة وأكّد عدم بحث المعارضة في «آستانة» «الدستور الروسي» (المسودة التي اقترحتها موسكو)، موضحا «رفضنا البحث به لقناعتنا أن مؤتمر آستانة كان مخصصا لوقف إطلاق النار، وهذا الأمر كان من خارج جدول الأعمال»، وأردف «قضية الدستور قضية سيادية، وهو من مهمة الجمعية التأسيسية على أن يخضع أيضا إلى استفتاء شعبي قبل إقراره، وليس من مهمة أي جهة خارجية».
في المقابل، قال قدري جميل، عضو «منصة موسكو» ورئيس جبهة التغيير والتحرير السورية، لـ«الشرق الأوسط» إن «وضع الدستور هو من مهمة لجنة خاصة على أن يتم عرضه في استفتاء، لكن قد تكون الخطوة الروسية تهدف إلى تحفيز الأطراف الروسية على التقدم في الحل السياسي». واعتبر أن مؤتمر آستانة، سمح للدخول إلى الحل من الباب العريض ومتوقعا أن اتفاق وقف إطلاق النار «يسير نحو الحسم النهائي».
ويوم أمس، أعرب محمد علوش، رئيس وفد المعارضة السورية لمؤتمر آستانة والقيادي في «جيش الإسلام»، عن عدم رضا المعارضة الكامل عن المؤتمر، نافيا ما تردد عن تقديم المعارضة تنازلات خلاله نتيجة لخسائرها الميدانية. كذلك نفى ما تردد عن نجاح النظام في استمالة فصائل عسكرية وإقناعها بالانضمام إليه مقابل منحها إدارات محلية وصلاحيات موسعة في المناطق التي تسيطر عليها. وقال علوش لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: وعدنا بأن ينفذ وقف إطلاق النار، وسلمنا ورقة تتضمن إجراءات وآليات ذلك الأمر إلى الأطراف المعنية، خاصة الجانب الروسي، ووعد أنه خلال عشرة أيام سيتم التوصل لاتفاقية يتم تطبيقها بين الطرفين بهدف تحسين الظروف المعيشية والإفراج عن المعتقلين.
وتابع علوش «لقد خرجنا بهذه الورقة... وبلغنا رسالتنا للعالم أجمع وسمع صوتنا ولم نخش مقابلة أحد... ولا نزال نصر على كل مواقفنا وفي مقدمتها رفض أي دور لإيران بحل الأزمة وكذلك بتشكيل مستقبل سوريا، فقط عليها الخروج منها هي وأدواتها لأنهم بحكم المحتل والمعتدي». وأكّد أن «الهدنة أي وقف إطلاق النار أمر مقبول، أما المصالحة فهي غير مقبولة».
من ناحية أخرى، أقر علوش بصحة ما تردد عن أن المعارضة ذهبت مضطرة لمؤتمر آستانة نتيجة انعدام الأفق في الحرب الراهنة وما تعرّضت له من خسائر كبيرة بالميدان، غير أنه شدد على أن «هذا لا يعني بأي حال تقديمها لتنازلات أو أن مؤتمر آستانة كان بمثابة وسيلة لفرض إملاءات روسية تحديدا على المعارضة كما ردد البعض».
وعلى صعيد «ائتلاف»، رأى أمينه العام عبد الإله فهد أن تحقيق الانتقال السياسي الكامل في سوريا هو الحل الوحيد لإنهاء معاناة الشعب السوري والقضاء على الأزمة الإقليمية والدولية الحاصلة. وأضاف: «أي حل سياسي في سوريا يجب أن يستند إلى بيان جنيف1 والقرار 2254 اللذين ينصان على ضرورة تحقيق الانتقال السياسي، إضافة إلى تلبية طموحات الشعب السوري في الانتقال إلى دولة الحرية والكرامة». وأضاف: «ملتزمون بالحل السياسي، وبمرجعية القرارات الدولية الخاصة بسوريا»، مشيرًا إلى أن أي حل «يحاول أحد الأطراف فرضه بالقوة لن يكتب له النجاح».
كذلك اعتبر فهد أن الحل العادل والقابل للتطبيق هو الذي يجتمع عليه الشعب السوري، بناءً على المرجعية الدولية والقرارات الأممية ذات العلاقة ولا سيما القرارين رقم 2118 و2254 والتي تم التوافق عليها بين القوى الدولية. ولفت إلى أن النظام وإيران يستخدمان قوتهما العسكرية لابتزاز المجتمع الدولي، وفرض مطالبهم خلال العملية التفاوضية، مشيرًا إلى أن قوات النظام والميليشيات الإيرانية تهاجم عددا من المناطق في سوريا أثناء انعقاد اجتماعات في الآستانة، وهو الأمر الذي يجب أن تنظر له روسيا والأمم المتحدة بعين الاعتبار.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.