مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

أكرم شعبان يؤكد لـ «الشرق الأوسط» تبني القناة لغة حيادية قدر الإمكان

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر
TT

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

مدير «بي بي سي» القاهرة: ليس لدينا توجه ضد مصر

استطاع المصري أكرم شعبان طوال سنوات عمله الـ18 مع مؤسسة «بي بي سي» البريطانية أن يتدرج في المناصب القيادية داخل مقر المؤسسة في لندن وصولاً إلى توليه مكتبها بالقاهرة.
وهو يقدم برنامجًا حواريًا أسبوعيًا (بتوقيت مصر) حقق نجاحًا كبيرًا في الشارع المصري، من خلال المقابلات الجريئة التي يجريها، والقضايا المصرية الحساسة التي يطرحها، لا سيما مقابلته مع السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة. وهو يقود العمل الإعلامي الإلكتروني والإذاعي والتلفزيوني في مكتب المؤسسة البريطانية في القاهرة، مع فريق مكون من 103 إعلاميين... وفيما يلي حوار معه عن تجربته مع «بي بي سي»:

* كيف بدأت مسيرتك الإعلامية؟ وهل كانت في الصحافة أم التلفزيون؟
- تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة، شعبة إذاعة، عام 1994، وعملت في قناة المعلومات المرئية مترجمًا، ثم في قطاع إنتاج التلفزيون رقيبًا، ثم التحقت بإذاعة الشرق الأوسط مذيعًا عام 1996، ثم تقدمت للالتحاق بإذاعة «بي بي سي» عام 1999. وهناك، قدموا لي عرضًا للعمل في لندن، وما زلت حتى الآن في «بي بي سي»، وقد تدرجت من منتج أخبار إلى قائد فريق عمل إلى «Newsroom Editor» في الإذاعة، وعملت مذيعًا ومقدمًا للبرامج الإخبارية. وحينما فتحت وظيفة مدير مكتب «بي بي سي» بالقاهرة، وجدتها فرصة جيدة للعودة لمصر، وكان ذلك بعد أيام من عزل محمد مرسي. وبالفعل، منذ 3 سنوات ونصف السنة، أتولى المكتب، وأقدم برنامج «بتوقيت مصر» الأسبوعي منذ عامين ونصف العام، بالمشاركة مع زملاء آخرين.
*تدرجت إذن في جميع فروع العمل الإعلامي، فأي منها تعتبره الأقرب إليك؟
- أنا من عشاق الراديو لأن متعته تكمن في أن الإعلامي يعكف على كل مراحل إنتاج المادة؛ إعدادها وتحضيرها وترجمة التقرير وتحريرها وعمل المونتاج وكتابة مقدمة لها، ويكون الإعلامي متحكم في كل شيء في المنتج الإعلامي؛ إني اعتبر الراديو أو الإذاعة مدرسة كبيرة جدًا، وهو الأقرب إلى قلبي. أما التلفزيون، فهو عمل جماعي يكون الإعلامي فيه ترس من التروس التي تعد العمل على الهواء، والنجاح مرتبط بفريق العمل وكل عنصر فيه، ولكن أنا فخور بتجربتي بوصفي مقدم برامج، ونجاح البرنامج، وتفاعل الجمهور معه.
* هل تعتبر التفاعل المباشر مع الجمهور عبر الـ«سوشيال ميديا» أمر إيجابي أم عنصر ضغط؟
- هي وسيلة مهمة، وفرصة إضافية واسعة للتواصل مع فئة الشباب، لأنه نادرًا ما نجد شابًا يتصفح الجرائد أو يتابع الراديو، ونحن في «بي بي سي» لدينا كتاب أسلوب يحدد المعايير التي تحكم علاقة الصحافيين بها، وكان لنا السبق بين الوسائل الإعلامية في عمل صفحات لكل البرامج وجميع الفقرات للتواصل مع الجمهور، والتعرف على استفساراتهم، ولكي نصل لقطاع كبير من الشباب المستهلك للـ«سوشيال ميديا»، ونحن نحرص على نشر مقاطع من برنامج «بتوقيت مصر». وبشكل شخصي، أنا حريص جدًا على التواصل مع الجمهور بشكل مباشر، وأسعد بكل التعليقات الناقدة قبل المشيدة لكي أبني عليها، ولكي يمكن لفريق العمل أن يحسن المنتج الإعلامي.
* ما المحاذير التي حددتها «بي بي سي» لتعامل الصحافيين مع الـ«سوشيال ميديا»؟
- أولها، ألا يعلن الصحافي عن رأيه بشكل مباشر في القضايا الشائكة والخلافية، وعدم تبني وجهة نظر معينة عبر الـ«سوشيال ميديا» حتى لا تضر بمصداقيته عبر الشاشة، لأننا ملتزمون بفكرة الحيادية والموضوعية. وأيضًا، إلى جانب القواعد العامة، عدم التحريض على العنف أو الكراهية على أساس الجنس أو الدين أو اللون. وبالطبع، السب والقذف، وعدم نقل أو مشاركة خبر يحتوي على ذلك.
* هل ترى أن «صحافة المواطن» ساهمت في مزيد من المصداقية للمؤسسات الإعلامية أم العكس؟
- لدينا برنامج «أنا الشاهد»، وهو قائم بشكل أساسي على تصوير تقارير من قبل المواطنين في أي مكان في العالم، فأي إنسان حتى لو كان في مجاهل أفريقيا ومعه كاميرا موبايل، بإمكانه أن يكون مراسلاً عبر شاشتنا، ولكن «بي بي سي» من أعمدتها الأساسية الدقة والحيادية والموضوعية، ونتعامل بحذر كبير مع كل ما يرسل لنا قبل مجرد التفكير فيها، والتيقن من أن كل شيء يسير بشكل دقيق، لأنه في كثير من الأحيان تنتشر على الـ«سوشيال ميديا» أشياء ليس لها واقع على الأرض.
* ما القصة الإخبارية التي تعتز بها؟
- هذا سؤال صعب. ولكن أعتبر برنامج «بتوقيت مصر» جاء في توقيت مناسب جدًا، حيث كان في مصر استقطاب شديد جدًا في الإعلام المصري، وما زال، ما بين معسكر «25 يناير» و«30 يونيو» و«الإخوان». وقد استطعت في البرنامج تقديم مجموعة مقابلات حصرية ومختلفة، ولم يكن متاحًا لأي قناة سوى «بي بي سي» أن تقدمها، ومنها مقابلتي مع السفير الإسرائيلي السابق في مصر الذي دعاه النائب توفيق عكاشة لمنزله، التي أثارت ضجة كبرى وقتها. وحينما رفض عكاشة الحديث عن الواقعة، فكرنا لماذا لا نقابل السفير؟! أي مؤسسة إعلامية أخرى لم تكن تجرؤ على التواصل مع السفارة الإسرائيلية للتنسيق للمقابلة، وقد كان لهذه المقابلة أصداء واسعة. وأيضًا مقابلة هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، بعد قرار عزله، كان لها ردود فعل قوية جدًا، على مستوى الجمهور أو وسائل الإعلام العربية والعالمية، لأن الجميع يعرف أننا لا نعمل لحساب أحد، ولكن نعطي فرصة لكل الأطراف للتعبير عن وجهة نظرها.
* أحيانًا يلوم البعض على «بي بي سي» أن لها توجه ضد مصر... خصوصًا بعد «30 يونيو».
- إطلاقًا، لأنه مثلاً «بي بي سي» لا تقول عما حدث في مصر أنه «انقلاب»، ولا تقول عنه أنه «ثورة»، لأنه كان هناك خلاف، وكان لا بد أن نكون حياديين، فقلنا «مصر بعد 30 يونيو» أو «مصر بعد 3 يوليو». ومثلاً، في تغطية الأحداث في فلسطين، لا نقول عن عمليات الفصائل الفلسطينية «عمليات استشهادية» ولا «عمليات إرهابية»، ولكن نقول عليها «هجمات»؛ نحن نتبنى لغة حيادية قدر الإمكان. وهناك سوء فهم كبير جدًا فيما يخص عمل «بي بي سي» لأنها ممولة من الشعب البريطاني، وهو من يدفع ميزانية المؤسسة من خلال ضريبة التلفزيون، وكل بيت في بريطانيا يدفع ضريبة نحو 146 جنيهًا إسترلينيًا، وتنفق منها «بي بي سي» بهدف الإعلام والترفيه والتثقيف. بكل صراحة، أعمل 18 سنة في «بي بي سي»، ولم يتصل بي أحد ليملي ما يجب عليّ فعله، وإنما كلنا نسير وفق المعايير الإعلامية للمؤسسة، وبالتأكيد كل مؤسسة بها أخطاء من وقت لآخر، ولكن نحن نعتذر عن أي أخطاء نرتكبها، ونوجه الزميل الذي ارتكب الخطأ، وإذا كان بحاجة لتدريب نوفر له ذلك لأنه في النهاية هذا جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب.
* هل تجد نفسك أحيانًا في صراع بين كونك مصريًا وتعمل لحساب مؤسسة أجنبية؟
- إطلاقًا، بل أصبح الحياد أو الموضوعية جزءًا من تكويني الشخصي حتى في أصعب اللحظات بعد ثورة 2011، وكانت المشاعر حينها مضطربة، وكنت في غرفة الأخبار الرئيسية في لندن، وكنا نعمل 24 ساعة لتغطية الأحداث المتتالية؛ كنا نحرص على الحديث لكل الأطراف من شباب في الميدان أو المقربين من نظام مبارك أو الإخوان بهدف توضيح الصورة والمعلومات أولاً بأول للناس، دون أي آراء شخصية. وكنا نسمع أن البلد تنهار، وأن هناك أناسًا تموت، ولكن كنا حريصين على أن نقدم عملنا بعيدًا عن أي مشاعر شخصية.
* هل تعتبر أن فترة ثورة يناير أصعب فترة مرت عليك في المجال الإعلامي؟
- أعتقد ذلك لأن الأمور كانت تتطور كل ساعة، وكانت الثورات مشتعلة في كل أنحاء العالم العربي؛ في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن ضد الأنظمة والديكتاتوريات العربية، وخلق هذا ضغطًا رهيبًا جدًا على جميع غرف الأخبار في العالم، وكان لدينا عجز في فريق العمل، من حيث العدد في «بي بي سي»، ولكن تمكننا من نقل الصورة بكل دقة، وبأكبر قدر من الموضوعية.
* برأيك، لماذا لا توجد قناة مصرية تنافس القنوات الإخبارية العالمية أو العربية؟
- الإعلام المصري يعاني من أزمات كثيرة جدًا، ومن دخول عناصر ليست على مستوى المهنة، ويعاني من مشكلات مالية رهيبة، وهناك تداخل رهيب بين الإعلان والإعلام، وأصبح الإعلان هو الذي يقود الإعلام، ولا بد من وجود فصل تام، وأيضًا أن يكون هناك فصل بين الإدارة والملكية، فهو تداخل مخل أدى لوجود إعلام رجال أعمال له مواقف معينة، بعيدًا عن الموضوعية والقواعد والضوابط الحاكمة للعمل الإعلامي.
* بالنسبة لقانون تنظيم المؤسسات الإعلامية الجديد الذي سيتم صياغته، هل ترى أنه سيكون مفتاح الحل؟
- بحسب اللقاءات التي أجريتها مع عدد من الخبراء والمتخصصين، أعتقد أنه لا يوجد تفاؤل كبير، وهناك قلق كبير بخصوص إمكانية تقييد حرية الإعلام، ولكن ربما يجب الانتظار لرؤية كيفية تطبيق القانون ونتائجه على الأرض.
* هل لديك قدوة في مجال العمل الإعلامي؟
أعتقد أنني تأثرت جدًا بالمذيع جيمي ميتاكسمان، ومذيع في القناة الرابعة بالتلفزيون البريطاني يدعى جون سنو، وكنت من المتابعين لهما، وأُعجبت بالحرية التي يتمتعان بها في طرح الأسئلة. ولكن أعتقد أن كل فرد بتجربته ومشواره المهني يخلق بداخله معلمه الخاص لأنني في أثناء المسيرة وجدت أشخاصًا أخطأوا أخطاء كبيرة، ويمارسون انتهاكات صارخة في حق المهنة، ودائما أحمد الله على أنني لم أرتكبها.
* ما النصيحة التي توجهها للمراسلين البريطانيين في أثناء عملهم في مصر؟
بشكل عام، نحن نعمل بحرية تامة في مصر، ولا توجد علينا أي ضغوط، ونمارس عملنا بحرية تامة في إطار القواعد والضوابط الحاكمة لعملنا، ونقول ما نقول بكل دقة، وعلاقتنا بالسلطات المصرية علاقة جيدة جدًا. صحيح أننا نختلف معهم بين الحين والآخر، لكنهم يعرفون أننا نعرض الرأي والرأي الآخر. ودوما أقول للزميلة المراسلة الإنجليزية التي تغطي أحداث مصر أنه ما دمنا نؤدي عملنا بالمهنية والدقة والتوازن والحرفية المطلوبة، فإنه لا داعي للقلق.
* ما أهم قاعدة تنطلقون منها في عملكم؟
- أهم قاعدة لدينا «الصحافي أهم من السبق»، ودائمًا ما أحرص على الإنسان أو الصحافي، خصوصًا في مناطق الاشتباكات أو العنف أو المظاهرات، وألا يضع نفسه أبدًا في طريق الخطر، وألا يعرض نفسه أو فريقه لأي خطر من أجل السبق، لأن الأهم هو الإنسان.
* من خلال خبرتك الإعلامية، كيف كنت ستتصرف لو كنت في المؤتمر الصحافي الأول لترامب؟
- أعتقد أنه لا يوجد ما يمكن أن يمنع الصحافي من أداء عمله، وجميعنا نحاول أن نؤدي دورنا وسط ظروف صعبة حيثما كنا، وأينما كنا، وفقًا لما يمليه علينا ضميرنا، وخصوصًا في الوطن العربي حيث إن هناك أوضاعًا سيئة، ولكن في النهاية الصحافي يجب أن يؤدي دوره بغض النظر عن أي شيء.
* كيف توازن بين عملك الإعلامي بوصفك مدير مكتب ومقدم برنامج وحياتك الشخصية؟
أعمل من 8 إلى 10 ساعات في المكتب، ويومي يبدأ من العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساء، ودائمًا ما أتابع العمل من المنزل، عبر نظام البريد الداخلي. ولديّ نحو 103 صحافيين من أفضل الصحافيين؛ على أعلى مستوى من الكفاءة. وكلنا مع فريق لندن نعزف في أوركسترا واحدة لتقديم أفضل منتج تلفزيوني وإلكتروني وإذاعي.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».