خريطة ولد الشيخ ليست وحدها المتغير في اليمن

تصاعد الخلافات الانقلابية الداخلية أمام تقدم عسكري سياسي اقتصادي للشرعية

المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى زيارته صنعاء أكتوبر الماضي (غيتي)
المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى زيارته صنعاء أكتوبر الماضي (غيتي)
TT

خريطة ولد الشيخ ليست وحدها المتغير في اليمن

المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى زيارته صنعاء أكتوبر الماضي (غيتي)
المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لدى زيارته صنعاء أكتوبر الماضي (غيتي)

يحزم المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، ملفاته وأوراقه مع حقائبه، استعدادا للوصول إلى اليمن خلال هذه الأيام، حاملا ورقة أممية جديدة.
ويبدو أن خريطة ولد الشيخ ليست الوحيدة التي طالها التغيير، فخريطة المعطيات السياسية والعسكرية والاقتصادية تغيرت منذ مغادرة المبعوث في آخر جولة (مكوكية كما يفضل تسميتها) في المنطقة، شهر ديسمبر (كانون الأول) 2016، تغيرت، وحتى العلاقات الانقلابية - الانقلابية تغيرت هي الأخرى، وباتت خلافات الانقلاب طافية على السطح.
سياسيا، الحكومة اليمنية ورئيسها عبد ربه منصور هادي يقيمون في عدن. اقتصاديا، وزعت الرواتب، وطبعت عملة جديدة. عسكريا، الحوثيون وصالح محاصرون في أغلب الجبهات، وتعز الصامدة بدأت تلفظ جيوب الميليشيات من الغرب، وشرعت في عمليات «الرمح الذهبي».
ويرى مسؤولون يمنيون وخبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، أن الحكومة اليمنية بالفعل استطاعت أن تعد لجولة مفاوضات تحقق فيها السلام، واستقرار البلاد والالتزام والأمن.
يقول عبد العزيز جباري، نائب رئيس الوزراء اليمني وزير الخدمة المدنية: «نريد إنهاء الانقلاب وعودة السلام إلى البلاد».
ويضيف أن «الشرعية تساند أي جهود دولية تهدف إلى تعزيز السلام في البلاد». مشددا على أن خيار الحرب لا تطلبه الحكومة الشرعية، وليست من دعت إليه، «وإنما فرض عليها عبر السيطرة على أجهزة الدولة بقوة السلاح».
في حين يرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن هناك تراجعا إلى حد ما عما أعلنه كيري، وهناك بالفعل متغير على الأرض لا يمكن أن يتجاوزه المبعوث الأممي. ويقول: «خريطة التواجد الفعلي سواء في الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية، تفرض نفسها على أي مسار للحل»، مضيفا: «إذا لم يكن هناك تغيير جوهري على الورقة السابقة، فإن الواضح أن هناك مرونة في كل الأحوال وتراجع عن تصريحات بأنها رؤية غير قابلة للتعديل... وننبه على أن هناك تسريبات تفيد بتأجيل المسار السياسي حتى يتم ضمان المسار العسكري والأمني».
وكانت آخر دولة زارها بعد السعودية، قطر، التي أعلنت دعمها للجهود الرامية لحل الأزمة اليمنية، والتوصل إلى حل سياسي وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة مجلس التعاون ومخرجات الحوار الوطني اليمني.
والتقى الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وزير الخارجية القطري، إسماعيل ولد الشيخ في الدوحة قبل أيام، وجدد وزير الخارجية القطري، خلال اللقاء، دعم دولة قطر التام لوحدة اليمن وضرورة الحل السياسي للأزمة.
وبحسب مصدر قطري رفيع المستوى، فقد أطلع ولد الشيخ الجانب القطري على آخر المستجدات وناقش إمكانات استئناف محادثات السلام، وطلب دعم دولة قطر للاستمرار في جهودها في التواصل مع الحكومة الشرعية، وبحث إمكانات التعامل مع خريطة الطريق والبدء في محادثات السلام. وقال المصدر إن دولة قطر عبّرت للمبعوث الأممي عن «دعمها لجهود الأمم المتحدة في إيجاد حل سياسي للأزمة في اليمن، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة مجلس التعاون ومخرجات الحوار الوطني اليمني».
من جانبه ذكر ولد الشيخ، في بيان نشره على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، إنه «عقد اجتماعا مطولاً في قطر مع وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، لبحث أولويات المرحلة المقبلة، لضمان حل سياسي سلمي في اليمن».
إلى ذلك، تصاعدت الخلافات بين القوى الانقلابية في اليمن، وتمثل ذلك في عدة عوامل ظهرت على السطح، ومن بينها اختباء قيادات الانقلابيين، وتنافس الولاءات فيما بينهم، إضافة إلى حدوث انهيارات وهلع في صفوف القوات العسكرية التابعة للقوى الانقلابية.
وأشار الباحث السياسي اليمني نجيب غلاب إلى أن الحوثيين باتوا مقتنعين بأن سيطرتهم على قبائل أعلى اليمن والمؤسسة العسكرية تقتضي إضعاف كل القيادات المحيطة بصالح، منوهًا إلى أن الحوثيين قلقون من أي عمليات ثأرية داخل المجتمع اليمني ضدهم، مؤكدًا أن كل طرف من أطراف الانقلاب يقود معارك ضد الطرف الآخر، وسعوا أخيرًا إلى بناء توازن وحراك فيما بينهم، إلا أن التهور من طرف الحوثيين لن يساعد على بناء الشراكة فيما بينهم، وتمثل ذلك في تصفية كل الرموز التي تحسب على ما يسمى المؤتمر الشعبي العام، الموالي لصالح.
وأكد نائب رئيس الوزراء اليمني، «احتدام الخلافات والصراعات بين الحوثيين وأتباع صالح»، ومن ذلك ما فعله صالح «من إحداث تغييرات في حراساته وقيادات الحرس الجمهوري بهدف تأمين حياته وتشديد الرقابة على الحوثيين»، وهو أمر معلوم لدى الحكومة الشرعية، إذ إن بين تلك القوى الانقلابية عداء واضحا واختلافا في الأهداف والمشروعات.
وبطريقة أخرى، يرى عبد الله إسماعيل، الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أن الخلاف موجود منذ البداية، وهو نتيجة لاختلاف أهدافهم. صالح يريد الانتقام والعودة إلى المشهد السياسي، والحوثيون يريدون تحقيق أهداف خارجية. ويقول: «مهما اتفقوا فستتضح الفجوة بينهما. الحوثي يتعامل مع جماعة صالح على أنهم الحلقة الأضعف، فهم يتعرضون للاستهداف المباشر وأُقصي بعضهم عن المناصب الحكومية... ومن أبرز علامات الخلاف أن الحوثيين ذهبوا إلى مسقط ووقّعوا من دون علم صالح».
وأشار جباري إلى أن الحكومة الشرعية لا تراهن على عامل الخلافات بين القوى الانقلابية كعامل حسم في الصراع الدائر في البلاد، إذ إن الميليشيات الحوثية وقوات المخلوع صالح مختلفة فيما بينهم، وجمعهم هدف واحد في الوقت الراهن، هو الانقلاب على الشرعية.
وشدد الوزير في الحكومة الشرعية اليمنية، على أن المراهنة على خلافاتهم لا تجدي نفعًا، معولاً على العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، لبسط سيطرة الشرعية في داخل الأراضي اليمنية أكثر مما هي عليه في الوقت الراهن، منوهًا إلى أن تلك القوى حتى لو جمعها قاسم مشترك واحد، فإن الخلافات فيما بينهم متجذرة وقديمة، مبينًا أن تلك الخلافات صاحبها اختباء للقيادات الانقلابية، وتنافس الولاءات.
ويعود عبد الله إسماعيل بالقول إن «المصلحة إذا لم توائم اتفاقهما فستجمعهما الضرورة المتمثلة في المصير المشترك. وصالح يرى أن الحوثيين إذا انهزموا فسيُحسب انهزامهم عليه وعلى قواته».
ويصف نجيب غلاب الصراع بأنه بات «واضحا ومعلنا بين أطراف الانقلاب»، وتمثل بين ضباط الجيش الذين يتبعون الحوثيين من جهة، وكوادر المؤتمر الشعبي العام التي تعمل داخل مؤسسات الدولة من جهة أخرى، منوهًا إلى أن «حزب صالح تتم محاصرته وتصفية كل الكوادر الموالية له، وتعيين بدلاء لهم موالين للحوثيين، أو العمل على كسب ولاءات لقيادات ميدانية»، لافتا إلى أن الميليشيات الحوثية لديها تصور بأن التخلص من الدائرة المحيطة بصالح يؤدي إلى ذهاب القوة بالكامل في مناطق أعلى اليمن، وداخل المؤسسة العسكرية لصالحهم.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.