سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

قراءة دينية وسياسية

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني
TT

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

سيناريوهات ما بعد مرجعية السيستاني

تطرح الأوضاع العامة في كل من العراق وإيران علامات استفهام حول مستقبل المرجعيات الدينية، ولا سيما، في ظل التقارير عن الوضعين الصحيين لعلي خامنئي «مرشد الثورة» في إيران، وعلي السيستاني، المرجعية الأبرز في النجف الأشرف بالعراق. والحقيقة، أنه لم يُطرح السؤال عن خليفة المرجع الديني لدى الشيعة الإمامية، النجف تحديدًا، بالزخم الذي أخذ يُطرح به بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979. والسبب، على ما يبدو، أن «الولي الفقيه» الذي مقره طهران، هو المرجع «الديني» و«الدنيوي» الرسمي بمنزلة «نائب الإمام الغائب المنتظر»، وغدا منافسًا لبقية المراجع. وعلى غير العادة التي يبرز فيها المرجع الديني، أنه يأتي بتعيين مثلما حدث بعد وفاة آية الله الخميني عام 1989، وعُين مرشد الثورة حالي علي خامنئي، الذي يجمع بين زعامة السلطة والدين معًا.
كذلك الأمر له علاقة بالموقف من فكرة «ولاية الفقيه» نفسها؛ إذ الكثير من مراجع الشيعة الإمامية الكبار، لا يُقرون بها، بل يُقرون بولاية الفقيه «الحُسبية»، ما يخص أموال القاصرين والتقليد في الفروع دون الأُصول؛ فالأُصول لا تقليد فيها، أي يكون مرجع التقليد المعروف مثلما درجت عليه العادة منذ زمن بداية المرجعية الدينية. أما «ولاية الفقيه» فلم يقرّها لا الأولون ولا المتأخرون، حتى المرجع الحالي آية الله علي السيستاني. كذلك، لا يقرها مراجع يعيشون بمدينة قم الإيرانية نفسها، أما تبريرها بمشهورة أبي خُديجة وصحيحة ابن حنظلة عن الإمام جعفر الصادق فهذا يخص «الحسبية» الخاصة وليست «الولاية العامة» التي هي «ولاية الفقيه».
من غير الصحيح أن يُحدد الخلاف بين أصحاب فكرة «ولاية الفقيه» ومخالفيها بين قم والنجف؛ لأن قم نفسها، وهي مكان الحوزة الدينية التي نشأت حديثًا، أي في العقد الثاني من القرن العشرين (1921)، على يد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ت1937)، لم تُسلم فقهيًا بـ«ولاية الفقيه». وليس من تقاليد هذه الحوزة والمرجعيات التي نشأت فيها الإقرار بهذه الولاية، فإذا أخذنا كبار الفقهاء المراجع السابقين فيها، كحسين البروجردي (ت1961) ومحمد كاظم شريعتمداري (ت1985)، مثلاً، نجد أنهما لم يقرّا بها، إنما إذا أُريد أن يُعبر عن هذا الخلاف بين «المدرستين» أن يكون بين طهران والنجف لا بين قُم والنجف؛ فـ«ولاية الفقيه» معلنة ومركزها في العاصمة الإيرانية طهران.

مراجعة تاريخية
منذ تأسيس المرجعية الدينية الشيعية في بغداد على يد محمد بن محمد النعمان، المعروف بابن المعلم الشيخ المفيد (ت413هـ)، وهو عربي من منطقة عكبرى، القريبة من بغداد، لم يُعرف هناك أزمة في خلافة مرجعية المذهب. ولقد حصل تأسيس الشيخ المفيد للمرجعية آنذاك بعد انتهاء فترة النواب أو «سفراء المهدي المنتظر» الأربعة، وقد تولوا زمن «الغيبة الصغرى» (260 - 329هـ)، وهم: عثمان العمري الأسدي (ت280هـ)، ونجله محمد بن عثمان (ت305هـ)، وحسين النوبختي (ت 326هـ)، وعلي السيمري (ت 329 هـ). وبوفاة الأخير بدأ زمن «الغيبة الكبرى»، وعهد المراجع واجتهاد الرأي، وانتهى العمل بالسياسة المباشرة، فهي من شأن الإمام الغائب (انظر: الطوسي: «كتاب الغيبة»).
بعد الشيخ المفيد والشريف المرتضى (ت 436هـ) انتقلت المرجعية إلى النجف، وأعاد تأسيسها عام 448هـ هناك محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، المعروف بـ«شيخ الطائفة»، وذلك بعد النزاع الطائفي في العهد السلجوقي (بدأ 447هـ). ويمكن اعتبار النجف منذ ذلك التاريخ جامعة متفردة للفقه الإمامي، ومركزًا للحوزة الدينية ومقرًا للمرجعية، وكم تأسست حوزات دينية خارجها، لكن الطامح بالاجتهاد ظل يشرئب إليها، وكأن لا اعتراف به من دون الدراسة فيها، وصارت من أكثر المدن حفاظًا على العربية وآدابها؛ لأن تعليمها أساس الدراسة.
ولم يجر الحديث، حتى في الزمن القريب، عن «خلافة المرجعية» مثلما اليوم، فيذكر أنه بعد وفاة البروجردي أبرق شاه إيران إلى السيد محسن الحكيم (ت1970) معزيًا. وعُد ذلك، في وقتها، دعمًا للحكيم في تولي المرجعية واعتراف إيران به (رافسنجاني، حياتي)؛ وذلك كي يمنع شاه إيران وصول من يعارض سياسته كآية الله عبد الهادي الشيرازي (ت1962)، المتفوق علمًا وحضورًا. وبعد وفاة المراجع الذين يعدون أعلم أو مساوين للحكيم تراه تفرد بها، بمعنى أصبح البارز بين بقية المراجعة؛ لأن التقليد الشيعي لا يحصر أو يشترط المرجعية بفقيه واحد، إنما يبرز أكثر من غيره، حسب سعة التقليد وكثرة الطلبة. ولما توفي الحكيم تولى المرجعية، بلا أي نزاع، أبو القاسم الخوئي (ت1992)، وكان ذلك قبل تفجر الثورة الإيرانية.

بعد وفاة الخوئي
لكن بعد وفاة الخوئي كثر الجدل عن المرجعية؛ فالدولة العراقية كانت تحاول دعم صعود مرجع عربي، وحقًا دعمت البعض بهذا الاتجاه، لكنها لم تفلح بذلك؛ لأن تقاليد المرجعية لها علاقة بالأعلمية أولاً، وثانيًا ليس من تقاليدها الأخذ بالعرق سببا لها، أما لماذا هيمن الأعاجم على المرجعية؟ فهذا له علاقة بالدراسة والتفرغ لها تمامًا وتحصيل الخمس وسعة التقليد والشهرة في التدريس.
وما يخص خلافة السيد أبي القائم الخوئي (ت1992)، وقبل تسلم مقاليد المرجعية من قبل آية الله السيستاني، فإن هناك منْ أشار إلى آية الله السيد نصر الله، المستنبط (ت 1985)، الذي كان أحد من العلماء الكبار، ومن أساتذة الحوزة في العقائد، إلا أنه توفي في حياة الخوئي.
كذلك، كان بين الخوئي ومرجعية السيستاني مجتهد آخر كبير، هو أبو الأعلى السبزواري (ت1993)، لكن مرجعيته لم تطل سوى بضعة شهور بعد الخوئي. وقيل أن السلطة في بغداد كانت تُضيق كثيرًا على مرجعيته، حتى هُجّر بعض أولاده إلى خارج العراق. وبديهي أن قوة المرجع تُحسب بتخويله من قبل السلطة قبول الطلبة الأجانب والبت بإقاماتهم، وهذا ما سُحب من المراجع بعد الخوئي، وسُلمت إلى من يُراد أن يكون بديلاً.

مرجعية السيستاني
بعد وفاة السبزواري تولى المرجعية السيستاني، وكانت الظروف صعبة للغاية، فعندها اغتيل المجتهدان الشيخ مرتضى البروجردي والميرزا علي الغروي (عام 1998)، وهما من المراجع الموازين للسيستاني، وكانا يمكن أن يكونا المرشحين لخلافته أو يكفلا حضورًا موازيًا له.
بعد ذلك، حصرت المرجعية في النجف بأربعة مراجع، هم: آية الله إسحاق فياض (أفغاني الأصل)، وبشير النجفي (باكستاني)، ومحمد سعيد الحكيم (عراقي) ورابعهم والأعلى بينهم علي السيستاني (إيراني). وكل واحد من هؤلاء الثلاثة الأجانب اتخذ من النجف مستقرًا، ومن يتخذ النجف مستقرًا يصبح العراق مستقره، فالمذهب مثلما هو الدين عابر الحدود والجغرافيا. ولكلٍ من هؤلاء مقلدوه من الهند وإيران والخليج على العموم، وحيث يعيش الشيعة الإمامية. وكم من مرجع عربي كان مؤثرًا في ملوك إيران، مثل الشيخ جعفر الكبير (ت1812) جد أسرة كاشف الغطاء العراقية المعروفة.
منذ قدم آية الله علي السيستاني إلى النجف عام 1951، فإنه غادرها في شبابه إلى إيران لستة شهور فقط، ثم غادرها لفريضة الحج مرتين ومرة أخرى للعلاج في العاصمة البريطانية لندن، أما عدا ذلك فظل قابعًا بها حتى يومنا هذا. بل والكثير من المراجع وصلوها صبيانًا ودفنوا في تربتها شيوخًا، لتصبح وطنًا، ومنها يكون الاهتمام بالشأن العراقي عند الضرورة، مثلما حدث بعد 9 أبريل (نيسان) 2003.
واليوم يجري كلام كثير عما يميز النجف عن إيران، ولا نقول قُم لأن في قُم من لا ينسجم من فقهاء المذهب، مع «ولاية الفقيه»، أي «الدولة الدينية»، مثلما تقدم الحديث.

لا «ولاية فقيه» في النجف
ليس لنا عند الحديث عن توجه مرجعية النجف مما يُقال في الإعلام، أو ما يُكتب بلا علمٍ ودراية، على أنها تطرح «ولاية الفقيه» أو أنها مع «دولة دينية»، بل نستقي الخبر من الفتاوى والتصريحات الصادرة من الدار المتواضعة في زقاق من أزقة النجف، وهي ما زالت مؤجرة وليست ملكًا (الصغير، أساطين المرجعية العليا). ويستطيع المهتم أن يُتابع تلك الفتاوى والتصريحات وخُطب الوكلاء من الموقع الرسمي للمرجعية، ثم صدرت جميعها (2003 - 2013) في «النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية» أعده ممثلها حامد الخفاف.
قدمت لنا تلك النصوص أن المرجعية في النجف مع دولة مدنية، وهذا غير منسجم مع فكرة «ولاية الفقيه»، وليست دينية مثلما يصبو الإسلام السياسي الحاكم بالعراق حاليًا. وحقًا، توجهها مخالف لفكرة «الولي الفقيه» مثلما تتخذها إيران نظرية للحُكم. وهنا تأتي خطورة أن يتولى أحد المراجع القريبين من حزب «الدعوة الإسلامية» مثل الشاهرودي والحائري، فهما يتبعان «ولاية الفقيه» الإيرانية، وهذا ما يسعى إليه أتباع طهران العراق في حالة فراغ المرجعية، ولقد سمى أحد الخطباء الحاليين هذا السعي من قبل الدعوة بـ«استيراد المراجع»! وردت مرجعية السيستاني على استفسار «هل تحبون أن تكون دولة العراق مثل دولة إيران الإسلامية»؟ بالنفي القاطع. وعندما سُئلت المرجعية عن دورها السياسي جاء الجواب من مكتبها مكررًا «سماحة السيد لا يُطالب موقعًا في الحُكم والسلطة، ويرى ضرورة ابتعاد علماء الدين عن مواقع المسؤوليات الإدارية والتنفيذية».

تحدي المستقبل
يبلغ آية الله علي السيستاني من العمر (87 سنة)، وهذا ما يدفع كثيرون إلى الحديث عن خلافته في هذا الظرف الصعب، والتنافس بين مراجع التقليد والمراجع، الذين يمكن اعتبار غالبيتهم منهم بالسياسيين، مع وجود تأثير كبير لـ«ولاية الفقيه» عليهم. وبطبيعة الحال، ليس هناك من ينفي رغبة طهران أن يبرز مرجع داخل النجف متوافق معها، فكرًا وتوجهًا سياسيا، لكن هذا على ما يبدو غير موجود في المراجع الثلاثة، الذين يؤلفون المرجعية مع السيستاني.
كذلك، للأحزاب الدينية مراجعها، وهم من تلاميذ محمد باقر الصدر (أعدم 1980) ومحمد محمد صادق الصدر (قُتل 1999)، وهؤلاء يطرحون أنفسهم بصفتهم مراجع وآيات الله، وبعضهم يتحدث ضد المرجعية الدينية الحالية، يُشيرون إليها بـ«الساكتة» أو «الصامتة». على أن المرجعية التي ينشدونها هي المرجعية «الحركية» أو ما يُطلق عليها بـ«الرشيدة». وهذا نقاش نشط إبان حياة محمد باقر الصدر، الذي كان يعتبر آية الله الخميني مثله الأعلى (انظر: النعماني: «السيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار»).
على صعيد آخر، وكما سبقت الإشارة، إذا علمنا أن كل مجتهد يبرز إلى المرجعية لا بد أن يحتاج إلى دعمين مادي ومعنوي، مع توافر الشروط فيه، من ناحية الأعلمية والنقاوة والورع، وغيرها من الصفات. ولقد دعمت «مؤسسة الإمام الخوئي» مرجعية السيستاني، في الخارج والداخل وبقوة، وبشرت به مرجعًا (حسب تقرير الشعبة الخامسة عشرة في مديرية الأمن العامة والمختصة بالمرجعية الدينية). ومعلومٌ أن مكانته العلمية كانت مناسبة للمرجعية، وهذا الدعم يحتاج إليه المرجع – وبالأخص – بوجود منافسين وظرف استثنائي، مثلما كان حال العراق والمرجعية الدينية عند وفاة الخوئي.

بدائل سابقًا ولاحقًا
كان يمكن اعتبار السيد محمد باقر الحكيم (قُتل 2003) مرشحًا وبقوة، بعد السيستاني، لو كان على قيد الحياة؛ إذ عاد من إيران وتفرغ للمرجعية الدينية، يدعمه تاريخ مرجعية والده محسن الحكيم، وتراث الأسرة بالنجف. ومنذ خطابه الأول بعد العبور من إيران إلى العراق تحدث عن دولة مدنية، وهو الذي كان يجد نفسه قرينًا لعلي خامنئي، ولم يكن يشعر بأن خامنئي أعلم منه، ولئن كان يلتزم به كـ«ولي المسلمين» داخل إيران، فهو بعد سقوط النظام العراق السابق صار في حلٍ من ذلك. لكن الأمر انتهى وانتهت أحلام إعادة مرجعية إلى آل الحكيم بشخص محمد باقر عندما قتل في تفجير كارثي بالنجف خلال شهر أغسطس (آب) عام 2003.
اليوم يطرح محمد علي اليعقوبي، فقيه حزب الفضيلة، نفسه مرجعًا، وعلى وجه الخصوص في حزبه. ولكن يصعب اعتباره من المنافسين على المرجعية العليا، أو أن يرنو إلى الحلول محل السيستاني. وهناك السيد محمود الحسني الصرخي، وهو أيضًا يطرح نفسه مرجعًا على جماعة من أتباعه، وكثيرًا من يتحدث ضد المرجعية الممثلة بالسيستاني، بيد أنه أيضًا ليس بالموقف الذي يؤهله لطرح اسمه أو التصدي للمرجعية العليا. وتجدر الإشارة إلى أن الصرخي واليعقوبي كانا مهندسين أكملا الدراسة في كلية الهندسة، ثم اتجها إلى الدراسة الدينية عند محمد محمد صادق الصدر. واعتمرا العمامة، في أجواء الحملة الإيمانية التي أطلقها النظام السابق (1993).
وبطبيعة الحال، لا عمار الحكيم ولا مقتدى الصدر، على الرغم من حضورهما السياسي في جماعتيهما، ومن أنهما من معتمري العمائم ومن أبناء أُسرتين دينيتين عريقتين، من الخيارات الواردة أو المحتملة، إذ يعتبران خارج نطاق التصدي للمرجعية تمامًا.

الحائري والشاهرودي
في ضوء هذا الواقع يبقى في الميدان فقيهان سياسيان، انتظما في حزب الدعوة الإسلامية، ومن تلاميذ محمد باقر الصدر، هما محمد كاظم الحائري ومحمود الهاشمي الشاهرودي.
الأول إيراني ولد في مدينة كربلاء العراقية، ويعيش منذ أواسط السبعينات بإيران. والثاني اعتقل داخل العراق في السبعينات ثم هاجر إلى إيران، وينسب إليه التنسيق مع محمد باقر الصدر بعد نجاح الثورة الإيرانية، وتولى بعد الثورة منصب رئاسة القضاء الإيراني، وقبل ذلك أصبح رئيسًا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، لعام واحد (ولعله 1982 - 1983).
هذان الفقيهان السياسيان مدعومان من قبل حزب الدعوة، ولهما مكاتب في كل من قًم والنجف، غير أنهما يبقيان حزبيين، مع تفرغهما للاجتهاد. ولقد كان الحائري فقيه حزب الدعوة، بعد الثورة الإيرانية، ثم اختلفت القيادة معه، عندما أراد أن يكون القرار النهائي بيد الفقيه (الشامي، المرجعية من الذات إلى المؤسسة)، وهذا جزء من الإيمان بولاية الفقيه. وبعدها خرج من التنظيم الحزبي، لكنه ظل معه معنويًا، وعندما ضُيق على نوري المالكي (2010) أصدر فتوى بتحريم انتخاب العلماني، وكانت إشارة إلى رفضه ترؤس إياد علاوي الوزارة، بعد فوز قائمته آنذاك.
وهكذا، نجد أمام هذه الشخصيات صعوبات جمة، رغم الدعم الحزبي، في تولي المرجعية الدينية. ومثلما هو معروف، فإن ظهور المرجع لا يتحقق بتعيين. وليس هناك «دخان أبيض» يظهر علامة لاختيار المرجع، كما هو الحال مع انتخاب بابا الفاتيكان. ثم إن «خلطة» السياسة والحزبية عادة ما تكون حائلاً مع التقليد الديني، لكن ربما تسهل الأحزاب، كحزب الدعوة، الأمر ومن مركز المال والقوة، وعلى وجه الخصوص باحتواء العشائر الشيعية.

تغير الأحوال
لقد تغيرت أحوال المرجعية الدينية، كتغير بقية مناحي الحياة داخل العراق. ومن الجائز أن تصيبها حال الفوضى، لأنها مبنية أساسًا على اللانظام؛ إذ ليس هناك من تقليد يحميها من التشرذم والفوضى. وهنا نشير إلى أنه عندما تسلم السيستاني المرجعية من الخوئي استطاع حمايتها من السياسة، إلى جانب أعلميته وعدم وجود منافس له، بل إن الجميع من تلاميذه. لكن الأمر يختلف بعد السيستاني، وإذا ما تسلمها أحد المراجع الثلاثة (فياض والنجفي وسعيد الحكيم) الذين تقترب أعمارهم من عمر السيستاني، فلن يكون له مكانة السيستاني، بل وحتى أعلميته وحظوته في المجتمع الشيعي الإمامي. لكن يبقى المرشح الأقوى بين هؤلاء آية الله محمد سعيد الحكيم، سبط المرجع المعروف السيد محسن الحكيم، وبخاصة أنه المدعوم من المجلس الأعلى الإسلامي في العراق بحكم الصلات الأُسرية، مقابل دعم حزب الدعوة الإسلامية للحائري أو الشاهرودي المحسوبين على طهران.
في كل الأحوال، ستواجه المرجعية الدينية أزمة حادة بعد السيستاني، قد لا تبقى مركزية عليا فيها، وهذا وارد جدًا. وما نراه اليوم، حتى بوجود السيستاني، مؤشر إلى أن المركزية العليا تكاد تهتز، وتغلب عليها الأحزاب الدينية وكثرة مراجعها، فكيف الحال بغياب السيستاني، الذي ما زال صمام الأمان لمرجعية النجف؟ هذا، ولا يعول متابعو الوضع على الكلام الذي تتناقله بعض الجهات، من أن إيران ستحسم الأمر بمرجع مباشر من دوائرها. فهذا غير وارد، وإذا تحقق فسيُعد تدميرًا للشيعة في العراق.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».