اعتقال قياديين في مخابرات الحرس الثوري بتهمة الفساد الاقتصادي

تسريبات جديدة كشفت تورط أعلى جهاز أمني بإيران في تجاوزات المسؤولين

حسين طائب قائد مخابرات الحرس الثوري التي تعد جهازًا موازيًا لوزارة المخابرات في إيران (تسنيم)
حسين طائب قائد مخابرات الحرس الثوري التي تعد جهازًا موازيًا لوزارة المخابرات في إيران (تسنيم)
TT

اعتقال قياديين في مخابرات الحرس الثوري بتهمة الفساد الاقتصادي

حسين طائب قائد مخابرات الحرس الثوري التي تعد جهازًا موازيًا لوزارة المخابرات في إيران (تسنيم)
حسين طائب قائد مخابرات الحرس الثوري التي تعد جهازًا موازيًا لوزارة المخابرات في إيران (تسنيم)

كشفت مصادر إيرانية مطلعة عن اعتقال ثلاثة من كبار مساعدي قائد مخابرات الحرس الثوري حسين طائب بتهمة الفساد الاقتصادي في سياق حرب التسريبات المشتعلة بين الدوائر.
وقال مسؤول أمني رفيع في إيران رفض الكشف عن اسمه إن ثلاثة من كبار قادة مخابرات الحرس الثوري اعتقلوا بتهم «فساد اقتصادي ضخم» و«التهريب» و«ابتزاز الأثرياء والتجار» و«غسل الأموال».
وتعد مخابرات الحرس الثوري من بين الجهات الأمنية المكلفة بمتابعة فساد كبار المسؤولين في قضية الرواتب الفلكية التي طالت عددا كبيرا من المسؤولين الحكوميين الصيف الماضي. في هذا الصدد، نقل موقع «آمدنيوز» الإصلاحي أمس عن مسؤول أمني كبير قوله إن ثلاثة من كبار مساعدي قائد مخابرات الحرس الثوري حسين طائب، وهم «محراب وعظيم وإفشاري» اعتقلوا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على خلفية تهريب أجهزة ومعدات إلى إيران. وأوضح الموقع أن السلطات تواصل اعتقال اثنين من كبار مساعدي طائب وهما «عظيم» و«إفشاري»، وأفرجت عن قيادي ثالث يعرف باسم «محراب» مقابل وثيقة مادية.
ولم يشر الموقع إلى الرتب العسكرية لقادة مخابرات الحرس الثوري، كما أن التسريب لم يتضمن إلا ألقاب القادة التي عادة تكون ألقابا حركية.
جاء التسريب بعد يوم من إعلان حساب موقع «آمدنيوز» على شبكة تيلغرام والذي يتابعه أكثر من 132 ألف إيراني، وقالت إدارة الموقع في خبر عاجل إنها قررت إطلاق عدد جديد من المعلومات والوثائق عن فساد قادة مخابرات الحرس الثوري.
وحظيت تسريبات الموقع باهتمام كبير بين الإيرانيين بعدما أثبتت صحة التسريبات على خلفية تفجر الخلاف بين الحكومة والجهاز القضائي حول شبهات طاردت رئيس القضاء تتهمه بامتلاك 63 حسابا بنكيا يستولي فيها على أموال ثالث أكبر سلطة بعد الحكومة والبرلمان.
تجدر الإشارة هنا إلى أن دور الموقع المعروف بانتمائه للتيار الإصلاحي برز في ذروة الضغوط على حكومة روحاني بسبب فضيحة «الرواتب الفلكية»، ويميل كثيرون في إيران إلى اعتبار نشر وثائق على مواقع مؤيدة لروحاني جزءا من الحرب الخفية المشتعلة حول الفساد بين الحكومة وخصوم الحكومة في القضاء والحرس الثوري.
تلك التسريبات منحت مؤيدي روحاني هامشا واسعا لتخفيف الضغط عن الحكومة تحت سقف البرلمان الإيراني مما فتح الباب أمام المطالبة بفتح تحقيق برلماني حول ما تردد عن الوضع المالي في الجهاز القضائي. قبل أيام قليلة من وفاة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام كانت إيران قد دخلت في أزمة غير مسبوقة بين القضاء والحكومة، وتبادل الطرفان الاتهامات المباشرة وغير المباشرة باستغلال المناصب والفساد واستخدام الموارد المالية لأغراض شخصية. وكان روحاني خلال مقابلة تلفزيونية قبل نحو أسبوعين طالب بمعرفة مصير ملياري دولار من أصل ثلاثة مليارات دولار سيطر عليها القضاء بعد اعتقال التاجر بابك زنجاني.
ولم يتأخر رد القضاء، إذ طالب رئيسه بمعرفة مصير الأموال التي تنفيها مؤسسة الرئاسة الإيرانية، وعلى ما يبدو فإن التوتر وتبادل التهم بين المسؤولين حول الفساد أصبح ميدانا للتنافس في الانتخابات الرئاسية المقررة مايو (أيار) المقبل. وكان روحاني هدد بالتصدي للتحديات التي تواجه حكومته في حرب التسريبات.
مع ذلك فإن دوائر المرشد الإيراني دعت إلى التهدئة، خامنئي في أول تعليق له على الأزمة الأسبوع الماضي قال إنه «لا يخشى من التلاسن في البلاد لأنه سينتهي قريبا».
في غضون ذلك، ذكر موقع «آمدنيوز» أن التصدي لنشاط مخابرات الحرس الثوري في الاقتصاد مهمة نائب رئيس مخابرات الحرس الثوري الجديد محمد حسين زيبايي نجاد الذي يعرف باسم اللواء حسين نجات.
في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن القائد العام للحرس الثوري محمد علي جعفري عين القائد السابق لفريق حماية خامنئي حسين نجات في منصب نائب قائد مخابرات الحرس الثوري، وبدا تعيين نجات في سياق التغييرات الواسعة التي تشهدها قيادات الأجهزة العسكرية في إيران منذ الصيف الماضي.
لكن «آمدنيوز» نقلا عن المسؤول الرفيع أفاد بأن التغييرات في مخابرات الحرس الثوري جاءت نتيجة النمو المتزايد لنشاط قادة مخابرات الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني. والذي تسبب بفوضى قانونية وابتزاز وفقدان الأمن الاقتصادي وفساد المسؤولين.
وكان الحرس الثوري قد نفى بشدة تورطه بدفع رواتب خارج إطار القانون، لكن بنفس الوقت رفض الحرس الثوري نشر وثائق تظهر الرواتب التي يتلقاه كبار قادته، وربط مساعد قائد الحرس الثوري حسين سلامي ذلك بأمن قادة الحرس الثوري.
في السابع من يناير (كانون الثاني) الحالي اتهم مستشار قائد الحرس الثوري حميدرضا مقدم فر أبناء كبار المسؤولين بالوقوف وراء حسابات مجهولة على شبكة تيلغرام نشطت مؤخرا في تسريب وثائق سرية من النظام، وفق ما نقلت عنه وكالة «ميزان» الناطقة باسم القضاء. وقال إنه «لا يوجد شك أن حسابات تيلغرام مرتبطة بأجهزة المخابرات الدولية»، وأن تلك القنوات «تتلقى دعما ماليا كبيرا من جهات أجنبية»، وهاجم القيادي في الحرس الثوري من وصفهم بـ«المندسين» في داخل دوائر السلطة، مضيفا أنها تتعاون مع أبناء بعض المسؤولين الذين يقيمون في بريطانيا وأميركا وتركيا.
وكانت حكاية التسريبات بدأت منذ يوليو (تموز) الماضي عندما سربت حسابات منسوبة لخصوم روحاني وثائق عن رواتب فلكية يتلقاها عدد من المسؤولين في حكومة روحاني، وواجهت حكومة روحاني ضغوطا كبيرة أدت إلى سقوط عدد من رؤساء البنوك والمؤسسات المالية.
عقب تسريب الوثائق الحكومية عن رواتب المسؤولين نشر موقع «معماري نيوز» في أغسطس (آب) تفاصيل تورط عمدة طهران اللواء قاليباف في بيع عقارات تعود لبلدية طهران إلى قادة في الحرس الثوري وأعضاء في البرلمان، ومنذ ذلك الحين تحتجز مخابرات الحرس الثوري مدير الموقع يأشار سلطاني بتهمة نشر وثائق سرية والدعاية ضد النظام.
بعد ذلك، سربت جهات مجهولة معلومات عن اختلاس كبير في صندوق تأمين المعلمين، وكانت المعلومات تستهدف حلقة رئيس القضاء السابق وأبرز المرشحين لخلافة خامنئي محمود هاشمي شاهرودي.
بدخول مخابرات الحرس الثوري عقب إعلان حسين طائب اعتقال رؤساء بنك ملت علي رستغار سرخه، أي بأوامر قضائية أخذت مواجهة الحرب على الفساد الاقتصادي أبعادا جديدة في إيران، وكان طائب قد قال إن الاعتقال لم يكن بسبب تورط المسؤول في ملف الرواتب الفلكية مشددا على أنه متورط في ملف فساد كبير، وكان اسم سرخه أي المنحدر من مسقط رأس حسن روحاني في سمنان ارتبط بشقيق روحاني حسين فريدون الذي كان هدفا أساسيا في الضغوط التي تعرض لها روحاني من خصومه.
منذ ذلك الحين أرسل تدخل مخابرات الحرس الثوري إلى ملف الفساد الاقتصادي وتعاونه مع القضاء إشارات عن أزمة ثقة بين القضاء ووزارة المخابرات، ومن حينها تبّين أن متابعة المسؤولين المتورطين بالفساد وملفات الفساد أصبحت من خيارات مخابرات الحرس الثوري.
من جانب آخر، راهن خصوم روحاني في السلطة على مخابرات الحرس الثوري لممارسة الضغط على حكومة روحاني، وكان ملف المسؤولين من أصحاب الجنسيات الأجنبية من ضمن جملة ملفات بيد مخابرات الحرس الثوري، وفق ما كشف في أغسطس الماضي المتحدث باسم لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني حسين نقوي حسيني.
تعد مخابرات الحرس الثوري من الأجهزة الموازية للأجهزة الحكومية في إيران وتفوق مخابرات الحرس الثوري صلاحيات وزارة المخابرات الإيرانية، كما أنها تعد جهة تابعة للمرشد الإيراني علي خامنئي، ومن ضمن أبرز مهام مخابرات الحرس الثوري الإشراف على الجهاز الدبلوماسي وكبار المسؤولين في الحكومة والنشاط الأمني غير المحدود، وبحسب المصادر الإيرانية فإن المرشد هو الجهة الوحيدة التي بإمكانها مساءلة قادة مخابرات الحرس الثوري.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».