شبح «الحركة الخضراء» طارد خامنئي في تشييع رفسنجاني

هتافات مناصرة لخاتمي وموسوي وكروبي هزت شوارع طهران

جنازة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني في شارع انقلاب وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
جنازة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني في شارع انقلاب وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

شبح «الحركة الخضراء» طارد خامنئي في تشييع رفسنجاني

جنازة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني في شارع انقلاب وسط طهران أمس (أ.ف.ب)
جنازة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني في شارع انقلاب وسط طهران أمس (أ.ف.ب)

شارك مئات الآلاف من الإيرانيين أمس، وسط إجراءات أمنية مشددة، في جنازة رسمية للرجل الثاني في النظام الإيراني على مدى العقود الأربعة الماضية، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، بحضور كبار المسؤولين في النظام الإيراني.
وتدفقت منذ أول ساعات النهار حشود واسعة من أنصار التيار الإصلاحي إلى وسط العاصمة الإيرانية، مرددين هتافات تطالب برفع الإقامة الجبرية عن مهدي كروبي ومير حسين موسوي، داعية إلى دعم الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي.
وأمّ المرشد الإيراني علي خامنئي الصلاة على جثمان رفسنجاني في جامعة طهران قبل دفنه بجوار مرقد الخميني في جنوب طهران. وبحسب صور نقلتها وكالات أنباء رسمية فإن الرئيس الإيراني حسن روحاني، ورئيسي البرلمان والقضاء الإخوة لاريجاني، وكبار القادة العسكريين، على رأسهم قائد الأركان محمد باقري، وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، والقائد العام للحرس الثوري محمد علي جعفري، كانوا ضمن أبرز المشاركين في وداع «رجل الأسرار والقرارات الكبيرة» في إيران ما بعد ثورة الخميني.
وكان رفسنجاني فارق الحياة بعد ساعة من إصابته بنوبة قلبية وصفتها أوساط طبية في إيران بالمفاجئة، كما لم يستبعد موقع «آمدنيوز» المعارض داخل النظام، أن يكون رفسنجاني ضحية «اغتيال كيماوي» قبل انتخابات 2016.
أثارت تأدية خامنئي صلاة الجنازة جدلا واسعا في إيران أمس، وكان خامنئي تجاهل خلال صلاة الجنازة جملة «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا»، يقرأها عادة أئمة الشيعة في الجنازة وهي «غير واجبة»، وتحول الموضوع إلى مادة مثيرة لشبكات التواصل والمواقع المقربة من رفسنجاني. وبحسب التقارير الإيرانية فإن خامنئي استبدل تكرار ثلاثة مرات «اللهم عفوك»، بالدعاء المعروف.
وشهدت حياة رفسنجاني مراحل مختلفة، ابتعد في جزء كبير منها من الشارع الإيراني، بينما تحسنت علاقاته ببعض أجزاء أطياف المجتمع، بسبب معارضته بعض السياسات التي تبنتها السلطة في ثمانية أعوام من رئاسة محمود أحمدي نجاد إيران، وهو ما جعلت مراسم تشييعه فرصة لإحياء ذكريات أشرس احتجاجات ضربت الشارع الإيراني لفترة ثمانية أشهر، عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في 2009.
وكانت مطالبة هاشمي رفسنجاني بإطلاق سراح المعتقلين وإعادتهم إلى ذويهم في أول خطبة جمعة بعد خروج المتظاهرين إلى شوارع طهران، تسببت في إشهار البطاقة الحمراء له من كبار النظام، وإقصائه من قائمة خطباء جمعة طهران.
وبعد سنوات من الضغوط على رفسنجاني عادت صوره إلى الشوارع الرئيسية في طهران بالتزامن مع جنازته، وبحسب وكالة «إيلنا» الإصلاحية، فإن مئات الآلاف من أنصاره حملوا صوره وحاولوا اجتياز الحواجز الأمنية في الطرق المؤدية إلى ساحة «الثورة». وتناقلت المواقع الإيرانية مواجهات بين المشيعين وقوات الأمن، بعد ترديد هتافات تندد بمنع الرئيس السابق محمد خاتمي من حضور الجنازة، وتطالب بفك الحصار عن الزعيمين الإصلاحيين مهدي كروبي ومير حسين موسوي.
وكان مقربون من خاتمي أعلنوا أول من أمس منعه من المشاركة في الجنازة بقرار قضائي، بعدما شارك في مجلس عزاء رفسنجاني المقام بحسينية جماران معقل أنصار الخميني.
ووفقا لبيان وزارة الداخلية الإيرانية، فإن أكثر من مليونين ونصف المليون شاركوا في تشييع رفسنجاني، وهي نسبة الأصوات نفسها التي حصدها رفسنجاني في انتخابات مجلس خبراء القيادة التي جرت فبراير (شباط) 2016، وكانت آخر انتخابات شارك فيها رفسنجاني قبل وفاته.
ونشر ناشطون مقاطع مسجلة تظهر ترديد هتافات: «وصية هاشمي دعم خاتمي»، و«وداعا هاشمي سلاما خاتمي»، و«رسالتنا واضحة يجب رفع الحصار»، و«يا حسين مير حسين». وبحسب التقارير فإن ابنة رفسنجاني تفاعلت مع الشعارات التي تشيد بخاتمي لحظة دخولها إلى جامعة طهران. وتناقلت مواقع دعوة فائزة هاشمي إلى التجمع الاحتجاجي وسط طهران، إلا أنها رفضت صحة ما تناقل عنها، ودعت المشاركين إلى الهدوء والمشاركة في مراسم تأبين والدها الأربعاء. ونقلت مواقع إيرانية عن فائزة هاشمي قولها، إنه لا توجد خطط للنزول إلى الشارع، لكن وكالة «إيسنا» نشرت صورة لها تلوح بشارة النصر إلى المشيعين.
كما ردد المشيعون هتافات «المكبرات لكم وصوت الحق لنا»، تنديدا بهيئة الإذاعة والتلفزيون أهم المؤسسات التابعة للمرشد خامنئي التي دخلت في حرب باردة ضد رفسنجاني في سنواته الأخيرة.
وأرسلت جنازة رفسنجاني رسالة تظهر مخاوف، عبر عنها محافظ طهران مؤخرا، حول صعوبة وتعقيد الانتخابات المقبلة، وخروج احتجاجات كبيرة على غرار 2009 التي شكلت تحديا وجوديا للنظام الإيراني.
وشهد محيط جامعة طهران ساعات مثيرة أمس، حيث حاول الإصلاحيون استغلال جنازة هاشمي لحشد أنصارهم بعد إخفاقات متكررة منذ وقف الاحتجاجات، كما شهدت جموع المشيعين ترديد هتافات تدعو إلى دعم روحاني في الانتخابات الرئاسية 2017 للاستمرار في مسيرة رفسنجاني الذي يعد «الأب الروحي» للرئيس الحالي.
بموازاة ذلك أجبرت كثرة الشعارات المنددة بتعامل السلطات مع المعارضة في داخل النظام، على كتم صوت الهتافات خلال لحظات البث المباشر. كما تحدث ناشطون عن قطع خدمة الجوال في محيط الجنازة. في السياق ذاته أظهرت مقاطع على شبكة «تويتر» صدامات بين القوات الخاصة التابعة للأمن الإيراني وأنصار «الإصلاحيين» في مفترق ولي عصر وجسر كالج. وأشارت معلومات إلى اعتقالات في صفوف المشيعين.
يشار إلى أن هاشمي رفسنجاني لعب دورا كبيرا في منع تزييف نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران عام 1997 التي فاز بها محمد خاتمي بالرئاسة، وبقي في المنصب لفترة ثمانية أعوام، ومنذ ذلك الحين شكل نقطة التوازن بين التيارات المتصارعة في النظام.
خلال الأيام الماضية تحت تأثير الهزات الارتدادية لزلزال وفاة رفسنجاني، خصصت الصحف جميع صفحاتها لتناول مسيرته السياسية ودوره في النظام الإيراني منذ بداية مشواره مع الخميني حتى نهايته بدفنه إلى جواره. كما منحت مناسبة رحيله المجال لتناول الشرخ السياسي الحالي في دوائر النظام الإيراني. ورأى كثير من المحللين أن وفاة رفسنجاني والمواقف التي تبعتها منذ إعلان وفاته قدمت ملخصا عن المشهد السياسي الحالي في إيران.
وتعليقا على مشاركة المسؤولين، وما تداول نقلا عنهم في وسائل الإعلام بعد إعلان وفاته، قال وزير الثقافة الأسبق أحمد مسجد جامعي (في حكومة خاتمي الثانية) لوكالة «إيلنا»، إن «في هذه الأوقات الجميع يتكلم بشكل جيد عن رفسنجاني، لكنه قبل وفاته تجاهلوا حسناته وتعرض لهجوم غير أخلاقي».
يعد رفسنجاني الكلمة الرمز في وصول خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى بعد وفاة الخميني في 1989، إذ كانت شهادة رفسنجاني أمام مجلس خبراء القيادة حول رغبة الخميني بتولي خامنئي للمنصب بعده كفيلة بتخطيه المرشحين الآخرين للمنصب.
وفي تصريح لموقع «اعتدال»، الناطق باسم التيار المعتدل، قال السياسي الإيراني مهدي خزعلي، نقلا عن رفسنجاني، إنه ارتكب «خطأين في حياته؛ الأول بيعه أرضي تجارية بالخطأ، والثاني بتعيينه شخصا في غير محله».
في المقابل نشر قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني تغريدة، عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، قال فيها إن «رفسنجاني كان نفسه منذ البداية وحتى النهاية. استراتيجياته كانت مختلفة بعض الأوقات، لكنه رفسنجاني معاد للاستكبار والصهيونية».
يشار إلى أن تنامي قدرات الحرس الثوري وتمدده خارج إيران يرجع إلى الدعم الواسع الذي قدمه هاشمي رفسنجاني في زمن توليه رئاسة الجمهورية 1989 التي تزامنت مع تأسيس «فيلق القدس»، كما أن كلا من رفسنجاني وسليماني ينحدران من كرمان.
من جانب آخر، أثارت صورة غلاف مجلة تابعة لبلدية طهران غضبا واسعا بين أنصار هاشمي رفسنجاني ومجموعة وسائل الإعلام التابعة له. وكانت مجلة «ماه» الصادرة من مجموعة «همشهري» نشرت على غلافها صورة رجل يمسك بيده عملة إيرانية ويمدها من نافذة سيارته الفارهة إلى فتاة تبيع الورد في جانب الشارع، وتظهر لوحة المرور اللون الأحمر مع رقم «96»، في إشارة إلى غياب رفسنجاني عن انتخابات الرئاسة 2017. ويعتبر عمدة طهران اللواء محمد باقر قاليباف الأوفر حظا لمنافسة روحاني في الانتخابات الرئاسية المقرر في مايو (أيار) المقبل.
وفي وقت كانت تشهد فيه الأوساط الإيرانية نقاشا حادا حول خليفة خامنئي، فإن رحيل رفسنجاني المفاجئ الآن أعاد النقاش حول هوية الرجل الذي يشغل المنصب في المرحلة المقبلة، وبحسب تحاليل إيرانية فإن روحاني يعد أبرز المرشحين إلى جانب رئيس القضاء السابق محمود هاشمي شاهرودي، ورئيس مفتش خامنئي الخاص علي أكبر ناطق نوري، ومستشار خامنئي الدولي علي أكبر ولايتي. كما تداولت تقارير غير مؤكدة عن استعداد محمود أحمدي نجاد وسعيد جليلي، فضلا عن تداول اسم رئيس القضاء صادق لاريجاني ورئيس مجلس خبراء القيادة أحمد جنتي ومحمد يزدي وإبراهيم رئيسي صاحب الحظ الأوفر لخلافة المرشد علي خامنئي.
في هذا الصدد، نقل موقع «خبر أونلاين» عن نائب رئيس البرلمان علي مطهري قوله، إن «فراغ رفسنجاني لا يمتلئ أبدا»، مضيفا أن «علي أكبر ناطق نوري بإمكانه القيام بدور هاشمي للمعتدلين».
وارتبط اسم رفسنجاني بصعود الحرس الثوري لاعبا أساسيا في السياسة والاقتصاد الإيرانيين في ثمانية سنوات، شغل فيها رفسنجاني منصب الرئيس الإيراني. كما يعد رفسنجاني صاحب المواقف الرمادية والشخصية المركبة الأكثر تعقيدا بين اللاعبين المتنفذين في السياسة الإيرانية.
وحاول رفسنجاني ترميم علاقاته بالشارع الإيراني خلال العقد الأخير، إلا أن سجله في حقوق الإنسان وتصفية السجناء السياسيين والمعارضين والمشاريع التي كانت برعاية مباشرة منه حالت دون تحوله إلى رمز شعبي، رغم أنه نجح في تحقيق ذلك بين الإصلاحيين المعتدلين في طهران.



«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.