المرأة و«الموساد»

نافذة على عمل جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية

المرأة و«الموساد»
TT

المرأة و«الموساد»

المرأة و«الموساد»

أثار نشر تقارير عن دور المرأة في العمل الاستخباراتي الإسرائيلي قبل بضعة أيام، تساؤلات من نوع: لماذا يجري تسليط الأضواء على جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية «الموساد»، من آن لآخر، وبمبادرة من الموساد نفسه؟ هل هو لحجب الأضواء؟ أم هو ما وصفه رئيس سابق للجهاز «الغطرسة والغرور والثقة العالية في النفس»؟ أم هو تذكير لمن ينسى؟ أم استعراض لعمليات الموساد عبر تاريخه الطويل؟
عندما نشر جهاز «الموساد» (الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية) إعلانًا تجاريًا في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، عن حاجته إلى «نساء قويات للعمل» في صفوفه، في مطلع الأسبوع الماضي، فإنه قصد تسليط الأضواء عليه من جديد ومن باب مميز. وكما كان متوقعا، انتشر نبأ هذا النشر في العالم أجمع.
فما الغرض وراء هذا الإعلان؟ وهل هو فعلا قصد تجنيد المزيد من النساء؟ وهل هو فعلا يستخدم هذه الطريقة لتجنيد عملائه؟ فالمعروف أن النساء اللاتي يريدهن لصفوفه ينبغي أن تتمتعن بقدرات قتالية مجرّبة، ومثل هؤلاء موجودات في مكان واحد في إسرائيل فقط هو الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي، وبمقدوره أن يختار منهن أي عدد يريد من النساء.
القصد إذن هو مسألة ترويج دعائي لا أكثر. وحقًا من تقاليد جهاز «الموساد» في السنوات الأخيرة الاهتمام بالبقاء في رأس العناوين. وعندما تكون هناك أنباء في العالم تتحدث عن قدرات «الموساد» العالية وعن عمليات يتباهى بها، خصوصا في العالمين العربي والإسلامي اللذين يعتبران ساحة أساسية له، فإن مبادرته للإعلان أن 40 في المائة من العاملين فيه هن من النساء، تكون ذات غرض استفزازي بشكل خاص، كأن يقول: «إذا كانت نساؤنا تنفذ عمليات كهذه، تستطيعون تخيل ما يفعله الرجال».
ولعل هذا الأسلوب من النشر، هو الذي قصده الجنرال أفرايم هليفي، الذي تولى رئاسة «الموساد» ما بين السنوات 1998 وحتى 2002، في كتابه «رجل الظل» (الصادر عن دار النشر الأميركية سانت مارتن في نيويورك عام 2006)؛ إذ خصص فصلا كاملا بعنوان «الغطرسة والغرور والثقة العالية في النفس». ومنذ نشوء هذا الجهاز وهو يعاني هذه الصفات لدى الكثير من قادته وضباطه وحتى صغار عملائه، ولا يزال. وبعض قادته أدركوا خطورة هذه الميزات، خصوصا عند الإخفاقات وراحوا يحاربونها.

ما هو «الموساد»؟
في إسرائيل أجهزة أمن ضخمة عدة، الجيش والشرطة وحرس الحدود والاستخبارات العامة (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) ودائرة المعلومات السرّية في وزارة الخارجية، وكذلك «الموساد»، الذي يعنى بالاستخبارات الخارجية.
عدد أفراد «الموساد» سرّي، وكذلك عدد عملائه. ميزانيته عملاقة، تقريبا بلا حدود. ساحة عمله هي «بلاد الله الواسعة»، حيث لا يوجد مكان في الكرة الأرضية لم تطأ فيها أقدام عملاء «الموساد». مهمته جمع المعلومات، التي تفيد إسرائيل في حماية مصالحها الاستراتيجية، لكنه اشتهر أكثر في عملياته الحربية المتمثلة في اغتيال قادة في التنظيمات المعادية لإسرائيل، وشخصيات «لها وزن في الإخلال بالتوازن العسكري لإسرائيل» مثل علماء الذرة الإيرانيين ومهندسي القدرات العسكرية الفلسطينيين والعرب وقادة التنظيمات العربية والفلسطينية المسلحة، مثل الشيخ القعيد أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، قائدي حماس السياسيين، وأحمد الجعبري، قائد الجناح العسكري لحركة حماس، وغيرهم.
الفكرة الأولى لـ«الموساد» بدأت مع تأسيس تنظيمات الحركة الصهيونية في أوروبا، وتحديدا عام 1904 عندما بدأت تعمل بشكل سرّي على تشكيل فرق لحث اليهود على الهجرة إلى فلسطين. ثم تحوّلت هذه الدائرة إلى شعبة عسكرية عام 1937 وبعد قيام دولة إسرائيل بسنة، وتحديدا عام 1949 أصبحت مؤسسة تنسيق العمليات الأمنية خارج حدود إسرائيل، ومنذ عام 1950 أصبح يعرف بشكله الحالي بصفته جهاز الاستخبارات الخارجية.
كلمة «موساد» بالعبرية تعني «مؤسسة»، لكن الاسم الرسمي له هو «مؤسسة الاستخبارات والمهمات الخاصة». وهو يعمل في جميع دول العالم، باستثناء المناطق الفلسطينية التي يهتم بها «الشاباك». أما أهم ما يميّزه فهو أنه خارج القانون. إنه الجهاز الوحيد الذي يعتبر قانونه سريًا، فيعمل وفقا لأنظمة تتغيّر وتتبدّل من دون أن يعرف بها أحد. وعمله وميزانيته بلا رقيب ولا حسيب. ثم إنه هو تابع مباشرة لرئيس الحكومة.
غير أن تبعية «الموساد» مباشرة لرئيس الحكومة لا تعني أنه خاضع لسيطرته المطلقة؛ لأن الحرية التي يتاح له العمل فيها، تجعله يجمع قوة تمكنه من التمرد على رئيس الحكومة ومخالفته بشكل صدامي. وكمثال، رفض رئيس «الموساد» الأسبق مائير دجان فكرة شن حرب على إيران التي طرحها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه حينذاك إيهود باراك بين 2011 و2012. ورئيس «الموساد» الأسبق أفرايم هليفي أبلغ نتنياهو عام 1998 بأنه يرفض الحصول على إذن منه في كل عملية خارجية خطيرة، وقال له إنه يطلب منه ألا يتدخل، ولكن في الوقت نفسه أن يساند «الموساد» في حال إخفاقه بشيء. ووافق نتنياهو على ذلك، وحصل إخفاق فعلا؛ إذ ألقي القبض على رجلي «موساد» وهما يصوّران موقعًا عسكريًا أثناء تدريب للجيش القبرصي عام 1999 من دون علم نتنياهو، ومع ذلك أعطى غطاء كاملا لـ«الموساد» وضباطه.

مهماته ومؤسساته
في الموقع الرسمي لـ«الموساد» يحددون مهماته على النحو التالي: «منذ إقامته، ينشغل الموساد في تجميع المعلومات الاستخباراتية حسب احتياجات الدولة وفقا للفحوص التي تمت صياغة نتائجها من حين لآخر. بطبيعة الحال نشاط الموساد سرّي. وقد طوّر الموساد عبر السنين علاقات استخباراتية مع أجهزة الاستخبارات المقابلة في الدول الأخرى، بما فيها مع دول لا تقيم علاقات علنية مع إسرائيل. وقد تم في الماضي الكشف عن علاقات عدة كهذه كانت قد ساهمت في مساعدة الموساد لقادة الدولة في الاتصالات السرية التي سبقت توقيع معاهدتي السلام مع مصر والأردن».
ويضيف «(الموساد) يقوم بعمليات خاصة لخدمة دولة إسرائيل، بلغت أوجها في إلقاء القبض على المجرم النازي، هكذا وردت، أدولف آيخمان وجلبه إلى البلاد في سنة 1960 لمحاكمته. ومثل آخر على ذلك، في قضية الطفل يوسلي شوحمكار في سنة 1962، الذي خطفه جده من ذويه في إسرائيل وجرى تهريبه إلى الخارج. وقد أثارت هذه العملية عاصفة في إسرائيل وبسبب الخوف من أن تتحول إلى حرب أهلية بين المتدينين والعلمانيين، أمر ديفيد بن غوريون (رئيس الوراء آنذاك) (الموساد) بالوصول إلى الطفل وإعادته إلى البلاد، وهكذا حصل. كما عمل (الموساد) على إنقاذ يهود من دول عاشوا فيها بضائقة وتم جلبهم إلى إسرائيل بعمليات خاصة مثل عملية موشيه لجلب يهود إثيوبيا. وكان (الموساد) ويبقى عنصرًا مركزيًا في الحرب على الإرهاب الموجه ضد يهود وإسرائيليين في الخارج. وكان لـ«الموساد» دور مركزي عبر السنين في منع حصول دول تعتبر عنصر تهديد لإسرائيل على أسلحة غير تقليدية». (وفق النص الحرفي).
وفي بند آخر عن المهمات، تتم إضافة البنود التالية «مسؤولية شاملة عن منع الدول المعادية من الحصول على قدرات تسليح غير تقليدية، مسؤولية عن تصفية عمليات إرهاب تم إعدادها في الخارج ضد أهداف إسرائيلية، مسؤولية شاملة عن جمع المعلومات في الخارج وفقا لاحتياجات المؤسسات الأمنية، تنفيذ عمليات سرية في الخارج وفقا للأهداف التي يضعها رئيس الحكومة والحكومة، تطوير وتعزيز العلاقات السياسية وغير السياسية مع الدول الأجنبية، إنقاذ اليهود في الأماكن التي لا تستطيع الوصول إليها مؤسسات ترتيب الهجرة لإسرائيل، الحصول على معلومات استخباراتية استراتيجية وسياسية وعملية لأجهزة الأمن ورئيس الحكومة والحكومة، تطوير القوى البشرية والقدرات الفنية من أجل توفير الإمكانات للعمل الجاري لـ«الموساد» بهدف تعزيز أمن دولة إسرائيل من خلال الالتزام لشعب إسرائيل».

عمليات 7 عقود
تحت هذه البنود، نفذ «الموساد» عملياته عبر نحو سبعة عقود.
في البداية، لم يكن «الموساد» وحيدا، بل عملت إلى جانبه جهات أخرى. فعلى سبيل المثال، وعلى عكس ما ينشر في الخارج، لم يكن «الموساد» هو الذي شغل الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين في سوريا، الذي وصل إلى أعلى مؤسسات الحكم هناك، بل «أمان» (شعبة الاستخبارات في الجيش). ولم يكن «الموساد» هو الذي شغل فرقة الإرهابيين في سنوات الخمسين في مصر، بل أيضًا «أمان» (تم تشكيل خلايا إرهابية تم تفعيلها لتفجيرات في مرافق أميركية وبريطانية في القاهرة والإسكندرية، لتظهر كما لو أنها إرهاب مصري ضد الغرب، وبذلك تخرّب العلاقات بين مصر وتلك الدول. وقد ألقي القبض على أفراد المجموعة وحوكموا). وفي لبنان لم يعمل «الموساد» في البدايات، بل الجيش و«الشاباك»، واستمر هذا الوضع إلى ما بعد الحرب الأولى في العام 1982، ولم يكن «الموساد» هو الذي قام بتفعيل الجاسوس الإسرائيلي في الولايات المتحدة جوناثان بولارد، بل جهاز استخبارات تكنولوجية خاص عمل من ديوان رئيس الوزراء نفسه. وأما تهجير يهود الاتحاد السوفياتي فقد أسس له جهاز خاص باسم «نتيف». لكن «الموساد» ظل مسؤولا عن غالبية العمليات الأخرى، وشيئا فشيئا سيطر على نشاط الأجهزة الأخرى.

تركيبته
هناك سبع دوائر تعمل في «الموساد»، لكل منها غرضها وأهدافها، هي:
- «تيفيل»: وتتخصص في العلاقات الاستخباراتية والدبلوماسية، وفي العلاقات مع أجهزة الاستخبارات في دول العالم، وإقامة علاقات سرية مع الدول التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
- «تسومت»: وهي الدائرة التي تنظم عمل ضباط جمع المعلومات وشبكات العملاء في العالم.
- «قيسارية»: وكانت تسمى هذه الدائرة في السابق «مفراتس» (أي «خليج»)، وهي الدائرة المسؤولة عن العمليات الخاصة. وتضم وحدة «كيدون» (السهم)، التي تنفذ الاغتيالات، والتي كان أول رئيس لها عام 1963 إسحق شامير، الذي أصبح رئيس حكومة إسرائيل لاحقًا.
- «جبيعوت» (وتعني «كؤوس»)، وهي المسؤولة عن تحصيل معلومات استخباراتية بالوسائل الإلكترونية، بما في ذلك زرع أجهزة تنصّت في «أرض العدو».
- «دائرة الاستخبارات»: وهي التي تضم دائرة البحوث والتقديرات السياسية والاستراتيجية.
- «تسفريريم»، وهي الدائرة المسؤولة عن حماية اليهود في الخارج والسعي لتهجيرهم إلى إسرائيل. وهي التي نفذت عمليات التهجير لليهود من الدول العربية والإسلامية.
- «دائرة التكنولوجيا»، وهي التي تتخصص في تطوير اختراعات تكنولوجية عالية تضمن لـ«الموساد» التقدم التكنولوجي ومواكبة العصر في كل ما يتعلق بتطوير عمل «الموساد» وتنفيذ عملياته في الخارج.



لبنان يواجه تحدّيات مصيرية في زمن التحوّلات

جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
TT

لبنان يواجه تحدّيات مصيرية في زمن التحوّلات

جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)
جريمة اغتيال رفيق الحريري (غيتي)

يواجه لبنان جملة من التحديات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، خصوصاً في مرحلة التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة وترخي بثقلها على واقعه الصعب والمعقّد. ولا شك أن أهم هذه التحوّلات سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيراني الذي كان له الأثر المباشر في الأزمات التي عاشها لبنان خلال السنوات الأخيرة، وهذا فضلاً عن تداعيات الحرب الإسرائيلية وآثارها التدميرية الناشئة عن «جبهة إسناد» لم تخفف من مأساة غزّة والشعب الفلسطيني من جهة، ولم تجنّب لبنان ويلات الخراب من جهة ثانية.

إذا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان قد انتهت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية دولية، وإشراف أميركي ـ فرنسي على تطبيق القرار 1701، فإن مشهد ما بعد رحيل الأسد وحلول سلطة بديلة لم يتكوّن بعد.

وربما سيحتاج الأمر إلى بضعة أشهر لتلمُّس التحدّيات الكبرى، التي تبدأ بالتحدّيات السياسية والتي من المفترض أن تشكّل أولوية لدى أي سلطة جديدة في لبنان. وهنا يرى النائب السابق فارس سُعَيد، رئيس «لقاء سيّدة الجبل»، أنه «مع انهيار الوضعية الإيرانية في لبنان وتراجع وظيفة (حزب الله) الإقليمية والسقوط المدوّي لحكم البعث في دمشق، وهذا إضافة إلى الشغور في رئاسة الجمهورية، يبقى التحدّي الأول في لبنان هو ملء ثغرات الدولة من أجل استقامة المؤسسات الدستورية».

وأردف سُعَيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «بعكس الحال في سوريا، يوجد في لبنان نصّ مرجعي اسمه الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، وهذا الدستور يجب أن يحترم بما يؤمّن بناء الدولة والانتقال من مرحلة إلى أخرى».

الدستور أولاً

الواقع أنه لا يمكن لمعطيات علاقة متداخلة بين لبنان وسوريا طالت لأكثر من 5 عقود، و«وصاية دمشق» على بيروت ما بين عامَي 1976 و2005 - وصفها بعض معارضي سوريا بـ«الاحتلال» - أن تتبدّل بين ليلة وضحايا على غرار التبدّل المفاجئ والصادم في دمشق. ثم إن حلفاء نظام دمشق الراحل في لبنان ما زالوا يملكون أوراق قوّة، بينها تعطيل الانتخابات الرئاسية منذ 26 شهراً وتقويض كل محاولات بناء الدولة وفتح ورشة الإصلاح.

غير أن المتغيّرات في سوريا، وفي المنطقة، لا بدّ أن تؤسس لواقع لبناني جديد. ووفق النائب السابق سُعَيد: «إذا كان شعارنا في عام 2005 لبنان أولاً، يجب أن يكون العنوان في عام 2024 هو الدستور أولاً»، لافتاً إلى أن «الفارق بين سوريا ولبنان هو أن سوريا لا تملك دستوراً وهي خاضعة فقط للقرار الدولي 2254. في حين بالتجربة اللبنانية يبقى الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني المرجعَين الصالحَين لبناء الدولة، وهذا هو التحدي الأكبر في لبنان».

وشدّد، من ثم، على ضرورة «استكمال بناء المؤسسات الدستورية، خصوصاً في المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا»، وتابع: «وفي حال دخلت سوريا، لا سمح الله، في مرحلة من الفوضى... فنحن لا نريد أن تنتقل هذه الفوضى إلى لبنان».

العودة للحضن العربي

من جهة ثانية، يحتاج لبنان في المرحلة المقبلة إلى مقاربة جديدة عمّا كان الوضع عليه في العقود السابقة. ولا يُخفي السياسي اللبناني الدكتور خلدون الشريف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لبنان «سيتأثّر بالتحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وحتميّة انعكاس ما حصل في سوريا على لبنان». ويلفت إلى أن «ما حصل في سوريا أدّى إلى تغيير حقيقي في جيوبوليتيك المنطقة، وسيكون له انعكاسات حتمية، ليس على لبنان فحسب، بل على المشرق العربي والشرق الأوسط برمته أيضاً».

الاستحقاق الرئاسي

في سياق موازٍ، قبل 3 أسابيع من موعد جلسة انتخاب الرئيس التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي في التاسع من يناير (كانون الثاني) المقبل، لم تتفق الكتل النيابية حتى الآن على اسم مرشّح واحد يحظى بأكثرية توصله إلى قصر بعبدا.

وهنا، يرى الشريف أنه بقدر أهمية عودة لبنان إلى موقعه الطبيعي في العالم العربي، ثمّة حاجة ماسّة لعودة العرب إلى لبنان، قائلاً: «إعادة لبنان إلى العرب مسألة مهمّة للغاية، شرط ألّا يعادي أي دولة إقليمية عربية... فلدى لبنان والعرب عدوّ واحد هو إسرائيل التي تعتدي على البشر والحجر». وبغض النظر عن حتميّة بناء علاقات سياسية صحيحة ومتكافئة مع سوريا الجديدة، يلفت الشريف إلى أهمية «الدفع للتعاطي معها بإيجابية وانفتاح وفتح حوار مباشر حول موضوع النازحين والشراكة الاقتصادية وتفعيل المصالح المشتركة... ويمكن للبلدين، إذا ما حَسُنت النيّات، أن يشكلّا نموذجاً مميزاً للتعاون والتنافس تحت سقف الشراكة».

يحتاج لبنان في المرحلة المقبلة إلى مقاربة جديدة

النهوض الاقتصادي

وحقاً، يمثّل الملفّ الاقتصادي عنواناً رئيساً للبنان الجديد؛ إذ إن بناء الاقتصاد القوي يبقى المعيار الأساس لبناء الدولة واستقرارها، وعودتها إلى دورها الطبيعي. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الوزير السابق محمد شقير، رئيس الهيئات الاقتصادية في لبنان، إن «النهوض الاقتصادي يتطلّب إقرار مجموعة من القوانين والتشريعات التي تستجلب الاستثمارات وتشجّع على استقطاب رؤوس الأموال، على أن يتصدّر الورشة التشريعية قانون الجمارك وقانون ضرائب عصري وقانون الضمان الاجتماعي».

شقير يشدّد على أهمية «إعادة هيكلة القطاع المصرفي؛ إذ لا اقتصاد من دون قطاع مصرفي». ويشير إلى أهمية «ضبط التهريب على كل طول الحدود البحرية والبرّية، علماً بأن هذا الأمر بات أسهل مع سقوط النظام السوري، الذي طالما شكّل عائقاً رئيساً أمام كل محاولات إغلاق المعابر غير الشرعية ووقف التهريب، الذي تسبب بخسائر هائلة في ميزانية الدولة، بالإضافة إلى وضع حدّ للمؤسسات غير الشرعية التي تنافس المؤسسات الشرعية وتؤثر عليها».

نقطة جمارك المصنع اللبنانية على الحدود مع سوريا (آ ف ب)

لبنان ودول الخليج

يُذكر أن الفوضى في الأسواق اللبنانية أدت إلى تراجع قدرات الدولة، ما كان سبباً في الانهيار الاقتصادي والمالي، ولذا يجدد شقير دعوته إلى «وضع حدّ للقطاع الاقتصادي السوري الذي ينشط في لبنان بخلاف الأنظمة والقوانين، والذي أثّر سلباً على النمو، ولا مانع من قوننة ليعمل بطريقة شرعية ووفق القوانين اللبنانية المرعية الإجراء». لكنه يعبّر عن تفاؤله بمستقبل لبنان السياسي والاقتصادي، قائلاً: «لا يمكن للبنان أن ينهض من دون علاقات طيّبة وسليمة مع العالم العربي، خصوصاً دول الخليج... ويجب أن تكون المهمّة الأولى للحكومة الجديدة ترسيخ العلاقات الجيّدة مع دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية التي طالما أمّنت للبنان الدعم السياسي والاقتصادي والمالي».

ضبط السلاح

على صعيد آخر، تشكّل الملفات الأمنية والعسكرية سمة المرحلة المقبلة، بخاصةٍ بعد التزام لبنان فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها تطبيقاً للدستور والقرارات الدولية. ويعتبر الخبير العسكري والأمني العميد الركن فادي داوود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تنفيذ القرار 1701 ومراقبة تعاطيها مع مكوّنات المجتمع اللبناني التي تحمل السلاح، هو التحدّي الأكبر أمام المؤسسات العسكرية والأمنية». ويوضح أن «ضبط الحدود والمعابر البرية مع سوريا وإسرائيل مسألة بالغة الدقة، سيما في ظل المستجدات التي تشهدها سوريا، وعدم معرفة القوة التي ستمسك بالأمن على الجانب السوري».

مكافحة المخدِّرات

وبأهمية ضبط الحدود ومنع الاختراق الأمني عبرها، يظل الوضع الداخلي تحت المجهر في ظلّ انتشار السلاح لدى معظم الأحزاب والفئات والمناطق اللبنانية، وهنا يوضح داوود أن «تفلّت السلاح في الداخل يتطلّب خطة أمنية ينفّذها الجيش والأجهزة الأمنية كافة». ويشرح أن «وضع المخيمات الفلسطينية يجب أن يبقى تحت رقابة الدولة ومنع تسرّب السلاح خارجها، إلى حين الحلّ النهائي والدائم لانتشار السلاح والمسلحين في جميع المخيمات»، منبهاً إلى «معضلة أمنية أساسية تتمثّل بمكافحة المخدرات تصنيعاً وترويجاً وتصديراً، سيما وأن هناك مناطق معروفة كانت أشبه بمحميات أمنية لعصابات المخدرات».

حقائق

علاقات لبنان مع سوريا... نصف قرن من الهيمنة

شهدت العلاقات اللبنانية - السورية العديد من المحطات والاستحقاقات، صبّت بمعظمها في مصلحة النظام السوري ومكّنته من إحكام قبضته على كلّ شاردة وواردة. وإذا كان نفوذ دمشق تصاعد منذ دخول جيشها لبنان في عام 1976، فإن جريمة اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب رينيه معوض في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 - أي يوم عيد الاستقلال - شكّلت رسالة. واستهدفت الجريمة ليس فقط الرئيس الذي أطلق مرحلة الشروع في تطبيق «اتفاق الطائف»، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحلّ كل الميليشيات المسلّحة وتسليم سلاحها للدولة، بل أيضاً كلّ من كان يحلم ببناء دولة ذات سيادة متحررة من الوصاية. ولكنْ ما إن وُضع «اتفاق الطائف» موضع التنفيذ، بدءاً بوحدانية قرار الدولة، أصرّ حافظ الأسد على استثناء سلاح «حزب الله» والتنظيمات الفلسطينية الموالية لدمشق، بوصفه «سلاح المقاومة لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلّة» ولإبقائه عامل توتر يستخدمه عند الضرورة. ثم نسف الأسد «الأب» قرار مجلس الوزراء لعام 1996 القاضي بنشر الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، بذريعة رفضه «تحويل الجيش حارساً للحدود الإسرائيلية».بعدها استثمر نظام دمشق انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي كان يحتلها في جنوب لبنان خلال مايو (أيار) 2000، و«جيّرها» لنفسه ليعزّز هيمنته على لبنان. غير أنه فوجئ ببيان مدوٍّ للمطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الراحل نصر الله بطرس صفير في سبتمبر (أيلول) 2000، طالب فيه الجيش السوري بالانسحاب من لبنان؛ لأن «دوره انتفى مع جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان».مع هذا، قبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، أعلن نظام بشار الأسد رغبته بالتمديد للحود ثلاث سنوات (نصف ولاية جديدة)، ورغم المعارضة النيابية الشديدة التي قادها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، مُدِّد للحود بالقوة على وقع تهديد الأسد «الابن» للحريري ووليد جنبلاط «بتحطيم لبنان فوق رأسيهما». وهذه المرة، صُدِم الأسد «الابن» بصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي، الذي يقضي بانتخاب رئيس جديد للبنان، وانسحاب الجيش السوري فوراً، وحلّ كل الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة اللبنانية. ولذا، عمل لإقصاء الحريري وقوى المعارضة اللبنانية عن السلطة، وتوِّج هذا الإقصاء بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، ثمّ باغتيال رفيق الحريري يوم 14 فبراير (شباط) 2005، ما فجّر «ثورة الأرز» التي أدت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان يوم 26 أبريل (نيسان)، وتبع ذلك انتخابات نيابية خسرها حلفاء النظام السوري فريق «14 آذار» المناوئ لدمشق.تراجع نفوذ دمشق في لبنان استمر بعد انسحاب جيشها بضغط أميركي مباشر. وتجلّى ذلك في «الحوار الوطني اللبناني»، الذي أفضى إلى اتخاذ قرارات بينها «ترسيم الحدود» اللبنانية السورية، وبناء علاقات دبلوماسية مع سوريا وتبادل السفراء، الأمر الذي قبله بشار الأسد على مضض. وأكمل المسار بقرار إنشاء محكمة دولية لمحاكمة قتلة الحريري وتنظيم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات - وطال أساساً التنظيمات المتحالفة مع دمشق وعلى رأسها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» - وتحرير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. حرب 6002مع هذا، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006، التي أعلن «حزب الله» بعدها «الانتصار على إسرائيل»، استعاد النظام السوري بعض نفوذه. وتعزز ذلك بسلسلة اغتيالات طالت خصومه في لبنان من ساسة ومفكّرين وإعلاميين وأمنيين - جميعهم من فريق «14 آذار» - وتوّج بالانقلاب العسكري الذي نفذه «حزب الله» يوم 7 مايو 2008 محتلاً بيروت ومهاجماً الجبل. وأدى هذا التطور إلى «اتفاق الدوحة» الذي منح الحزب وحلفاء دمشق «الثلث المعطِّل» في الحكومة اللبنانية، فمكّنهم من الإمساك بالسلطة.يوم 25 مايو 2008 انتخب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وفي 13 أغسطس (آب) من العام نفسه عُقدت قمة لبنانية ـ سورية في دمشق، وصدر عنها بيان مشترك، تضمّن بنوداً عدّة أهمها: «بحث مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا، وترسيم الحدود، ومراجعة الاتفاقات وإنشاء علاقات دبلوماسية، وتبنّي المبادرة العربية للسلام». ولكن لم يتحقق من مضمون البيان، ومن «الحوار الوطني اللبناني» سوى إقامة سفارات وتبادل السفراء فقط.ختاماً، لم يقتنع النظام السوري في يوم من الأيام بالتعامل مع لبنان كدولة مستقلّة. وحتى في ذروة الحرب السورية، لم يكف عن تعقّب المعارضين السوريين الذي فرّوا إلى لبنان، فجنّد عصابات عملت على خطف العشرات منهم ونقلهم إلى سوريا. كذلك سخّر القضاء اللبناني (خصوصاً المحكمة العسكرية) للتشدد في محاكمة السوريين الذين كانوا في عداد «الجيش السوري الحرّ» والتعامل معهم كإرهابيين.أيضاً، كان للنظام السوري - عبر حلفائه اللبنانيين - الدور البارز في تعطيل الاستحقاقات الدستورية، لا سيما الانتخابات الرئاسية والنيابية وتشكيل الحكومات، بمجرد اكتشاف أن النتائج لن تكون لصالحهم. وعليه، قد يكون انتخاب الرئيس اللبناني في 9 يناير (كانون الثاني) المقبل، الاستحقاق الأول الذي يشهده لبنان من خارج تأثير نظام آل الأسد منذ نصف قرن.