رحيل جون بيرجر.. الصوت {المشاغب} في أوروبا

ترك بصمته الخاصة في الثقافة والفنون في النصف الثاني من القرن العشرين

جون بيرغر
جون بيرغر
TT

رحيل جون بيرجر.. الصوت {المشاغب} في أوروبا

جون بيرغر
جون بيرغر

عام جديد لا يكاد يفتح عينيه، لتغمض على بابه عينا رجل كان وكأنه زمن من الإبداع. البريطاني جون بيرغر، المولود عام 1926، والذي رحل ليلة أول من أمس في قرية فرنسية اتخذها مسكنًا له، أشبه ما يكون برجالات عصر النهضة في إيطاليا بالعصور الوسطى. رجل ضاج بالمواهب التي توزعت بين الرسم والرّواية والنقد الفني والقصص القصيرة والشعر والدراسات السوسيولوجيّة وكتابة نصوص الأفلام والبرامج الوثائقيّة. حاز على جوائز مرموقة من المؤسسة الثقافيّة البريطانيّة - بما فيها بوكر للرواية في 1972 - رغم كونه من أكثر الأصوات المشاغبة سياسيًا في أوروبا بالنظر إلى خلفيته الفكريّة الماركسيّة.
هو المشاكس الأنيق في فكره الذي اعتبر أن الفن المعاصر جلّه يكاد يكون تاريخًا للفشل بسبب تغول المنظومة الرأسماليّة المهيمنة على عمليّة الإنتاج الفنّي واستعبادها للفنانين وتحويلها العمل الفني موظفًا في خدمة الآيديولوجيّات.
طبع بيرجر عالم الثقافة والفنون الغربيّة ببصمته الخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلّم أجيالاً متتابعة تقنية رؤية الأعمال الفنيّة وتقيّيمها من خلال فهم أبعادها السياسية والثقافية. لكنه لم يكن ذي تخصص دقيق كما محدودية مهن هذه الأيام، بل كان عالما من المعرفة وطاقة إبداعية لم يحدها أي سقف. بدأ حياته فنانًا تشكيليًا في لندن وأقام عدة معارض ناجحة، لكنه تحول إلى الكتابة ونشر أولى رواياته (رسّام من هذا الزمان) في 1958، التي من شدّة واقعية وصفها لطريقة إنتاج العمل الفني وأبعاده السياسيّة دفعت الكثيرين للاعتقاد بأنها قصة حقيقيّة وتسببت بمناقشات حادة انتهت بناشره إلى سحب الرواية من التداول. لكن العمل الذي انتقل به إلى الشهرة التامة كان (طرائق الرؤية) في 1972 الذي رافق برنامجًا وثائقيًا بالاسم ذاته قدمه بيرجر على الـ «بي بي سي». وأصبح مرجعًا أساسيًّا في تحليل الصورة في جسد العمل الفني، يدرّس في الجامعات إلى اليوم، وتتلمذت عليه أجيال من المهتمين بالفنون في بريطانيا والغرب.
أهم أعماله سياسيًا ربما كان (رجل سابع) الذي نشر في 1975 وهو كتاب وثائقي تعاون فيه مع جون موهر المصور الفوتوغرافي السويسري المعروف كاشفًا النقاب عن ظروف العيش البائسة للعمال المهاجرين واضمحلال مجتمعاتهم الأصليّة بعد رحيلهم. عندما تقلب في هذا الكتاب اليوم بعد أربعين عامًا تكاد تظن أنه صدر بالأمس في عزّ أزمة اللاجئين التي تعصف بالقارة العجوز. لكن معظم النقاد مجمعون على أن موهبته العبقريّة في النقد الفني تتجلى أفضل ما يكون في كتابين صدرا حديثًا (2015) وهما «لاندسكيبز: جون بيرجر عن الفن»، و«بورتريهات: جون بيرجر عن الفنانين»، الّلذين حررهما توم أوفيرتون جامعًا فيهما مختارات من مقالات بيرجر عبر السنوات، مغطيًا تاريخ التصوير البشري منذ رسومات كهوف اللاسكو إلى الفنانين المعاصرين. هذه الاختيارات عكست بحرفيّة سر سحر الكتابة عند بيرغر: قدرة خارقة على التعبير بلغة شديدة الوضوح عن أعقد أبعاد المنتج الفني مسلحًا بمعرفة تقنيّة وتاريخيّة عميقة متطلعًا بعيني الفنان ذاته. تلك الموهبة النظرّية رافقتها سيطرة عجائبية على الكلمات حتى قارنه البعض في ذلك بجورج أرويل (أحد أهم كتاب بريطانيا في القرن العشرين).
كتابات بيرجر رغم تعقيد ما تطرحه من قضايا لا تبدو نتاج الفكر الذاتي بقدر ما هي ثمرة نتاج حوارات ثريّة وعلاقات عميقة مع أصدقاء وعابرين، ثيمتها الحساسيّة المتفوقة في القبض على التفاصيل، ومن ثم تقديمها بلغته الرائقة في نص نظري متين مدعوم بمعرفة تاريخيّة شاملة.
بالطبع تغيرت كتابات بيرجر ونظرته إلى الفنون خلال ستة عقود من العطاء، لكن خطين عامين بقيا ظاهرين في كل نتاجاته: نقده الصريح للاقتصاد السياسي وراء المنتج الفني، وبحثه الدائم عن قيمة العمل الفني إنسانيًا. كانت تلك ثقافته الماركسيّة التي حملها معه في كل المراحل، وشكلت رؤياه للقضايا جلها رغم عدم انتمائه إلى أي تنظيم سياسي، كما تظهر سلسلة أعماله اجتهادًا مستمرًا لتقديم نوع من نظريّة ماركسيّة للفن.
يستدعي بيرجر الأعمال الفنيّة من المتاحف والغاليريهات المتأنقة ليسكنها ورشة العمل، حيث الفنان يتصبب عرقًا وأصابعه ملطخة بالألوان في قلب عمليّة الإبداع الفني، لكي يعطينا تصورًا لرؤية الفنان لما اقترفت يداه، محللا المعطيات التي قد تكون تسببت بتلك الرؤية ليخلص دائما إلى اعتبار المنتج الفني في عمقه ليس إلا تعبيرا حادا عن حاجة الكائن البشري لإظهار قدرته البائسة على خلق العالم الذي يريد.
النقد الفني كان دومًا عند بيرجر ممارسة ثوريّة تقدميّة تستهدف التحضير لتغيير المجتمعات نحو الأفضل، ولذلك فإن مقالاته في أسبوعيّة «النيوستيتمان» البريطانيّة كثيرًا ما أثارت ردود فعل حادة، لأنه كان يحاكم العمل الفني بتجرد ونزاهة تليق بالثوريين الحالمين ولم يعبأ أبدًا بالمكانة الفنيّة أو السياسيّة لأحد، ما اضطر المجلس الثقافي البريطاني في إحدى المرات إلى إصدار اعتذار رسمي للنحات البريطاني المعروف هنري مور بعدما وصف بيرجر أعماله الأخيرة بأنها دون مستواه المعهود، كما لم تسلم المتاحف المعاصرة من سياط نقده - رغم أنّه قضى أوقاتًا طويلة من عمره في ردهاتها - لأنها بحسب نظرته سلعت العمل الفني وحولته إلى منتج استهلاكي آخر يقاس بسعره في السوق.
لم يحب بيرجر حياة لندن المدينة الكوزموبوليتينية فهجرها إلى منفى اختياري في قرية فرنسية عزلاء على تخوم جبال الألب، ولكن خياره لم يلق بأي ظلال سلبية على اتصاله بالحياة الثقافيّة البريطانية، على الرغم من أنه كان يمضي جل وقته مع الفلاحين. سياسيًا، عرف بيرجر بموافقه الجريئة في التضامن مع الفقراء والأقليات والمهمشين، فتبرع بنصف قيمة جائزة البوكر التي حصل عليها لتنظيم ثوري للسود، وأنفق النصف الثاني لإنتاج كتابه الوثائقي عن العمال المهاجرين. عاش الرجل مرحلة المد الثوري الرومانسي في باريس نهاية الستينات، وهاجم دون تحفظ الغزو الأميركي لفيتنام وهيمنة دول الشمال الغنيّة على الأغلبيّة الفقيرة في الجنوب. لكن القضية الأهم التي استحوذت على وقته خلال أعوامه الأخيرة كانت قضية فلسطين. فهو ساند الفلسطينيين تحت الاحتلال ودعم انتفاضاتهم، وأخذ عائلته إلى رام الله حيث أقام ورشات فنيّة للأطفال الفلسطينيين كما أعاد كتابة ترجمة لقصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش بلغته الشعريّة البديعة، وكتب مقالات عن الحياة داخل الأراضي الفلسطينية أثارت جدلا حادا في الصحف البريطانيّة، كما ترأس مجموعة من عشرات نجوم الثقافة والموسيقى والفن العالميين بمن فيهم نعوم تشومسكي ونعومي كلاين في نشر رسالة مفتوحة على صفحات «الغارديان» البريطانية دعت إلى مقاطعة إسرائيل بوصفها كيان فصل عنصريا أشبه ما تكون بدولة الفصل العنصري لنظام جنوب أفريقيا السابق.
في مقابلته الأخيرة لـ«الأوبزيرفر» البريطانية قبل أسابيع من وفاته وتعليقا على نتيجة استفتاء البريكست الذي تمخض عن اختيار أغلبيّة بسيطة من البريطانيين مغادرة الاتحاد الأوروبي، شن بيرجر هجومًا لاذعًا على العولمة المتحولة أداة للرأسماليّة في الهيمنة على المجتمعات، لكنه قال إنه دائمًا كان يعتبر نفسه أوروبيًّا، وقد صوّت قبل الجميع في الاستفتاء عندما رحل إلى قلب القارة الأوروبية قبل خمسين عامًا.
كل هذه المواقف الصاخبة في الفن والحياة والسياسة جلبت لبيرجر دون شك أعداء أكثر بكثير من الأصدقاء، لكن الطرفين مجمعان على أن الرجل كان عبقريّة متفردة وناقدًا فنيًّا من طراز رفيع قد لا تجود بمثله الأيام بسهولة.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة