شخصيات رحلت وتركت العالم أقل جمالاً

أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
TT

شخصيات رحلت وتركت العالم أقل جمالاً

أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير
أمبيرتو إيكو - زها حديد - إدوارد ألبي - هيلاري بوتنام - ألفن توفلر - ليونارد كوهين - مايكل هير

كتبنا عن رحيل عدد من كتابنا وباحثينا العرب في السنة الماضية 2016، ونستعرض هنا رحيل قسم من الكتاب والمفكرين والفنانين الذين تركوا بصمات واضحة على خريطة الثقافة العالمية، وضمنها العربية، مع سيرة حياتية قصيرة لكل منهم:
* أمبيرتو إيكو (مواليد 1932): العالم كأنه أحجية
فيلسوف إيطالي، ومفكر وباحث في اللغة، وناقد أدبي، وخبير موسوعي في فترة العصور الوسطى. اكتسب إيكو شهرته العالمية من خلال أعماله الروائية السبعة، بدءا من «اسم الوردة» التي تحولت عملاً سينمائيًا وترجمت إلى لغات عدة، باعت ملايين من النسخ حول العالم، فتحول في يوم وليلة إلى نجم ينتظر القراء أعماله بتلهف. تبدو روايات إيكو كلها وكأنها كاتدرائيات قوطية هائلة فيها معمار شديد التعقيد في حبكته الكلية، مع اعتناء بالتفاصيل إلى حد التطريز. كان إيكو يرى العالم وكأنه أشبه بأحجية، لكنه في أعماله انتقد كل المحاولات العبثية لإعطاء معنى ما لهذه الأحجية.
لإيكو أعمال منشورة كثيرة غير الروايات، إضافة إلى عشرات المقالات في النقد الأدبي والثقافي، وهو يعد صاحب مدرسة معاصرة في تحليل النصوص والأعمال الأدبية والسينمائية.
* زها حديد (مواليد 1950): ما بعد حدود الخيال
معمارية عراقية - بريطانية حصلت تصميماتها على شهرة عالمية، وفازت بأهم جوائز الهندسة المعمارية مرات عدة. كانت حديد أول امرأة تحصل على الميدالية الذهبية للمعهد الملكي البريطاني للعمارة، وتحولت تصميماتها الجريئة في تحديها منطق الفراغ والشكل والمادة إلى رحلة ضد المألوف ورقص دائم على حدود الخيال. متعت حديد الملايين عبر العالم بأعمال مماثلة لعمارتها الجريئة في مجالات التصميم المختلفة: المفروشات والأحذية وحتى السيارات.
تركت بصمة لها في معظم مدن العالم الرئيسة من خلال تصميم مبان رسمية وعامة، كالمتاحف والمعارض والملاعب عدت معالم مدينية بارزة، ما لبثت أن حولتها إلى أيقونة عمارة ما بعد الحداثة ومعمارية الليبرالية المدللة.
* إدوارد ألبي (مواليد 1928): مسرح العبث الذي لا عبث فيه
مسرحي أميركي بارز، أخذ تقاليد مسرح العبث واللامعقول الأوروبية إلى تجربة أميركية جريئة أعادت النظر في كل ثيمات الحياة المعاصرة. تحولت نصوصه إلى إعادة تأسيس للمسرح الأميركي ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وحصل على جوائز دراما رفيعة. حولت إحدى مسرحيات ألبي الأشهر «من يخاف من ذئب فرجينيا؟» فيلما سينمائيا من بطولة إليزابيث تايلور حفظ في السجل القومي الأميركي للأفلام بوصفه تراثًا ثقافيًا وتاريخيًا مهمًا. صرف ألبي معظم عوائد مسرحياته الناجحة تجاريًا على مركز لإيواء الفنانين والكتّاب ليساعدهم للتفرغ لإبداعاتهم بعيدا عن هموم العيش المؤرق، وهو قضى وقتًا طويلاً يدرّس نظريات المسرح في الجامعات الأميركية؛ فكان له تأثير لا ينكر في جيل كامل من المسرحيين في الولايات المتحدة.
* هيلاري بوتنام (مواليد 1926): البحث الدائم عن تمثلات الحقيقة
فيلسوف أميركي، وخبير رياضيات وكومبيوتر ورائد المدرسة التحليلية في الفلسفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. كانت لبوتنام مساهمات مفصلية في فلسفة العقل وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم، كما طبق أسلوب التحليل الفلسفي بحثًا عن مواضع الضعف التي تختزنها الأفكار دون أي رحمة، حتى حدود مواقفه بحد ذاتها التي وضعها تحت مجهر التحليل، فكان معروفًا بقدرته على تغيير أفكاره والانتقال بها نتيجة النقد الذاتي. كتب لاحقًا في الأخلاقيات والفلسفة الكلّية أو فلسفة الفلسفة وحدودها وموضوعاتها، داعيًا إلى تجديد الفلسفة والابتعاد بها عن الانشغال بالاهتمامات الضيقة والقضايا الفرعية.
عمل بوتنام في جامعة هارفارد ودرس تلامذتها في مجالات عدة، وهو كان أول من قال في فلسفة اللغة بأن المعنى ليس مرتبطًا بالكلمة كما هي في العقل وإنما تكتسب الكلمة معناها من خلال المحتوى أو الإطار الذي تطرح فيه، أي أن الفهم مرتبط بالمجتمع. وقد وصفه زميله في المدرسة الثانوية نعوم تشومسكي بأنه من أفضل العقول التي قابلها في حياته.
* ألفن توفلر (مواليد 1928): التكنولوجيا تشكل مجتمعًا جديدًا
كاتب أميركي بدأ من عالم الصحافة، لكنه اختص لاحقًا بالمستقبليات. حلل توفلر مبكرًا التأثيرات المحتملة لثورة التكنولوجيا والاتصالات على ثقافة المجتمعات في العالم، طارحا أفكارا ومصطلحات عدة ذاعت من بعده. بدأ توفلر تحليلاته المستقبلية من خلال عمله في مجلة «فورتشن» الأميركية قبل أن يصدر عام 1970 كتابه المشهور «صدمة المستقبل» الذي يرصد التحولات التي تتسبب فيها التكنولوجيا، متنبئا بتكون مجتمع جديد لا يراه الذين اختاروا العمى. لمع نجمه كالبرق؛ إذ باع كتابه ملايين عدة من النسخ. وفي 1980 نشر كتاب «الموجة الثالثة» الذي تنبأ فيه بانتشار تطبيقات تكنولوجية كثيرة صارت اليوم شأنًا مألوفًا كالكومبيوترات الشخصية والهواتف الجوالة والإنترنت والاستنساخ، ولاحقًا أصدر كتاب «تحولات القوة» الذي وصف فيه قدرة التطبيقات التكنولوجية العسكرية على تغيير معادلات القوة في العالم. وقد بيع من هذين الكتابين أيضًا ملايين النسخ، وترجما إلى عدد كبير من اللغات المحكية.
درّس توفلر أفكاره ورصده لتأثير التقدم التكنولوجي في جامعات أميركية مرموقة، وعمل مستشارًا لشركات كبرى وقادة سياسيين، بمن فيهم الزعيم الصيني زهاو زيانغ.
هناك توافق عالمي على أن توفلر من أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين.
* ألان ريكمان (1946): الصوت والصورة والروح معًا
انطلق البريطاني ألان ريكمان من المسرح بعد أن درس في الأكاديمية الملكية للدراما، ولم يلبث أن سحر العالم بصوته الجميل كما طلته الساحرة وأدائه المعبر منذ أن قدّم أول أدواره في السينما عام 1982 فصار بمثابة نجم عالمي بعد أدواره الواسعة الشعبيّة في «داي هارد»، وأيضًا مجموعة أفلام هاري بوتر. لعب ريكمان فيما بعد دور البطولة في «روبن هود: أمير اللصوص» وأيضا في «راسبوتين: خادم القدر المظلم» الذي حظي أداؤه فيه على تكريم واسع، ليس أقله فوزه بجوائز الجولدن غلوب، وإيمي، ورابطة كتاب السينما معًا.
اعتبر صوت ريكمان من أكثر الأصوات الرجولية اكتمالاً في عالم السينما المعاصرة، وقد لعب بصوته أدوارًا في أفلام مهمة عدة، منها «أليس في بلاد العجائب» وأعمال غنائية عدة، كما سجل سونيتات لشكسبير بصوته. سياسيا كان ريكمان مناصرا تقليديًا لحزب العمال البريطاني، ورأس منظمة دولية تقدم المساعدة للفنانين الفقراء عبر العالم.
* ليونارد كوهين (مواليد 1934): الشعر كأنه نبض الحياة
كوهين فنان كندي متعدد المواهب، أبدع في منطقة التقاطع بين عوالم الشعر والغناء والموسيقى متأخرًا؛ إذ كان بدأ مسيرته من عالم الرواية والكتابة طوال خمسينات وستينات القرن الماضي، ولم يصدر أول ألبوم غنائي له قبل 1967، تتابعت بعدها أعماله الغنائية ذات النفس الخاص الذي يزاوج بين الجاز والموسيقى الشرقية مع مناخ حزين، آخرها كان قبل وفاته بثلاثة أسابيع. انحدر كوهين من عائلة يهودية متدينة، تأثرت أعماله بأجواء أسرته المحافظة وبأشعار غارسيا لوركا، اعتبر الشعر نبض الحياة وخلاصة التجربة الإنسانية، وقد عدّ تأثيره الفني الأوسع في جيل السبعينات في الغرب فلم يتفوق عليه ربما سوى بوب ديلان الحائز جائزة نوبل للآداب 2016.
* مايكل هير (مواليد 1940): الصحافة - الكتابة من خطوط النار
أُرسل هير مراسلا لإحدى المجلات الأميركية لتغطية حرب فيتنام من الخطوط الأمامية 1967 – 1969، فكتب مجموعة من المقالات تحولت فور نشرها في كتاب روائي عام 1977 (ديسباتشز) إلى عمل كلاسيكي في صحافة الحرب، وقد أعيد طبعها مرات عدة منذ ذلك الحين. نقل هير تفاصيل الحرب إلى كل قارئ قبل تطور النقل التلفزيوني، فصوّر بكلماته الحاذقة جل سورياليتها وجنونها بتفصيل مذهل. وصف الروائي الشهير جون لي كاري ذلك الكتاب بأنه أفضل ما قرأه في حياته عن الإنسان أيام الحروب، ووصفه آخرون بأنه رائد الصحافة الحديثة.
انتقل هير للكتابة في هوليوود، فشارك في كتابة نصوص أفلام حربية معروفة، منها «القيامة الآن» إخراج فرنسيس كوبولا، و«درع حديدية كاملة» للمخرج ستانلي كوبريك 1987.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة