المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

آخر الأفواج تضم عناصر خطرة من مصر وتونس والعراق وسوريا

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا
TT

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

في اجتماعات لم تستغرق أكثر من يومين في قاعة مجاورة لمطار القاهرة الدولي، بدا أن مسؤولين في أجهزة أمنية إقليمية يتحركون بسرعة أكبر من المعتاد على خلفية تفجيرات وأعمال إرهابية شهدتها أخيرا دول في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. وتشير المعلومات إلى نزوح عدد كبير من المتطرفين إلى ليبيا التي تشهد هشاشة أمنية وتهيمن فيها جماعات غير منضبطة على عدة مطارات وعلى منظومة السجل المدني وجوازات السفر. ووضع أحد ضباط الأمن خطا تحت اسم رجل ليبي يدعى «ديكنة». هل هو في تركيا أم في مصر أم في أوروبا؟ وبدا للوهلة الأولى أن الرجل خطير، وأن له علاقة بأعمال تفجيرات في مكان ما في المنطقة. لم تكن هناك إجابة واضحة. لكن الضابط، وهو ليبي أيضا، التفت وقال ما معناه إن «ديكنة» كان تحت رقابة أمنية مستمرة تتعاون عليها عدة أجهزة. ثم اختفى فجأة قبل أيام من تفجير الكنيسة البطرسية في العاصمة المصرية.
رغم كل شيء تضفي أشجار أعياد الميلاد (الكريسماس) المزينة بالفوانيس الملونة السعادة أمام القاعة في مطار القاهرة الدولي، وتنساب موسيقى البهجة من المتنزهات القريبة. لكن يوجد خلف باب غرفة الاجتماعات المجاورة للمصعد، عمل محموم يقوم به ضباط يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويقول أحد المسؤولين الأمنيين كأنه يلهث: تحركات المتطرفين سريعة... سريعة للغاية. كل يوم يجد جديد. وهذا أمر مرهق.
وفي وقت الاستراحة القصير بدا من إفادات أحد المشاركين الآخرين ممن جاءوا من وراء البحر بالطائرة على عجل، أن عبء المراقبة والتتبع للمتطرفين أصبح أكبر صعوبة من السابق بكثير، خاصة بعدما شددت القوى الدولية والإقليمية من ضرباتها على مواقع تنظيم داعش في العراق وسوريا وملاحقة المجاميع المتطرفة عبر العالم، مع التدقيق في عمليات التحويلات المالية المشبوهة وتحركات المشتبه في علاقتهم بالأعمال التخريبية. هذه ليست قضية محلية... أصبحت مسألة دولية... «الإرهابي هنا يمكن أن يتسبب في كارثة هناك».

الغالبية عرب
يقول الضابط، وهو مسؤول أمني إقليمي، إن مجاميع من المتطرفين، أغلبهم عرب وبينهم من يحمل جنسيات دول أوروبية، يعززون مواقعهم في ليبيا بشكل لافت لتنفيذ عمليات إرهابية عابرة للحدود، خاصة في دول الجوار وعدة دول شمال البحر المتوسط. وكان المسؤول المشار إليه من ضمن قادة وصلوا إلى هنا بالتزامن مع لقاء عربي - أوروبي نظمته الجامعة العربية حول الإرهاب والهجرة غير الشرعية وغيرها من القضايا الملتهبة في المنطقة.
وفي المساء رشح من كواليس المناقشات الحامية أن هناك مجموعة متطرفين عرب يقودهم رجل آخر يبدو أنه ليبي الجنسية أيضا، أفلت من المراقبة خلال الأسابيع الأخيرة، رغم خطورته، يدعى «مرجيني». ويضيف المسؤول الأمني وهو يحمل بين يديه ملفا كبيرا من الأوراق والأقراص الإلكترونية المدمجة، أن كلا من «ديكنة» و«مرجيني»، يشتبه في انتمائهما لجماعة الإخوان الليبية، وأنهما يستغلان مكتبا في مصراتة لاستقبال متطرفين من الخارج، من بينهم مجموعة تضم مصريين من سيناء وفلسطينيين من غزة، تمركزت في المدينة نفسها التي تقع على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس.
ويشير إلى أنه منذ مطلع الشهر الماضي، جرى التخطيط في المكتب المشار إليه لتنفيذ أعمال إرهابية عابرة للحدود. وتم تخصيص مبلغ يصل إلى نحو 30 مليون دولار لهذا الغرض، وفقا لمصادر التحقيقات.

مصراتة في الواجهة
ويقول مصدر أمني مقرب من المجلس الرئاسي الليبي إن قيادات سياسية وعسكرية تنتمي لمدينة مصراتة اكتشفت هذا النشاط الذي رأت أنه «يسيء لمصراتة التي قدمت آلافا من أبنائها بين قتيل وجريح أثناء محاربتهم المتطرفين في سرت». وبدأت إجراءات التحقيق التي يشارك فيها مسؤول مهم في الاستخبارات العسكرية الليبية. ومن بين المقترحات التي جرى التعاطي معها لكبح جماح نشاط المكتب المشار إليه، مصادرة الأموال التي تم تخصيصها للمجموعات الليبية والعربية المتطرفة. ويشمل ملف التحقيق - وفقا للمصدر نفسه - تسجيلات فيها تخطيط «ديكنة» و«مرجيني» لتنفيذ عمليات تخريبية قبل أيام من تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة. وما زال البحث عن الرجلين مستمرا عبر عدة دول في المنطقة.
ويعتقد رجال الأمن أن هناك معلومات جديدة ومهمة عن خطط أخرى لتنظيم داعش في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا انطلاقا من ليبيا. ومن هذه المعلومات أن من بين قيادات «داعش» التي فرت من العراق وسوريا إلى ليبيا أخيرا رجلا لبناني الجنسية يدعى «أبو طلحة»، وتونسيا يلقب بـ«أبو حيدرة»، وجزائريا يعرف بـ«مُعِز»، وصوماليا يدعى «حسن»، إضافة إلى اسم القائد الجديد لما يسمى «ولاية طرابلس» ويدعى «أبو حذيفة المهاجر».
وتشير المعلومات إلى تحركات تقوم بها مثل هذه القيادات في ضواحي طرابلس الغرب وما حولها. وهذا في حد ذاته أمر مربك للمحققين، لأن «أبو طلحة» و«أبو حذيفة» كان يعتقد أنهما قتلا في الهجمات التي تشنها القوات العراقية المدعومة دوليا على تنظيم داعش في الموصل. وبدأت عملية طويلة من إعادة ترتيب الأوراق وتسلسل الأحداث لمعرفة ماذا يجري على الساحل الليبي المواجه لأوروبا الذي يبلغ طوله ألفي كيلومتر.
قضبان السكك الحديدية التي تتحرك عليها المجموعة التابعة لكل من «ديكنة» و«مرجيني» تختلف تماما عن قضبان السكك الحديدية التي يسير عليها قطار الدواعش القادمين من العراق وسوريا، لكن التحقيقات تقول إن هذين الطريقين يتلاقيان أحيانا في بعض التقاطعات. ويتعاونان أيضا.
فالمجموعة التي فيها «أبو طلحة» دخلت إلى ليبيا بمساعدة من قيادي يشرف أساسا على تحركات «ديكنة» و«مرجيني». لكن مركز انطلاق هذين الأخيرين كان من خلال فرع مكتب في بلدة مصراتة يديره زعيم سياسي لحزب ديني.
أما تحركات مجموعة الدواعش فتتركز في كل من طرابلس والخُمس وصبراتة والزاوية، وكلها قريبة من الحدود مع تونس. ويديرها رجل مقرب من الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي. وهذا الرجل ما زال يقيم في الموصل على ما يبدو، ويدعى «الشيخ ياسين».

تعاون أمني إقليمي
ويظهر أن تعاون رجال الأمن في منطقة الشرق الأوسط قادر على فك الكثير من الطلاسم. فاسم «أبو طلحة» اللبناني موجود أيضا في ملفات قديمة، حيث كان من بين مجاميع متطرفة تنشط في آسيا، خاصة أثناء محاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. ومن الأوصاف المذكورة عن ملامحه التي كان عليها في ذلك الزمن الغابر أنه ذو وجه مستدير وشعر أشقر، ويميل إلى التحدث في تخاطبه اليومي مع الآخرين باللغة العربية الفصحى المتقنة.
كما يسود اعتقاد أن المرة الأولى التي دخل فيها «أبو طلحة» إلى ليبيا كانت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث وصل إلى مدينة سرت عبر زورق بحري رفقة «أبو حيدرة» و«أبو الزبير الدمشقي» وآخرين. ثم اختفى وعاود الظهور في ليبيا مجددا بعد تزايد الضربات ضد «داعش» في الموصل.
ويعود الظهور الجديد لـ«أبو طلحة» في المناطق القريبة من طرابلس إلى منتصف الشهر الماضي. ومنذ ذلك الوقت بدأ ينشط بقوة في أوساط الدواعش، خاصة في مدينة الزاوية التي جرى فيها رصد تعاون عسكري بين قيادات التنظيم المتطرف وقيادات من جماعة «ديكنة» و«مرجيني»، خلال حرب الزاوية التي أحرقت أطراف المدينة في الأسابيع الأخيرة.
ووفقا للمصادر الأمنية يعد لواء الفاروق الداعشي الذي له وجود في كل من مصراتة والزاوية أحد المشتركات بين المجموعتين المشار إليهما. ويقود لواء الفاروق في الزاوية رجل ليبي يدعى «هدية». بينما يتولى «أبو طلحة» الإشراف بنفسه على فرع مصراتة بعد مقتل قائده «غليو» في الحرب في سرت مطلع الشهر الجاري.
وجرى جلب غالبية المنتمين للواء الفاروق منذ البداية، من جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تنشط أساسا في سيناء بمصر، ومن بقايا لجماعة الإخوان المصريين المبعثرين في عدة دول بالمنطقة منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي... بالإضافة إلى مقاتلين تونسيين من جبل الشعانبي منتمين لما يعرف بـ«أنصار الشريعة». وتدرب كل هؤلاء لبعض الوقت في معسكر يقع في بلدة تاورغاء المهجورة قرب مصراتة.
المحزن في الأمر أن مجموعة داعشية جرى القبض على خمسة منها في نهاية المطاف، الأسبوع الماضي، يتبعون «أبو طلحة»، شعروا منذ وقت مبكر من هذا الشهر بوجود ملاحقة لهم. واتهمت مجموعة «أبو طلحة» في منطقة الخُمس عائلة رجل يسمى «إحميدة» بأنه هو من يبلغ بتحركاتهم. وعلى هذا قتل الدواعش «إحميدة» في منزله مع ابنيه الاثنين وابنته. واتضح فيما بعد أن الرجل لا علاقة له بالأمر من قريب ولا من بعيد، لكن هذا كان بعد فوات الأوان.
وبينما كانت تحركات المجموعة الإخوانية الليبية، انطلاقا من مصراتة، بمن فيها الرجلان الغامضان «ديكنة» و«مرجيني»، تستهدف الخارج، كان نشاط الدواعش يصب في اتجاه عكسي، أي من الخارج إلى الداخل، خاصة من العراق وسوريا. ويعتقد أن من دخلوا ليبيا في الأسابيع الأخيرة قادمين من الموصل، يحملون كنزا من المعلومات. لكن وصول أجهزة الأمن إلى تفاصيل كل ما يدور في ليبيا يبدو أمرا صعب المنال في ظل الفوضى التي تعم هذا البلد.

مؤشرات للمستقبل
بيد أن ما جرى التوصل إليه حتى الآن يمكن أن يكون مؤشرا لما قد يحدث في المستقبل. وتتضمن المعلومات التي جرى تسريبها خططا غامضة مبنية على رموز معقدة للتنظيم المتطرف في كل من ليبيا ومصر وتونس والجزائر ومالي إضافة لأوروبا. ويبدو حتى الآن أن هذه الخطط جرى وضعها على أيدي قادة التنظيم في العراق وسوريا وهم يشعرون بقرب الهزيمة هناك.
ومن بين المعلومات التي رشحت أن عددا ممن تم نقلهم من التنظيم من العراق وسوريا إلى ليبيا بلغ حتى منتصف هذا الشهر نحو ألف عنصر. وفيها أيضا أن قائد تنظيم داعش في مصر يلقب بـ«أبو إكرام» ويقيم في ليبيا، ومسؤول عن سيناء والإسكندرية والقاهرة.
وجرى تكليف «أبو حذيفة» بالإشراف على نشاط الدواعش على الحدود الليبية مع الجزائر ضمن مسؤولياته عن نشاط التنظيم في الجنوب. وفيما يتعلق بخطط «داعش ليبيا» في تونس فقد تبين وفقا للمعلومات التي أمكن التوصل إليها، وجود تعليمات بسحب تجمعات الدواعش من منطقة جبل الشعانبي التونسية، ونشرهم في الأوساط العامة لكي يتجنبوا أي عملية استهداف من جانب السلطات التونسية، وكذلك تحويل النشاط الداعشي إلى الجنوب التونسي خاصة في مدينة القصرين.
ووفقا لعملية تبادل لمعلومات استخباراتية بين أجهزة أمنية تعمل في المنطقة، فقد جرى الربط بين «أبو طلحة» عقب وصوله إلى ليبيا أخيرا، وخلية إرهابية تنتمي لـ«داعش» في دولة بلجيكا يقودها رجل عراقي يلقب بـ«أبو الأشعب»، وخلية أخرى في فرنسا يقودها مغربي يلقب بـ«أبو قداد». ومعروف أن هذين البلدين شهدا نشاطا دمويا لـ«داعش» خلال الشهور الماضية.
أما فيما يتعلق بـ«ديكنة» الذي تلاحقه عدة أجهزة أمنية في المنطقة، فتقول معلومات جديدة إن لديه مقرا آخر خارج مصراتة يقع في العاصمة طرابلس، وجرى رصد عملية تحويل منه لمبلغ خمسين ألف دولار وتسلمه أحد أقاربه في هذا المقر قبل يومين. ويقول مسؤول أمني: التحويل جرى من خارج ليبيا، دون مزيد من التفاصيل. لكن هذا في حد ذاته يشير إلى أن «ديكنة» ربما ما زال خارج ليبيا بالفعل.
وتضيف معلومات أشرف عليها مسؤول في المخابرات العسكرية المختصة بمنطقة شرق طرابلس، أن مطار مصراتة استقبل خلال الأسابيع الماضية مجموعات من حركة حماس ومن جماعة أنصار بيت المقدس، وأن هؤلاء عقدوا اجتماعات في المكتب الإخواني المشار إليه، ما أثار حفيظة السلطات الأمنية في المدينة. ووجه المسؤول الاستخباراتي أسئلة بهذا الخصوص إلى المكتب الإخواني بالمدينة، فأجابه بأن هذا نشاط حزبي ومن جاءوا هم ضيوف على الحزب.

نشاط غير مسبوق
ورفع المسؤول الاستخباراتي مذكرة إلى أعضاء في المجلس الرئاسي من بينهم مختص بالأمن القومي، ذكر فيها أن الاجتماعات التي تعقد في المكتب الإخواني في مصراتة «موجهة ضد مصر» و«تتضمن إدارة مجموعات للتخريب في مصر يجري تدريبهم في منطقتي زوارة والزاوية (قرب طرابلس)». وبالإضافة إلى اسمي «ديكنة» و«مرجيني» ظهر اسم ثالث لرجل ليبي يدعى «حويتة»، يقوم بالتنسيق العابر للحدود بين المجاميع العربية المتطرفة انطلاقا من الأراضي الليبية، وقالت المذكرة إنه يعد الأخطر من بين من شاركوا في اجتماعات المكتب الإخواني أخيرا.
ويقول مسؤول في الاستخبارات الليبية على علاقة بالمجلس الرئاسي، إن أعضاء في المجلس تسلموا عدة مذكرات عن نشاط كبير وغير مسبوق لقيادات من عدة تنظيمات من بينها أنصار بيت المقدس (معظمهم مصريون) وجماعة الإخوان (بينهم ليبيون أحدهم عضو في التنظيم الدولي) وتنظيم داعش (منهم فارون من الحرب في العراق وسوريا) وتنظيم القاعدة (معظمهم ليبيون).
وأضاف أن من بين هذه المذكرات ما قدمه مسؤول في فرع الاستخبارات العسكرية في شرق العاصمة الليبية، وتبين منها أن معظم تلك التنظيمات استغلت انشغال القوات التابعة للمجلس الرئاسي في الحرب على «داعش» في سرت طيلة الشهور الخمس الماضية، واتخذت لها مقرات لإدارة عمليات داخلية وأخرى عابرة للحدود، انطلاقا من مدن ومناطق «مصراتة» و«الخُمس» و«الزاوية» و«زوارة» و«مسلاتة».
وكشفت تقارير أمنية ليبية اطلعت «الشرق الأوسط» على جانب منها خلال اليومين الماضيين، عن أن آخر الأفواج التي دخلت ليبيا تضم عناصر خطرة من مصر وتونس والعراق وسوريا وغيرها. وعلى صعيد الموقف في مدينة سرت، التي جرى الإعلان عن تحريرها من الدواعش الأسبوع الماضي، تقول أحدث معلومات فريق الاستطلاع في مصراتة عن الوضع في سرت إنه جرى رصد تنظيم داعش وهو يعيد رص صفوفه فيها من جديد، مع توافد مقاتلين من العراق وسوريا على المدينة، وإن «أبو حذيفة» يتولى ترتيب هذه العملية، حيث قام بزيارة إلى سرت يوم 19 من الشهر الجاري.
ويبدو التطور في عمل المتطرفين في ليبيا مثيرا للقلق في أوساط الاستخبارات الليبية والقيادات السياسية في طرابلس الغرب. ووفقا لمصادر عسكرية مسؤولة عن مناطق شرق العاصمة الليبية، وتتعاون مع حكومة الوفاق الوطني، فقد جرى إخطار كل من الأمم المتحدة وأطراف عربية وأوروبية بالخطر الجديد.
وفي اليوم التالي من اجتماعات القاعة القريبة من مطار القاهرة بدا أن هناك اتفاقا بين أطراف من عدة دول على مواصلة التعاون وبذل مزيد من الجهود لملاحقة قيادات المتطرفين، خاصة أولئك الذين يتخذون من ليبيا مركزا للانطلاق في دول الجوار وعبر البحر المتوسط.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».