شرطي تركي يغتال السفير الروسي في أنقرة... وموسكو تلجأ لمجلس الأمن

محادثات هاتفية بين إردوغان وبوتين واتفاق على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة وجاويش أوغلو في موسكو للتنسيق

السفير الروسي أندريه كارلوف بعد تلقيه طلقات نارية أدت إلى مقتله خلال حضوره معرضًا فنيًا... ويبدو قاتله واقفًا وراءه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
السفير الروسي أندريه كارلوف بعد تلقيه طلقات نارية أدت إلى مقتله خلال حضوره معرضًا فنيًا... ويبدو قاتله واقفًا وراءه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

شرطي تركي يغتال السفير الروسي في أنقرة... وموسكو تلجأ لمجلس الأمن

السفير الروسي أندريه كارلوف بعد تلقيه طلقات نارية أدت إلى مقتله خلال حضوره معرضًا فنيًا... ويبدو قاتله واقفًا وراءه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
السفير الروسي أندريه كارلوف بعد تلقيه طلقات نارية أدت إلى مقتله خلال حضوره معرضًا فنيًا... ويبدو قاتله واقفًا وراءه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

اغتال شرطي تركي مستخدمًا «لغة جهادية»، مبررًا العملية بـ«الثأر لحلب»، السفير الروسي في أنقرة أندريه كارلوف بدم بارد, خلال حضوره معرضا فنيا في العاصمة التركية أمس.
وأكد رئيس بلدية أنقرة، مليح غوكتشيك، أن الرجل الذي أطلق النار على كارلوف «من الشرطة». وبدورها، أفادت صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة، أن القاتل من أفراد قوات شرطة مكافحة الشغب.
من جهته، قال هاشم كيليج، مراسل صحيفة «حرييت»، في أنقرة الذي كان موجودا في المكان، لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه «بينما كان السفير يلقي خطابا، أطلق رجل يرتدي بدلة، النار في الهواء ثم استهدف السفير». وأضاف أنه «قال شيئا ما عن حلب وعن انتقام».
وأفادت وكالة أنباء «الأناضول»، المقربة من الحكومة، بأن قوات الأمن «شلت حركة» مطلق النار وسط تساؤلات عن ارتباطاته. ولم توضح الوكالة ما إذا كان حيا أو ميتا.
وتوعدت وزارة الخارجية الروسية منفذي عملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة بالعقاب، ووصفت العملية بأنها «عمل إرهابي». وقالت ماريا زاخاروفا المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية في تصريحات، مساء أمس، إن «اليوم مأساوي للدبلوماسية الروسية»، متوعدة بأن «الإرهاب لن يمر، وسنتصدى له بكل حزم»، وأضافت أن روسيا تنوي اليوم عرض واقعة اغتيال السفير الروسي على مجلس الأمن الدولي.
من جهته أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، توافق وجهات النظر مع الجانب الروسي باعتباره عملا استفزازيا يهدف إلى النيل من العلاقات بين البلدين التي بدأت تتطور في الفترة الأخيرة وعرقلتها.
وقال إردوغان لبوتين {إن العلاقات بيننا بدأت تعود إلى طبيعتها، وهناك من يحاول عرقلة تطور العلاقات في هذه المرحلة، لكن تركيا وروسيا لن تنساقا وراء هذه الاستفزازات».
وقالت مصادر برئاسة الجمهورية التركية، إن بوتين أكد خلال الاتصال أن مثل هذه العمليات الاستفزازية لن تؤثر على التنسيق والتعاون بين بلاده وتركيا بشأن الوضع في سوريا.
وقال بوتين، في تصريحات أمس، إن المحققين الروس فتحوا تحقيقًا جنائيًا في الحادث وسيتوجهون إلى تركيا. وتابع أن الحرب على الإرهاب ستتصاعد بعد قتل السفير، وأن «المجرمين» سيشعرون بالفارق.
ووصف بوتين مقتل السفير الروسي لدى تركيا بأنه «استفزاز» يهدف إلى تخريب العلاقات بين موسكو وأنقرة والجهود المبذولة لتسوية النزاع في سوريا.
وقال في تصريحات للتلفزيون إن «الجريمة التي ارتكبت هي من دون شك استفزاز يهدف إلى عرقلة تطبيع العلاقات الروسية التركية وتعطيل عملية السلام في سوريا».
وتقدّمت الخارجية التركية بتعازيها إلى روسيا حكومة وشعبًا، وأكّدت في الوقت نفسه أنّ أنقرة لن تسمح لهذا الهجوم الإرهابي أن يلقي بظلاله على الصداقة التركية الروسية.
وتابعت الخارجية في بيانها: «هذا الهجوم أظهر الوجه البربري والدنيء للإرهاب، وتركيا ستستمر بكل حزم وإصرار مع روسيا وباقي شركائها في مكافحته».
من جانبه، قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، إن السفير الروسي فارق الحياة بالمستشفى الذي نقل إليه متأثرًا بإصاباته الشديدة رغم كل المحاولات الطبية لإسعافه. وأشار إلى أن قوات الأمن تعاملت مع مطلق النار، وهو ضابط بقوات الخدمات الخاصة والانتشار السريع، وتمكنت من قتله. كما أعلن صويلو إصابة ثلاثة أشخاص جراء الحادث، أحدهم يحمل جنسية دولة أجنبية.
يشار إلى أن اجتماعا تركيا روسيا إيرانيا سيُعقد اليوم في العاصمة الروسية موسكو، لبحث الوضع في سوريا.
وكان منفذ الهجوم، يرتدي بزة سوداء أنيقة وربطة عنق. وقالت مصادر في الأمن التركي إنه ضابط بالقوات الخاصة للأمن في أنقرة ويدعى مولود ميرت التن طاش (22 عاما).
وأظهرت لقطات مصورة بثتها مواقع التواصل الاجتماعي حيث كانت القنوات التركية تحضر في المعرض الفني منفذ الهجوم وهو يصرخ بعد أن أطلق رصاصاته على السفير الروسي بالعربية «الركيكة» والتركية: «الله أكبر... لا تنسوا حلب... لا تنسوا سوريا... لن تنعموا بالأمن هنا طالما إخواننا لا ينعمون بالأمن في سوريا وكل من شارك في العمليات في حلب سيدفعون الثمن واحدا واحدا... لن يستطيع أحد أن يأخذني من هنا إلا وأنا ميت».
وقال شهود عيان إن منفذ الهجوم أطلق الرصاص مرة أخرى على السفير بعد أن تم إخلاء القاعة.
وطوقت الشرطة التركية المبنى كما تم تشديد إجراءات الأمن حول السفارة الروسية في أنقرة.
وذكرت قناة «سي إن إن تورك» أن الشرطة التركية اعتقلت شقيقة ووالدة المسلح الذي قتل السفير الروسي.
وأضافت أن المرأتين اعتقلتا بإقليم ايدين في جنوب شرقي تركيا. وجاء الهجوم المسلح على السفير الروسي في أنقرة قبل ساعات من اجتماع ثلاثي يجمع وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في موسكو اليوم الثلاثاء حول سوريا والوضع في حلب. ونددت الخارجية التركية في بيان لها بحادث اغتيال السفير مؤكدة ثقتها أنه لن يؤثر على العلاقات الوطيدة بين أنقرة وموسكو.
ورجح محللون أتراك أن يكون هذا الهجوم يستهدف التنسيق التركي الروسي في سوريا وإعادة التوتر بين تركيا وروسيا، وعرقلة الجهود التي تبذل للتطبيع الكامل للعلاقات بين أنقرة وموسكو بعد إعادتها بموجب اتفاق بينهما في يونيو (حزيران) الماضي لتطبيع العلاقات بعد أزمة إسقاط تركيا المقاتلة الروسية سو 24 على حدودها مع سوريا في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 ما أدى إلى تجميد للعلاقات بين البلدين. وربط بعض الخبراء بين حادث اغتيال السفير الروسي وحادث إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر من العام الماضي واعتبروا أنهما يرميان إلى تدمير العلاقات التركية الروسية.
في موسكو، وقبل أن تتضح التفاصيل، وقبل صدور بيان رسمي موسع عن وزارة الخارجية الروسية، أعرب برلمانيون روس عن قناعتهم بأن عملية الاغتيال موجهة لضرب العلاقات بين موسكو وأنقرة ولدفعها للصدام. إذ أعرب فلاديمير جباروف، نائب رئيس لجنة المجلس الفيدرالي للشؤون الدولية عن يقينه بأن «الهدف من اغتيال سفيرنا في أنقرة هو محاولة لغرس إسفين في العلاقات بين موسكو وأنقرة، وتوجيه الأذية لبلادنا، وترهيب الروس، إلا أن أيا من تلك الأهداف لن يتحقق». ويرى جباروف أن الهجوم الإرهابي كان موجها بصورة واضحة ضد السفير الروسي، مرجحًا أن «الإرهابيين درسوا خط سير السفير وتحركاته، ولديهم شبكة واسعة من المخبرين».
من جهته حمل رئيس لجنة الشؤون الدفاعية في المجلس الفيدرالي فيكتور أوزيروف، المسؤولية عن اغتيال السفير الروسي لمن قال: إنها «القوى المتضررة من إغلاق الحدود التركية - الروسية أمام النفط (القذر) والسلاح»، لافتا إلى أن المستهدف هو العلاقات بين موسكو وأنقرة. وقال أوزيروف إن «روسيا وتركيا تمكنت من تعزيز تعاونهما بصورة ملحوظة، بما في ذلك في التسوية السياسية للأزمة السورية».



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.