وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

تفجير الكنائس سلاح جماعات العنف الجديد

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب
TT

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

لم يشأ عام 2016 أن يسدل أستاره من دون أن يدمي قلوب المصريين بمجزرة إرهابية مروعة أخرى كان مسرحها الأسبوع الماضي بالكنيسة البطرسية، الملحقة بالكاتدرائية المرقسية في العاصمة القاهرة.
المجزرة الجديدة تأتي لتنفخ في نار فتنة يُراد منها تهديد وحدة مصر الوطنية بين مسلميها ومسيحييها، معرضة نسيج المجتمع المتماسك لحالة من الاضطراب عبر تنفيذ عمليات إرهابية كبرى تستهدف الكنائس، وتوقع عشرات الضحايا من الأبرياء. كذلك، فهي تأتي بعد أشهر من مكافحة السلطات المصرية عددا من الاعتداءات الطائفية، كان آخرها في سبتمبر (أيلول) الماضي بمحافظة المنيا بصعيد مصر، التي شهدت وحدها ما يقرب من 6 اعتداءات خلال شهرين فقط.
جدد حادث تفجير الشاب محمود شفيق نفسه في الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية، التي تضم المقر البابوي، في حي العباسية بالعاصمة المصرية القاهرة، وإعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجير، الحديث عن أن الوحدة الوطنية باتت في مرمي نيران الجماعات المتطرفة.
البعض يرى أن «الأحداث الأخيرة التي تستهدف الأقباط، خصوصًا، هدفها الوحيد التخلص من الطرفين المسلمين والمسيحيين بأيديهم.. وأن أصعب شيء يمكن السيطرة عليه هو تفلت أركان الوحدة الوطنية». وللعلم، وفقًا لتقديرات غير رسمية تتراوح نسبة المسيحيين الأقباط في مصر بين 10 و15 في المائة من عدد السكان. ولقد سادت أجواء المحبة بين المسلمين والمسيحيين على امتداد العصور، مع أنه كانت تطرأ بين حين وآخر خلافات. وفي الآونة الأخيرة بينهما، لوحظ أن بعض الخلافات ناجم بسبب «علاقات عاطفية» بين فتاة مسيحية وشاب مسلم أو العكس، أو مشاجرات بسبب لعب الأطفال، أو خلافات بسبب الجيرة، وتتسبب في إزهاق أرواح وحرق ممتلكات.

الهدف إحداث فتنة
الخبير الإعلامي حسام شاكر قال في لقاء معه: إن الأحداث الإرهابية المتلاحقة بمصر «تسعى إلى إحداث وقيعة بين المسلمين والمسيحيين. وكلما تم تضميد جراح أهالي الضحايا تخرج العمليات التفجيرية لتطل برأسها مركزة على أماكن العبادة». وأردف «أن من يدقق النظر في الأحداث الأخيرة يكتشف أن هدفها الوحيد التخلص من الطرفين المسلمين والمسيحيين بأيديهم، فأصعب شيء يمكن السيطرة عليه هو تفلت أركان الوحدة الوطنية، فإذا أرادت بعض الجماعات أن تهدم دولة، عليها أن تُحدث الوقيعة بين أطرافها في الدين، لأنه المحرك الوحيد لعزائم الرجال والنساء، وكلما زاد التوتر، فترت العلاقات بين الأطراف كافة».
في المقابل، يعتقد الدكتور خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن «الوحدة الوطنية في مصر ليست مُهددة، ولن تُحدث أحداثًا مثل التي شهدتها البلاد في أوائل ثمانينات وسبعينات القرن الماضي»، لافتا إلى أن الحوادث التي تحدث «فردية من بعض الأشخاص وفي أماكن متفرقة، فالأقباط كانت لهم مطالب محددة تتلخص في حرية بناء الكنائس، وهو المطلب الذي ظل يطالبون به منذ ما يقرب من 40 سنة، وحقق لهم الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا المطلب، فليس هناك مشكلة عامة مع المسلمين». وتابع أن الجماعات التكفيرية توجه نشاطها ضد المسيحيين لإحداث فتنة طائفية، فضلا عن وجود مخطط خارجي من بعض الدول لإحداث الفتنة في مصر.

الشوقيون
الزعفراني كشف عن أن مدينة الفيوم (القريبة من القاهرة) تضم جماعات تكفيرية تعرف باسم «الشوقيون» وهؤلاء اعتادوا الاعتداء على محال الأقباط، وبخاصة محال الذهب التي يمتلكونها، ولديهم الجرأة ومبررات المواجهة مع المسيحيين، ونجحوا في ذلك من خلال الشاب محمود شفيق، ابن الفيوم، الذي فجر نفسه في الكنيسة البطرسية.
من ناحية أخرى، سبق أن دعا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، المسيحيين والمسلمين، قبل مجزرة الكنيسة وقبلها، إلى ضبط النفس والتزام العقل والحكمة والسلام الاجتماعي والعيش المشترك، وغلق الطريق على كل من يحاول المتاجرة في أحداث المنيا الأخيرة، لإشعال الفتنة.
كذلك، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توجيهاته لكل الأجهزة المعنية بالدولة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لحفظ النظام العام وحماية الأرواح والممتلكات في إطار سيادة القانون. وأكد السيسي في حديث سابق له، أن الوقائع المثيرة التي تحدث بين المسلمين والمسيحيين «لا تُعبر بأي حال من الأحوال عن طبائع وتقاليد الشعب المصري العريقة، الذي أسس الحضارة البشرية وحارب من أجل نشر السلام».

مرارة... وعقل
وهنا، يرى مراقبون أن «عادة ما يتهم المسيحيون السلطات بعدم حسم أي نزاع طائفي مع المسلمين بشكل قانوني، وأنها دائما تفضل الحلول العرفية في مثل تلك الحالات». ومن جانبه، قال الزعفراني إن «هتافات الأقباط عقب حادث الكنيسة البطرسية في العباسية تُبين مدى المرارة التي يشعر بها بعضهم في المجتمع المصري، لكنه الرهان على ذكاء الأقباط وحكمتهم، وتفهمه أنه ليست لهم مشكلة مع المسلمين، إنما مشكلتهم مع الجماعات الإرهابية».
وفي السياق نفسه، يشدد خبراء وباحثون على أن فكر الجماعات الإرهابية لم يأت إلا بالخراب والدمار وتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وأن «أكذوبة الموت في سبيل الله التي يروج لها أمثال هؤلاء المتطرفون (مثل ما اقتنع به محمود شفيق لتفجير نفسه) ما هي إلا عمليات انتحارية شوهت مفهوم الجهاد ولا تمت بصلة كونها ليست شهادة». إذ قال الدكتور ناجح إبراهيم، المفكر الإسلامي والقيادي السابق المنشق عن الجماعة الإسلامية: «أي رجولة وشهامة ودين يبيح لك أن تفجر أطفالا ونساء يتعبدون في أماكن عبادتهم (في إشارة لانتحاري الكنيسة البطرسية)؟».
وأضاف: «الإسلام أمر بعدم قتل الأطفال والنساء والمسنين في حالة الحرب، فما بالنا بغير حرب. وأن الإسلام لا يُمكن أن يناقض نفسه، وكل الأنفس معصومة ولم يقل من قتل مسلما؛ بل قال: نفسا، والأصل في النفوس العصمة، ومهمة المسلمين ليست القتل، بل الإحياء، وهناك إحياء مادي ومعنوي؛ فالإسلام لم يأت ليفجر الأكوان والناس، بل جاء للإحياء». ثم قال إن «التكفير أسوأ لوثة أصابت العقل المسلم، وأي جماعة تضع التكفير بندًا من بنود فكرة ولو لفرد واحد يقع في العنف وهذه حتمية واقعية عاجلا أو آجلا».
ولفت إبراهيم خلال مشاركته بندوة «الدعاوى المتطرفة ودورها في تفتيت الأمة ووحدتها»، التي عقدتها الرابطة العالمية لخريجي الأزهر أخيرًا في القاهرة، إلى أن «التكفير والتفجير وجهان لعملة واحدة، أما التكفير فهو نفس أحرف التفكير، والله تعالى أمرنا بالتفكير، وكل أمة وجماعة تترك وتقيد أبناءها بطريقة فجة لا بد يقعوا في التكفير، وحينما ينطلقون في التفكير لن يحدث تكفير». واستطرد: «إن أسوأ قاعدة وضعتها الجماعات التكفيرية هي (من لم يكفّر الكافر فهو كافر)». وأوضح أن مهمة المسلم أن يكون داعيًا وليس قاضيًا: «ومهمتنا كمسلمين هداية الخلائق وترغيب الناس في الحق، ثم بعد ذلك نحن دعاة لا ولاة ومسؤوليتنا عما نستطيع من فعل الخير، فكما أن لكل فرد وسعا في تطبيق الشريعة فلكل فرد وسع المعلوم من الدين بالضرورة يختلف من زمان لزمان ومن مكان لمكان، فمهمتك مهمة الفرد وليس الحاكم».

الاضطرابات الأمنية
جدير بالذكر، أن مصر تعيش اضطرابات أمنية كبيرة منذ «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011)» التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. غير أن موجة العنف تلك باتت في وتيرة متزايدة عقب عزل الرئيس الأسبق «الإخواني» محمد مرسي مطلع يوليو (تموز) 2013.
وتخوض القوات المسلحة المصرية بمعاونة الشرطة حربًا كبيرة ضد تلك الجماعات منذ أشهر عدة، التي تستهدف قوات الشرطة والجيش. وتزايدت خلال الفترة الماضية وتيرة الهجمات على رجال الأمن في مصر، حيث بات رجال الجيش والشرطة هدفا يوميا لاعتداءات دامية تتنوع بين تفجير عبوات ناسفة وإطلاق نار، وقتل قبل أسبوع 6 من أفراد الشرطة إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت مرتكزين أمنيين في شارع الهرم السياحي في القاهرة.
ومع توالي الهجمات، زادت وزارة الداخلية من إجراءات تأمين مقراتها الشرطية فقامت ببناء جدران خرسانية حولها، وأغلقت الكثير من الطرق المؤدية للأقسام والمديريات، لكن ذلك لم يكف لإشعار رجال الشرطة بالطمأنينة، ظل أغلبهم ينتظر الموت في أي لحظة.

شمال سيناء
وراهنًا، تتركز التنظيمات الإرهابية الأكثر تنظيمًا وتدريبًا في شمال شبه جزيرة سيناء. وخلال عام 2014 نجح تنظيم «أنصار بيت المقدس»، الذي بايع تنظيم داعش، في بناء شبكة من الخلايا الإرهابية داخل وادي النيل نفذت عمليات كبرى، أبرزها تفجير مديريتي أمن القاهرة والدقهلية، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم.
من جانبها، تسعى الدولة المصرية التي تحارب كل عناصر وجماعات الإرهاب والعنف دون تفرقة أو انتظار للتصنيف، لمحاولة حصار تمدد الجماعات والكيانات المسلحة أمنيا وسياسيا. ولذا، فرضت حالة الطوارئ في مربع العمليات العسكرية الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي من سيناء، وصدر قانون «مكافحة الإرهاب» لوضع تعريفات قاطعة لـ«الإرهاب» و«الإرهابي» و«الجماعات الإرهابية» و«الجريمة الإرهابية»، كما نص على العقوبات المستحقة بحق هذه الجرائم ومرتكبيها، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمل القانوني والأمني في مواجهة تلك الظاهرة. وهي تسعى خلال الفترة المقبلة لتعديل قانون الإجراءات الجنائية، وإحالة الإرهابيين لمحاكمة عسكرية عاجلة.

التأثير في السياحة
من جهة ثانية، تعاني الحركة السياحية الوافدة إلى مصر انحسارا كبيرا منذ سنة عقب حادث سقوط الطائرة الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، وسط سيناء ومقتل جميع ركابها وعددهم 224، وتبنى «داعش» هذه العملية. ومن ثم، علقت عدد من الدول الغربية على رأسها روسيا وبريطانيا رحلات الطيران مصر؛ ما أدى إلى أزمات حادة في الاقتصاد المصري، الذي كان يعتمد على السياحة بشكل كبير يمثل قطاع السياحة 11.3 في المائة من اقتصاد مصر، ويدر 19.3 في المائة من إيراداتها بالعملة الصعبة.
فضلا عن ذلك، ما زالت أزمة الثقة بسلامة الإجراءات الأمنية في المطارات المصرية تلقي بظلالها، وبخاصة عقب اختطاف شخص مصري متزوج من قبرصية، أخيرًا، طائرة مصرية تعمل في رحلات الخطوط الداخلية والتوجه بها إلى قبرص بعد إيهام طاقمها بأنه يحمل حزاما ناسفا. وتسبب تحطم طائرة تابعة لشركة مصر للطيران في مايو (أيار) الماضي في رحلة عودتها إلى مصر آتية من مطار باريس - شارل ديغول الدولي في فرنسا في تبديد الجهود المصرية لعودة حركة الطيران إلى طبيعتها.

الصلة بـ«الإخوان»
هذا، ومنذ تفشي موجة الإرهاب عقب عزل مرسي انتشرت جماعات العنف المسلح التي تعمل على الأرض المصرية، وربطت الأجهزة الأمنية بعضها مباشرة بتنظيم «الإخوان». وحسب العميد السيد عبد المحسن، الخبير الأمني، فإن «جماعات العنف والإرهاب خرجت من رحم جماعة الإخوان الإرهابية... و(داعش) و(جبهة النصرة) و(أنصار الشريعة) و(التوحيد والجهاد) و(أنصار بيت المقدس) و(حركة التكفير والهجرة)، جميعها مُسميات لجماعة واحدة هي الإخوان، وأعضاء هذه التنظيمات المُسلحة كانوا أعضاء بجماعة الإخوان قبل أن يشكلوا تنظيمات مسلحة». وتابع قائلا: إن «التنظيمات الإرهابية تربت على كُتب سيد قطب ومنهجه، ولا تجد أحدا من هذه الجماعات الإرهابية مع اختلاف مسمياتها إلا وهو يعتقد بفكر سيد قطب، ويعتبره مثلا أعلى ونموذجا يحتذي به».
في السياق نفسه، قال مراقبون إن من أشهر جماعات العنف التي تستهدف قوات الشرطة والجيش، وتنفذ عمليات في سيناء وفي دلتا مصر تنظيم «أنصار بيت المقدس» (أو ولاية سيناء) الذي ظهر في عام 2011، وأعلن مبايعته «داعش»، ثم غيّر اسمه في نهاية عام 2014، ونفذ عددًا من العمليات الكبرى، معظمها داخل شبه جزيرة سيناء، استهدفت عناصر الجيش والشرطة والمنشآت العسكرية، إضافة إلى سكان محليين ورجال قضاء. وحاليًا، تدرج الولايات المتحدة «أنصار بيت المقدس» و«داعش» على لوائح الإرهاب، وهو ما يتسق مع الموقف الرسمي للسلطات المصرية، التي تضيف إلى القائمة جماعة «الإخوان» بصفته أحد تنظيمات الإرهاب. وترى السلطات المصرية أن الجماعة هي المحرك الرئيس وهمزة الوصل بين كل التنظيمات الإرهابية الناشطة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
ويشار هنا إلى أن هناك حركات أخرى تبنت أعمالا إرهابية في البلاد مثل «أجناد مصر»، و«كتيبة المرابطين»، و«العقاب الثوري» و«كتائب حلوان»، وكلها مجموعات غير محددة التنظيم تتبنى أحداثا عشوائية يتصل أغلبها بالهجوم بالقنابل الحارقة (المولوتوف) على المنشآت والأفراد واستهداف تخريبي لأبراج الكهرباء في مختلف محافظات مصر، وتنتمي آيديولوجيا إلى جماعة الإخوان.
وأخيرا هناك «حسم» التي تقول الشرطة المصرية إنها حركة إخوانية، وهي التي تبنت حادث كمين الهرم الأمني الأخير، وسبق أن أعلنت مسؤوليتها عن عدد من العمليات الإرهابية، أبرزها محاولتا اغتيال مفتي البلاد السابق علي جمعة، والنائب العام المساعد زكريا عبد العزيز.

أبرز أحداث العنف ضد المسيحيين والكنائس في مصر
تعرض مسيحيو مصر على مدار العقود الماضية لأحداث عنف واعتداءات، استهدفت أشخاصا وممتلكات وكنائس، لأسباب مختلفة، بعضها عقائدي، والآخر جراء خلافات حول بناء الكنائس ومعاملات تجارية، وكذلك علاقات عاطفية مع مسلمين. ومن أبرز هذه الأحداث:
* حادث الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية في القاهرة، عقب إقدام انتحاري على تفجير نفسه في الكنيسة في ديسمبر (كانون الأول) الحالي؛ ما أدى إلى سقوط 24 قتيلا ونحو 50 مصابا.
* تجريد سيدة مسيحية مسنة من ملابسها والاعتداء عليها بالضرب في مايو الماضي، بسبب شائعة وجود علاقة بين سيدة مسلمة ومسيحي بمدينة أبو قرقاص بالمنيا، أسفرت عن إحراق عدد كبير من منازل الأقباط.
* أحداث عنف وقعت بين مسلمين ومسيحيين في قرية كوم اللوفي بمركز سمالوط في محافظة المنيا خلال يونيو (حزيران) الماضي، أسفرت عن إحراق عدد من منازل الأقباط بعد تردد شائعات حول تحويل منزل إلى كنيسة. وبعدها بأيام تكرر المشهد ذاته في قرية أبو يعقوب.
* مقتل قس جراء استهدافه بوابل من الرصاص عقب مغادرته قداسًا بمدينة العريش في سيناء خلال يونيو الماضي، وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الحادث.
* مقتل نجل كاهن في قرية طهنا الجبل بمحافظة المنيا خلال يوليو الماضي، عقب هجوم متشددين على منزل الكاهن.
* تعدي جماعة الإخوان عقب فض اعتصامهم في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة في أغسطس (آب) عام 2013 على أكثر من 26 كنيسة جرى إحراقها، وأكثر من 155 كنيسة اعتدي عليها، بالإضافة إلى عدد من الجمعيات والمدارس التابعة للأقباط.
* الهجوم على كنيسة القديسين بمحافظة الإسكندرية في يناير عام 2011 خلال احتفال الأقباط برأس السنة الميلادية، وأسفر الهجوم عن مقتل 23 شخصا وجرح 79 آخرين.
* مطرانية نجع حمادي بمحافظة قنا في عام 2011، شهدت حادثة مأساوية بعدما فوجئ عدد من الأقباط أثناء خروجهم من مبنى المطرانية بسيارة خاصة يستقلها مجهولون ويطلقون عليهم النيران بشكل عشوائي؛ ما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص مسيحيين وأمين شرطة مسلم وإصابة 9 آخرين.
* أحداث عنف شهدتها محافظة مطروح بشمال غربي مصر في عام 2011 بين مسلمين ومسيحيين، أصيب خلالها 30 شخصا، بينهم 7 من رجال الأمن.
* التعدي على كنيسة الشهيدين في صول بمركز أطفيح جنوب الجيزة عام 2011 ونهب وسرقة محتوياتها ومحاولة حرقها، على خلفية علاقة بين رجل مسيحي وامرأة مسلمة، وأصيب فيها عدد من الأشخاص.
* في عام 2011 اندلعت أعمال عنف طائفي بمنطقة إمبابة بشمال الجيزة (ضواحي القاهرة) أودت بحياة 13 شخصا، واندلعت الاشتباكات بعد حصار عشرات الإسلاميين المتشددين لكنيسة هناك، مطالبين باستعادة فتاة زعموا أنها كانت مسيحية وأسلمت وأنها مسجونة في الكنيسة.
* «أحداث ماسبيرو» محيط التلفزيون المصري عام 2011 بعد «ثورة يناير»، التي عرفت إعلاميا بـ«أحداث ماسبيرو»، وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، ووقعت الأحداث بعد مظاهرة للأقباط، احتجاجا على هدم مبنى اعتبره الأقباط كنيسة في محافظة أسوان جنوبي مصر.
* أحداث كنيسة العمرانية في عام 2010 أدت إلى اندلاع اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين؛ ما أوقع جرحى.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».