ضغوط أميركية على المعارضة للعودة إلى المفاوضات دون شروط

اجتماع باريس أكد أن سقوط حلب لن ينهي الحرب في سوريا

وزيرا الخارجية الأميركي كيري والفرنسي أيرولت في اجتماع باريس للنواة الصلبة لدعم المعارضة في سوريا أمس بحضور وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وقطر وتركيا وممثلي السعودية والأردن والإمارات (أ.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي كيري والفرنسي أيرولت في اجتماع باريس للنواة الصلبة لدعم المعارضة في سوريا أمس بحضور وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وقطر وتركيا وممثلي السعودية والأردن والإمارات (أ.ب)
TT

ضغوط أميركية على المعارضة للعودة إلى المفاوضات دون شروط

وزيرا الخارجية الأميركي كيري والفرنسي أيرولت في اجتماع باريس للنواة الصلبة لدعم المعارضة في سوريا أمس بحضور وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وقطر وتركيا وممثلي السعودية والأردن والإمارات (أ.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي كيري والفرنسي أيرولت في اجتماع باريس للنواة الصلبة لدعم المعارضة في سوريا أمس بحضور وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وقطر وتركيا وممثلي السعودية والأردن والإمارات (أ.ب)

لم يسفر اجتماع الدول العشرة المكونة لـ«النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية عن نتائج أو قرارات ملموسة يمكن أن يكون لها تأثير فوري ومباشر على الوضع في حلب بجوانبه الإنسانية والعسكرية. فالاجتماع الذي حضره وزراء خارجية فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وقطر وتركيا وممثلو السعودية والأردن والإمارات، وشارك في جانب منه منسق الهيئة العليا المفاوضات رياض حجاب، لم يخترق «سقف التوقعات»، المنخفض أصلا، لا بل إن الأنظار كانت متجهة لما سيحصل في جنيف خلال محادثات الوفدين «الفنيين» الأميركي والروسي في موضوع خروج المدنيين والمقاتلين من أحياء حلب الشرقية وشروط وضمانات الخروج.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر رسمية حضرت المناقشات أن حجاب تعرض لضغوط من الوزير الأميركي جون كيري لحثه على الإعلان عن استعداد المعارضة للعودة إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة. وتمت ترجمة ذلك في كلمة وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت، الذي أكد أن المعارضة السورية «مستعدة لمعاودة المفاوضات من غير شروط مسبقة»، وأن حجاب «جاهز» للتفاوض. ونقلت المصادر المشار إليها عن كيري قوله لحجاب، إنه «إذا قبلت المعارضة العودة إلى المفاوضات، فإن الجانب الروسي يضمن وقف عمليات القصف على كامل الأراضي السورية». وأردف كيري أن من «مصلحة» المعارضة التفاوض اليوم «لأن الأمور ستسوء يوما بعد يوم وستصلون إلى مرحلة لن يبقى بيدكم شيء تفاوضون عليه». إلا أن حجاب رد عليه بالقول إن «التجارب السابقة تظهر العكس وتبين أنه كلما قبلت المعارضة بالمفاوضات ازدادت عمليات القصف الروسي وقصف النظام عليها». والخلاصة التي أعلنها منسق الهيئة العليا أن المعارضة «يمكن أن تذهب للتفاوض ولكن في إطار القرار الدولي رقم 2254، وفي إطار الوصول إلى عملية انتقال سياسية».
واستبق كيري اجتماع جنيف الخاص بحلب وخروج المدنيين والمقاتلين، بالقول إنه «يحدوه الأمل» بأن يفضي إلى نتيجة إيجابية، لكنه أردف بأنه «لا يستطيع أن يضمن ذلك». وفي رأي الوزير الأميركي، فإن «مفتاح النجاح» يكمن في مدى «التزام روسيا والنظام السوري في توفير الضمانات التي تسمح للناس الخروج بسلام» من الأحياء الشرقية لحلب. ولب المشكلة في رأيه، أن «المقاتلين وسكان حلب ليسوا واثقين من أن خروجهم من حلب سينقذ المدينة من الدمار، أو أنهم سيستطيعون التوجه إلى أماكن آمنة، وهم بالتالي لا يريدون الاختيار ما بين الموت في حلب أو الموت في إدلب». وخلاصة كيري أن المسؤولية تقع على عاتق النظام وعلى روسيا من أجل توفير الضمانات للتوصل إلى هدنة والاتفاق على خروج المدنيين والمقاتلين والشروط المصاحبة. وقال نظيره شتاينماير إن المطلوب من روسيا ومن النظام «إتاحة خروج المدنيين والمقاتلين من غير أن يلقوا في السجون، أو أن يكونوا عرضة للملاحقة».
يأتي كلام كيري في سياق الضغوط على الطرف الروسي الذي عليه، وفق الوزير الأميركي، أن يضغط بدوره على النظام من أجل «تسوية» وضع حلب، ولكن أيضا العودة بعد ذلك إلى طاولة المفاوضات ووضع حد للصراع في سوريا. والحجة التي ركز عليها الوزراء الأربعة الذين شاركوا في المؤتمر الصحافي الختامي «وهم إلى جانب أيرولت وكيري وزيرا خارجية ألمانيا وقطر»، هي التأكيد على أن سقوط حلب لن ينهي الحرب في سوريا، وأن الحل العسكري أو ما وصفه أيرولت بـ«استراتيجية الحرب الشاملة»، لن يأتي بالسلام والاستقرار إلى هذا البلد. ونبه الجميع من ازدياد شوكة الإرهاب وارتداء الحرب أشكالا أخرى؛ الأمر الذي عرض تفاصيله الوزير الألماني شتاينماير. وتساءل نظيره الفرنسي الذي أكد أن أولوية الأولويات هو الملف الإنساني وتخفيف المعاناة عن مئات الآلاف من المواطنين السوريين الذين يعانون «حربا همجية»، عن معنى السلام القائم على تدمير حلب والمدن الآخر، وتساءل: «ما هذا السلام إذا كان سلام المقابر؟». وهاجم كيري النظام السوري وندد بارتكابه «جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب».
لكن الشعور العام الذي يخرج به المراقب من متابعة مجريات اجتماع باريس هو أن الأطراف التي التقت في العاصمة الفرنسية لمدة ثلاث ساعات، أمس، ليست بأيديها أوراق كثيرة يمكن التعويل عليها من أجل تغيير مسار الأمور، باستثناء التعويل على دور روسي إيجابي لم يأت أبدا خلال سنوات الحرب في سوريا. ولعل من اللافت أن الوزير كيري الذي أمضى عشرات الساعات متفاوضا مع نظيره لافروف للوصول إلى حل سياسي دون نتيجة، ذهب أمس إلى حد الطلب من روسيا ومن النظام إظهار «الرأفة» بالمدنيين وبحلب. والخلاصة اليوم، أن «النواة الصلبة»، قد «وضعت ملف حلب وراءها وسلمت بسقوطها» لأنها لم تجد إجابة عن السؤال المطروح، وهو كيفية وضع حد للتراجعات الدائمة الناتجة من تغير الميزان العسكري لصالح النظام وحلفائه الذي لا بد أن يترجم ميدانيا بتصلب سياسي من النظام والجهات الداعمة له.
إذا كان وزير الخارجية القطري قد وصف الاجتماع بأنه يتم في «ظروف حرجة»، فإن التخفيف منها أو الالتفاف عليها وفق المصادر الرسمية التي التقتها «الشرق الأوسط»، لا يمكن أن يكون، إلا عن طريق «تعويم» المفاوضات والعودة إلى تحديد شروط عملية الانتقال السياسي والتركيز على القرار 2254 وبيان جنيف. ولذا؛ فإن الوزير أيرولت اعتبر أن ثاني الأولويات يجب أن تكون العودة إلى المفاوضات السياسية في جنيف. لكن التأكيد على هذا المبدأ لن يكون ذا فائدة إن كان «الطرف الآخر»، أي النظام بدعم من روسيا وإيران، غير راغب بالعودة إليها، ويعتبر أن الزمن يلعب لصالحه، أو أنه يقبل العودة للمفاوضات، ولكن وفق فهمه لها ولغاياتها. وأعلن وزير الخارجية القطري أن «الطرف الآخر» «ما زال يراهن على الحل العسكري رغم أن الثمن هو إبادة شعب بكامله»، مضيفا أنه «لا يتعين أن يكون الملف الإنساني عامل مساومة للحصول على مكاسب سياسية أو عسكرية».
وخلال جولات المفاوضات الثلاث التي استضافتها جنيف: «لم يدخل النظام أبدا في لب العملية، أي في موضع الانتقال السياسي» وكان دائم الرفض للحديث عن مستقبل النظام، وخصوصا رئيسه الأسد. وقال مصدر فرنسي شارك في اجتماع أمس إنه «لا يعتقد للحظة واحدة أن النظام سيقبل العودة إلى المفاوضات اليوم».
ربما تمثل ورقة إعادة إعمار ما هدمته الحرب في سوريا الورقة الوحيدة التي تستطيع الدول الغربية والخليجية استخدامها للضغط على النظام وعلى داعميه. وقد أشار إليها الوزير أيرولت عندما اعتبر أن «الأولوية الرابعة» في سوريا هي تحديدا إعادة الإعمار، لكنه سارع إلى ربطها بالتوصل إلى عملية انتقال سياسية حقيقية وفق القرار الدولي رقم 2254؛ لأن المجتمعين والاتحاد الأوروبي، وخصوصا فرنسا «لن يقبلوا السير في أي مساهمة تكون من نتائجها توفير الدعم للنظام». لكن أيرولت كان الوزير الوحيد الذي تناول ملف إعادة الإعمار، ربما لأنه ما زال من المبكر الحديث عنه فيما التركيز منصب اليوم على الحد من هدم سوريا والتنكيل بمواطنيها.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.