صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

المخاوف الدولية تزداد من «الثورة الصناعية الرابعة»

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
TT

صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)

مع كل ثورة من الثورات الصناعية الثلاث التي حدثت في القرون الماضية، تراجعت نسبيًا مساهمة الإنسان بعد أن كان المنفذ والمسيطر على ما كان ينتجه، ومع التقدم التقني تزداد المخاوف من أن يأتي يوم تتحكم الآلة بمصيره بعد أن تم تطويرها بشكل مثير، لتأخذ مكانه في العمل؛ ما يجعله عنصرًا سلبيًا.
وهذا يحمل في طياته كارثة بشرية لا يمكن اليوم معرفة أبعادها ومخاطرها الحقيقية، لكن الخطر الأول هو أن الآلة بدأت فعليًا - منذ تطوير طرق الإنتاج - تزيح الإنسان عن محرك الإنتاج، وقد تتحكم يومًا في نوعية الإنتاج التي يجب أن تنتج بمعزل عنه، ما قد يحول «فيلم الرعب» هذا إلى حقيقة لا يرغب أحد حتى بالتفكير بها.
فكما هو معروف شهدت بلدان أوروبا الغربية ثورة صناعية كبيرة في القرن الثامن عشر، ساهمت في رفع حجم الإنتاج وتحسين نوعيته، كما أن الاكتشافات الكثيرة أعطت نقلة نوعية أخرى للصناعة في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التي شهدت ثورة صناعية حقيقية في أوروبا أثرت إيجابًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على السواء.
مع ذلك، يميل الكثيرون إلى القول بأن التطور الصناعي (الآلي) كان وما زال يصب في صالح طبقة اجتماعية معينة. ففي مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، بذل المحافظون المسيطرون على قطاع الإنتاج في البلدان الصناعية الغربية في أميركا وأوروبا جهودًا لخفض الإنفاق العام، بهدف تحقيق مزيد من الأرباح على حساب الطبقة العاملة، لكنهم عادوا وتخلوا عن هذه الفكرة، فزادوا من إنفاقهم مضطرين من أجل تشغيل العامل والآلة على مدار الساعة لتمويل الحروبـ وكسب أسواق جديدة خسروها بعد أن انتزعتها منهم دول كانت على قائمة البلدان النامية مثل الهند والصين وبلدان في أميركا الجنوبية.
بعدها، ومن أجل لجم التململ الاجتماعي، تم رفع الإنفاق الداخلي في مجالات الرعاية الصحية والاجتماعية، وإعادة النظر في السياسة الضريبية لتنحاز لصالح الطبقة الغنية والشركات العملاقة والكبيرة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا على سبيل المثال.
> تراكمات ثقيلة: وبعد أن شكلت هذه السياسات تراكمات من الصعب التخلص منها، أتت فكرة الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، مع تصنيع وانتشار التكنولوجيا الحديثة المعلوماتية والرقمية.. واليوم تقف البشرية على عتبة الثورة الصناعية الرابعة.
وللترويج لهذه الثورة، خصصت حملات إعلانية ضخمة تظهر حسناتها التي سوف يكون روادها بشكل عام الإنسان الآلي، والذي سيُبرمج كي يقوم بأعمال كثيرة عوضًا عن الإنسان.
هذا الإنسان الاصطناعي أو بالأحرى «الروبوت»، سيكون العنصر الأكثر فعالية من الإنسان في قطاع الإنتاج وأداء وظائف مهمة، وهو لا يمرض ولا يطالب بحقوقه ولا برفع أجره، ويمكن أن يعمل طوال 24 ساعة من دون تعب.
بالطبع فإن كل ابتكار جديد يثير الإعجاب، لكن أيضًا يحدث ردود فعل متناقضة تحسبًا من المجهول والنتائج غير المرئية التي سوف يحملها. فالثورة الصناعية الأولى حدثت بعد اختراع المحرك البخاري سنة 1775، وأسهمت رغم المخاوف منها في البداية في إحداث ثورة صناعية غير عادية في القرن الـ19 بعد امتداد جذورها من إنجلترا إلى أوروبا، ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية.
أما الثورة الصناعية الثانية، فحملت معها تطورا كبيرا وهو اختراع الكهرباء. ومع أنها ساهمت في زيادة بالإنتاج، فإنها قللت من حضور اليد العاملة في المصانع التي كانت تشغل يدويًا الآلات، وأدى اختراع شريط الإنتاج الذي لا يتوقف إلى تشغيل عامل واحد بدلاً من ثلاثة.
وتغيرت الكثير من المعايير منذ الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، والتي صاحبتها اختراعات تكنولوجية عالية. وأولى الضحايا كان بالطبع العامل، لأن قوته العضلية والفكرية لم تعد مطلوبة كثيرًا. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالحديث اليوم عن الثورة الصناعية الرابعة واحتكار ذكاء الإنسان بتطوير آلات تحل مكانه، وذلك عبر برمجة آلات الإنتاج والصناعات الكبيرة، كما دخل حلبة منافسة الإنسان الإنترنت والبيانات الكبيرة وتقنية الهواتف النقالة، وغيرها من الاكتشافات.
> تقدم.. وريبة: وينظر إلى هذا التقدم التقني اليوم بعين الريبة، فهو يعزز الإنتاج بالقدر نفسه الذي حققه الحاسوب الشخصي أواخر ثمانينات القرن الماضي، لكنه بالنسبة لأصحاب المصانع الكبيرة والمتوسطة «فرصة للربح الأكبر».
ومن دون شك، ستلاقي الاختراعات التي سوف تحملها الثورة الصناعية الرابعة الإقبال الكبير، ومخترعوها لن يخشوا الخسارة لأن الإقبال على شرائها سوف يكون كبيرا، إذ إنه بمجرد السماع بنموذج جديد للهاتف النقال أو الكاميرات الرقمية على سبيل المثال يتهافت الناس على شرائها وكأنها ساحرة بارعة الجمال، لكن القليلين يدركون أن من يصنع هذه التقنيات ليس الإنسان وحده، بل مع شريكه الرئيسي وهو الآلة، التي أصبحت بمثابة نقطة تحول لصناعات أخرى وأخذت أماكن عمل كثيرة، ليس فقط في المعمل أو المصنع أو المتجر. فقدرات الحاسوب جعلته يأخذ دورًا مهمًا أيضًا في وسائل النقل والتوزيع والأرشفة والتخزين وربط الأشياء ببعضها البعض، مثل شبكة الاتصالات السريعة المرئية والمسموعة، مما أدى إلى تخفيض تكاليف العمل؛ وإلغاء وظائف كثيرة قبل أن تظهر فائدة أنماط الإنتاج الجديد.
ومن بين الدول التي تعجل للالتحاق بهذا الركب الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وأستراليا والهند واليابان وإيطاليا، ما دفع الكثير من خبراء العمل للتحذير من أنماط الإنتاج المستقبلية المتوقعة قبل أن تظهر فوائدها، فهي ستبيد صناعات ووظائف كثيرة، وهذا ما ذكره كارل هاينس لاند، الألماني مؤسسة ومدير مكتب الاستشارات نيولاند في ألمانيا، حيث قال في كتابه بعنوان: «إعادة توزيع العالم في زمن الداروينية (نسبة إلى العالم الشهير تشارلز داروين) الرقمية، ماذا سيحدث عندما يكون كل شيء تطبيقات وبرامج رقمية؟».
> منتدى دافوس.. بين الترحيب والحذر من الرقمية: ومسألة التطور التقني، كانت أحد أهم محاور النقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2016، ورغم ترحيب البعض بالتقدم وآثاره، إلا أن كثيرا من المشاركين حذروا مما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة. فبرأيهم أن اعتمادها سيجلب الفوضى الكبيرة لسوق العمل، فخلال الأعوام الخمسة المقبلة سوف تلغى أكثر من 20 مليون وظيفة في البلدان الصناعية الكبيرة.
واعتمد أصحاب هذا الرأي بقولهم هذا على دراسة أجرتها مؤسسة دولية مع 350 شركة ومصنعا كبيرا في أستراليا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
ووفق بيانات صدرت عن المنتدى، فإن الثورة الصناعية «بدأت بالفعل».. وأولى ضحاياها اليوم 7 ملايين عاطل عن العمل تقوم آلات بدورهم. واللافت أن هذه الملايين السبعة ليسوا فقط من العاملين أصحاب الزي التقليدي الأزرق في المصانع، والتي أصبحت إلى حد كبير آلية؛ بل تعدى ذلك ليشمل ضحايا في المكاتب والإدارات، والمهددين بالطرد ممن يطلق عليهم اسم «ذوي الياقات البيضاء»، لكن عوضًا عنهم سوف ينشأ حتى عام 2020 مليون مكان عمل جديد للمتخصصين بأجهزة الكومبيوتر والتقنيات العالية، وستكون ألمانيا من الدول الأكثر تأثرًا بالتغييرات من أي دولة أوروبية أخرى.. والنساء مهددات أكثر بفقدان الوظيفة من الرجال، فحصة النساء ما زالت أقل بكثير من حيث التأهيل في مجال التقنيات المتقدمة.
> صورة المستقبل: وقد تكون الصور الكاريكاتورية التي نشرتها إحدى المجلات الألمانية هي الصورة المستقبلية لسوق العمل: رجل إلى يقود سيارة تاكسي، وآخر يعطي الدواء لمريض في سريره بالمستشفى في الأوقات المحددة دون تأخر، ورجل إلى يجري عملية جراحية لمريض، وسيدة يابانية جميلة لكنها روبوت تشرح لزبون كيفية استخدامه لجهاز الإنذار في المنزل.. وفي صورة أخرى، روبوت يلعب مع زميل له لعبة الشطرنج.
بالطبع جانب من هذه الصور لن يكون حقيقة، لكنه سوف يصبح جزءًا من حياتنا نتيجة التطورات السريعة الحاصلة اليوم، أو ما يسمى بالثورة الرقمية (الثورة الصناعية الرابعة)، فقد تسهل الحياة على الكثير من الناس لكنها ستكون في الوقت نفسه مدمرة للإنسانية.
ولقد أثارت قبل عامين دراسة وضعها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عن «العصر الثاني للآلة» ضجة كبيرة، إذ إن الأتمتة (التشغيل الآلي) سوف تزيد من الفوارق في الدخل بين الناس، وتكون مرحلة انتقالية لزمن تترفع فيه البطالة العمالية بشكل مخيف لكن لا بد منه.
ووفقًا للدراسة، سيخلق التقدم التكنولوجي بالطبع وظائف جديدة في مجالات معينة، لكن في المقابل سوف يلغي وظائف في مجالات وقطاعات أكثر، وهذا الإلغاء لن يلحق سائقي التاكسي والممرضات والمحاسبين والمستشارين أو الباعة في المحلات فقط. ثم تضيف الدراسة أن قوة الأضرار التي ستلحق بقطاعات العمل مختلفة، وسوف تكون قوية في قطاع الصحة والمال والطاقة، بينما ستزيد أماكن العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث التقدم في الرقمنة.
والمستقبل الواعد سيكون في مجال صناعة الإنسان الآلي والطابعات بالأبعاد الثلاثية 3D وتكنولوجيا النانو والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية والإنترنت عبر الهاتف النقال.
> من هم أبرز المستفيدين؟
واللافت أن تشير الدراسة نفسها إلى حدوث تزايد الطلب على قوة العمل في بلدان ما يسمى بـ«آسيان» في جنوب شرق آسيا، يتبعها المكسيك ثم الولايات المتحدة الأميركية؛ وخصوصا العاملين في قطاع التطور التقني. ويمكن لبريطانيا أن تكون الوحيدة في أوروبا التي تدخل في الحسبان تحسنًا في مستوى الطلب على قوة العمل لديها، وأيضا تركيا لكن بنسبة ضئيلة. فيما سوف يرتفع عدد العاطلين عن العمل في بقية البلدان، مع القليل من التفاؤل بالنسبة لقطاعات في ألمانيا كالمبيعات والخدمات اللوجيستية وعلوم الكومبيوتر والهندسة.
وكإجراء مضاد، تنصح الدراسة الحكومات بالاستثمار في مجال التأهيل والتدريب لتعزيز التكنولوجيات الجديدة، وهي ضد مبدأ النقابات العمالية الداعي إلى خفض ساعات العمل كي يتاح المجال لتشغيل عاملين أكثر، فمبدأ توزيع العمل بهذا الشكل لا يحل المشكلات المقبلة.
من جانب آخر، فإن خبراء السوق متشائمون من فقدان ملايين الوظائف، فهم يتوقعون أن يتم في المستقبل الاستثمار في الآلة من أجل تحسين أدائها كي تحل بالكامل مكان الإنسان. وللمحافظة على موقع الإنسان في سوق العمل، يجب تقسيم العمل بينه وبين الرجل الآلي، وإلا سوف يحدث انفجار اجتماعي خطير.
ويزيد من المخاوف تقرير اقتصاديين في مصرف «أي إن جي دي با» في فرانكفورت (بنك الادخار وتراكم الأصول)، والذي قال إن تعجيل اعتماد دول مثل ألمانيا في المدى المتوسط والبعيد على الآلة سيبيد الملايين من الوظائف المعتمدة اليوم. فمن أصل نحو 38 مليون وظيفة تم تفحص مستقبلها، فإن 18 مليون وظيفة ستقوم بها الآلة في السنوات المقبلة، والسبب في ذلك الثقل الكبير لقطاع الصناعة الألماني في سوق العمل، بينما ستصل النسبة إلى 47 في المائة في الولايات المتحدة الأميركية.
> الوظائف المهددة في ألمانيا
والوظائف المهددة بالشطب وإحلال «الزميل الكومبيوتر» مكانها في ألمانيا هي تبعًا للتخصص والتراتب والنوع، فنسبة 86 في المائة من المهن الإدارية والتي تقوم بأنشطة إدارية نموذجية ستكون من المهن الأكثر عرضة للشطب الدائم وإحلال الآلة مكانها، ما يعني أن ثلثي الأعمال في مجال الميكانيكا وتشغيل الآلات في المصانع وقطاع الخدمات ستشطب. يضاف إليها الوظائف المكتبية، وتشكل نحو مليوني مكان عمل، وكذلك نصف العدد في قطاع الخدمات البريدية والبريد السريع والتنظيفات، و1.2 مليون مكان عمل في المحلات التجارية على مختلف أنواعها.
إلا أن هذه الملايين من الوظائف لن تفقد بين ليلة وضحاها بل «تسللا»، أي على فترات طويلة انتقالية ومتواصلة فتحل التقنيات والآلات شيئًا فشيئًا مكان الإنسان. والسبب أن تطوير الرجل الآلي سيستغرق سنوات كثيرة حتى يصبح حقًا قادرًا على تولي كل المهام التي تعطى له، والتعاطي مع أي مستجدات تطرأ، عدا عن ذلك، فإن صنع «رجل آلي» اليوم مكلف جدًا، ونمط الإنتاج المستقبلي يحتاج إلى عدد كبير من الرجال الآليين ليقوموا بأعمال الإنسان في المصنع أو أي في مكان عمل.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».