اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

اليورو «على المنحدر الخطر».. و«البنوك» الأكثر تهديدًا

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء
TT

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

في هدوء كبير، مخالف للصورة التي بدت عليها الأسواق العالمية عقب صدمات على غرار الانفصال البريطاني (البريكست) أو انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، امتصت أغلب الأسواق الاقتصادية الصدمة السياسية التي تسبب فيها رفض الإيطاليين للتعديلات التشريعية التي اقترحها رئيس وزرائهم ماثيو رينزي، والتي أعلنت نتائجها في الساعات الأولى من صباح أمس. وبينما كانت العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) أبرز الخاسرين بهبوط تاريخي في قيمتها مقابل سلة العملات، رجحت كفة المكاسب على الأسهم الأوروبية بقيادة من قطاعي الصحة والتعدين.. فيما يبقى الخوف على المدى الطويل متصلا بقطاع البنوك، خاصة أن البنوك الإيطالية تعاني من أزمة حادة تهدد مستقبل عدد من أبرز أفرعها، وكان الأمل يكمن في «خطة إنقاذ» تبناها ودعمها رينزي إلى حد بعيد؛ لكن بعد رحيله مستقيلا، أمس، أصبح مستقبل تلك البنوك في خطر كبير، وربما تكتب نهاية بعضها.
وعن أسباب «البرود النسبي» الذي استقبلت به الأسواق أمس نتائج الاستفتاء الإيطالي، يشير عدد من المحللين الاقتصاديين لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الأسواق تعلمت الدروس السابقة؛ من صدمتي البريكست وفوز ترامب»، بل إن بعض الخبراء يذهب إلى أن «عمالقة الأسواق» وجانبا كبيرا من المتعاملين «المتمرسين» بالأسهم توقعوا النتائج بدقة كبيرة هذه المرة، على عكس ما بدت كنتائج مباغتة في المرتين السابقتين، ما جعل الأسواق الأوروبية تميل إلى الأرباح وليس الخسارة.
ويشير هؤلاء إلى أن التوقعات كانت تميل إلى فوز «لا» مسبقا، ما يعني أن الأمر ليس «مفاجأة» بقدر كونه «صدمة غير مرغوبة التبعات؛ سياسيا واقتصاديا».. ويتماشى مع ذلك تعليق فابيو فويس، الخبير الاقتصادي لدى باركليز في لندن، لوكالة «بلومبرغ» الإخبارية بقوله: «إذا رفض الإيطاليون الاستفتاء، فهذا لن يكون نهاية العالم». فيما علق وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله على نتائج الاستفتاء الإيطالية، مقللا من خطورة آثارها على منطقة اليورو، بقوله أمس: «لا مجال للحديث عن أزمة في منطقة اليورو»، واصفا ردود الأفعال في الأسواق بأنها هادئة.
* آسيا تتأثر «كالعادة»
كما يرى الخبراء أن الأسواق الآسيوية الشرقية كانت الأكثر تراجعا أمس بشكل نسبي، ويردون ذلك إلى «فارق التوقيت»، الذي يجعل هذه الأسواق دائما في مقدمة مستقبلي الأخبار ونتائج الاستفتاءات والانتخابات، و«تتلقى الموجة الأولى من الضغوط السلبية في أوقات العمل»، ما يتسبب في تذبذب والتأثر الأكبر من الأسواق الغربية، التي تبدأ تعاملاتها في «اليوم التالي» بعد وضوح أكثر للرؤية.
وبالفعل أغلقت مؤشرات شرق آسيا على انخفاض، حيث هبط مؤشر «نيكي القياسي»، مما أتاح للمستثمرين فرصة للبيع في السوق التي ارتفعت لأعلى مستوى في 11 عاما في أواخر الأسبوع الماضي.
وخسرت بورصة طوكيو عند الإغلاق 0.82 في المائة، كما انخفضت بورصتا سيول وسيدني بنسب 0.2، و0.94 في المائة على التوالي. وأغلقت بورصات الصين على انخفاض أيضا، كما خسر مؤشر سوق هونغ كونغ 0.26 في المائة، وشينزن 0.78 في المائة، وشنغهاي 1.21 في المائة.
* أوروبا تتجاهل «أوجاع» إيطاليا
أما في أوروبا، فرغم أن أغلب الأسواق فتحت أمس على انخفاض، فإنها أظهرت تحسنا كبيرا ومكاسب مع انتصاف اليوم، ربما باستثناء إيطاليا بطبيعة الحال، التي تشعر بالاضطراب أكثر من غيرها.
وفتحت بورصة ميلانو على تراجع نسبته 1.25 في المائة، بينما سجلت أسهم المصارف انخفاضا كبيرا بلغ 6.26 في المائة «لبانكو بوبولاري»، و5.81 في المائة لكل من «بانكو بوبولاري دي ميلانو»، و«أونيكريديت»، بينما انخفضت أسهم «مونتي دي باسكا دي سيينا» (بي إم بي إس) بنسبة 5.18 في المائة.
* بنوك إيطاليا تخشى «المجهول»
ويعد البنك الأخير «بي إم بي إس»، وهو ثالث أكبر البنوك الإيطالية، الأكثر تهديدا وقلقا في إيطاليا وسط مشكلات واسعة تتصل برسلمة المصارف وحجم الديون المشكوك فيها في محافظها، وكذلك نقص تعزيز القطاع الذي يشمل 700 مؤسسة في إيطاليا.
وتشير «فايننشيال تايمز» البريطانية إلى أن «المخاوف الحالية والفعلية تتعلق بالقطاع المصرفي الإيطالي، إذ إن نتيجة الاستفتاء تثير التساؤلات حول قدرة بنك «بي إم بي إس»، وهو ثالث أكبر بنك في إيطاليا وأكثرها تعثرًا، على إتمام زيادة رأسماله بقيمة 5 مليارات يورو بنجاح.. وهي الزيادة التي كان من المخطط أن تتم عقب الاستفتاء».
ومع التوقعات المتزايدة بتشكيل «حكومة انتقالية» عقب استقالة رينزي، فإن فرص هذه الحكومة ستكون محدودة ويدها مغلولة إلى حد بعيد لتفعيل خطة إنقاذ البنوك التي سبق وأن تبناها رئيس الوزراء المستقيل.. ما يفتح الباب واسعا أمام احتمالات غير مبشرة لقطاع البنوك الإيطالي، بل وربما على مستوى أكبر عالميا.
ورغم ذلك، استبعد رئيس مجموعة اليورو يروين ديسلبلوم حدوث تأثيرات اقتصادية مباشرة على إيطاليا بعد الاستفتاء، في وجهة نظر «متفائلة». وقال أمس خلال اجتماع لوزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل: «هذه عملية ديمقراطية ولن تؤثر على الوضع الاقتصادي، أو حتى وضع البنوك.. المشكلات التي لدينا اليوم هي نفس مشكلات الأمس، ويتعين علينا حلها».
* «اليورو» يواجه المجهول
أما الأداء الأكثر سوءا أمس، فقد كان من نصيب العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). وانخفض اليورو أمس بما يصل إلى 1.4 في المائة، ليصل إلى 1.05 دولار فقط، وهو أدنى معدل في 20 شهرا، حين بلغت العملة الأوروبية انخفاضا قياسيا سجل في مارس (آذار) 2015 عند مستوى 1.045 دولار، ثم ارتفعت بعدها بدعم من اقتصاد أظهر قوة تماسك ومقاومة في وجه عوامل الركود العالمي وأخرى جيوسياسية.
ويرى اقتصاديون أن «المنحدر» أصبح مفتوحا أمام اليورو لمزيد من الهبوط، وتبلغ ذروة التشاؤم لدى بعضهم مرحلة أن اليورو قد يعود إلى سيناريو «من الماضي» ليتعادل سعريا مع الدولار، وهو أمر غير مستبعد إذا استمرت أوروبا في أزماتها المتوالية. كما انخفض اليورو مقابل الين الياباني بنسبة تفوق واحدا في المائة، حيث وصل إلى مستوى سعري 118.7 ين صباح أمس، قبل أن يحسن قليلا من وضعه ويستقر ظهرا عند مستوى 119.7 ين. وفي مقابل الجنيه الإسترليني، هبط اليورو بنسبة نحو 0.7 في المائة، مسجلا أدنى مستوى له منذ يوليو (تموز) الماضي.
ويقول محللون لـ«الشرق الأوسط» إن ما يدعم اليورو «قليلا» أمام الإسترليني «تحديدا» هو التوتر البريطاني الداخلي والخارجي فيما يخص قضية انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، والتي تشهد اشتباكا واسعا بين مختلف الأطراف البريطانية مع عدم وضوح الرؤية أمام المواطنين. وهو ما من شأنه أن يدعم اليورو من طرف المواطنين في بريطانيا تحسبا لهزة اقتصادية؛ كعملة «أكثر أمانا» و«قبولا» كونها سهلة التصريف في الحياة اليومية داخل بلادهم أكثر من عملات مثل الين أو الدولار.
وعلى صعيد متصل، فقد الذهب أكثر من واحد في المائة أمس متأثرا بارتفاع الدولار مقابل اليورو وصعود الأسهم الأوروبية، مع تجاهل مستثمرين المخاوف إزاء عدم الاستقرار السياسي في إيطاليا.
وأشارت «رويترز» إلى أن الذهب نزل في المعاملات الفورية ما يصل إلى 1.2 في المائة لأقل مستوى خلال الجلسة عند 1162.35 دولار للأوقية (الأونصة)، مقتربا من أقل مستوى في عشرة أشهر عند 1160.38 دولار الذي سجله الأسبوع الماضي، فيما سجل عند الساعة 11 بتوقيت غرينتش هبوطا بنسبة 0.9 في المائة، ليتحسن قليلا إلى مستوى 1167.47 دولار للأوقية. وفقد الذهب في التعاملات الآجلة في الولايات المتحدة 10.90 دولار، ليصل إلى 1167.70 دولار.
واقتداء بخسائر الذهب، انخفضت الفضة واحدا في المائة إلى 16.58 دولار للأوقية، بعد أن سجلت أعلى مستوى فيما يزيد على أسبوعين في وقت سابق من الجلسة. كما هبط البلاتين بنسبة 0.4 في المائة إلى 924.50 دولار للأوقية، وفقد البلاديوم 0.6 في المائة ليصل إلى 728.90 دولار.



دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)
عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)
TT

دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)
عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)

أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عن إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة عبر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري، وذلك في إطار دعم تنافسية المواني السعودية وتعزيز كفاءة العمليات اللوجستية، بما يسهم في دعم حركة الصادرات الوطنية.

وتهدف المبادرة إلى تمديد فترة الإعفاء من أجور تخزين الحاويات الفارغة الواردة من 10 أيام إلى 20 يوماً في كلا الميناءين، بما يُحفّز الخطوط الملاحية على استيراد وإعادة توجيه الحاويات الفارغة إلى مواني المنطقة الشرقية، ويعزز من تدفقها بشكل مستمر.

كما تسهم المبادرة في تحفيز إعادة توجيه الحاويات الفارغة الموجودة في مواني دول الخليج العربي إلى ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وميناء الجبيل التجاري، بما يرفع من مستوى توفر الحاويات الفارغة اللازمة لعمليات التصدير، ويدعم انسيابية حركة البضائع عبر المواني.

وأوضح رئيس «الهيئة العامة للموانئ»، المهندس سليمان المزروع، أن مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة تُعد ممكناً رئيسياً لتحفيز الخطوط الملاحية على زيادة تدفق الحاويات الفارغة إلى المواني السعودية، بما يسهم في تعزيز توفرها لتلبية احتياجات التصدير.

وأضاف أن المبادرة تدعم رفع كفاءة العمليات التشغيلية وتعزيز انسيابية حركة الحاويات، إلى جانب الإسهام في خفض التكاليف التشغيلية المرتبطة بتوفر الحاويات.

وأكد أن «موانئ» مستمرة في تطوير مبادرات نوعية تسهم في تعزيز تنافسية المواني السعودية، وترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً إقليمياً، بما يتماشى مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.

تأتي هذه المبادرة ضمن جهود تطوير القطاع اللوجستي ورفع كفاءته التشغيلية، بما يعزز من تنافسية المواني السعودية، ويدعم تحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً.


شركات النقل في ألمانيا تحذر من موجة ارتفاع الأسعار بسبب غلاء الديزل

شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
TT

شركات النقل في ألمانيا تحذر من موجة ارتفاع الأسعار بسبب غلاء الديزل

شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)

يشكل الارتفاع الحاد في أسعار الديزل عبئاً كبيراً على قطاع الشحن في ألمانيا. ومنذ بداية حرب إيران ارتفع السعر بنحو 40 سنتاً لكل لتر ديزل، بحسب ديرك إنغلهارت، رئيس الاتحاد الألماني للنقل البري واللوجستيات والتخلّص من النفايات.

وبافتراض مسافة سير شهرية تبلغ 10 آلاف كيلومتر، واستهلاك 30 لتراً لكل كيلومتر، فإن الشاحنة الواحدة تتحمل تكاليف إضافية تصل إلى نحو 1200 يورو شهرياً. ومع أسطول مكوَّن من 50 مركبة، يصل هذا إلى أكثر من 700 ألف يورو سنوياً. وقال إنجلهارت: «من الواضح أن لذلك تأثيراً محتملاً على أسعار المستهلكين، عاجلاً أو آجلاً».

وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار الديزل، يطالب قطاع النقل بإجراءات حكومية سريعة لتخفيف الأعباء. وقال إنجلهارت إن هناك حاجة إلى تدابير سريعة وغير بيروقراطية لضمان سيولة الشركات والحفاظ على سلاسل الإمداد.

ومن بين المطالب فرض «سقف لأسعار الديزل» للحد من الأعباء على الشركات، ومنع حالات الإفلاس في قطاع الشركات المتوسطة. كما يمكن النظر في استرداد ضريبة ثاني أكسيد الكربون على الديزل أو تعليق احتسابها ضمن رسوم الشاحنات. وأكد إنجلهارت أن الأهم أن تكون الإجراءات موجهة بدقة وتصل تأثيراتها مباشرة إلى شركات النقل.


الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)
أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية جوهرية، ستكشف لأول مرة عن حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران بقطاعات التوظيف، والتصنيع، ومستويات الأسعار العالمية. فبالنسبة للمستثمرين، لم تعد البيانات الماكرو اقتصادية هي المحرك الوحيد؛ بل باتت «تابعة» للتطورات الميدانية في المنطقة.

ففي الولايات المتحدة، تتجه الأنظار يوم الجمعة المقبل إلى تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مارس (آذار)، والذي يمثل الاختبار الحقيقي لقوة الاقتصاد الأميركي في ظل القفزة الحادة لأسعار الوقود. وبينما يتوقع خبراء «إتش إس بي سي» نمواً إيجابياً متواضعاً، فإن الأسواق بدأت تُسعِّر احتمالية بنسبة 42 في المائة لرفع الفائدة خلال عام 2026 بدلاً من خفضها، مدفوعة بمخاوف «تآكل القوة الشرائية» وارتفاع تكاليف الإنتاج الناتجة عن حرب الشرق الأوسط.

لافتة «وول ستريت» داخل بورصة نيويورك في مانهاتن (رويترز)

التضخم الأوروبي

في أسبوع عمل قصير تفرضه عطلات عيد الفصح، تترقب القارة العجوز صدور بيانات التضخم الأولية لشهر مارس، بدءاً من ألمانيا يوم الاثنين، وصولاً إلى فرنسا وإيطاليا ومنطقة اليورو يوم الثلاثاء. وتكتسب هذه الأرقام أهمية استثنائية، كونها «المختبر الأول» لقياس الأثر الحقيقي لصراع الشرق الأوسط على جيوب المستهلكين الأوروبيين، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويرى محللو «إنفستيك» و«إتش إس بي سي» أن القفزة المفاجئة في أسعار الطاقة العالمية، وتحديداً الغاز الطبيعي الذي ارتفع بنسبة 60 في المائة، بدأت تتسرب بالفعل إلى تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي عبر بوابة «الأسمدة» والمواد الخام.

ومع تراجع قيمة اليورو أمام الدولار، ارتفعت فاتورة الاستيراد بشكل حاد، مما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام «معضلة وجودية»؛ فمن جهة، يضغط التضخم المستورد لرفع الفائدة، ومن جهة أخرى، يهدد تباطؤ الاستهلاك بدفع القارة نحو «ركود تضخمي» طويل الأمد.

وحسب «وول ستريت جورنال»، فإن الأسواق لم تعد تراهن على خفض الفائدة في الصيف؛ بل بدأت تتحصن ضد سيناريوهات بقاء التضخم فوق مستهدف الاثنين في المائة لفترة أطول من المتوقع.

زلزال السندات البريطانية

تعيش سوق السندات الحكومية البريطانية (Gilts) واحدة من أعنف موجات الاضطراب منذ أزمة الموازنة المصغرة؛ حيث تسببت «حقائق الحرب» في قلب التوقعات رأساً على عقب. فبينما كانت الأسواق قبل شهر واحد فقط تترقب خفضين لسعر الفائدة خلال عام 2026، انقلبت الآية تماماً لتبدأ عقود المقايضة في تسعير 3 عمليات رفع متتالية للفائدة، لمواجهة الضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل سلاسل التوريد عبر مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، تترقب الأوساط المالية صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي المنقحة يوم الثلاثاء؛ ليس لقيمتها التاريخية فحسب؛ بل لفهم الملاءة الاقتصادية ونقطة الانطلاق التي بدأ منها الاقتصاد البريطاني مواجهة الصدمة الحالية. وما يثير قلق المستثمرين بشكل أكبر هو البيانات الصادرة عن «إل إس إي جي» والتي تشير إلى احتمالية تصل إلى 73 في المائة، أن يضطر بنك إنجلترا للتحرك ورفع الفائدة «بشكل عدواني» في اجتماعه المقبل، وهو ما دفع بعائدات السندات للقفز إلى مستويات تعكس مخاوف الأسواق من دخول الاقتصاد في مرحلة من عدم اليقين المستمر.

سيارة تدخل محطة وقود في لندن (إ.ب.أ)

الصين في مواجهة التكاليف

تترقب الأسواق العالمية ببالغ الحذر صدور مؤشرات مديري المشتريات الرسمية والخاصة في الصين يومي الثلاثاء والأربعاء؛ حيث تُمثل هذه البيانات «لحظة الحقيقة» لقدرة العملاق الآسيوي على امتصاص صدمة التكاليف الناتجة عن حرب الشرق الأوسط. ورغم التوقعات المتفائلة لخبراء «آي إن جي» بعودة النشاط التصنيعي لمنطقة التوسع في مارس، فإن الهواجس تتركز حول «هوامش الربح» التي باتت تذوب تحت وطأة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الخام، وتكاليف الشحن البحري البديلة.

ووفقاً لبيانات «ستاندرد آند بورز»، تواجه الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة ضغوطاً مزدوجة؛ فمن جهة، هناك ارتفاع في تكاليف الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع، ومن جهة أخرى، هناك تخوف من تراجع «الطلب العالمي» نتيجة موجة التضخم التي تضرب الأسواق الغربية. إن أي انكماش غير متوقع في النشاط الإنشائي أو التصنيعي الصيني هذا الأسبوع سيكون بمنزلة إشارة إنذار مبكر لتباطؤ النمو العالمي؛ خصوصاً أن بكين تجد نفسها مضطرة لموازنة دعم الاقتصاد المحلي مع فاتورة استيراد طاقة متضخمة تعبر مسارات بحرية أطول وأكثر كلفة، بعيداً عن مضيق هرمز.

اليابان: الين في مهب الريح

وفي اليابان، تترقب الأسواق المالية يوم الاثنين صدور ملخص آراء بنك اليابان، وسط ضغوط غير مسبوقة على الين الذي بات يتأرجح أمام قوة الدولار النفطي. وبينما حافظ البنك على سعر الفائدة عند 0.75 في المائة في اجتماعه الأخير، فإن تصاعد وتيرة الحرب في إيران وضع صانعي السياسة النقدية في طوكيو أمام حقيقة قاسية: فاليابان التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة عبر مضيق هرمز، تجد نفسها مضطرة لمراقبة تسارع التضخم الأساسي المدفوع بتكاليف الشحن والوقود.

وحسب مسح «تانتان» للأعمال المرتقب صدوره يوم الأربعاء، يسود القلق أوساط كبار المصنِّعين اليابانيين من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى «تآكل الهوامش الربحية» لقطاع الرقائق والإلكترونيات، مما قد يجبر البنك المركزي على التخلي عن حذره المعهود، والتدخل المباشر لدعم العملة أو رفع الفائدة بشكل مفاجئ لكبح «تضخم المستوردات».

وفي كوريا الجنوبية، ورغم توقعات بنمو الصادرات بنسبة 42.9 في المائة بفضل قطاع الرقائق، فإن «تضخم المستوردات» يظل التهديد الأكبر لاستقرار الميزان التجاري الكوري.

مارة يسيرون أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

الهند: «الروبية» واختبار الصمود

لا تبدو الهند، ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم، بمعزل عن شظايا الصراع؛ فالروبية الهندية تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة اتساع عجز الحساب الجاري مع ارتفاع فاتورة الطاقة. ومع اقتراب صدور بيانات مديري المشتريات لقطاعي التصنيع والخدمات، تترقب نيودلهي مؤشرات واضحة على قدرة الشركات الهندية الصغيرة والمتوسطة على امتصاص صدمة تكاليف النقل والمدخلات الأولية.

ويشير المحللون إلى أن البنك الاحتياطي الهندي قد يضطر للتدخل في سوق الصرف الأجنبي لمنع الانزلاق الحاد للعملة؛ خصوصاً مع ازدياد «علاوات الحرب» على الشحنات القادمة عبر الممرات البحرية البديلة. إن الرهان الهندي الآن يتلخص في مدى قدرة «الطلب المحلي القوي» على تعويض التباطؤ المحتمل في الطلب العالمي، وسط مخاوف من أن تتحول صدمة الطاقة الحالية إلى «كبح جماحي» لخطط النمو الطموحة لعام 2026.