«موسم الخصم» يطرح السؤال: هل مصر بلد فقير؟

اتهامات بالتلاعب تلاحق المراكز التجارية.. والبعض يشتري قبل فوات الأوان

أحد مراكز التسوق بالعاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
أحد مراكز التسوق بالعاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
TT

«موسم الخصم» يطرح السؤال: هل مصر بلد فقير؟

أحد مراكز التسوق بالعاصمة القاهرة (أ.ف.ب)
أحد مراكز التسوق بالعاصمة القاهرة (أ.ف.ب)

منذ الساعات الأولى لصباح يوم الجمعة، امتلأت الشوارع في العاصمة المصرية القاهرة وعدد من المدن الكبرى بكثافات هائلة من السيارات على غير العادة، وكانت الوجهة الرئيسية لها مراكز التسوق التي أعلنت عن خصومات كبرى بمناسبة «الجمعة البيضاء» حسب المسمى الذي تبنته عدد من الدول العربية أخيرا، أو «الجمعة السوداء» بحسب المسمى العالمي.
الكثافات المرورية صبت في المراكز التجارية الكبرى، حيث تراصت صفوف السيارات أمام البوابات الخارجية لأوقات طويلة جدا في انتظار التفتيش الدوري، ثم زحام شديد في محاولة لإيجاد مكان لصف السيارة، يليه زحام آخر للتفتيش الشخصي على الأبواب الداخلية.
«الشرق الأوسط» شاهدت آلافا من الرواد في أحد «المولات» في حي راق بغرب القاهرة ينتظرون فرصة أو ثغرة للدخول إلى سلاسل المحالات التجارية الكبرى التي أعلنت بعضها عن خصومات كبرى وصلت إلى 50 في المائة على منتجاتها بهذه المناسبة، والتي تمتد لنحو أسبوع كامل في بعض المتاجر.
لمن اعتادوا السفر إلى دول أوروبا وأميركا، كان المشهد مألوفا، على غرار التزاحم الشديد في مواسم الأعياد في العواصم الأوروبية، أو محاولات أبناء الدول المتقدمة للحصول على نسخة من أجهزة «أيفون» الجديدة قبل أقرانهم. لكن في مصر، ربما بدا المشهد غريبا بعض الشيء، خاصة أنه يأتي بعد أقل من شهر واحد على قرار بـ«تعويم» العملة المحلية في مقابل الدولار، وهو قرار أدى إلى انخفاض كبير في القوة الشرائية للجنيه المصري.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن تعويم الجنيه تسبب فوريا في هبوط قيمة الجنيه إلى نصف ثمنه، إذ أن سعره الرسمي قبل قرار التعويم كان يبلغ 8.88 جنيه لكل دولار، أما بعد تركه لـ«العرض والطلب»، فقد أصبح الدولار يوازي نحو 17 جنيها في المتوسط. ومع ثبات الدخول، وارتباط أغلب السلع في مصر حتى المحلية منها بالدولار، فإن الأسعار قفزت إلى ضعف مستواها السابق بين ليلة وضحاها.
ويشير أغلب رجال الاقتصاد، سواء الرسميين أو غيرهم، إلى أن هناك «انفلاتا» كبيرا في مصر في مسألة ربط كل شيء بالدولار؛ حتى أبسط المنتجات الزراعية المحلية ارتفع ثمنها بعد قرار التعويم من دون داع حقيقي، فبائع الخضراوات الجائل حين تسأله عن سعر «الجرجير» ولماذا ارتفع ثمن الحزمة الصغيرة منه على سبيل المثال إلى 5 جنيهات بدلا من 3 قبل أيام، فإنه يبادر على الفور إلى التعلل بارتفاع سعر الدولار.
«ارتفاع ثمن الوقود له أثر بالطبع، لكن الجميع يغتنم الفرصة لمضاعفة الأسعار بأكثر من نسبتها الحقيقية.. جانب من ذلك ربما يعود إلى الجشع، لكن الأهم هو غياب الرقابة أو (حماية المستهلك الحقيقية)»، هكذا يوضح مسؤول مصري طالبا عدم تعريفه، لكنه يؤكد أن الدولة ماضية في محاولاتها لفرض الرقابة السابقة واللاحقة من أجل ضبط الأسواق.
ما يحدث عند بائع الجرجير البسيط يشبه ما يحدث في المراكز التجارية الكبرى، إذ أن بعض الرواد لاحظوا أن أسعار المنتجات جرى رفعها من مستوى سعرها قبل أسبوع، ثم تم وضع التخفيض عليها. ويقول محمد فاضل لـ«الشرق الأوسط» مشيرا إلى حذاء من إحدى العلامات التجارية الشهيرة: «لقد نسي القائمون على المتجر أن يرفعوا ملصق السعر القديم من داخل الحذاء.. بالداخل مكتوب أن سعره 890 جنيها، وبالخارج ملصق جديد سعره 2100 جنيه مع خصم 40 في المائة.. أي أنه بعد الخصم أغلى من ثمنه الأصلي».
ما ذهب إليه فاضل ليس وهما، إذ أن ذلك يتفق مع رأي رئيس جهاز حماية المستهلك في مصر، اللواء عاطف يعقوب، الذي قال: «هناك ارتفاع عشوائي وغير مبرر في أسعار السلع، وهو ما لم تشهده السوق المصرية من قبل»، موضحا في تصريح إعلامي أن بعض التخفيضات التي تم طرحها في بعض المولات بمناسبة «الجمعة السوداء» هي تخفيضات وهمية، منوها إلى أنه تم رفع الأسعار في بعض هذه المولات بشكل مبالغ فيه، وبعد ذلك تم خفضها لتصل إلى السعر الطبيعي ويتم إيهام المشتري أنه يشتري بعد التخفيض.
لكن بعيدا عما يمكن وصفه بـ«الغش التجاري»، أثارت مشاهد التدفقات الهائلة من المواطنين على المحال التجارية تساؤلات واسعة في الشارع المصري، فإذا كان هذا هو الإقبال على سلع بلغت أسعارها حدا يفوق قدرة المواطن المتوسط، فهل يمكن اعتبار ذلك مؤشرا على أن مصر ليست بلدا فقيرا؟
لكن المراقبين يرون أن الإجابة ليست بهذه البساطة وأن هناك أمرين مهمين للوضع في الاعتبار، أولهما أن هذه المشاهد مقصورة على العاصمة وبعض المدن الكبرى حيث تتركز الطبقة العليا من المجتمع ولا يمكن تعميم الحالة على 92 مليون مصري، وهو الرقم الرسمي الذي بلغه التعداد السكاني يوم الخميس الماضي، فوفقا لآخر الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، لا تمثل هذه الطبقة الميسورة أكثر من 7 في المائة من مجموع الشعب، أما غالبية المواطنين، فلا يعرفون الجمعة «البيضاء» أو «السوداء»، لكن يهتمون فقط بتوفير «لقمة العيش» اليومية.
ومما يذكر أن الحكومة المصرية تعكف الآن على مناقشات ودراسات موسعة من أجل تحديد القيمة التي يمكن أن يطلق عليها «خط الفقر» وأيضا مستحقي الدعم على السلع الأساسية، وبينما تسرب إلى الإعلام في الأسبوع الماضي أن الحكومة ستضع رقما في حدود 1500 جنيه (نحو 88 دولارا) للأسرة كحد أقصى لا يستحق من بعده الدعم، عادت مصادر رسمية لنفي ذلك بشدة، وعاد الحديث إلى حدود 5000 جنيه (نحو 300 دولار) كحد أقصى، ولا تزال المناقشات مستمرة لتحديد الرقم، في محاولة لقصر الدعم على مستحقيه الحقيقيين، حيث تتكفل الدولة بدعم لنحو 70 مليون مواطن، ما يكلف الدولة نحو 46 مليار جنيه (أي نحو 2.7 مليار دولار) في موازنة العام 2015 - 2016.
وكخطوة أولى، بدأت الحكومة في مراجعة كشوفها لحذف ما يصل إلى مليون مواطن في كشوف الدعم، نتيجة تكرار أسمائهم أو سفرهم إلى خارج البلاد، وذلك في محاولة للوصول إلى الخطوة الثانية بحذف 10 ملايين «غير مستحق»، في الطريق إلى الهدف النهائي بإيصال الدعم إلى أقل من 40 في المائة فقط من عدد المواطنين.
أما النقطة الثانية التي أسفرت عن هذا الإقبال الكبير على «موسم الخصم» رغم الحالة الاقتصادية، فهي اللعب على الوتر النفسي، حيث إن كثيرا من أبناء الطبقة المتوسطة والعليا يكتشفون أن مدخراتهم صارت تتضاءل يوما بعد يوم بسبب انخفاض قيمة الجنيه المستمر، ولذلك فقد يلجأ هؤلاء إلى شراء أي شيء قابل للشراء «الآن»، وقبل فوات الأوان، حين لا يصبح لما يملكونه أي قيمة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.