القوات العراقية تواصل تقدمها في الموصل.. ومعاناة النازحين تتفاقم

وزير الهجرة والمهجرين: ننتظر نصف مليون نازح قريبًا

عناصر من القوات الخاصة العراقية في مواجهة مع مسلحي «داعش» في الجانب الأيسر من الموصل أمس (رويترز) -  أم تحمل طفلها الذي أصيب بشظية في عينه أمام عيادة ميدانية 
في حي السماح بالجانب الأيسر من الموصل أمس (أ.ف.ب)
عناصر من القوات الخاصة العراقية في مواجهة مع مسلحي «داعش» في الجانب الأيسر من الموصل أمس (رويترز) - أم تحمل طفلها الذي أصيب بشظية في عينه أمام عيادة ميدانية في حي السماح بالجانب الأيسر من الموصل أمس (أ.ف.ب)
TT

القوات العراقية تواصل تقدمها في الموصل.. ومعاناة النازحين تتفاقم

عناصر من القوات الخاصة العراقية في مواجهة مع مسلحي «داعش» في الجانب الأيسر من الموصل أمس (رويترز) -  أم تحمل طفلها الذي أصيب بشظية في عينه أمام عيادة ميدانية 
في حي السماح بالجانب الأيسر من الموصل أمس (أ.ف.ب)
عناصر من القوات الخاصة العراقية في مواجهة مع مسلحي «داعش» في الجانب الأيسر من الموصل أمس (رويترز) - أم تحمل طفلها الذي أصيب بشظية في عينه أمام عيادة ميدانية في حي السماح بالجانب الأيسر من الموصل أمس (أ.ف.ب)

رغم العبوات الناسفة والسيارات المفخخة التي يقودها انتحاريون من تنظيم داعش واصلت القوات العراقية أمس تقدمها على كافة محاور باتجاه مركز مدينة الموصل. بينما استكملت قوات مكافحة الإرهاب عمليات تطهير حيي القادسية الثانية والأربجية وباتت على أبواب حي التحرير.
وقال قائد عمليات «قادمون يا نينوى» الفريق الركن قوات خاصة عبد الأمير رشيد يارالله في بيان: «حررت قطعات الفرقة المدرعة التاسعة من الجيش العراقي قرية النايفة غرب ناحية النمرود ورفعت العلم العراقي فيها بعد تكبيد تنظيم داعش الإرهابي خسائر بالأرواح والمعدات والتقدم ما زال مستمرا باتجاه قرى أخرى»، لافتا إلى أن الفرقة المدرعة التاسعة تمكنت من تحرير قرية مشيرفة في محور الزاب ورفع العلم العراقي فيها. وأضاف: «تنظيم داعش تكبد خسائر بالأرواح والمعدات إثر الاشتباكات التي دارت بين قوات الجيش وإرهابيي التنظيم في المحور الجنوبي الشرقي للموصل».
وتابع يارالله «طيران الجيش العراقي وجه ضربة جوية لموقعين يختبئ فيهما مجموعة من إرهابيي (داعش) أدت إلى قتل وإصابة أكثر من 12 مسلحا وتدمير عجلة تحمل أحادية ضمن المحور الغربي لعمليات (قادمون يا نينوى) في منطقة عطاسة قرية نزارة، كما قدم طيران الجيش الإسناد الجوي لقطعات الشرطة الاتحادية في المحور الجنوبي، ودمرت الطائرات العراقية عددا من مواقع التنظيم وقتلت وجرحت غالبية مسلحيه الموجودين في هذه المواقع في منطقة العذبة».
بدوره، قال نائب قائد جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي لـ«الشرق الأوسط»: «استكملت قواتنا تطهير حيي القادسية الثانية والأربجية، ونحن الآن على أبواب حي التحرير»، مشيرا إلى أن الطريق العام هو الذي يفصل قوات مكافحة الإرهاب عن حي التحرير. وأضاف الساعدي أن الساعات القليلة المقبلة ستشهد تطهير حي البكر بالكامل واقتحام أحياء أخرى. مشيرا إلى التنظيم حاول التعرض لقطعات جهاز مكافحة الإرهاب في الأحياء الشرقية التي تسيطر عليها القوات الأمنية.
وكشف الساعدي أن قوات مكافحة الإرهاب «قتلت 26 انتحاريا من (داعش) أثناء محاولتهم التعرض لقطعاتنا شرق الموصل»، مؤكدا أن قوات مكافحة الإرهاب «تسيطر على أحياء السماح الأولى والثانية وحي كركوكلي وحي الاربجية والملايين وحي الزهراء وحي القادسية الثانية في الجانب الأيسر من الموصل». وأشار إلى أن القوات الأمنية ستحرر المناطق الأخرى خلال الساعات المقبلة.
في غضون ذلك أوضح آمر الفوج الأول في اللواء الأول من قيادة قوات حرس نينوى العقيد قوات خاصة، عراك حسن علي الشيخ عيسى لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد تحرير منطقة الشلالات وقرى سادة وبعويزة من قبل اللواء 73 في الفرقة 16 من الجيش العراقي، توجهت القطعات العسكرية باتجاه حي القاهرة شمال الموصل وبدأت عمليات تحرير هذا الحي، بينما أمنت قوات حرس نينوى كافة الطرق للفرقة 16 ومسكنا الأراضي المحررة في هذا المحور».. وتابع: «تنظيم داعش يعتمد على المخابئ، ويختبئ أيضا داخل المباني والأماكن الكونكريتية والأنفاق، نستطيع القول إن 80 في المائة من مسلحي (داعش) هم موجودون تحت الأرض في الأنفاق التي حفروها في داخل الموصل، أما بالنسبة للمناطق المحررة منه فما زلنا نعثر على أكداس عتاده وأسلحته وتجهيزاته».
وبينما يتواصل تقدم القوات الأمنية العراقية نحو أهدافها وصولاً إلى مركز مدينة الموصل توقع وزير الهجرة والمهجرين العراقي، جاسم محمد الجاف، نزوح 500 ألف شخص خلال الأيام المقبلة مع وصول الحملة العسكرية الحالية لاستعادة الموصل من تنظيم داعش إلى مراحل متقدمة، وقال الجاف في مؤتمر صحافي مشترك مع منسقة البعثة الأممية للشؤون الإنسانية في العراق ليز غراندي إن «عدد النازحين من الموصل وأطرافها وكذلك من قضاء الحويجة في محافظة كركوك منذ بدء الحملة العسكرية لتحرير الموصل بلغ أكثر من 50 ألف شخص، وإن معدل النزوح اليومي يبلغ 1853 شخصا»، مشيرا إلى الاستعداد لاستقبال 100 ألف شخص، خلال الساعات القليلة المقبلة. وأضاف الجاف «من المتوقع نزوح 750 ألف شخص مع انتهاء العمليات العسكرية لتحرير الموصل، ولكن وفق العمليات الحالية نتصور أن العدد سيصل إلى 500 ألف فقط». وأشار إلى أن «وزارته تمتلك حاليا 33 مليون دينار فقط وتنتظر تمويلا من وزارة المالية، كما تلقت الوزارة وعودا بزيادة عدد المخيمات وتلقي مساعدات صحية، ولكن إلى الآن لم يصلنا شيء».
إلى ذلك حذر مسؤولون في وزارة الهجرة العراقية من حدوث كارثة تتمثل بغرق مخيمات النازحين من الموصل مع حلول فصل الشتاء وتوقع هطول الأمطار خلال الأيام المقبلة، مع عدم توفر الشروط القياسية المطلوبة في المخيمات التي أعدّت لاستقبالهم، وقال مدير عام دائرة الهجرة والمهجرين شاكر ياسين في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «أعداد النازحين وصلت إلى أرقام كبيرة، حيث تم استقبال أكثر من 52 ألف نازح من مناطق مختلفة من مدينة الموصل وأطرافها وكذلك من مناطق قضاء الحويجة غرب كركوك، وما زالت العائلات تتدفق إلى المخيمات مع استمرار العمليات العسكرية التي تهدف إلى طرد مسلحي تنظيم داعش من مدينة الموصل وأطرافها».
وأضاف ياسين «إن المخيمات التي أُقيمت مؤخرا، أنشئت بعيدًا عن الشروط القياسية المطلوب توفرها، كما أن هطول الأمطار في فصل الشتاء سيغرق المخيمات، وتكون حياة النازحين في خطر، مما سيوقعنا أمام كارثة فيما لم يتم معالجة الأمر بشكل عاجل».
من جانب آخر، ازدادت معاناة الآلاف من النازحين الذين وصلوا إلى مخيمات النزوح خصوصًا مع الانخفاض الهائل في درجات الحرارة ليلاً، وقالت آمنة عيسى، 35 عاما، معلمة من حي الانتصار في الجانب الأيسر من الموصل، إن «الوضع الذي نعيشه هنا في مخيمات النزوح مأساوي للغاية وكاد أطفالي أن يموتوا من البرد الليلة الماضية حيث لم يتم توفير أي وسائل للتدفئة، لا أحد يهتم بنا هنا، كل ما حصلنا عليه هو علب من الفاصوليا وبعض المواد الغذائية المعلبة، فلا وجود لأي أطعمة ساخنة وخيمنا فارغة تماما من أي أغراض». وأضافت: «لقد كانت معاملة القوات الأمنية لنا في غاية السوء هناك من يسمينا (دواعش) وكأننا لم نكن في قبضة التنظيم الإرهابي وعانينا منه الأمرين قبل وصولنا إلى هنا. نحن في وضع مأساوي ولا نملك حتى ملابس لموسم الشتاء، فقد خرجنا من بيوتنا ولم نحمل أي شيء كل همنا كان الهرب من الموت والقذائف التي تساقطت على مناطقنا كأنها المطر». وتساءلت: «أين دور الحكومة؟ نحن لا نملك سوى الدعاء إلى الله أن يكون في عون الآلاف من النازحين الأبرياء الذين يتعرضون للمعاملة السيئة، وكذلك يعانون من عدم اهتمام الحكومة بهم، نحن دفعنا ضريبة فشل الحكومة في حماية البلاد والعباد، وها نحن اليوم أمام كل تلك المخاطر بسبب ذلك الفشل».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.