جنبلاط لـ«الشرق الأوسط»: علينا التقاط «اللحظة التاريخية».. والإسراع في تشكيل الحكومة

دعا القيادات اللبنانية لاستغلال لحظة التوافق الدولي.. ونفى إمكانية التمديد لمجلس النواب الحالي

رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط  («الشرق الأوسط»)
رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط («الشرق الأوسط»)
TT

جنبلاط لـ«الشرق الأوسط»: علينا التقاط «اللحظة التاريخية».. والإسراع في تشكيل الحكومة

رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط  («الشرق الأوسط»)
رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط («الشرق الأوسط»)

حض رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط الأطراف السياسية المحلية على «التقاط اللحظة التاريخية» التي سمحت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، والعمل على تحصين الوضع الداخلي عبر الإسراع في تأليف الحكومة والعمل مع الرئيس الجديد للبلاد العماد ميشال عون، داعيا هؤلاء إلى الخروج من «الحزبيات» ناعيا فريقي 14 و8 آذار والوسطية، التي كان جزءا منها في الفترة الماضية.
ورفض جنبلاط في حوار مع «الشرق الأوسط» ما يقوله بعض السياسيين اللبنانيين من أن رئيس الجمهورية صنع في لبنان، معتبرا هذا الكلام ليس دقيقا؛ لأنه لم يكن هناك يومًا رئيس صنع في لبنان. ورأى أن التوافق الدولي والإقليمي حول انتخاب رئيس جديد للبنان، معناه أن هؤلاء يريدون إلى حد ما فصل لبنان عن حروب المنطقة.
ونفى جنبلاط أيضا أي إمكانية لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي التي تنتهي في مايو (أيار) المقبل، مشيرا إلى إمكانية تمديد تقني يسمح بإجراء الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول) المقبل، جازما بأن الانتخابات «لا مهرب منها».
أما فيما يتعلق بوضع المنطقة، فرأى جنبلاط أن ثمة خريطة جديدة ترسم لها، لكنه أبدى اطمئنانه إلى أن لبنان باق. وقال: «هناك شيء قادم إلى المنطقة، لكن ما هي فترة التشكيل الجديد؟ 5 سنوات، 10 سنوات، لا ندري، ويبدو أن لبنان (الجنرال) غورو باق، وكأن (اتفاق) سايكس بيكو بعد 100 سنة يلفظ أنفاسه، ولبنان باق و(وعد) بلفور يتوسع. هذه العناوين الثلاثة تلخص الوضع برمته».
وفيما يأتي نص الحوار:
* ماذا بعد انتخاب الرئيس؟
- المطلوب الآن من الجميع السرعة في تشكيل الحكومة؛ لأن خطوة انتخاب الرئيس بعد تأخير سنتين ونصف تستكمل بتشكيل حكومة. تشكيل حكومة قد لا يعالج أمورا كثيرة، لكنه يعطي طمأنينة لأننا أمام مرحلة قصيرة تفصلنا عن الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، ومع هذا يبقى أن تشكيل حكومة مؤشر سياسي ثم إنمائي ثم اقتصادي.
* وما المطلوب لتسريع ولادة الحكومة؟
- بإمكاننا أن نركز على ملفات كثيرة، لكن علينا في البداية تشكيل حكومة، ولنفعل ذلك علينا الخروج من بعض الحصص أو الإصرار على بعض الحصص، فهذا مهم جدا في هذه المرحلة.
* هل تتوقع من مجريات الاتصالات أن يتم التشكيل سريعا؟
- علينا أن نلتقط تلك اللحظة التاريخية. البعض يقول إن رئيس الجمهورية صنع في لبنان، لكن هذا الكلام ليس دقيقا. لم يكن هناك يوما رئيس صنع في لبنان. قد نختلف على درجة المشاركة اللبنانية أو الخارجية أو الإقليمية، في اختيار الرئيس، لكن الواقع يؤكد أنه ليس صناعة لبنانية. فجأة حصل تلاق دولي وإقليمي واسع، تلاقي دول ومصالح إقليمية ودولية على انتخاب رئيس. هذا مفيد وجيد. قد يعني هذا أنهم يريدون إلى حد ما فصل لبنان عن المنطقة، فمن المفيد فصل لبنان عن حروب المنطقة، وكأن لبنان يهمهم أو يبدو أن لبنان مهم، لذا علينا نحن الساسة في لبنان أن نفهم تلك الإشارة ونلتقطها بسرعة ونشكل حكومة.
* ما حصل هل هو بداية حل للوضع اللبناني، أم أنه مجرد إبرة مسكّن لمنع انهيار البلد؟
- لم نكن على حافة الانهيار. صحيح أننا عانينا في لبنان لمدة سنتين ونصف من دون رئيس مع ضربات الإرهاب، لكن المؤسسات بقيت قائمة، وبخاصة المؤسسات الأمنية. وقد حاربنا الإرهاب لكن هذا التلاقي في مكان ما، معناه كما سأعيد وأكرر، أن الدول الكبرى تعي أهمية لبنان ولا تريد أن يدخل لبنان في دوامة الصراعات الإقليمية، آخذين بعين الاعتبار أن الحروب في العراق أو في سوريا طويلة. وكما ذكرت في الماضي أن هناك من يريد تحييد لبنان أو الحد الأدنى من تحييد لبنان.
* أي أن ضبط الوضع اللبناني بانتظار الحل النهائي في المنطقة!
- بانتظار التشكيل الجديد بالمنطقة.
* فيما يتعلق بالحكومة، بدأنا نسمع عن مطالب، وكتلة وليد جنبلاط عرضت مطالبها، ما هي؟
- لم أصر كثيرا نتيجة الظروف والتزاحم على الحقائب، ولم أصر كثيرا على توسيع مشاركة اللقاء الديمقراطي بغير (وزير) درزي وحزبي. يقال إن الحكومة ستكون غالبا من 30 وزيرا، ستكون حصة الدروز 3 وزراء، وتمثيلي سيكون اثنين. وهذا سيكون تمثيلا مقبولا ولم أتقدم بمطالب تعجيزية. طلبت وزارة خدمات وأترك للرئيس الحريري والرئيس عون أن يقررا أي وزارة خدمات، لكننا نريدها أن تكون مقبولة؛ لأنني أعلم بماذا سيطالب الآخرون، مثلا المالية يطالب بها خمسة فرقاء.
* هذا زهد بالمطالب؟
- هذا ليس زهدا، إنما تلاق مع الرئيس بري على أهمية التقاط اللحظة التاريخية. الرئيس بري الذي يبقى رجل دولة ضمانة، والذي يلتقط الإشارات العربية والدولية، ألتقي معه بأنه لا بد من الإسراع في تشكيل الحكومة.
* وليد جنبلاط، كيف سيكون موقعه بالعهد الحالي؟
- عندما التقطنا الإشارات، وعندما رأينا أن الرئيس سعد الحريري كان له أيضا مناورة ذكية. كنا بمرحلة معينة نشك في أنه سيَجري انتخاب، إلا أن الحريري بطريقته قام بمناورة ذكية، ورأينا تلاقيا أو تنسيقا - سمّه كما شئت - إيرانيا، سعوديا، أميركيا، روسيا، بأهمية انتخاب رئيس، فذهبنا ولم أتردد. في البداية قبل كل هذه المرحلة قلت إذا كان الموضوع بانتخاب عون، وهو زعيم مسيحي قوي، فأنا مع الزعيم المسيحي القوي، وبخاصة أنه قوي في حيثيته في جبل لبنان.
* كان هناك تنسيق بينك وبين الرئيس بري في الفترة الأخيرة؟
- كان دائما.
* وفي الفترة المقبلة؟
- سيبقى؛ لأن بري هو ضمانة وطنية وعربية.
* لماذا تشدد دائما في كلامك هذا على الرئيس بري بكل خطاب؟
- رفقة عمر، وتاريخ نضالي مع الرئيس بري عمره بين 30 و35 سنة، أقول إن هناك تلاقيا بضمانة الرئيس بري وحنكة الشيخ سعد الذي يبدو أنه كان له الفضل في عودة السعوديين إلى لبنان. وزيارة الوزير (ثامر) السبهان كانت مهمة جدا؛ لأنها أعطت إشارات إيجابية بأن السعودية عائدة إلى لبنان ومعها الإجماع اللبناني، ثم الإشارات الاقتصادية، ربما عودة السياح والمواطنين السعوديين والخليجيين إلى لبنان وعودة الدعم المالي، وما يقال عن «باريس 4»، فكل هذه إشارات. وبغض النظر أن «باريس 4» إذا انعقد مهم جدا، وأذكر أنه عند عقد «باريس 3» فإن قسمًا منه لم ننفذه، حيث كان هناك جدول أعمال لبناني لم ينفذه اللبنانيون، كموضوع الإصلاح الإداري. لذلك «باريس 4» جيدة، لكن علينا أن نتذكر واجباتنا.
* الحكومة الجديدة عمرها قصير، وهناك كلام عن انتخابات نيابية في نهاية ولاية المجلس، وهناك كلام صدر بخجل عن إمكانية تمديد ولاية المجلس لفترة سنة أو 6 أشهر.
- لا أبدا، وإن كان لا بد من تمديد تقني يمكن أن يحصل حتى شهر سبتمبر، فإن الانتخابات لا مهرب منها.
* وفق أي قانون ستكون الانتخابات؟
- ليس لدي فكرة، يمكن أن تكون وفق قانون جديد، لكني أرى أن «قانون الستين» يبقى ضمانة للجميع، هذا رأيي.
* في هذه الفترة، ما العناوين التي يجب أن تعمل عليها الحكومة؟
- في السياسة الخارجية، يحب أن نستمر على علاقة مع الأميركيين لدعم الجيش اللبناني، هذا مهم جدا وضمانة أمنية. وثانيا سمعنا أنه ممكن أن تعود المنحة السعودية أو منحة السلاح السعودي والثلاثة مليارات إلى لبنان. وثالثا قضية النقد اللبناني والتخفيف من العجز؛ لأنه لا يمكن الاستمرار بهذا العجز ولا بد من إنجاز الموازنة لأن هذا العجز مخيف، ونحن رابع دولة في العالم من حيث مستوى العجز، أكثر من 70 مليارا، وليس كافيا إغراء بعض المستثمرين بفوائد عالية، بل أيضا توزيع عادل للثروة الوطنية، وهذا مطلب قديم من الحزب الاشتراكي من أيام كمال جنبلاط. أنا لا أؤمن بنظريات النمو، بل بكيف يتوزع النمو، هو محصور ببعض الناس والمصالح.
* هناك كلام أنك طالبت بتوزير مروان حمادة؟
- نعم، مروان حمادة وأيمن شقير. هذا ليس تغييرا، بل الذين نسوا أن حمادة قدم كثيرا للوطن، واقترب من الموت دفاعا عن قضية الاستقلال والسيادة، وأيضا الذين يتناسون أن أيمن شقير رفيق حزبي وصديق لي.
* لقد أعطيت إشارات في السابق عندما قلت إنه حان وقت تغيير الوزراء من الحزب.
- صحيح.. «التغيير ماشي».
* كيف يمكن تحييد لبنان عن أزمة المنطقة؟
- هناك معادلة إقليمية ودولية ساعدت، وعلينا في المقابل نحن اللبنانيين أن نقوم بواجباتنا. لا يمكن أن نبقي أنفسنا أسرى معادلة (فريقي) 8 و14، لقد انتهى هذا التقسيم.. وكذلك الوسطية انتهت.
* ما المعادلة الجديدة إذن؟
- لا نريد اصطفافات حزبية، يجب التركيز على دعم الجيش والمؤسسات الأمنية والاقتصاد، وحماية النقد والاستمرار طبعا في محاربة الإرهاب، ويجب أن تنتهي الاصطفافات السياسية، وهذا تبين عندما صوتنا جميعا للعماد عون. وبخطاب القسم ميّز وبخطه السياسي فيما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين إلى سوريا. لن يعود هؤلاء إلا إذا انتهت الحرب. ثانيا المطالبة باستمرار دعم اللاجئ السوري، وللولايات المتحدة الدور الأول في مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان، لكن لا بد من التوجه إلى العرب.
* بما يتعلق بتحييد لبنان عن المشكلات في سوريا، من سيقنع «حزب الله» بالعودة من سوريا؟
- ليس بالضروري إقناع «حزب الله» الآن، وذلك خارج نطاق الأولويات أن نعود إلى هذا الكلام، دخول «حزب الله» إلى سوريا، وهذا الموضوع أكبر من «حزب الله» المحلي، بل هو موضوع إقليمي إيراني. فلننتظر التشكيل الجديد لسوريا والعراق.
* التبعات ما هي؟
- لننسَ أن «حزب الله» في سوريا، ونهتم بالشؤون اللبنانية، فهناك أولويات لبنانية أهم من وجود «حزب الله» في سوريا.
* كيف هي العلاقة مع «حزب الله»؟
- جيدة.
* هل هناك لقاء مرتقب مع نصر الله؟
- أخطط لذلك وفي الوقت المناسب.
* بما يخص سوريا، كيف ترى مسار المنطقة؟
- لا أرى شيئا، ولا أريد أن أحلل، قمت بذلك بشكل كاف في الماضي، إلا أن ذلك مضيعة للوقت في الوقت الحالي؛ لأني لا أستطيع أن أدعي أني أملك أي رؤية. لا نزال في أول الطريق فيما يتعلق بما هو قادم على المنطقة، والمعروف أن الشعب السوري دفع ثمنا هائلا، ويدفع ثمنا هائلا، هو والشعب العراقي أيضا.
هناك شيء قادم إلى المنطقة، لكن ما هي فترة التشكيل الجديد: 5 سنوات، 10 سنوات؟ لا ندري، ويبدو أن لبنان (الجنرال) غورو باق، وكأن (اتفاق) سايكس بيكو بعد 100 سنة يلفظ أنفاسه، ولبنان باق و(وعد) بلفور يتوسع. هذه العناوين الثلاثة تلخص الوضع برمته.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.