نص تخييلي يطرح السؤال الحارق: من نحن؟

عبد الكريم جويطي يتأمل في تاريخ وواقع المغاربة في روايته الجديدة

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

نص تخييلي يطرح السؤال الحارق: من نحن؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

صدرت، حديثًا، عن «المركز الثقافي العربي»، رواية جديدة للروائي والمترجم المغربي عبد الكريم جويطي، تحت عنوان «المغاربة». رواية مثيرة للفضول والانتباه بعنوانها، أولاً، وبمضامينها وجمالياتها، ثم بشخصية وتجربة كاتبها، الذي يتم تقديمه على أنه «روائي مقل، لا يكف عن البحث عن روايته الفريدة، تلك التي يعتصر فيها قدراته الإبداعية، ويشحذ فيها رؤيته الفنية، برغبة أن يمضي بها إلى مداها الأبعد والأقصى»، كما يقول الناقد والباحث نور الدين درموش؛ وبأنه مبدع له تجربة روائية «متفرّدة»، لها عناوينها الخاصة، تتميز ببحثها في «العمق المغربي وفي هموم الهامش (الجغرافي واللغوي والفكري)»، كما يرى القاص والروائي عبد العزيز الراشدي.
مع صورة غلاف الرواية، نكون مع لوحة «عراك بالهراوات» للفنان الإسباني الكبير فرانسيسكو دي غويا (1746 - 1828)، التي مزج فيها بين ظلال وألوان قاتمة، تنقل لمشهد رجلين وهما يتعاركان بالهراوات، من دون أمل في أن يفوز أحدهما على الآخر: مشهد درامي، نجد تقديمًا له على ظهر الغلاف، حيث نقرأ: «رجلان في عِراك دامٍ، يوشك أحدهما أن يجهَز على الآخر بضربة هراوة. أحدهما سيقتل في النهاية، يظهر ذلك من شراستهما، والعصف الكامن في جسديهما المندفعين والمتوثِبين، ثم ليس هناك مَن يفضّ الخصام الضاري بينهما. هراوتان في الهواء تأخذان نفسًا عميقًا وقاتلاً من الجاذبية لتهويان بقوة وحسم. هناك جلالٌ ما في هذا العراك الخرافي. بعد حين سيسفح دم، وسيخرّ جسد إلى الأرض، لكن ماذا سيفعل المنتصر بنصره؟ فالأرض من حولهما هضاب جرداء، متفحِّمة، وغاضبة، وأرجلهما تغوص تدريجيًا في الرمال. يتعاركان وهما لا يدركان بأنّ العدو الحقيقي يتمثَّل في الرمل الذي يستدرجهما إلى حتفها. أي عمى أصابهما؟ ألا يحتاج أحدهما إلى الآخر في هذه الأرض الجحيمية التي تتسع بفداحة لهما ولسلالتهما من بعدهما؟ في حمى الهجوم المتبادَل بينهما، والعاطفة العنيفة التي تزيِّن لأحدهما فكرة أنّ العالم سيكون أفضل من دون أحدهما، وفي اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكنًا: يقتل أحدهما، يُقتلان معًا، يخرّان جريحين نازفين من دون إمكانية إسعاف. كان هناك شيء واحد يقف رابط الجأش بينهما محترسًا من إشراقة تعقُّل تنبثق بداخلهما فيتوقفان: إنها الجريمة في كمال وحشيتها وقداستها منذ أن دفع رُهاب المزاحمة قابيل لقتل أخيه هابيل. في خلفية لوحة غويا: (عراك بالهراوات) تتجمّع نذر عاصفة، ستقتلع كلّ شيء من جذوره وتطوح به بعيدًا. ما أغبى الإنسان! ما أغبى الإنسان!».

جويطي: أبطال الرواية هم المغاربة

عن اختياره «المغاربة» عنوانًا لعمله الإبداعي الجديد، قال جويطي لـ«الشرق الأوسط»: «كان المرحوم فؤاد زكريا يكرر دومًا بأن عنوان الكتاب تلخيص ميتافزيقي لمحتواه. وبهذا المعنى أنظر لعنوان الرواية، فهو محاولة تكاد تكون مستحيلة لقول رواية كاملة في كلمة أو كلمتين. لم أختر عنوان (المغاربة). لقد فرض نفسه علي، والأصدقاء الذين قرأوا الرواية، قبل نشرها، أجمعوا على أنه العنوان الدقيق للرواية. لم أتردد فأبطال الرواية هم المغاربة. قد يتساءل المرء من هم؟!! ولكن، الجواب بديهي، فكما علمتنا الفينومولوجيا، فإن الرواية تناولت المغاربة ليس كما هم (النومين) بل كما يمن دون لرواة الرواية (الفينومين). طبعًا، العنوان عتبة، وهذه العتبة تفتح تعاقدًا مع القارئ المفترض وتهيئه لقراءة نص حول الهوية المغربية، نص تخييلي سيحاول بكل ما يتيحه جنس الرواية من طاقة ومن حرية ومن قدرة على التهديم والبناء أن يدخل يده في السؤال الحارق: من نحن؟».
وعن مكانة رواية «المغاربة»، في مسيرته الإبداعية، بـعد «ليل الشمس» و«زغاريد الموت» و«زهرة الموريلا الصفراء» و«كتيبة الخراب»، يقول جويطي: «كتبت كل رواية من رواياتي بنفس الحرص والتروي والإخلاص للكتابة وحدها. لم أكتب من أجل مال ولا شهرة ولا مخافة أن أنسى من طرف الأوساط الأدبية. تفصل سنوات بين عمل وعمل أقضيها في تطوير قدراتي. لا شك أنني تطورت من رواية لأخرى وتشربت بعض أسرار المهنة. وإن كانت هناك مكانة لرواية (المغاربة) فهي أنها آخر ما تمكنت من إنجازه. إنها تجسيد لما وصلت له قدرتي وجهودي في الكتابة. أحرص دومًا على ألا أشبه نفسي، لا أستطيع التخلص من عوالم تسكنني وأسكنها وتدأب على الخروج كلما أمسكت القلم، لكنني أحاول أن أسيطر عليها ما أمكن، وأحاول أن أعيش بها مغامرة جديدة رؤية وشكلا. لا نكتب في النهاية إلا رواية واحدة متجددة وبتنويعات لا تمس الجوهر».
وعن اللغة السردية، والعوالم التخييلية للرواية، وسؤال الشكل، قال جويطي: «كتبت رواية (المغاربة) بنفسين سرديين: واحد قصير، ومكثف، ولاذع، يمضي للأهم، والآخر طويل يبني الجملة السردية بأناة وعدم انشغال بالحيز الذي تتطلبه. لم أكن معنيًا بشعرنة الخطاب، ولم أتصنع. كنت حريصًا على أن أهدم وأبني، وأعتقد أنني، بمواد تخييلية متباينة يقدمها التاريخ والحياة اليومية، قد تمكنت من رواية مشوقة استمتع بقراءتها وإعادة قراءتها نقاد وكتاب وقراء عاديون، رواية يمكن أن تقرأ كنشيد أو قصيدة طويلة».
وبخصوص الإضافة التي يمكن أن تقدمها الرواية المغربية، اليوم، للإبداع الروائي العربي، قال جويطي: «يبدع الروائيون المغاربة داخل فضاء حضاري ولغوي وتخييلي يمتد من المحيط إلى الخليج، ويمتحون من نفس المراجع والذاكرة النصية والثقافية، التي تغتني بخصوصية كل بلد ومنطقة. أعتقد أن التجربة الروائية المغربية، والتي يثريها كل يوم كتاب جدد، رسخت حضورها في المشهد الروائي العربي وقدمت له نصوص لافتة ومميزة. لحسن الحظ لم تعد هناك مراكز تحتكر كل شيء، فقد تساوى الكل. يعيش العالم العربي فترة عصيبة من التشرذم والانحطاط وتهاوي المثل والقيم ولا شك أن الكتابة الجيدة في هذا الواقع القيامي شكل مجيد من أشكال المقاومة للرداءة المعممة. إن إنتاج الجمال والمعنى وسط كل هذا الخراب مهمة نبيلة وتكاد تكون مقدسة».

في أعين النقاد

اتفقت قراءات ووجهات نظر عدد من النقاد والمبدعين المغاربة على الإشادة برواية «المغاربة»؛ فهي، بحسب الروائي والباحث حسن أوريد، «عمل روائي رصين»؛ كما أنها «رائعة وعميقة»، بحسب القاص أنيس الرافعي؛ في وقت رأى الشاعر والروائي ووزير الثقافة السابق، محمد الأشعري، أنها «محكمة البناء» و«متعددة الأبعاد، في شخصياتها وعوالمها ولغتها»؛ فيما رأى الكاتب والإعلامي لحسن لعسيبي أنها رواية «متعبة» و«ممتعة» و«مستفزة»: متعبة وممتعة، لأنها «لا تمنحك نفسها بسهولة في أول الصفحات، لكن مع توالي القراءة تكتشف أن المغاربة ربحوا روائيًا جديدًا، بصوت إبداعي مختلف». وهي مستفزة، لأنها «تستفز هويتنا، وتوقظ فينا مكامن السؤال»، من جهة أنها «تقتفي، عبر الأدب، أثر المغربي كمعنى سلوكي». أما الناقد والباحث نور الدين درموش، فرأى أنها «جاوزت الأبعاد المعتادة، كي تلامس أبعادًا أوسع وأعمق. إذ بدا طموحها، إدراك ما يمكن وسمه بـ(الكينونة المغربية)، ما تطلب اشتغالاً متأنيًا على التاريخ المغربي (قديمه ووسيطه وحديثه)، سواء بجعل هذا التاريخ خلفية للمصائر التي تعيشها شخوص الرواية، أو بجعل محطات التاريخ المتباعدة، موضوعًا لكتابات شذرية، مفعمة بالتأملات الحاذقة والكاشفة، أو بضم مقاطع من كتب ومدونات تاريخية مأثورة أو نادرة، ناطقة بفداحة وقائع تاريخية فارقة».
ولاحظ درموش أن «الرواية حاولت، وهي تنفذ إلى الطبقات المنضدة والمتراكبة للتاريخ المغربي، أن تصل إلى مكامنه القاسية والدامية والعنيفة؛ مكامن لم تلبث، بحكم تكرارها وتواترها وتلاحقها المزمن، أن اكتسبت صفة المكامن العابرة للتاريخ، أو صفة المكامن (اللازمنية)، وبالتالي، فالرواية، بطموحها هذا، حاولت أن تستخلص القار والثابت في حركة تاريخ عنيف ومدمر، أما الكينونة المغربية، فهي، في هذا السياق، نتاج ما بوسعنا، أن نسميه (عودًا أبديًا) لما يشبه (عدمًا تاريخيًا)، جاوز في حالاته الكثيرة حدود المأساة المأثورة». وختم درموش وجهة نظره، بإبداء ملاحظتين: «الأولى، لها علاقة بالتاريخ أو بكتابة التاريخ. فالتاريخ، في رواية (المغاربة)، (مادة)، تشتغل عليها الرواية بطريقة تخالف اشتغال المؤرخ. الرواية تخلص التاريخ من وثوقيته، كي تبقيه مشرعًا على الاحتمال والممكن. وهي لذلك، لا تسعى إلى الإثبات والتأكيد، لأن هاجسها ليس هو قول: «الحقيقة»، بل تحرير (الحقيقة) من ذاتها، كي تصبح احتمالاً. وهو ما نلمسه بوضوح في بعض محكيات الرواية، محكيات لا تلبث أن تنقلب على نفسها، واضعة موضع الارتياب كل ما أبانت أو أفصحت عنه. نلمس ذلك، أيضًا، حين يطلق السارد قهقهات عالية، يسخر من كلامه الذي أوغل في بناء المعنى، بشكل يوهم القارئ بالتشكل الصلب لحقيقة ثابتة. أما الملاحظة الثانية، فهي ذات علاقة بالرؤية التي تكتنف الرواية. إذ إن رؤية الرواية ليست في العمق، رؤية تاريخية برغم الحضور الكثيف والمطرد للتاريخ، إنها بالأحرى رؤية وجودية، رؤية لوجود إنساني موسوم في أساسه بالرثاثة والفظاظة والعدم. أما التاريخ في الرواية، فهو تمظهر (ملموس)، أو تجل (عياني)، لوجود إنساني (أصله) مختل ومنحط وقاتم».



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».