المعارضة تطلق المرحلة الثانية من الهجوم على غرب حلب.. ومعارك «حي الزهراء» هي الأعنف بشمال سوريا منذ 2012

الطيران الروسي يقصف ريف المحافظة الغربي.. وواشنطن تتهم النظام باستخدام «التجويع سلاحًا»

دبابة تابعة للمعارضة السورية إثر استهدافها أكاديمية تابعة للنظام في «ضاحية الأسد» (غيتي)
دبابة تابعة للمعارضة السورية إثر استهدافها أكاديمية تابعة للنظام في «ضاحية الأسد» (غيتي)
TT

المعارضة تطلق المرحلة الثانية من الهجوم على غرب حلب.. ومعارك «حي الزهراء» هي الأعنف بشمال سوريا منذ 2012

دبابة تابعة للمعارضة السورية إثر استهدافها أكاديمية تابعة للنظام في «ضاحية الأسد» (غيتي)
دبابة تابعة للمعارضة السورية إثر استهدافها أكاديمية تابعة للنظام في «ضاحية الأسد» (غيتي)

واصلت قوات المعارضة السورية وحلفاؤها، أمس، هجومها على أحياء حلب الغربية، في محاولة لكسر حصار الأحياء الشرقية لمدينة حلب، في حين شنت قوات النظام هجومًا مضادًا لم تستطع فيه استعادة السيطرة على كامل المناطق التي خسرتها الجمعة، على الرغم من غارات روسية استهدفت الريف الغربي للمدينة.
مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، رامي عبد الرحمن، أفاد بأن طائرات حربية روسية وسورية قصفت الريف الغربي لمدينة حلب، مشيرًا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن منطقة التحليق «لم تخرق عمق المدينة والكيلومترات العشرة التي علقت روسيا الضربات الجوية فيها» فوق المدينة. ولفت عبد الرحمن إلى أن سربًا من عشر طائرات قصف ريف محافظة حلب الغربي مستهدفًا قرى وبلدات في المنطقة ليل الجمعة - السبت. ورغم الغارات المكثفة على مناطق الاشتباك، فلم تستهدف الطائرات الحربية السورية والروسية السبت الأحياء الشرقية، باستثناء حي صلاح الدين فجرًا، بحسب ما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب).
من جهة ثانية، ردًا على الإعلان عن رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أول من أمس، الجمعة، طلبا تقدم به الجيش الروسي لاستئناف الغارات على شرق حلب، أكد مسؤول أميركي في واشنطن أن «هجمات النظام (السوري) وداعميه على حلب مستمرة رغم التصريحات الروسية». وشدّد المسؤول الأميركي على القول: «إننا نواصل مراقبة تصرفات روسيا وليس أقوالها»، متهما النظام السوري باستخدام «التجويع سلاحًا في الحرب»، وهو ما يعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف. وقال: «النظام (السوري) رفض مطالب الأمم المتحدة بإرسال مساعدات إنسانية إلى حلب، مستخدما التجويع سلاحا في الحرب».
وفي السياق ذاته، في حين ذكر عبد الرحمن أن الغارات الجوية «استهدفت قرى وبلدات الريف الغربي لحلب» التي تشكل قاعدة إمداد لقوات المعارضة التي تهاجم الأحياء الواقعة في غرب المدينة، فإن مصدرًا عسكريًا في المعارضة داخل حلب، أبلغ «الشرق الأوسط» أن تلك الغارات التي تُنفذ من علو شاهق، إضافة إلى غارات النظام على المنطقة بطائرات الميغ «لم تقوّض قدرة المعارضة على حشد قواتها». وأشار إلى أن المعارضة «تحسبت لذلك، فنشرت قواتها على مساحات متلاصقة قرب مناطق الهجوم، لتمنع غارات النظام وروسيا من استهداف إمداداتها».
وقال المصدر إن التكتيك المتبع «يتمثل في الالتحام بقوات النظام، بهدف تحييد سلاح الجو عن المعركة» وهذا مع أن طائرات النظام قصفت ليلاً مناطق ضاحية الأسد التي سيطرت المعارضة على ثلثيها في الهجوم الذي انطلق الجمعة. وبالفعل، أكد رامي عبد الرحمن أن قوات المعارضة سيطرت على ثلثي ضاحية الأسد، في حين تسيطر قوات النظام على الجزأين الجنوبي الشرقي والشمالي الشرقي منها، المشرفين على أكاديمية الأسد، وعلى مشروع 3000 شقة في غرب المدينة. وأشار إلى أن قوات النظام «شنت هجومًا مضادًا على ضاحية الأسد» في محاولة لاستعادة السيطرة على مواقع خسرتها، قبل أن تكثف قوات المعارضة هجماتها من محاور أخرى، أهمها محور جمعية الزهراء، وهي من أكبر القلاع التي تتحصن فيها قوات النظام في الجبهة الشمالية الغربية من حلب. ووفق المعلومات، وسّعت قوات المعارضة وحلفاؤها في «جيش الفتح» و«جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقًا) الهجوم الذي يستهدف نقاطًا عسكرية على جبهة تمتد بطول 15 كيلومترًا، إذ فجرت سيارة مفخخة في موقع للقوات النظامية بحي جمعية الزهراء، تزامنا مع إطلاق الفصائل العاملة ضمن «غرفة عمليات فتح حلب» معركة للسيطرة على الحي، بحسب ما ذكر «مكتب أخبار سوريا».
وأفاد «المكتب» بسيطرة قوات المعارضة على مجمع الفاميلي هاوس، بغرب حلب، الذي يطل على كتيبة مدفعية الزهراء، بعد اشتباكات مع قوات النظام. كذلك سيطرت قوات المعارضة على كتلة بيوت مهنا المجاورة. وأشار المصدر نفسه إلى أن فصائل المعارضة فجرت سيارة مفخخة على أسوار الأكاديمية العسكرية الخاضعة لسيطرة النظام غرب المدينة، تزامنا مع استهداف المنطقة بالصواريخ، تمهيدا لمحاولة اقتحامها.
وبدوره، قال قائد عسكري في «جيش الفتح»، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إنه قد «بدأت فصائل الثوار اليوم الثاني من ملحمة حلب الكبرى بالهجوم على حي جمعية الزهراء بسيارة مفخخة، وبأكثر من عشرين صاروخًا محلي الصنع وحققت على إثرها قوات المعارضة تقدمًا في الحي». وأضاف أن «المعارضة تخوض معارك عنيفة مع عناصر النظام ومرتزقته في محيط دوار المالية وسيطروا على كتلة مباني مهنا وهو أول دخول للثوار إلى حي جمعية الزهراء»، أما «المرصد» فتحدث عن «معارك عنيفة جدا لم يشهد حي جمعية الزهراء مثلها منذ 2012».
ومن جهة أخرى، أفاد ناشطون معارضون بتفجير سيارة مفخخة في منطقة 3000 شقة بغرب حلب، مستهدفة حاجزًا للقوات الحكومية عند مدخل منطقة 3000. وذلك قبل السيطرة على منطقة مزارع الأومري وبذلك أصبحت قوات المعارضة على أبواب حي حلب الجديدة. والواضح أن قوات المعارضة تسعى للتقدم إلى الأكاديمية العسكرية وحي الحمدانية، بحسب ما نقلت وكالة «أ.ف.ب» عن «أبو مصطفى»، وهو أحد القياديين العسكريين في صفوف «جيش الفتح».
ويقع حي الحمدانية بين ضاحية الأسد غربا وحي العامرية شرقًا الذي تسيطر فصائل المعارضة على أجزاء منه. وفي حال تمكنت الفصائل من السيطرة على هذا الحي، ستكسر بذلك حصار الأحياء الشرقية عبر فتحها طريقًا جديدًا يمر من الحمدانية وصولاً إلى ريف حلب الغربي. وتوقع «أبو مصطفى» أنه «خلال أيام معدودة، سيتم فتح الطريق أمام إخواننا المحاصرين». وعلى غرار التمهيد الناري الذي لجأت إليه الجمعة، مهدت الفصائل المعارضة أمس لهجومها أيضًا بإطلاق عشرات القذائف الصاروخية على الأحياء الغربية. وأفادت «شبكة شام» المعارضة بأن الثوار بدأوا صباح السبت بتمهيد مدفعي وصاروخي عنيف على مواقع قوات النظام في جمعية الزهراء، تلا ذلك استهداف تحصينات قوات النظام بعربة مفخخة.
إثر ذلك، تحدثت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) السبت عن إصابة ستة أشخاص بجروح، بينهم طفلة، في قذائف أطلقتها الفصائل على حيي الحمدانية وصلاح الدين الواقعين على خط تماس بين أحياء حلب الشرقية والغربية. ومما يستحق الإشارة، أنه يشارك نحو 1500 مقاتل وصلوا من محافظة إدلب (شمال غرب) المجاورة ومن ريف حلب في المعارك التي تدور على مسافة تمتد نحو 15 كيلومترا من حي جمعية الزهراء مرورًا بضاحية الأسد والبحوث العلمية وصولا إلى أطراف حلب الجنوبية.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.