البشير: خطة لتقسيم المنطقة العربية عبر مشروع «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»

الرئيس السوداني قال لـ «الشرق الأوسط» إن العلاقة مع مصر أزلية وتاريخية ومصيرية ولكن تبقى حلايب العقدة التي تنتظر حلاً

الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط»  ( تصوير: بشير صالح)
الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط» ( تصوير: بشير صالح)
TT

البشير: خطة لتقسيم المنطقة العربية عبر مشروع «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»

الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط»  ( تصوير: بشير صالح)
الرئيس البشير خلال حديثه لصحيفة العرب الدولية «الشرق الأوسط» ( تصوير: بشير صالح)

للمرة الثالثة كان لقاء «الشرق الأوسط»، مع الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير حيث الزمان والمكان في طيبة الطيبة، المدينة المنورة، أول عاصمة في التاريخ الإسلامي، والروحانيات التي تشعّ من جنباتها، تجعل من الصبر على الأسئلة القاسية شيئا من العبادة والتبتل، فبدأ حوارنا معه بعد أن أدى صلاة العشاء في المسجد النبوي وصلى في الروضة الشريفة، فحالا نوّه بخطورة مشروع التشيّع الإيراني واستهداف طهران لأهل السنة في سوريا وفي العراق، تمهيدا لدولتها الصفوية الممتدة إلى أدغال أفريقيا.
قال البشير إنه لن يندم على مقاطعته إيران ولا يأبه بتقنيتها الحربية التي كانت هي فقط الفاعل المستتر في جملة العلاقات، والتي وضع حدّا لنهايتها، مؤكدا أن إيران تقود حلفا صليبيا صهيونيا توطئة لمشروعها الفارسي بين المنطقتين العربية والأفريقية، ضمن خطة تقسيم المنطقة العربية عبر مشروعي «إسرائيل الكبرى» مقابل مشروع «الدولة الصفوية»، مرورا بدعمها المكشوف للحوثيين في اليمن. ولكن على صعيد العلاقات السودانية ـ المصرية، أكد البشير أنه ليس من مداراة لعقدة «حلايب» الموضع الخلافي الذي لا يتأخّر عن أي مائدة يتفاوض حولها البشير مع نظيره عبد الفتاح السيسي، غير أن الأوضاع المريرة التي يمرّ بها الوطن العربي والاستهداف الذي يترصد الوحدة والوجود العربي إقليما ودوليا، لا تجعل برأيه من مشكلة حلايب النقطة الفاصلة في أي مباحثات يتواضع إليها الجانبان.
الرئيس البشير، كشف من جانب آخر عن مساع سودانية جارية في سبيل إيجاد سبيل لجمع الصف الليبي لدرء المهددات الأمنية والمحاذير الإرهابية لما لها من أثر مباشر على كل جيرانها من المنطقة العربية والأفريقية وفي مقدمتها مصر والسودان وتشاد، والتي يؤجج لهيبها وفق رأيه القرار الأميركي «جاستا» كونه ينتهك سيادة الدول وينشر الفوضى ويزعزع الأمن والسلام الدوليين، مؤكدا أن «جاستا» قانون الغابة والكاوبوي ومرفوض سودانيا، مشددا على ضرورة وقف نزيف الدم في سوريا، متطلعا لتعزيز العمل الاستراتيجي المشترك مع الرياض. فإلى تفاصيل الحوار:
* بماذا حفلت زيارتكم الأخيرة للسعودية؟
- أتى اللقاء الأخير مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في إطار التشاور والتنسيق المستمر والذي يعتبر ديدن العلاقة بين السودان والسعودية، فالآن المنطقة العربية تمر بظروف صعبة وهناك الكثير من المشاكل، والتآمر على المنطقة، الأمر الذي يتطلب تعزيز التقارب والتشاور وقطعا كل من راقب الفترة الأخيرة، يشهد هجمة شرسة مرتبة ومنسقة، موجهة ضد السعودية، والمملكة بالنسبة لنا هي قلب العالم الإسلامي النابض، وأرض الحرمين، فضلا عن العلاقة الثنائية بين البلدين، حيث إن هناك البعد الإسلامي والأماكن المقدسة، والتي نحن على قناعة أنها تجد الرعاية والاهتمام الكبير جدا من السلطات السعودية، فالمملكة مسخرة كل إمكانياتها لخدمة الحرمين والحجاج والمعتمرين والزوار، وما حدث في موسم الحج الأخير، من ترتيب شهد به الجميع، ونحن كنا من المتابعين لتلك الجهود، ولذلك الظرف يتطلب أن نكون في حالة تشاور وتنسيق مستمر، ولقاءات مستمرة، لأن الأحداث متحركة، بسرعة، والمخاطر المحدقة بالمنطقة كبيرة، والمملكة اهتمامها تجاوز شأنها الداخلي وامتد لكل المنطقة العربية، والعالم الإسلامي.
* ما تقييمكم لما أنجزته قوات التحالف في اليمن حتى الآن في ظل خروقات الانقلابيين المستمرة على الهدنة؟
- قطعا، القضية اليمنية تهم الجميع، وتؤثر على الكل، حيث إنه قبل إعلان عاصفة الحزم، كان لدينا اتصال وتشاور مستمر مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عندما كان وليا للعهد ومع مساعديه، حول الأوضاع في اليمن، حيث وقتها كان الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية والأمير خالد بن بندر كان رئيس جهاز المخابرات، حيث إننا كنا على اتصالات مباشرة حول التطورات في اليمن لأنها تهمنا، لما لها تأثير كبير جدا على المنطقة العربية، خاصة أنها مجاورة لعدد من الدول العربية، فهي تقع في موقع استراتيجي مهم جدا، في باب المندب وهو مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل أهم ممر مائي موجود الآن في العالم، ويعتبر شريان الحياة لكثير من دول العالم، فهو يمثل الممر التجاري الرئيسي لكل صادرات وواردات دول المنطقة، وظل التشاور مستمرا، وحقيقة العمليات في اليمن ليست بالسهلة، وهناك الكثير من المحاذير، حيث إن طبيعة اليمن وتضاريسه، تجعل صعوبة في إدارة العمليات، وأيضا هناك البعد الشعبي، فالناس حريصة على أن تكون هذه العمليات ليس لها تأثير مباشر، ولا خسائر في أرواح المدنيين، فهذا الحرص على سلامة المدنيين أيضا، داخل اليمن يجعل إدارة العمليات محتاجة للكثير من الصبر والحنكة، ولكن نحن مطمئنون في النهاية، بأنه سيتم النصر وتعود الشرعية لأهلها ويستتب الأمن ويعود الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وقطعا بأن تكون هناك هدنة وتكون هناك مفاوضات وحل سلمي لأننا نؤمن بأن الحل الذي يأتي عبر التفاوض والترتيبات السلمية أقل تكلفة في الإمكانات وفي الأرواح، والأخيرة هي الأهم، ودائما توجهنا البحث عن حلول سلمية عن طريق التفاوض، وفي هذا المقام أشيد بالجهود التي تبذلها دولة الكويت، وهي محتاجة لمدّ حبل الصبر، ولكن الانقلابيين يتبعون طريقة رفع سقف التفاوض، ويتبعونها بالإجراءات التي تنتهي بإجهاض كل محاولات الحل السلمي، كإعلان مجلس حكم ومجلس وزراء تنبئ عن أن الطرف الآخر في تعنت من جانبه، وهذا يحتاج إلى قليل من الضغط في الميدان، لأنه إجراء اضطراري لمواجهة ذلك لإجبارهم على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، وهمنا الوصول لحلول للقضية الأمنية وليس الانتصار على الآخرين.
* ما زالت إيران تؤجج الصراع في كل من اليمن وسوريا وتمارس التشيّع في أفريقيا.. ما حجم المخاطر التي تشكلها من خلال هذا المسعى؟
- قناعتنا راسخة بأن هناك حلفا الآن ثلاثيا، صهيونيا صليبيا فارسيا، وهو الذي يدير كل العمليات في المنطقة العربية، وما يحدث في سوريا وفي اليمن قطعا، قضية واضحة جدا، وما يحدث في العراق قضية واضحة جدا، وحتى في لبنان وبكل أسف حتى داخل ليبيا كل هذه القضايا واضحة جدا، إنها تدمير للمنطقة العربية، وإبادة للمسلمين السنة، حيث إن أهل السنة في العراق والمدن السنية في العراق تتعرض إلى استهداف وجرائم كبيرة جدا، نعم وجود «داعش» كان عنصرا مغذيا للتبرير لاستهداف المدن السنية في العراق، والمحاولة المستمرة لإيقاف الدعم من أجل الإجراءات الإنسانية وإيصال الإغاثة في بعض المناطق في سوريا عامة وفي حلب تحديدا، كنموذج، لذلك في ذهننا مخطط لتقسيم المنطقة ما بين إسرائيل وللأخيرة مشروع «إسرائيل الكبرى» ممتد من الفرات إلى النيل وأيضا هناك مشروع «الدولة الصفوية» التي تحاول ألا تكتفي بخريطة فارس القديمة بل تحاول التمدد حتى في المناطق العربية داخل الجزيرة العربية، وفي الهلال الخصيب في سوريا ولبنان وفي جنوب الجزيرة في اليمن، طبعا نحن متابعون الاختراق الكبير في أفريقيا وفي عملية تشيّع تقوم بها إيران بصورة كبيرة جدا، حيث أنشئت الآن الكثير من الجامعات وهناك الكثير من الفرص التي تكون في شكل منح دراسية للدراسات العليا، لأبناء المسلمين في أفريقيا، علما بأن غالبية المسلمين في أفريقيا، في الدول الأفريقية التي كانت ترزح تحت نيران الاستعمار كانوا محرومين من التعليم لأن التعليم كان في الكنائس، حيث أتيحت فرص التعليم لأبناء غير المسلمين، أو حتى أبناء المسلمين الذين دخلوا تلك المدارس حيث تعرضوا لعمليات تنصير، رغم أن أفريقيا كانت قارة مسلمة قبل دخول الاستعمار، ولكن الاستعمار اخترقها بالكنائس، وبقي التعليم وسط المسلمين ضعيفا، ولذلك نقول إيران استغلت هذا الضعف وبدأت تعطي منحا دراسية لعدد كبير جدا من الطلاب في أفريقيا وعبر ذلك يتم تشييعهم، وإرسالهم ليصبحوا هم بدورهم عناصر لنشر المذهب الإثني عشري الرافضي، بل بدأت تطلق مدارس وجامعات داخل أفريقيا ولذلك فإن تقسيم مسلمي أفريقيا إلى سنة وشيعة رغم ضعف المسلمين في أفريقيا بسبب قلة التعليم، يشكل خطرا كبيرا جدا وهي تعمل بشدة لمحاصرة كافة المنطقة العربية من كل الاتجاهات والهدف هو أنه عندما يضعف العالم العربي يفسح المجال بكل سهولة لإقامة كيان دولة إسرائيل الكبرى والدولة الصفوية التي يخطط لها من جديد.
* ما الأثر السلبي أو الضرر الذي وقع على السودان جرّاء القطيعة بين الخرطوم وطهران سياسيا واقتصاديا؟
- قطعا العلاقة مع إيران كانت في بعدها السياسي إلى حد ما يبرز في المحافل الدولية، ولكن في المجال الاقتصادي لم يكن هناك تعاون يذكر بين البلدين، لأنه دائما كنا نصطدم في أي محاولة لتطوير علاقاتنا الاقتصادية مع إيران بموضوع الديون، حيث كانت هناك ديون محدودة لها على السودان منذ أيام شاه إيران، في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، ولكن الفوائد الربوية على هذه الديون أدت إلى تضخمها وكنا دائما نصطدم بصعوبة في إجراء أي تطور في علاقات اقتصادية أو تجارية، ما لم تحلّ قضية الديون، وفي فترة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، حاول أن يتجاوز هذه المرحلة ولكنه اصطدم هو الآخر بنفوذ سلطات البنك المركزي وتبادل مواقف، فكانت هي العقبة الأساسية، صحيح كان هناك تعاون في مجال التصنيع الحربي في مجال محدود جدا، وكان الدفع هنا بمقابل، ولكن بالنسبة لنا كنا نجد فيها بعض التقنيات التي حرمنا من التزوّد بها من عدد كبير من بلاد العالم المتقدمة بسبب العقوبات التي فرضت على السودان، فكانت ملاذا اضطراريا ملحّا، ولكن بالتأكيد ما فقدناه في قطيعة علاقتنا مع إيران، هو فقد التعاون في مجال التصنيع الحربي من بوابة الجزيئية التقنية المطلوبة، ولكن على الصعيد الاقتصادي ليس هناك علاقات أو تعاون يذكر في المجال الاقتصادي، وبالتالي هناك ما خسرناه اقتصاديا، جراء هذه القطيعة.
* كان للسودان دور بارز في تحريك الملف الليبي في بدايته.. هل تراجعت عزيمتكم فابتعدتم عنه؟
- أكثر منطقة كنّا قد استبشرنا بها كانت ليبيا، لأنه كنّا نعتبر معمر القذافي كان يشكل عنصر زعزعة لأمن المنطقة عامة وللسودان خاصة، حيث إنه كان يشكل الداعم الأساسي لكل حركات التمرّد سواء في كل السودان في جنوبه وفي غرب السودان، في دارفور، إذ كان يتولى أمر التمويل كاملا، فالشعب الليبي الذي لا يتجاوز تعداده الثلاثة ملايين نسمة، عاش في عهده فقرا مدقعا رغم أن ليبيا تنتج نحو ثلاثة ملايين برميل بترول، وأن البترول الأقل تكلفة من حيث الاستخراج لأن الشركات كانت قد استعادت تكلفة استخراجه بالكامل، وعملية النقل من الساحل الليبي مباشرة إلى الساحل الإيطالي لا تكلف، ولكن رغم كل ذلك كان الشعب الليبي يعيش فقرا مدقعا، لأن القذافي كان مسيطرا على كل البترول وثرواته وكلها كانت تحت تصرّف أفراد من حاشيته، بالإضافة إلى الضغوط والإرهاب الذي كان يمارسه ضد شعبه، ولذلك عندما انتفضت ليبيا كلنا استبشرنا خيرا بذلك، ودعمنا التغيير الذي قاده المنتفضون في ذلك الوقت في ليبيا، وكنا قريبين من مجلس الحكم الانتقالي الليبي وكنا نقدم له النصائح، ولكن للأسف نظام القذافي لم يورث ليبيا أي مؤسسات دولة، فهذه العقبة الأساسية التي واجهت المسؤولين في العهد الجديد، وكانت جهودنا المساهمة في بناء مؤسسات الدولة في ليبيا واعتقدنا أن همّ المؤسسات الرئيسي، بناء جيش وطني وبناء الأجهزة الشرطية والأمنية وبناء خدمة مدنية قادرة على تقديم الخدمات بشكل جيد وتدير الأمور في ليبيا، غير أن الإخوة في ليبيا تباطأوا في إنشاء هذه المؤسسات الأمر الذي جعل الثوّار يكونون محتفظين بسلاحهم حيث كان لديهم الشعور بأنهم قادة هذا التغيير وبالتالي لا بد أن يكون لهم دور كبير في إدارة ليبيا، فعدم توحيد الثوّار وعدم قيام جيش وطني، جعل كل ثوّار في منطقتهم المسيطرين على مواقعهم باستقلالية تامة جدا، إذ لا يوجد ما يجمع بين هؤلاء الثوّار. ففي فترة القذافي أحيا القبلية والنعرات العنصرية ولذلك الكثير من هذه الميليشيات كانت لها انتماءات قبلية، فعدم قيام مؤسسات الدولة بالسرعة المطلوبة، أفرز الخلافات والانشقاقات داخل المجتمع الليبي، وكان جهدنا مع دول الجوار الليبي أن جمعينا نجتهد مع بعض وكل منا يستغل علاقاته داخل المكون الليبي في أن نجمع المكون الليبي مع بعض ونوحد كلمتهم وأهدافهم، ولكن بكل أسف بدأت المسافات تتباعد ووجدنا فجأة أن هناك حكومتين هما حكومة المؤتمر الوطني، في طرابلس وحكومة البرلمان موجودة في طبرق، حيث بدأ صراع عناصر مسلح بين الطرفين، وهذا ترك فراغا كبيرا جدا في ليبيا فاستغل تنظيم داعش هذا الفراغ لضم عناصر من بقايا نظام القذافي واستطاعوا أن يسيطروا على منطقة سرت بكل مقدراتها ومكوناتها ومصارفها، فأصبحت هناك ثلاث قوى تتقاتل في ليبيا، قوة في شرق ليبيا في طبرق وقوة في غرب ليبيا في طرابلس، وأصبحت هناك قوة ثالثة في سرت، والآن نجد بعد محاولات ومحاورات كثيرة، أن أهل الشأن كأنما اتفقوا على حكومة وطنية بقيادة السراج، فاستبشرنا خيرا بهذه الحكومة، لأنها وجدت تأييدا إقليميا ودوليا فرأينا فيها النواة التي يمكن أن تسنح فرصة لجمع شمل الكيانات الليبية المختلفة لتحقيق الاستقرار في ليبيا ولكن للأسف الشديد الحكومة في طرابلس انقسمت قسمين وفي الشرق انقسمت إلى قسمين إضافة إلى «داعش»، أصبحت اليوم هناك نحو خمس مجموعات من «داعش»، تتقاتل منها مجموعتان في شرق ليبيا ومجموعتان في غرب ليبيا، بالإضافة إلى بعض القبائل المتمترسة في مواقعها وبالسلاح فالوضع في ليبيا قاتم جدا، وليبيا توجد بها إمكانات عالية جدا وموارد بترولية هائلة، جعلت أي عنصر غير ملتزم وغير مسؤول يسعى للسيطرة على هذه الموارد ووقتها ستسخّر إلى أعمال تخريبية خطيرة والسودان كجار لليبيا أصبح متخوفا جدا وذلك لدينا عناصر متمردة وجدت فرصة هناك ودعما سخيا من بعض القوى المقاتلة لأنها تدعمها والقتال في بلد مثل ليبيا بمساحتها الكبيرة، سيترك فراغا كبيرا جدا وحجم السلاح الموجود في ليبيا أيام القذافي يشكل خطرا على كل المنطقة ودول الجوار جميعها بما في ذلك مصر وتشاد والسودان والنيجر والجزائر وتونس وغيرها، وكلها معرضة لتلك المهددات الأمنية التي أفرزها الوضع الحالي في ليبيا وأصبحت مرتعا خصبا للقوات الإرهابية والمتفلتة، فهذه العناصر التخريبية والإرهابية تجد حاليا فرصة كبيرة جدا وموقع قدم داخل ليبيا في ظل الفراغ الكبير فيها.
* أليس لديكم نيّة لطرح مشروع لمحاولة إيجاد مخرج للمأزق الليبي؟
- بكل تأكيد مساعينا للملمة الجراح في ليبيا لن تتوقف، لأكثر من سبب، أولا لأننا نعتقد أنه تقع علينا مسؤولية العمل لصون وحفظ حق الجوار والعروبة والإسلام والأخوة في ليبيا، ثانيا أن الوضع الحالي في ليبيا ليس فقط غير مطمئن، بل مهدد لأمن كل المنطقة والجيران، فالسودان أكثر البلاد تأثرا بالوضع الداخلي لليبيا ولذلك سنظل نتواصل ونتصل على كل مكونات الشعب الليبي، لأنه لدينا علاقات داخل ليبيا، إذ إن الفترة التي أعقبت انهيار عهد القذافي نشأت علاقاتنا مع عدد من المجموعات الموجودة حاليا داخل ليبيا، في شرق ليبيا مثلا أن رئيس الوزراء عبد الله الثني، من القريبين جدا لنا، والعلاقة به ممتازة فهو رئيس الحكومة رغم أن هناك انقساما حدث، كما أنه لدينا علاقات مع المجموعات في طرابلس حيث كانت لنا جهود بذلناها لدعمهم ضد ثورته على القذافي، وبالتالي فإن جهودنا ستستمر في كل الاتجاهات باعتبار أننا أكثر من يتأثر سلبا بالوضع الليبي.
* لفت الانتباه أنكم عقدتم قبل أيام قمة ثنائية مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لرئاسة اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين بدلا من رئاسة كل من النائب الأول السوداني ورئيس الوزراء المصري.. ما جعل البعض يعتقد بأن مشكلة حلايب أصبحت في مرمى جديد؟
- طبعا أن أكثر مشكلة معقدة مع مصر هي مشكلة حلايب، وهذه مشكلة أساسية ولذلك نطرحها على الدوام في كل اجتماعاتنا المشتركة، ونطالب بضرورة إيجاد حل لهذه المشكلة، حيث إننا طرحنا خيارين إما عبر التفاوض مباشرة بيننا وبين إخوتنا المصريين أو الذهاب إلى التحكيم الدولي، كما أنه لدينا مشكلة أخرى مع مصر وهي إيواؤها لعدد من المعارضين للحكومة، ولكننا عندما ننظر إلى أوضاع العالم العربي المرير، والاستهداف الكبير الذي تواجهه منطقتنا العربية بكاملها يجعل من قضايانا الداخلية والبينية مهما كبرت تتقزم أمام هذا السيل الجارف من الاستهداف الذي يسعى لابتلاعنا جميعا، فالآن نواجه عدوا يستهدفنا جميعا، في وجودنا: «ولذلك ينطبق علينا المثل: أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب»، ولذلك نقرّ بأنه لدينا قضية محورية مع مصر، ولكن هناك خطر أكبر يشكل خطا أحمر تصغر أمامه أي مشكلة بين الخرطوم والقاهرة بما في ذلك مشكلة حلايب، فهم إخوتنا، وعليه فإن اللجنة السودانية المشتركة كانت برئاسة النائب الأول من قبل السودان ورئيس الوزراء من قبل مصر، اتفقنا على ترفيعها للجنة رئاسية لأننا وجدنا قضايا كثيرة جدا بيننا تواجهها تحديات وتصطدم بعدم القدرة على التنفيذ، في ظل اللجنة برئاستها القديمة، ولذلك لمزيد من الاطمئنان رأينا أن ما نتفق عليه يحتم تنفيذه، ولذا لزم أن يكون اللقاء برئاسة رئيسي البلدين، وعليه نقرّ ونؤكد أن علاقتنا مع مصر مهمة جدا، حيث هناك علاقة الجوار والقرابة والدم والدين والثقافة والتاريخ، مما يجعل من المشاكل الحدودية لا تتقدم على مواجهة الاستهداف الخارجي على المنطقة العربية برمتها، لقناعتنا أن الانشغال بها دون ذلك، سيدعم الاستهداف الخارجي.
* فيما يتعلّق بسدّ النهضة.. هل القاهرة تفهّمت موقف الخرطوم من اتفاقها مع أديس أبابا بشأن ذلك؟
- من المؤكد أننا في السودان درسنا مشروع سدّ النهضة عندما كان فكرة، ووجدنا هناك آثارا سالبة وأخرى موجبة فقارنا بينهما فوجدنا أن إيجابيات السدّ بالنسبة للسودان أضعاف سلبياته بالنسبة لنا، وبالتالي كان لدينا موقف واضح جدا من تقييم قيام هذا السدّ، أولا إخوتنا في مصر لديهم حساسية شديدة جدا ضد أي مشروع يقام على النيل حتى لو لم يجدوا عليه أثرا سلبيا عليهم، فأصبحت ثقافة شعبية، ثانيا، إخوتنا المصريون معتمدون على اتفاقية أبرمتها بريطانيا عام 1929. تلزم أي دولة من دول حوض النيل لا تقيم أي مشروع على النيل إلا بموافقة مصر، وقتها كانت كل هذه الدول مستعمرة، ولكن بعد استقلالها كان التوجه العام هو الخروج من هذه الاتفاقية الدولية، نحن نتحدث مع إخوتنا المصريين بأن هناك مشروعات لا تؤثر على حصة المياه لأن دول منبع حوض النيل، في المثلث الجنوبي تتمتع بموسم أمطار يمتد على مدار العام، وفي حده الأدنى 9 شهور وبالتالي ليس لديها حاجة لإقامة مشروعات ري كبرى تستهلك من مياه النيل، والمشروعات التي تقام على النيل أو روافده، في الغالب تكون مشروعات لتوليد الطاقة الكهربائية وهذه لا تؤثر على حصة المياه حتى إذا كانت لديهم مشروعات ري تكميلي إذ ليس لديهم مشروعات زراعية كبرى تستهلك كميات كبيرة من المياه، فمساهمة النيل الأبيض في مياه النيل نحو 15 في المائة، مما يعني تأثيره ليس بالحجم الكبير، أما المياه القادمة من إثيوبيا عبر النيل الأزرق، فهي المورد الأساسي للمياه بنسبة 85 في المائة، فالنيل الأزرق نفسه يمرّ داخل إثيوبيا بمنطقة جبلية صخرية، ومجرى النيل فيها عميق جدا، ولذلك نجد من الصعوبة بمكان إن لم نقل مستحيلا أن الاستفادة من مياه النيل الأزرق في عمليات الري، فإن سدّ النهضة من ناحية الأثر، كنا قد حددنا ثلاثة عوامل رئيسية لإقامة السدّ، أولا ضرورة ضمان سلامة السد، لأنه يحجز نحو 75 مليار متر مكعب من المياه فإذا حدث أي انهيار للسّد ستترتب عليه آثار مدمرة على السودان بشكل خاص، لأن مصر لديها السّد العالي الذي ربما يكون حاجزا ساترا يوفر الحماية ويقلل من الأضرار التي تقع على المصريين، ثانيا أن عملية برنامج ملء البحيرة، لا بد أن يكون متقنا بحيث لا يؤثر على منشآت ومشروعات الري في السودان ومصر لأنها بحيرة كبيرة جدا، ثالثا لا بد من إتقان برنامج تشغيل السدّ لأنه بناء عليه يتم برنامج تشغيل السدود ومشروعات الري في البلدين.
* ولكن هناك من يعتقد أن اتفاقية مياه النيل مع مصر لم تكن منصفة.. ما تعليقكم؟
- بصراحة لدينا اتفاقية مياه النيل مع مصر عام 1959. والتي قسمت مياه النيل الواصلة إلى السّد العالي، بين السودان ومصر، فكان نصيب القاهرة 52 مليار متر مكعب بينما نصيب الخرطوم 18 مليار متر مكعب، والكثيرون يعتقدون أن هذه القسمة ظالمة بالنسبة للسودان، ولكن وقتها العوامل التي تأسست عليها هذه القسمة، أولا حجم السكان في مصر كان كبيرا مقارنة بحجم السكان في السودان فنظر إليها من هذه الزاوية، خاصة أن أغلب أراضي السودان خارجة عن أرض النيل فضلا عن أن الأمطار كانت تسقي أراضيه بنسب كبيرة جدا مغطية لكل مساحات السودان البعيدة عن النيل في مجال الزراعة والمراعي وغيرها، فكانت هذه العوامل التي أدت إلى القسمة بهذا الشكل، فالسودان بإمكانياته التخزينية في ظل تدفق مياه فيضانات خلال ثلاثة أشهر، ومن أجل التخزين في خزان الروصيرص على النيل الأزرق في السودان، زدنا التعلية والتخزين كان في مروي وفي ستيت ونهر عطبرة، وقدرة السودان على تخزين المياه في فترة ثلاثة شهور، لا تمكنه من الاستفادة حتى فيما يتعلق باستهلاك الـ18 مليار متر مكعب من حصته، ولذلك هناك جزء كبير جدا يذهب لمصر رغم أنها تعتبرها سلفة ولكنها غير مستردة في الواقع، قيام سدّ النهضة، بدلا من أن تأتي المياه في خلال 12 شهرا فالخزانات السودانية سواء في الرصيرص ومروي ستجد أن هذه البحيرة تمكننا دائما من تخزين هذه المياه للحد الأقصى لمدة 12 شهرا، وبالتالي ستمكن السودان من أن يستفيد من نصيبه من المياه بشكل كامل، وهذا حقنّا المشروع ولا يمكنه أن يلومنا على أننا أخذنا نصيبنا من المياه، ولكن كان ذلك يذهب لمصر ويستفيدون منه في الطاقة الكهربائية في السد العالي، للاستفادة منه في الري في مشروع توشكى، فكان هذا الأثر السالب الذي يحصل على إخوتنا في مصر، بأننا في السودان سنتمكن من أخذ حصتنا كاملة غير منقوصة، والقضية واضحة جدا بالنسبة، ولكن لا بد من الرجوع إلى أن الحملة الإعلامية التي وجهت ضد الإثيوبيين في عهد الرئيس مرسي، ضد السّد والفهم بأن الإثيوبيين سيتحكمون في المياه وتحويلها ويمكن أن تحرم مصر منها كان إعلاما سالبا ترتب عليه تعبئة الشعب الإثيوبي ووقوفهم صفا واحدا خلف رئيسهم برغم الاختلافات والخلافات التي كانت سائدة بينهم حينذاك.
* بعض المراقبين يعتقدون أن الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه كل من الخرطوم والقاهرة بشأن القبول باتفاقية سدّ النهضة ليس من الناحية الفنية بقدر ما هو من الناحية القانونية التي تضمن حصول الشركاء على حقوقهم كاملة والحيلولة دون انحرافها من قبل أديس أبابا.. ما تعليقكم؟
- كنت قد سمعت آراء القانونيين الذين انبروا للحديث عن الخطأ القانوني في اتفاقية سدّ النهضة، ولكن أقول بكل ثقة أصلا ليست هناك أخطاء قانونية، كان مجرد آراء غير صحيحة ولا أود أن أخوض في السرّ من وراء مثل هذه الأقوال التي أطلقت بالتزامن مع الحركة المصرية السودانية الإثيوبية للوصول إلى نقطة التقاء يحصل فيها ثلاثتهم على المنافع المرجوة من السدّ. وعلى صعيد السودان ليس لدينا أي مشكلة وكان حديثا مع الإثيوبيين، التأكيد على أهمية الاتفاق على برنامج ملء البحيرة لأنه يؤثر بشكل مباشر على السودان، وهو برنامج سيتفق عليه الأطراف الثلاثة وبرنامج تشغيل السدّ وهذه هي الجوانب القانونية التي تهمّنا.
* قانون «جاستا» أحدث ضجة كبيرة وقوبل برفض دولي.. ما موقف السودان منه؟
قانون «جاستا» هو لغة «الكاوبوي»، وبالأحرى قانون الغابة، لأنه يعني نزع ما لا تملك، فإذا كان لدى أميركا عدد من المواطنين تأثروا سلبا بالتفجيرات خاصة تلك التي تعرض له برج التجارة العالمية حيث أرواح وممتلكات فقدت ومؤسسات دمرت، أيضا لا بد أن نذكر أن أميركا ارتكبت جرائم كبيرة جدا في أنحاء مختلفة من العالم، بدءا من القنابل الذرية التي رمتها في اليابان وما زال أثره قائما، إلى الحرب في فيتنام واستخدام كل الأسلحة المحرّمة فيها، والعمليات الأميركية المستمرة حتى الآن في أفغانستان، وقصف المدنيين في عدد من دول العالم بذرائع مختلفة، ولذلك إذا كنا نتحدّث عن أن قانون «جاستا»، كان قانونا عادلا سيكون بما لا يدع مجالا للشك وبالا وشرّا مستطيرا على أميركا، لأن البشر الذين تأثروا سلبا وفقدوا أرواحا وممتلكات ومأوى وغيرها من أساسيات الحياة والكرامة جراء السلوك الأميركي خارج حدودها، أضعاف أضعاف أولئك الذين تضرروا من التفجيرات التي تعرضت لها المصالح الأميركية في برج التجارة بغض النظر عن مصدرها وأسبابها، فضلا عن ذلك لا بد من النظر إلى البشر الذين يتعاملون بالدولار كعملة رئيسية في العالم، علما بأن مقاص الدولار موجودة في الأساس في أميركا، مما يعني أن كل المعاملات تمرّ على أميركا، وفي ذلك مجال لمصادرة الكثير من هذه المعاملات، أضف إلى ذلك هناك الكثير جدا من الأموال المستثمرة، في أميركا في أي شكل كانت، فهي ضخمة جدا، وحينها إذا استهدفوا مثل هذه الأموال سيقع فيها ظلم كبير جدا، وبالتالي سيترتب عليه آثار سالبة ليس فقط على سيادة الدول الأجنبية وزعزعة الأمن والاستقرار الدوليين، بل حتى على أميركا نفسها لأنه بموجب هذا القانون سترفع قضايا من العيار الثقيل ضد أميركا، بجانب أن أي دولة ستحجم عن الاستثمار أو وضع أموال داخل أميركا، لأنها عرضة للمصادرة تحت أي وقت بموجب هذا القانون الأميركي «جاستا»، فهو قانون جائر بالمعنى، ويعزز سياسة النهب الأميركية، ولذلك على المستوى السودان فهو مرفوض تماما.
* ماذا أنجزتم فيما يتعلق بمشروع محاربة الفساد؟
- لدينا من الأجهزة والآليات لمكافحة الفساد لا توجد في أي دولة في العالم، فمثلا لدينا ما يسمى قانون المراجع العام وهو يتمتع بقوة استقلالية غير مسبوقة لا في السودان ولا في غيره من بلاد العالم، حيث إنه عندما تسلمنا الحكم في عام 1989. كانت حسابات السودان على مدى خمسة أعوام قبل هذا التاريخ، لم تقفل ولم تراجع، ولم يكن في تاريخ السودان أن المراجع العام يرفع تقريره للبرلمان، الآن يرفع تقريره مباشرة للبرلمان والأخير بعد مراجعته له وإبداء ما عليه من ملاحظات عليه المتابعة ما تم فيها لأنه نحو 80 إلى 90 في المائة منها تقع بسبب مشكلات إدارية وغياب للوثيقة وتجاوز الإجراءات، في النهاية أخطاء إدارية يتم المحاسبة عليها إداريا، وهناك أخطاء تذهب للنيابة والأخيرة ترفع للقضاء ويخبر البرلمان بما تم في كل التجاوزات التي مثلا ظهرت في تقرير المراجع العام، والناس تعتمد على هذا التقرير كونه يعكس مظاهر الفساد، ولكن الحكومة اعتمدت عنصر الشفافية لأنها واثقة من أن ذلك يمكّن المراجع العام من أن يرفع تقريره النهائي للبرلمان وبالتالي لتعود للرأي العام، ولدينا أيضا نيابة المال العام، وهنا أي قضية تخصّ المال العام والاعتداء عليه، أو أي مخالفات سواء اختلاسات أو رشاوى أو تجاوزات، فإن نيابة المال العام هي المسؤولة مباشرة عن ذلك، كما لدينا كذلك قانون لا يوجد في أي بلاد في العالم وهو قانون «الثراء العام»، فإدارته تتلقى الشكاوى فمثلا أيا كان جاء إلى موقع ما فبدت عليه علامات الثراء الحرام في سكنه أو في بيته أو في صرفه، وهنا من حق أي مواطن رفع هذا الأمر لإدارة الثراء والقاعدة القانونية أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، أما في قانون «الثراء الحرام» المتهم مدان حتى تثبت إدانته، الآن أجزنا قانون «مكافحة الفساد والشفافية»، وهي متاحة لأي مواطن أنه يتصل بهذه الإدارة إذا لاحظ أو تملك أي معلومة عن قضية فساد ارتكبت، كذلك لدينا «ديوان المظالم العامة»، الغرض منه أنه إذا كان أحدهم مظلوما من الرئيس أو من وزير أو معتمد حتى لو شعر أن المحكمة لم تستطع أن تمنحه حقه، أو وقع عليه ظلم، فإنه لا يلغي الحكم ولا يمنع الشخص المستفيد من الحكم ولكنه سيجبر الضرر لمن وقع عليه الظلم، أيضا لو أن هناك أي خبر أو معلومة عن قضية فساد في أي مؤسسة من المؤسسات ولو كانت داخل ديوان المراجع العام، من حق «ديوان رفع المظالم»، التحقيق في هذه القضية ويرفع تقريره مباشرة للبرلمان، وبالتالي وضعنا من الأجهزة والآليات ما فيها الكفاية من أن تحمي المال وتمنع الفساد.
* ولكن هناك شكوك في أن الكثير من أموال التحصيل تذهب إلى جيوب أخرى..
- .. مقاطعا.. مع التقنيات الجديدة، أصبح التحصيل إلكترونيا فأصبح إمكانية الاعتداء على المال العام من الصعوبة بمكان، وفي كثير من المجالات التي تشمّ فيها رائحة فساد، سواء في الضرائب أو تقديرها، الآن أيضا أطلقنا بشأنه برنامج حوسبة كاملة للعمل في الضرائب، وبالتالي فإن الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية سيغلق الكثير من منافذ الفساد والاعتداء على المال العام.
* ماذا عن الشخصيات الحكومية النافذة التي وجهت إليها اتهامات بالفساد؟
- أتعهد بأن أيا كان قدّم بينة ضد أي مسؤول، ليس هناك ما يمنعنا من اتخاذ الإجراء القضائي ضده، ومثال لذلك أن أحد وزرائنا اتهم وهو أزهري التيجاني الوزير السابق للشؤون الإسلامية والأوقاف، وتهمته بأنه حصل تجاوز في مال الأوقاف وتم تقديمه للمحكمة، وكان هناك عدد كبير يتوقع أن الحكومة تتدخل في هذه القضية لتناصر وزيرها، وتعطل الإجراءات، وبالفعل حصلت اتصالات بنا من قبل الذين يعرفون أزهري ونزاهته، طالبونا بأن نوقف الإجراءات ولكن رفضنا الطلب تماما، وقلنا هذا الوزير في أحد أمرين، إما هو بالفعل ارتكب هذا الجرم ويستحق للمحكمة ويحاكم باعتباره خان الأمانة، أو هو بريء والأفضل أن تبرئه المحكمة من أن نبرّؤه نحن، فهذا نموذج، ونؤكد أن أي أحد لديه متهم بهذا المستوى ويمتلك المعلومة فإن أبواب العدالة تفتح أبوابها على مصراعيها ولا أحد فوق القانون بتاتا، ولن نتدخل لنحمي أو نوقف أي إجراءات قضائية، كذلك، لدينا قضية أخرى تتصل بنائب رئيس البرلمان بولاية الخرطوم محمد حاتم، حيث وجه له اتهام والآن القضاء يجري في مساره فلم يمنعه موقعه الحكومي أن يحاكم، إذ إنه لم يحدث أي تدخل من جانبنا أو من جانب الحكومة لإيقاف إجراءات محاكمته، ونؤكد أننا لن نتدخل في عمل القضاء على الإطلاق مهما كان وزن الشخصية المتهمة.
* ماذا بذل فيما يتعلق ببرنامج تحسين المعيشة؟
- بكل صراحة ندير اقتصادنا في ظروف صعبة للغاية، حيث إن الاقتصاد السوداني تعرض لهزات عنيفة جدا، ففي عام 2005 تاريخ توقيع اتفاقية السلام، فقدنا أكثر من نصف إيراداتنا من البترول من أجل قضية السلام، وفي عام 2008 حيث الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، تلته مرحلة انفصال جنوب السودان ومعه فقدنا بترول الجنوب، والذي كان يمثل أكثر من 90 في المائة من إيرادات العملة الأجنبية، لأن البترول كان من صادراتنا الأساسية، ما يعادل أكثر من 50 في المائة من الموازنة، فكانت كل الحسابات والتقديرات من الكثير من الكيانات والمؤسسات الدولية بما في ذلك صندوق النقد الدولي، تتوقع أن عام 2012 أنه ستنهار الدولة السودانية، وستفشل في أن توفر الأساسيات للمواطنين بما فيها المرتبات، حيث إن تقديرات الصندوق الدولي أن نمو الاقتصاد السوداني سيكون – 11. ولكن بفضل الجهود التي بذلت بهذا الشأن لم يحصل الانهيار المتوقع، مع أن الأمور لم تكن سهلة والتضخم زاد فزادت بموجبه الأسعار، عموما لا ندعي أننا سنحقق كل التطلعات في لحظة واحدة في دفعة واحدة، لأنه ما زال هناك حصار وعقوبات على السودان، ولكن هناك برنامج ممرحل يعمل بالتدريج لتحقيق ذلك، حيث إن البرنامج الاقتصادي الثلاثي حققت نجاحات كبيرة جدا، وأبطأ سرعة التدهور في الاقتصاد السوداني، لأنه كان بالإمكان الفشل في توفير السلع الأساسية عدم القدرة على دفع مرتبات العاملين، غير أنه الآن السلع الأساسية متوفرة والدولة لم تفشل في صرف المرتبات، فضلا عن أن عملية التنمية والنمو لم تتوقف والجهود ما زالت مستمرة، الأمر الذي حافظ على التضخم في نسب متدنية جدا حيث هبط إلى رقمين وصل حتى 13 في المائة مع أنه ارتفع قليلا في الشهر الماضي فالجهود المبذولة لتخفيف وطأة وأعباء المعيشة امتدت إلى أن الدولة تدعم المزارعين من خلال شراء طن القمح من المزارع بـ4 آلاف جنيه سوداني، ونبيعه للمطاحن بـ1.95 ألف جنيه سوداني، ففي ذلك دعم للمزارع حتى يزيد إنتاجه، وإحلال الواردات وزيادة الصادرات، أيضا ندعم المواد البترولية والأدوية وهناك العلاج المجاني لخمس فئات من المواطنين في حالات علاج السرطان وغسيل الكلى وعلاج الأطفال دون الخامسة، والعمليات القيصرية وحالات الطوارئ، أيضا وصلنا إلى 50 في المائة من التأمين الصحي، إذ إننا الدولة الوحيدة التي تؤمن تأمينا صحيا للفقراء، هناك أكثر من 200 ألف من الطلاب الفقراء يمنحون دعما من صندوق دعم الطلاب هناك فئات تدعمها الزكاة وجهود أخرى لتخفيف المعيشة، لكن مع ذلك المستوى المعيشي في السودان ارتفع، وعموما لا ننكر أن هناك فقرا عاما في السودان ولكن بالمقابل التطلعات زادت، فهناك هناك شكاوى من كثافة العمالة الأجنبية المتواجدة حاليا في السودان، بسبب الحاجة لعمالة في مجالات البناء والزراعة والنظافة، كما أنه تترخص سنويا أكثر من 450 ألف سيارة خاصة، وأكثر من 50 في المائة من طلاب الخرطوم يدرسون في المدارس الخاصة.
* ما زالت الصحافة السودانية بين نارين ضيق ذات اليد ومصادرة بعضها بسبب تقييد للحريات.. ما مشروع معالجة وضعها؟
- هناك اتفاق على ميثاق شرف المهنة، ولكن نحن في بلد كانت وما زالت متأثرة بظروف غير طبيعية مثل الحروب والحصار القوي والتآمر الشرس المضروب عليها، ولكن مع ذلك الدولة لا تتدخل في عمل الصحافة إلا إذا شعرت بأن هناك خطورة ونتيجة سالبة من ذلك على أمن وسلامة ووحدة واقتصاد السودان، غير أن بعض الصحافيين يعتقدون أن إثارة بعض القضايا ولو جانبها تجاوز أمني أو دفاعي أو أخلاقي تساعد على توزيع الجرائد، وعليه فإن مشكلة بعض الصحافة في السودان الترهل الكبير في عدد الصحف اليومية مع أنه يمكن فقط ثلاث منها يمكن أن تغطي في ظل الإعلام الجديد، وهناك حاجة ماسة لتجويد العمل الصحافي، والاعتماد على الإعلان الحكومي أيضا يمثل مشكلة في ظل تدني نسبة التوزيع، ولذلك أصدرنا قانونا بأن تتحول هذه الصحف في شركات ضخمة مدمجة لتكون صاحبة إمكانات ضخمة تتحمل المشكلات المتعلقة بزيادة ارتفاع تكاليف مدخلات إنتاجها.
* أخير وصل الحوار الوطني إلى مرحلة رفع التوصيات.. ثم ماذا بعد ذلك؟
- الناس كانوا مشفقين جدا على الحوار الوطني ومآلاته، وكانت الأطروحات متباينة جدا اشتمل على تجاوزات كبيرة، جدا ولكن ذلك بمثابة بداية مخاض لتجربة مهمة جدا سمحت من خلال خروج كل الهواء الساخن، وبعد ذلك بدأت الأطروحات بموضوعية، خاصة أن المشاركين جاءوا إليه بخلفيات مختلفة، ومن مواقع مختلفة، وهنا لا أتكلم عن الحوار والوثيقة ولكن وفر فرصة مدرسة كادر لتدفق فيها من كم هائل من حوارات ومعلومات رفعت مستوى الناس على مدى عام كامل، فأهلت بذلك كوادر جديدة حزبية بفهم وطني وفاقي كبير جدا، وفتح فرصة للتعارف للمكون السوداني المختلف، والنتيجة، خلصت إلى اتفاق على حوار حرّ شفاف بنسبة 100 في المائة لم يتدخل فيه حزب المؤتمر الوطني أو الحكومة بأي نوع من الإملاءات وانتهى الأمر إلى حلول توافقية للخلافات الصغيرة بنسبة 100 في المائة، وتأسيس وثيقة لقيادة السودان في المستقبل والآن نحن في مرحلة تنفيذ التوصيات، حيث إنه هناك بعض الإجراءات العاجلة في بداية تنفيذ مخرجات الحوار وستشكل لجنة قومية وسيكون المستند الموجود هو الوثيقة الموقع عليها نحو 116 حزبا وحركة حتى الآن علما بأن الوثيقة مفتوحة للآخرين للتوقيع عليها، ولكن لن يكون بعد ذلك أي نوع من الحوار ولا مكان لأي جهة خارجية للتحاور معها، فقط يذهب إلى سكرتارية الحوار ليطلع على الوثيقة والتوقيع عليها، وهذه الوثيقة ستشكل لها لجنة قومية لتضع مسودة للدستور بمشاركة واسعة من الشعب السوداني بما فيهم من كان خارج السودان، وستكون الأساس للدستور الدائم وستكون تعديلات عاجلة مثل استحداث منصب رئيس الوزراء وإضافة للبرلمان أو الهيئة التشريعية لأولئك الذين لم يشاركوا في الانتخابات لإدارة الفترة حتى عام 2020. ففي هذا العام سيكون هناك انتخابات عامة إلكترونية مبنية على الرقم الوطني، حتى لا يكون هناك مجال للحديث عن كشوفات وهمية أو تزوير، فالأساس الرقم الوطني كأساس المواطنة للمشارك والسجل المدني في توزيع الدوائر، والتصويت سيكون إلكترونيا، لينتهي بمجلس تأسيسي من أجل النظر في الوثيقة التي ستعد من قبل اللجنة القومية لأنه في نهاية الأمر لا بد من هيئة لإجازة الدستور.



«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)

باشرت قيادة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع اتخاذَ الإجراءات القانونية بحق المخالفين للقوانين والضوابط المسلكية خلال العمليات في شمال شرقي سوريا، مؤكدةً عدم التهاون مع أي تجاوز يمسّ الانضباط العسكري أو النظام العام.

وأوضحت القيادة، في بيان نقلته الوكالة الرسمية «سانا»، الخميس، أن الشرطة العسكرية رصدت عدداً من التجاوزات المخالفة للقوانين والضوابط المسلكية المعتمدة، ولا سيما تلك التي سُجلت خلال فترة العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا، وذلك على الرغم من التوجيهات والتعليمات الواضحة التي جرى تعميمها على جميع الوحدات والجهات المعنية.

وأكدت قيادة الأمن والشرطة العسكرية، في تصريح نشرته وزارة الدفاع عبر معرفاتها الرسمية، أنها باشرت اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، وفقاً للأنظمة النافذة، بما يضمن محاسبتهم، والحفاظ على الانضباط العسكري، ومنع تكرار أي تجاوزات من شأنها المساس بالنظام العام أو بسلامة سير العمل الميداني.

اجتماع وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة برئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان ورئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي لتطبيق وقف إطلاق النار على جميع محاور القتال الأحد الماضي (الدفاع السورية - فيسبوك)

وشددت قيادة الأمن والشرطة العسكرية على مركزية الانضباط المسلكي والعسكري في أدائها، وعدم تهاونها مع أي تجاوزات أو مخالفات، مشيدةً في الوقت نفسه بمستوى الانضباط العالي الذي تحلّت به الوحدات العسكرية، باستثناء بعض الحالات الفردية التي ستتخذ بحق مرتكبيها الإجراءات اللازمة.

من جهة أخرى، قال وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في تصريح نشرته وزارة الدفاع، إن الاعتقالات التعسفية تقوّض الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، داعياً إلى وقفها فوراً والإفراج غير المشروط عن جميع الأهالي الذين جرى اعتقالهم، محمّلاً «قسد» كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تترتب على استمرار هذه الانتهاكات.

وقال إن «قسد» نفّذت يوم الأربعاء حملات اعتقال تعسفية طالت عشرات المدنيين في محافظة الحسكة، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على دخول مهلة وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً للتهدئة الجارية.

تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

في شأن آخر، أكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، الخميس، أن «ميليشيات (حزب العمال الكردستاني/ PKK) تقوم ببث إشاعات كاذبة وخطيرة بين أهلنا الكرد السوريين بهدف تخويفهم من الجيش».

وأوضحت الهيئة في تصريح لـ«الإخبارية»، أن هذه الميليشيات تحاول إرهاب الناس عبر فيديوهات مجتزأة ومفبركة وأكاذيب لا تمت للواقع بصلة، مضيفة: «إننا نطمئن أهلنا الكرد بأننا نسعى إلى حمايتهم، وأنهم جزء أصيل من مكونات الشعب السوري، ونواصل العمل لإعادة الاستقرار إلى جميع المناطق».

وتابعت هيئة العمليات: «نقول لأهلنا الكرد إن كل جغرافية سوريا هي بلدكم، ويمكنكم في أي وقت الخروج من مناطق التوتر إلى أي منطقة ترغبون فيها».


«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
TT

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

أربعة أعوام قضاها السوري رائد عبد القادر في مصر، حيث عمل في مطعم بأحد مناطق العاصمة، واستقدم زوجته وابنه، فراراً من عدم استقرار الأوضاع في بلاده، قبل أن يتقرر ترحيله لانتهاء فترة إقامته بـ«الكارت الأصفر».

أمضى السوري الأربعيني عشرة أيام في أحد أقسام شرطة القاهرة بعد توقيفه بصحبة سبعة آخرين، ضمن واحدة من حملات مكثفة في الشوارع والكمائن على الطرقات وداخل المحال والمنشآت التجارية لتدقيق الإقامات. وخلال تنقله بين عدة جهات حتى ترحيله، صادف عشرات الموقوفين من جنسيات مختلفة حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».

ويوم الثلاثاء الماضي، وصل عبد القادر إلى سوريا، تاركاً زوجته وابنه بالقاهرة.

ويقول المحامي المتخصص في شؤون اللاجئين، أمير فاضل، الذي وكَّله أفراد عائلات عدة لمتابعة الإجراءات مع ذويهم الموقوفين في الحملات المستمرة منذ نهاية الشهر الماضي، إن حملات التدقيق تُسفر عن توقيف «المئات» يومياً؛ مُقدراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أعداد المُرحلين بـ«الآلاف» خلال الشهرين الماضيين.

خيار الترحيل

تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى مارس (آذار) المقبل.

لكن هذه الإجراءات لم تنجح في تقليص أعداد الوافدين بصورة كبيرة. وقال مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تتتبع الوافدين المقيمين بصورة غير مشروعة من خلال عدة طرق، سواء من قاعدة البيانات المتوفرة لديها عنهم، حيث يُلزم القانون أصحاب العقارات بإعلام قسم الشرطة بجنسيات المقيمين بوحداتهم المؤجرة، أو من خلال حملات أمنية في مناطق تجمعاتهم.

وأضاف: «بعد توقيفهم يتم ترحيلهم وفق عدة إجراءات»، موضحاً: «المقيم بشكل غير مشروع تُخيره السلطات بين العودة أو المضي في الإجراءات القانونية، وأغلبهم يختار العودة»، مؤكداً أن قرارات الترحيل تكون «تقديرية»، لذا قد يتم ترحيل سوريين أكثر من السودانيين نظراً لاستقرار الأوضاع في سوريا مقارنة بالسودان.

العودة الطوعية

تُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

ولا تُعبر هذه الأرقام عن مجمل أعداد الوافدين، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 1.5 مليون سوداني دخلوا مصر عقب اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023. كما قدَّر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين بالبلاد بنحو 1.5 مليون سوري، وذلك خلال الملتقى المصري - السوري بدمشق.

ونفت السفارة السورية في القاهرة استهداف السوريين تحديداً من حملات تدقيق الإقامات، قائلة في بيان يوم 17 يناير (كانون الثاني) الحالي إن هذه الحملات «تهدف إلى تنظيم وضبط الأوضاع القانونية ومعالجة الحالات غير النظامية، دون استهداف أي جنسية أو فئة بعينها».

وقدَّر القنصل السوداني في أسوان، عبد القادر عبد الله، حالات المرحلين أسبوعياً من السودانيين «ممن ليس لديهم جوازات سفر» بأقل من 20 شخصاً، مشيراً إلى أنهم لا يملكون إحصائية كاملة بعدد المرحلين، نظراً لأن من لديهم جوازات سفر يتم ترحيلهم مباشرة دون حضورهم إلى القنصلية.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعداد المرحلين قلَّت خصوصاً مع زيادة العودة الطوعية». وسبق أن قدرت القنصلية السودانية أعداد العائدين طوعاً بأكثر من 428 ألفاً حتى نهاية 2025.

مفوضية اللاجئين

يُحمّل سليم سبع الليل، أحد أبناء الجالية السورية في مصر، مفوضية اللاجئين مسؤولية ما يتعرض له الوافدون من حملات التدقيق؛ نظراً لقلة أعداد موظفيها، وعدم قدرتها على تجديد كل الكروت الصفراء.

لاجئات سودانيات في أسوان جنوب مصر (مفوضية اللاجئين)

و«الكارت الأصفر» هو وثيقة تسجيل مؤقتة تصدرها المفوضية للاجئين وطالبي اللجوء لحمايتهم من الترحيل القسري، وتمنحهم حق الاستفادة من خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، والحصول عليه تُعد خطوة نحو الحصول على إقامة قانونية رسمية عبر الجهات المصرية المختصة، مما ينظم وضعهم القانوني.

وعلى مجموعة التواصل الاجتماعي «اللمَّة السورية في مصر»، طُرحت تساؤلات عن الموقف القانوني لمن لديه إقامة منتهية، وموعد من المفوضية بعد أشهر لتجديد الكارت الأصفر.

وقال المصدر الأمني: «بمجرد انتهاء مدة الإقامة المؤقتة التي يمنحها كارت المفوضية، يكون اللاجئ مقيماً بصفة غير شرعية، حتى لو حصل على موعد لتجديدها».

ورصدت «الشرق الأوسط» شكاوى من أصحاب إقامات عائلية يواجهون رفضاً في تجديد إقامات الزوجة أو الأبناء.

وأوضح المحامي فاضل: «بعض أنواع الإقامات التي كان مسموحاً بها من قبل، مثل الإقامة على الزواج، تم تعليقها حالياً».

ولم يتلق المجلس المصري لحقوق الإنسان أي شكاوى من وافدين على استهدافهم أو ترحيلهم قسراً، حسب عضو المجلس أيمن زهري الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي قرار ترحيل سيكون «إجراءً محدوداً يرتبط بأسباب أمنية، وليس حملات استهداف موسعة»، مؤكداً أن مصر ما زالت ملتزمة بدورها تجاه اللاجئين.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وقال السوري سبع الليل: «من يُقبض عليه يخرج بعد 10 أيام، ومن يُرحَّلون يكون ذلك لأسباب أخرى، ليس فقط لأن إقامتهم منتهية». ويتفق معه سوري صاحب مطعم في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، قائلاً إن السلطات أوقفت الأسبوع الماضي أربعة من العاملين معه لانتهاء إقامتهم على الكارت الأصفر، ثم خرجوا بعد بضعة أيام.

أما السوداني إسماعيل سمير (اسم مستعار)، وهو مخرج أفلام قصيرة، فقال إن مصر احتضنت السودانيين لسنوات، لكنه بدأ يشعر بقلق من حملات التدقيق على الوافدين.

ولدى سمير إقامة سارية بحكم زواجه من مصرية، لكنه لا يخفي قلقه من موعد انتهائها الوشيك.


ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
TT

ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)

يترقب اليمنيون تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، وسط تطلعاتهم لوقف الاختلالات الاقتصادية، والخدمية، وإنهاء النزيف الأمني، والعسكري بعد سنوات طويلة من الحرب، والمعاناة التي أثقلت كاهل السكان، وتحقيق استقرار معيشي، وتحسين أوضاع الحياة، بوضع ملفات المعيشة اليومية، والإغاثة الأساسية في صدارة اهتمامها.

ويرتكز الأمل الشعبي على التطورات الأخيرة التي أظهر فيها مجلس القيادة الرئاسي حزماً في التعامل مع الملفين العسكري، والأمني، وأظهر جدية في تصحيح كافة الأوضاع، إذ ينتظر الجميع أن تعيد الحكومة الجديدة الخدمات الأساسية، وتخفف من التدهور الاقتصادي، والاجتماعي، وتعمل على تحسين الرواتب، والكهرباء، والغذاء، والصحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد هيبتها.

وترتفع مطالب مكافحة الفساد في الشارع، مع توقّع أن تكون الحكومة أكثر شفافية، ومحاسبة، مقارنة بالفترات السابقة، ليلمس السكان تغييراً في أداء المؤسسات، وتراجعاً للقوى النافذة التي استنزفت الكثير من موارد الدولة، ومقدرات المجتمع.

الأمن والاستقرار في مقدمة التحديات التي تنتظر الحكومة اليمنية الجديدة (إ.ب.أ)

ويرى الكاتب والمحلل اليمني باسم منصور أن تشكيل الحكومة الجديدة ينبغي أن يضع في الاعتبار قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، بغض النظر عن عدد الوزارات، أو تغيير الأسماء القديمة واستبدال أسماء جديدة بها.

وبحسب رأيه الذي أفاد به لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري تسريبه حول التنافس على بعض المناصب الحكومية، ورغبات بعض الأطراف والقوى السياسية بتعيين عناصرها على حساب التطلعات الشعبية بإحداث تغيير جذري، يهدد ثقة المجتمع بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي، ومساعيه الجادة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتمكينها من أداء مهامها، وواجباتها.

ويأمل منصور أن تكون الحكومة الوشيكة حكومة كفاءة، ولديها برامج تركز على وقف التدهور الاقتصادي، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، وتعمل ضمن رؤية واضحة تستعيد مفهوم الدولة، بعيداً عن المحاصصة التي حدّت من قدرات الحكومات السابقة على التأثير، معبراً عن أمله في أن يكون للدعم السعودي اللامحدود أثر كبير في تحقيق الاستقرار.

لا لتدوير الفاسدين

وتتراوح التوقعات حول إمكانية أن يجري تشكيل حكومة تمثيلية متوازنة بين المحافظات، والمكونات السياسية، أو حكومة كفاءات تركّز على قدرة أعضائها على إحداث تنمية حقيقة أكثر من الاعتماد على الولاءات الحزبية، إلى جانب احتمالية أن يجري الإعلان عن حكومة طوارئ صغيرة من الخبرات، والكفاءات.

عدن ستكون في صدارة المناطق التي ينتظر تعزيز الأمن والخدمات فيها (سبأ)

ويؤكد الناشط السياسي بشير عزوز أن الحكومة المتوقع الكشف عنها خلال الساعات المقبلة ستستفيد من دعم نوعي من السعودية، مما سيكون له تأثير إيجابي على الملفات الاقتصادية، والخدمية، والتنموية، وستحظى بصلاحيات واسعة من مجلس القيادة لتمكينها من العمل بفاعلية من العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب أنها ستضم قيادات نسائية في إطار تعزيز المشاركة المجتمعية.

وبحسب ما أدلى به عزوز لـ«الشرق الأوسط»، فإن اليمنيين يترقبون الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة على أمل أن تكون من الكفاءات الوطنية، بعيداً عن تدوير الشخصيات ذات المواقف المتقلبة، أو الشخصيات التي عُرفت بفسادها، وانتهازيتها.

ويشير إلى أن هناك ثقة متزايدة برشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة شائع الزنداني، وقدرتهما على اختيار شخصيات فاعلة، وأن يجري تعويض القيادات الوطنية والنزيهة التي تعرضت للإقصاء في الفترات السابقة من خلال منحها فرصة في الحكومة، تقديراً لمواقفها الوطنية، ولقدرتها على بذل جهود حقيقية، ومخلصة من أجل المجتمع.

إخلاء المدن من المظاهر العسكرية يعزز من ثقة اليمنيين بالحكومة المرتقبة (إعلام حكومي)

ومن المتوقع أن يجري الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، حيث كلف رئيس مجلس القيادة الرئاسي لجنة خاصة بتقييم ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الانتماء الوطني للجمهورية، والكفاءة العلمية والمهنية، والتوزيع الإداري للمحافظات.

الاستقرار وتحسين الإغاثة

وتقع على عاتق الحكومة الجديدة إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة، ومحاولة استعادة الثقة مع المانحين الدوليين، والعمل على مسارات استعادة مؤسسات الدولة، إما من خلال السياسة باعتبار أنها طريق للسلام مع الانقلابيين الحوثيين بشكل جدي، أو بالحسم العسكري والأمني، وتضييق الخناق عليهم استغلالاً للمواقف الدولية الحازمة ضدهم.

من أولويات الحكومة المرتقبة تعزيز الأمن والاستقرار في عدن والمحافظات المحررة (إعلام حكومي)

من جهته يذهب جمال بلفقيه، وهو المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية) إلى أن الحكومة الجديدة ستواجه تحدي الإغاثة، والعمل مع المنظمات الدولية بشفافية مطلقة، خصوصاً أن المانحين والداعمين بدأوا يعزفون عن تقديم الدعم بسبب ما رافق الفترة الماضية من خلل، وقصور في هذا الجانب.

وحذر بلفقيه أثناء حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن اليمن بات في الدرجة الثالثة التي تعرف بمرحلة «إنقاذ الحياة»، وكان بالإمكان تخصيص ولو مبلغ بسيط منها لإعادة تأهيل المصانع التي دمرت، ودعم وتشجيع الزراعة، والثروة السمكية، وتوفير فرص عمل عديدة للمواطنين.

وتابع المسؤول الإغاثي الحكومي: «نتمنى من أي خطة استجابة قادمة أن تنتقل إلى مرحلة الاستدامة، وأن تقوم الحكومة، من خلال لجنة الإغاثة، والجهات المختصة، بالإشراف المباشر، والرقابة، والمتابعة المستمرة، ورفع التقارير الدورية لأعمال المنظمات، وأوجه الدعم في القطاعات المختلفة، وتقوم بتلبية الاحتياجات ذات الأولوية القصوى في عموم المحافظات».

من المنتظر أن تعمل الحكومة اليمنية الجديدة بجدية على تحسين الاستقرار المعيشي (إ.ب.أ)

ويشدد محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث في مجال السياسة والإعلام يقيم في العاصمة المختطفة صنعاء، على أن الحكومة الجديدة لن تستطيع النجاح بمعزل عن دعم دولي، وإقليمي، خصوصاً من السعودية، ودول الخليج، لإعادة إعمار اليمن، واستعادة الوظيفة الاقتصادية للدولة.

ويشير عبد الدائم خلال إفادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن استمرار التوترات العسكرية مع الجماعة الحوثية، رغم الهدنة المعلنة برعاية أممية منذ قرابة 4 أعوام، تهدّد أي استقرار سريع، في حين يقتضي الوضع أن يكون تركيزها في المرحلة الأولى على استعادة الأمن، واستقرار الاقتصاد، وتطبيع العلاقات مع الشركاء الدوليين لدعم الإغاثة، والتنمية.

وتواجه الحكومة الجديدة عدداً من التحديات المتمثلة باستقرار العملة، وانتظام رواتب الموظفين العموميين، وتحسين خدمات الكهرباء، والنقل، والصحة، والتعليم في المحافظات المحررة.