قلق خارجي وغضب داخلي من تصريحات إردوغان حول «معاهدة لوزان»

في حديث مباشر عن جزر بحر إيجة والحقوق التاريخية في الموصل

الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
TT

قلق خارجي وغضب داخلي من تصريحات إردوغان حول «معاهدة لوزان»

الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)
الرئيس التركي طيب إردوغان يلقى خطابه في المؤتمر الدولي للقانون في إسطنبول (رويترز)

أثارت مطالبة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتعديل معاهدة لوزان الموقعة في 24 يوليو (تموز) عام 1923 والتي تم بمقتضاها ترسيم حدود تركيا الحديثة الجدل في الخارج فضلا عن تفجير نقاشات حادة في الداخل.
ولم تكن تصريحات إردوغان، التي أدلى بها الأربعاء الماضي، هي الأولى حول المعاهدة التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى، وإنما تكررت تصريحاته حولها وحول مضمونها مرات عدة. وربما زاد من الجدل حول تصريحاته الظروف الراهنة في المنطقة وارتباطها بالملفين السوري والعراقي، فضلا عن حالة التوجس بين تركيا واليونان والتوتر بينهما في بحر إيجة الذي يتصاعد بين الحين والآخر.
وفي نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي انتقد إردوغان المعاهدة قائلا إن «خصوم تركيا» أجبروها على توقيع معاهدة سيفر عام 1919 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وبسبب ذلك تخلت تركيا لليونان عن جزر في بحر إيجة «رغم أن الصرخة من هناك تسمع على الشواطئ التركية.. هناك توجد مساجدنا ومقدساتنا. هذه المشكلة ظهرت بسبب الذين جلسوا خلف طاولة المفاوضات في لوزان ولم يتمكنوا من الدفاع عن حقوقنا»، في إشارة إلى مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك والرئيس الراحل عصمت أينونو ورفاقهما.
والأربعاء الماضي عاد إردوغان وتساءل: «في لوزان، أعطينا جزرًا قريبة إلى حد أن صوتكم هنا يمكن سماعه هناك. هل هذا نصر؟».
وأحدث تشكيك إردوغان في معاهدة لوزان، التي اعترفت بنظام مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، ردود فعل مختلفة بين أنصاره ومعارضيه.
ويعتبر مؤيدو إردوغان أن تصريحاته هي تذكير بأن تركيا الحالية ليست سوى جزء من أراض أوسع كانت في الماضي تشكّل السلطنة العثمانية، في حين رأى فيها معارضوه انحرافًا خطيرًا باتجاه فكر عثماني جديد.
وفي أوج توسّعها كانت السلطنة العثمانية تسيطر على أراض تمتد من أفريقيا إلى المشرق العربي إلى البلقان.
وكانت معاهدة لوزان، هي آخر اتفاق يوقع مع بلد هزم في الحرب العالمية الأولى. ورسمت الحدود الحالية لدول البحر المتوسط حتى إيران بعد تفكك السلطنة العثمانية.
ورغم أن المعاهدة تعد أفضل من معاهدة سيفر 1919، التي جعلت أراضي تركيا تقتصر على نواحي إسطنبول وقسم من الأناضول، فإنها كرست خسارة كامل جزر بحر إيجة، باستثناء جوسيدا (ايمروز) وبوزكادا (تينيدوس)، لمصلحة اليونان.
وعلى الفور جاء رد رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس بقوله «إن التشكيك في معاهدة لوزان أمر خطير على العلاقات بين بلدينا، وأيضًا بشكل أوسع على المنطقة».
وقلل وزير الشؤون الأوروبية اليوناني نيكوس كسيداكيس من تأثير تصريحات إردوغان قائلا: «إن التصريحات النارية لإردوغان باتت أمرًا معتادًا». ورأى أنها قد تعود إلى أن إردوغان «يواجه ضغطا داخليًا قويا» بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو الماضي والمشاكل مع جارتيه العراق وسوريا.
والتقطت صحيفة «تريبونيه» اليونانية تصريح إردوغان في مدينة ريزه شمال شرقي تركيا الأسبوع الماضي، الذي قال فيه «إن تركيا مسؤولة بالإضافة إلى 79 مليون مواطن تركي، عن مئات المواطنين الذين لها معهم روابط تاريخية وثقافية في المنطقة الجغرافية» وفسرته بأنه يكشف عن أهداف توسعية تشمل تراقيا الغربية.
وقالت الصحيفة إن القصد من كلمة إردوغان هو الحديث عن تراقيا الغربية، لافتة الانتباه إلى جديّة تركيا إلى حد كبير في هذا الصدد.
وأوضحت الصحيفة أن تركيا تجهّز لهذا المناخ، إذ قالت: «سواء أعجبكم الأمر أم لم يعجبكم إلا أن تركيا تجهّز لهذا المناخ».
وشاركت الصحيفة خريطة تدّعي من خلالها أن الأهداف التوسعية لتركيا تشمل بالإضافة إلى تراقيا الغربية، مدنا من سوريا والعراق، كالموصل وحلب.
وتراقيا الغربية هي المنطقة الجغرافية والتاريخية في اليونان، التي تقع بين نهري نيستوس وماريتسا في شمال شرقي البلاد، جنبا إلى جنب مع إقليمي مقدونيا، إبيروس، ويُشار إليها بشكل غير رسمي باسم «شمال اليونان».
لكن إردوغان أكد مرارا عدم وجود أي أهداف توسعية لبلاده في العمليات التي تقوم بها خارج الحدود بغرض مواجهة الإرهاب، لافتا إلى أن الهدف من العمليات التي تقوم بها القوات التركية هو الحفاظ على أمن حدود البلاد مع كل من سوريا والعراق، قائلا: إن الموصل سكانها عرب، وستبقى عربية، وكذلك جرابلس السورية، مؤكدا أن سبب رفض بعض الجهات للوجود التركي في الموصل يعود لكون تركيا ترغب في عدم حدوث صراع مذهبي هناك.
وقال أرشد هورموزلو كبير مستشاري الرئيس التركي السابق عبد الله غل لشؤون الشرق الأوسط إن وحدة الأراضي العراقية مهمة لتركيا، وتركيا ليس لها أطماع في أراضي أي دولة لكنها تمتلك الحق في القضاء على التهديدات الإرهابية الموجهة ضدها، بموجب الاتفاقيات الدولية.
واعتبر في تعليق لـ«الشرق الأوسط» أن رد فعل السلطات العراقية حول وجود قوات تركية في معسكر بعشيقة «ليس في محله». ويقول خبراء إنه من المنظور التركي تبدو الموصل ضمانة لمواجهة الطموحات الكردية.
ويبدو أن محافظة نينوى، بمساحتها ومواردها وتركيبتها الديموغرافية هي السد الذي يمكن أن يمنع الاتصال الفعال بين كردستان العراق والمواقع الكردية في سوريا التي تخوض تركيا عملية عسكرية فيها لإبعادهم عن حدودها.
ويعتقد الخبراء أن الوجود العسكري الإيراني الصريح في تكريت هو أحد العوامل التي تقلق تركيا وتدفعها للمطالبة بالوجود في عملية تحرير الموصل مع الأخذ في الاعتبار أن تركيا لا تفكر على الإطلاق في اقتطاع أراض من العراق أو سوريا وإنما تريد تأمين بقاء سكان هذه المناطق بتركيبتهم الديموغرافية دون تغيير ولذلك قامت بتدريب عناصر من العرب السنة وأصرت على مشاركتهم في معركة الموصل.
وكانت تركيا اتخذت قرارا بالقيام بعملية درع الفرات في مدينة جرابلس السورية، التي انطلقت في 24 أغسطس (آب) الماضي بعد تعرض حدودها لقصف من الجانب السوري قام به تنظيم داعش الإرهابي لأكثر من مرة، وكذلك أرسلت جنودها إلى الموصل فيما تقول إنه بطلب من رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي كما ظهر في تسجيل مصور، وذلك بهدف تدريب المتطوعين ضد تنظيم داعش.
وجاءت تصريحات إردوغان الأخيرة معاكسة لما كان صرّح به في 24 يوليو الماضي، خلال الاحتفال بالذكرى 93 لمعاهدة لوزان، حين أشاد بـ«وثيقة مؤسسة للجمهورية» ووصف إبرامها بـ«نصر الشعب بفضل إيمانه وشجاعته وتضحيته».
لكن بعد شهرين تغيرت اللهجة، وبلغ الأمر بإردوغان حدًا قال معه إن «من جلسوا على طاولة المفاوضات في لوزان لم يبرموا أفضل الاتفاقيات».
وكان إردوغان يستهدف بذلك عصمت أينونو أبرز مساعدي أتاتورك وخليفته في رئاسة الجمهورية، الذي يجله العلمانيون الأتراك إلى اليوم.
وأضاف إردوغان بتأثر: «واليوم نحن نعاني» آثار ذلك.
واعتبر ايكان أردمير، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرّها واشنطن، أن هذا «الانقلاب» في موقف الرئيس التركي يشير إلى تفتّت شعار الوحدة الوطنية الذي رفعه إردوغان إثر الانقلاب الفاشل منتصف يوليو الماضي، خصوصًا مع المعسكر العلماني.
وقال أردمير للوكالة الفرنسية للأنباء: «الآن وقد استعاد الرئيس التركي سيطرته التامة على البلاد بأسرها، شعر أنه في وضع مريح يمكنه من العودة إلى خطابه (المعادي) للجمهورية».
ولدت هذه التصريحات غضبا داخليا عبر عنه بلهجة أشد كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك وهو أكبر أحزاب المعارضة في تركيا الآن، قائلا: «إن تصريحات إردوغان تعتبر خيانة للتاريخ». وقال مخاطبا الرئيس التركي: «لا تنس أنك تجلس على هذا الكرسي (كرسي رئاسة الجمهورية) بفضل لوزان».
واعتبر خيري أينونو، حفيد عصمت أينونو، ورئيس بلدية أحد أحياء إسطنبول، أن وجود «الجمهورية التركية» دليل بحدّ ذاته على أن معاهدة لوزان كانت نجاحًا، «وما عدا ذلك ليس سوى لغو».
بينما اعتبر الكتاب الموالون لإردوغان ومنهم يوسف قبلان، الكاتب بصحيفة «يني شفق» المقربة من الحكومة وإردوغان، أن معاهدة لوزان وقعت «صك وفاة» تركيا.
وفي رأي خبراء أن كلام إردوغان عن جزر بحر إيجة قصد به تصويب الوجهة نحو الموصل. مستندين في ذلك إلى تصريحات المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم إردوغان، التي تتابعت في الفترة الأخيرة عن الحق التاريخي لتركيا في الموصل، ومن ضمنها كركوك.
ويستدل المسؤولون الأتراك ومعهم بعض المؤرخين في تركيا على ذلك بالقول إن اتفاقية 1926 بين تركيا وبريطانيا والعراق جعلت تركيا تتخلى عن ولاية الموصل في مقابل بقاء العراق دولة موحدة، وإن لتركيا حقوقا في الموصل ونفط شمال العراق وإنها حصلت على بعض هذه الحقوق في عهد الرئيس الراحل تورجوت أوزال بموجب معاهدة 1926 لكنها لم تواصل المطالبة بحقوقها.
وعشية حرب الخليج الثانية في عام 1991، كان الرئيس التركي تورجوت أوزال يقول إنه إذا كان صدام حسين يقول إن الكويت محافظة عراقية، فإن العراق كله كان تابعًا لتركيا. وطالب رئيس حكومته يلديريم أكبولوت ورئيس أركان الجيش نجيب تورومتاي بتجهيز الجيش التركي لدخول شمال العراق واحتلاله وإقامة فيدرالية تركية مع شمال العراق. لكنّهما عارضا الفكرة.
وفي عام 1994 تحدث الرئيس التركي سليمان ديميريل عن ضرورة تعديل خط الحدود التركية العراقية لأسباب أمنية، وأشار إلى الموصل على أنها «تابعة لتركيا»، كما قال وزير الخارجية التركي في عام 2004 (رئيس الجمهورية السابق عبد الله غل) إنه إذا تقسّم العراق، فإن لتركيا حقوقًا تنجم عن ذلك، في إشارة إلى الموصل.
وعندما أقر النظام الفيدرالي في العراق، قال غل: «لقد سلّمنا الموصل إلى عراق موحد»، ما يعني أنه بما أن العراق لم يعد موحدا، فإن لتركيا الحق في استعادة الموصل.
ويفسر محللون إصرار تركيا على المشاركة في عملية الموصل بعد أن دخلت شمال سوريا لمحاربة تنظيم داعش ووقف تمدد حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي على حدودها، بأنه يرجع إلى سعيها لمنع مقاتلين أكراد من حزب العمال الكردستاني في عملية الموصل ومنع نشوء نقطة تمركز لهم في سنجار كما حدث في جبال قنديل شمال العراق وحتى لا يؤسس ممرا بريا بين العراق وسوريا لعناصره.
ويعتقد المحللون أن رهان أنقرة على أن المتغيرات الكبرى، ومنها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية أو حدود مناطق النفوذ في الشرق الأوسط والعالم، لا تأتي إلا بعد حروب كبرى وانهيار الدول المركزية. ومنطقة الشرق الأوسط تشهد اليوم، ومنذ سنوات، حالة شبيهة بذلك مفتوحة على كل الاحتمالات وأنه من هنا يأتي إصرار بغداد على عدم مشاركة تركيا في عملية الموصل ضد «داعش» لأن الحكومة العراقية استشفت من تصريحات إردوغان أن تركيا ربما لا تحترم الاتفاقيات التي تُوقّعها ولا تعترف بما رُسم من حدود، وهي تنظر إليها على أنها غير ثابتة وغير نهائية وتنتظر الفرص دائمًا لتغييرها من سوريا إلى الموصل وصولاً إلى بحر إيجة، بدليل أنها تسعى إلى التخلص من معاهدة لوزان.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.