معركة الموصل.. حرب الأجندات المفتوحة والملفات المجهولة

صراع إيراني ـ تركي وإدارة أميركية ضمانًا لتوازن القوى في شمال العراق

رتل عسكري عراقي في طريقه إلى أطراف الموصل استعدادا لمعركة تحريرها (رويترز)
رتل عسكري عراقي في طريقه إلى أطراف الموصل استعدادا لمعركة تحريرها (رويترز)
TT

معركة الموصل.. حرب الأجندات المفتوحة والملفات المجهولة

رتل عسكري عراقي في طريقه إلى أطراف الموصل استعدادا لمعركة تحريرها (رويترز)
رتل عسكري عراقي في طريقه إلى أطراف الموصل استعدادا لمعركة تحريرها (رويترز)

لم تعد للعبارة التي خاطب بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي «الزم حدودك»، حدودًا للكيفية التي يتوقع أن تسير بموجبها الخطط والخرائط الخاصة بمعركة الموصل، تلك المعركة التي كلما طال أمد انتظارها انفتحت على المجهول، لا سيما مع تعدد الأجندات التي باتت خصوصًا حدود الدورين الإيراني والتركي.
وبين ساعة الصفر، التي راح العبادي بوصفه القائد العام للقوات المسلحة يعلنها بالتقسيط، والبدء الفعلي للزحف نحو الموصل باتت تزحف الأهداف والنيات والأجندات بين أطراف متباينة في كل شيء حتى في توصيف من يفترض أنه عدوهم المشترك وهو «داعش». وفي وقت يريد فيه العراقيون تحرير ثاني أكبر مدنهم «الموصل» ومحافظاتهم «نينوى»، وهو ما يعني أيضًا الخلاص من «داعش» كاحتلال مباشر للمدن والأراضي العراقية منذ أكثر من سنتين، فإن الأطراف الأخرى الفاعلة في معادلة هذه المعركة، وهم الأميركيون والإيرانيون والأتراك، أصبحت لهم أهداف متداخلة تستند إلى رغبة الإدارة الأميركية في تحقيق نصر يضمن وصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض ثمنه قد يكون رأس زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي مع استمرار ذيول مشكلات ما بعد التحرير. لكن الهدف الأميركي ومع تحديد طبيعة المصالح التي تتحرك بها الإدارة الأميركية الحالية يبدو معقولاً بالقياس إلى الأهداف والنيات الإيرانية والتركية.
وعلى صعيد التوازن العسكري بين هؤلاء الفرقاء، فإنه في وقت يملك فيه الأميركيون أكثر من 5000 مستشار في العراق موزعين على عدة قواعد داخل الأراضي العراقية بالإضافة إلى الطيران وقيادة التحالف الدولي، فإن إيران لديها الجنرال قاسم سليماني وآلاف المستشارين الآخرين، بالإضافة إلى العشرات من ميليشيات «الحشد الشعبي». بينما تملك تركيا نحو 2000 جندي في معسكر بعشيقة وقوات أخرى لا يعرف عددها ومستوى تسليحها موزعة في نحو 9 قواعد في إقليم كردستان، كجزء من اتفاقات قديمة مع الحكومة العراقية على عهد صدام حسين بالإضافة إلى خطة لم يتوانَ الرئيس التركي عن تسميتها بـ«الخطة باء» في حال رفض التحالف الدولي مشاركة قواته البرية في المعركة، وهو ما ترفضه بغداد وتشاطره فيه واشنطن وتستعد لمواجهته إيران.
وفي حين يبدو كل الآخرين بمستشاريهم وقواتهم ودعمهم مقبولاً لدى الحكومة العراقية على أساس كونه جرى بتنسيق معها، فإن تركيا هي وحدها التي أدخلت قوات إلى العراق دون تنسيق كافٍ مع بغداد، مما جعل نظرية المؤامرة هي السائدة في تفسير الوجود التركي على الأرض العراقية.
محافظ نينوى السابق وقائد حرس نينوى الحالي أثيل النجيفي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الإيرانيين والأتراك يبدون أعقل من العراقيين في إدارة الأزمة من منطلق مصالحهم وحدود التعامل مع المستجدات في الميدان». وبشأن الكيفية التي يبدو فيها الجانبان يديران أزمة معقدة في أرض ليست تابعة لهم لكن من خلال ما يملكونه من أدوات على الأرض (إيران لديها الحشد الشعبي الذي تدعمه بقوة بينما تركيا تهدف إلى محاربة حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من الأرض العراقية ميدانًا لتحركه بدعم أطراف داخل العراق)، يقول النجيفي إن «كلاً من الإيرانيين والأتراك يتحركون داخل العراق في أرض تبدو مفتوحة دون اعتراض محلي»، ويجابه هذا التحرك موقف أميركي ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة يفسرها النجيفي بالمقاربة التالية وهي أن «الأميركيين متفقون مع الأتراك على عبور مرحلة السيطرة على الحشد الشعبي المدعوم من قبل إيران والساعي ليس للمشاركة في معركة الموصل فقط بل البحث عن ثأرات قديمة» وهو ما يعني أن الدور التركي المرفوض داخل العراق من أطراف كثيرة مقبول أميركيا وتاليًا خليجيًا لغرض إحداث التوازن الطائفي المطلوب، في معركة تختلف كليًا عن كل المعارك التي خاضها الجيش العراقي في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار.
وبشأن حدود الدور المرسوم للأتراك أميركيًا يرى النجيفي، المتهم من قبل أطراف عراقية بأنه مع شقيقه الأكبر أسامة النجيفي من رجال تركيا في العراق، أن «هناك تنسيقًا عميقًا بين الأتراك والولايات المتحدة الأميركية بشأن الموصل إلى الحد الذي يمكن معه القول إن هذا التنسيق الاستراتيجي يراد منه تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة الأميركية بعدم إشراك تركيا في الحرب التي شنت على العراق عام 2003 مع السماح للاعبين المحليين بمحاولات النجاح والفشل حتى يستقر الوضع الجديد».
ويتوقع النجيفي أن ينتج عن ذلك ما سماه «ضرب أدوات إيران ببعضها، إذ إن من المتوقع أن تبرز الصراعات على أشدها بين كثير من هذه الفصائل بعد الموصل، لا سيما أن الأميركيين باتوا يتحدثون اليوم عن نوعين من الحشد الشعبي.. حشد سيء وحشد جيد».
في مقابل ذلك، فإن السياق الذي ستتخذه معركة الموصل في ظل اختلاف الأدوات والأجندات والمسارات يحدده الخبير الأمني المتخصص بشؤون الإرهاب الدكتور هشام الهاشمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنه «سيكون على شكل ثلاثة محاور بالتعاون مع البيشمركة ومكافحة الإرهاب والفرقة 16 والفرقة 15 من الجيش العراقي فضلاً عن كتيبتي دبابات وهذا المحور هو محور الكوير بينما سد الموصل والخازر محور لوحده والمحور الجنوبي من جهة المحلبية سيكون لجهاز مكافحة الإرهاب وقوات الرد السريع وكتيبة دبابات»، مبينا أن «هذه المعركة تديرها أميركا، وهي التي توزع الأدوار فيها، لكنها ستعمل كمراقب لتوازن القوى في شمال العراق حيث رسمت لكل فريق خطوطه التي يتوجب عليه عدم تخطيها». في إشارة إلى كل من قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان والحشد الشعبي المدعوم من إيران.
من جهته، يرسم السياسي العراقي المستقل والأكاديمي الدكتور نديم الجابري صورة أخرى لطبيعة وحدود الدور التركي في العراق، خصوصًا بعد أن خلط الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الأوراق بقوة في الوقت بدل الضائع من إطلاق صافرة الحكم ليعلن نهاية المشوار مع تنظيم داعش، في ظل خرائط تم رسمها أصلا على رمال متحركة. ويقول الجابري لـ«الشرق الأوسط» إن «دخول تركيا على حيثيات مشكلة الموصل بني على حسابات قومية وأمنية وتاريخية». وفي محاولة لتوضيح سياقات الدور التركي أميركيًا، وبالتوازي مع دور إيراني يبدو غير مسيطر عليه من منطلق ما باتت تعلنه بعض فصائله من إنها ذاهبة إلى الموصل «ثأرًا لمقتل الإمام الحسين من أحفاد يزيد»، طبقًا لما أعلنه بوضوح زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، مما يمنح المواجهة بعدا طائفيًا، فإن الجابري يرى أن «الأتراك لا يمكن أن يقدموا على احتلال الموصل إلا بإشارة من الإدارة الأميركية». ويحدد الجابري المسارات التالية لاحتمالات التدخل التركي العسكري في العراق خصوصًا أن إردوغان تحدث علنًا عما سماه «الخطة باء» في حال تم رفض مشاركة قواته وهي «أولاً إنشاء الإقليم السني ليكون فاصلاً بين إقليم كردستان العراق وإقليم كردستان سوريا، الذي تشكل كأمر واقع، وذلك للحد من الطموحات القومية لكرد تركيا، وثانيا تقليص مساحة التحرك لحزب العمال الكردستاني، وثالثا توفير ضمانات دولية للمكون التركماني في العراق من خلال تشكيل محافظة خاصة بهم في تلعفر والسعي لإجهاض مشروع الدولة الكردية المستقلة».
وفي الجانب الأمني يرى الجابري أن الطموح التركي يهدف إلى «تقليص أنشطة حزب العمال الكردستاني وإبعاد نشاطات (داعش) عن الأراضي التركية، بالإضافة إلى العقلية الإمبراطورية التي لا تزال تتحكم بالعقل السياسي التركي، وشعور الأتراك بأن الموقف الأميركي منهم يمثل عدم ممانعة إلى حد كبير، بالإضافة إلى أن دخول إيران في ملف محافظة صلاح الدين قد يكون مسوغًا للأتراك للتدخل في ملف الموصل».
في مقابل ذلك، فإن أهالي الموصل وطبقا لما يراه عضو البرلمان العراقي عن محافظة نينوى عبد الرحيم الشمري «هدفهم الأول والأساس هو تحرير مدينتهم ومحافظتهم، وإعادة النازحين إلى مدنهم والعمل على منع كل مشاريع التقسيم التي تنفذها أطراف لصالح جهات خارجية». وبينما يهاجم الشمري علنًا محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي بوصفه «ينفذ المخطط التركي الذي يهدف إلى تقسيم نينوى إلى عدة محافظات بحجة الأقاليم وهي مقدمة لتقسيم العراق»، فإنه لا يتطرق إلى الدور الذي يمكن أن يقوم به الحشد الشعبي «من منطلق أن الحشد سبق أن شارك في المعارك السابقة دون أن يحصل تخوف، كالذي يجري الآن في الموصل لأن أهداف التقسيم خارجية وتنفذها أطراف معروفة فضلاً عن الدور الكردي الذي يقوم على سياسة قضم الأرض وضمها إلى إقليم كردستان بحجة عائديتها إلى الإقليم، بينما هي تخضع في الغالب للمادة 140 من الدستور العراقي كونها مناطق متنازعًا عليها».



«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
TT

«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الثالث مع تركيز القوات الحكومية اليمنية على تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتأمين طرق التقدم والامتداد نحو باب المندب والمخا، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من الجبهات، في وقت تكبّدت فيه الجماعة الحوثية خلال الأيام الثلاثة الأولى خسائر تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، خصوصاً في جبهة باب المندب، جرّاء الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وبينما لا يزال التقدم الحكومي متركزاً في مديرية ذوباب ومطارها ومحيطها على الساحل الغربي، برزت مديرية الوازعية، غرب تعز، باعتبارها الجبهة الأكثر ارتباطاً بأمن هذا التقدم، إذ تخوض «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» معاركها هناك للسيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على طرق الحركة وخطوط الإمداد.

وتأتي هذه العمليات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية، الاثنين الماضي، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية.

أطلقت قوات «درع الوطن» اليمنية عملية لتحرير مديرية الوازعية غرب تعز (إعلام عسكري)

وأعلنت قوات «درع الوطن» إطلاق عملية عسكرية واسعة لتحرير الوازعية، وقالت إنها حققت تقدماً وسيطرت على تلال استراتيجية مطلة على منطقة المنصورة، بالتزامن مع ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة لها واستهدفت موقعاً حوثياً في الجبهة، وأسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل عدد من عناصر الجماعة.

كما قالت القوات إن مدفعيتها استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في معسكر اللبنات الاستراتيجي بمحافظة الجوف شرقاً، ضمن العمليات المتزامنة التي تنفذها في إطار «فجر اليمن».

وتكتسب الوازعية أهمية خاصة في حسابات المعركة، ليس فقط باعتبارها هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وإنما لكونها منطقة جبلية مرتفعة تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل.

وحسب محللين عسكريين، فإن التقدم مباشرة نحو المخا وترك المرتفعات الحوثية في الوازعية خلف القوات المتقدمة كان سيتيح للجماعة شن هجمات مباغتة من الجبال، وقطع طرق الإمداد أو تهديد القوات من الخلف، بما يحوّل التقدم الساحلي إلى عبء عسكري بدلاً من أن يكون مكسباً قابلاً للتثبيت.

ولهذا تبدو السيطرة على الوازعية، بالنسبة إلى القوات الحكومية، جزءاً من معركة تأمين الساحل قبل توسيع نطاق التقدم فيه؛ إذ إن إغلاق المرتفعات والسيطرة على التلال المشرفة على الطرق الخلفية يحدّ من قدرة الحوثيين على المناورة والنزول باتجاه الساحل، ويؤمّن خطوط الإمداد للقوات المتقدمة.

جبهات تحت الضغط

في قطاع مديرية ذوباب، ظل التقدم الحكومي متركزاً في المدينة ومطارها ومحيطهما، من دون إعلان جديد عن انتقال ثابت لمواقع السيطرة خلال الساعات الأخيرة.

وقالت «قوات العمالقة الجنوبية» إنها كسرت هجوماً حوثياً على مواقعها في قطاع المطار، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وتتصل أهمية ذوباب بالسيطرة على المدخل الجنوبي للساحل الغربي، وبموقعها القريب من «باب المندب»، ما يجعل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها فيها خطوة أساسية قبل أي توسع باتجاه المخا.

قوات من «ألوية العمالقة» في أثناء هجومها على الحوثيين بالقرب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية كسر هجمات حوثية على جبهة الصلو في الجنوب الشرقي، فيما ظلت مناطق قدس وبني يوسف مناطق قتال. كما أعلنت «درع الوطن» كذلك إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي بالجبهة الغربية لمدينة تعز، في تطور يضيف إلى شبكة المواقع المرتفعة التي تسعى القوات الحكومية إلى تأمينها ضمن عملياتها في تعز.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات تواصل استهداف تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن»، مؤكداً أن معركة استعادة الدولة مستمرة.

وأضاف النزيلي أن رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقوم على توفير الأمان للمواطنين، وإتاحة العفو والعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، قائلاً إن الفرصة لا تزال قائمة أمام من يختار وطنه «قبل فوات الأوان».

وفي السياق ذاته، أشاد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بما وصفها بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية في أكثر من جبهة، وشدد على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

واستمع العقيلي إلى تقييم للموقف الميداني والمهام المنفذة على امتداد خطوط المواجهة، ووجّه بمواصلة العمليات وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق والمتابعة الميدانية.

خسائر الحوثيين

حسب المعطيات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية خلال الأيام الثلاثة الأولى، فإن خسائر الحوثيين تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، في حصيلة نتجت عن الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وتتركز الخسائر الأشد، وفق هذه المعطيات، في جبهة باب المندب، حيث واجهت القوات الحكومية الحوثيين في اشتباكات مباشرة بالتزامن مع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتحركات وآليات الجماعة.

قوات «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» تقود عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وتعكس هذه الخسائر طبيعة المرحلة الجديدة من العمليات؛ فالقوات الحكومية اليمنية لا تكتفي، وفق ما تعلنه، بصد الهجمات الحوثية، وإنما تعمل على ضرب خطوط الإمداد والمواقع العسكرية، ودفع الجماعة إلى التراجع عن مواقعها الأمامية، بالتزامن مع محاولة تأمين المرتفعات والطرق التي تحمي التقدم الساحلي.

وتؤكد القوات الحكومية أن «فجر اليمن» مستمرة على أكثر من محور، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، وأن هدفها المعلن يتجاوز استعادة موقع أو مديرية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.


نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
TT

نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)

أظهرت بيانات أممية حديثة أن النساء والأطفال يشكلون 75 في المائة من النازحين الجدد في اليمن، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري الحوثي، بينما لا تزال المساعدات تواجه قيوداً شديدة تحول دون الوصول إلى أعداد كبيرة من المتضررين.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط حجم الأسرة بين النازحين الجدد 3.8 فرد، مقارنة بنحو ستة أفراد بين الأسر النازحة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن عدداً من أفراد الأسر اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بصورة منفردة أو في مجموعات أصغر.

ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه عدد النازحين منذ الأول من أغسطس (آب) 200 ألف شخص، فيما وصل 3986 شخصاً إلى شرق أفريقيا، بينهم 3799 لاجئاً في أوبوك بجيبوتي، و187 لاجئاً صومالياً عادوا طوعاً من اليمن إلى بلادهم عبر برنامج العودة الطوعية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أسر يمنية شردها الحوثيون تعيش في العراء (إعلام محلي)

وحذرت الأمم المتحدة من اشتداد الأعمال القتالية خلال الأيام الأخيرة، رغم تسجيل تراجع في أعداد النازحين الجدد خلال الأسبوع الماضي.

ووفق البيانات، نزحت 2031 أسرة خلال الأسبوع الأخير، بانخفاض نسبته 39 في المائة مقارنة بالأسبوع السابق. واستقبلت تعز 54 في المائة من هؤلاء النازحين، تلتها لحج بنسبة 24 في المائة، ثم عدن بنسبة 10 في المائة.

ولا تشمل هذه الأرقام محافظة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما تعذر الرصد فيها منذ 9 سبتمبر (أيلول) بسبب القيود المفروضة على الوصول.

ويواجه أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن تراجعاً في إمكانية الوصول إلى خدمات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. ولم تتمكن المفوضية من الوصول إلى مخيم خراز للاجئين منذ 10 سبتمبر الماضي، بينما لا تزال أنشطة التسجيل والتوثيق معلقة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

فجوة الاستجابة

وقالت الأمم المتحدة إن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال مقيداً بشدة بسبب انعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات، وقيود الحركة.

ويؤثر استمرار إغلاق الطرق الرئيسية، وبينها الطريق الرابط بين عدن وصنعاء، في حركة المساعدات الإنسانية ووصولها إلى السكان المتضررين، فيما لا تزال الأنشطة معلقة في مواقع عدة على الساحل الغربي.

نازحون هربوا من بطش الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

وحتى الآن، قدمت المفوضية مساعدات نقدية طارئة إلى 442 أسرة نازحة حديثاً، من أصل هدف للاستجابة يبلغ 5000 أسرة. كما تلقت 143 أسرة أخرى مساعدات نقدية للمأوى.

واشترت المفوضية 1000 مجموعة من أدوات إصلاح الملاجئ، وبدأت توزيعها في أبين ولحج، بينما لا تزال عمليات التسليم إلى الحديدة وتعز معلقة بسبب انعدام الأمن.

ومن المنتظر وصول شحنة تضم 3000 مجموعة من مواد الإغاثة الأساسية إلى عدن في نحو 20 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تستهدف 3000 أسرة، وتشمل بطانيات وحصائر للنوم وناموسيات وأغطية بلاستيكية ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومجموعات للمطبخ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى الاستجابة المشتركة، قدم شركاء مجموعة تنسيق المأوى والأراضي والمواقع مساعدات لأكثر من 4300 أسرة، فيما وصل شركاء مجموعة الحماية إلى أكثر من 13.500 شخص عبر أنشطة شملت الرصد والتقييمات والإحالات وإدارة الحالات.

الأزمة تعبر البحر

لا تقتصر التداعيات الإنسانية للتصعيد اليمني على الداخل، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من الضغوط المتزايدة على جيبوتي، التي تستقبل أشخاصاً قادمين من اليمن، في وقت يواصل مهاجرون آخرون عبور أراضيها في طريقهم إلى اليمن ودول الخليج.

وقالت المنظمة إن أكثر من 3700 لاجئ يمني وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد عبور البحر الأحمر في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الاتجاه المقابل، تحاول مجموعة تضم أكثر من 500 مهاجر إثيوبي العودة إلى بلادهم، بينما دخل أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي بهدف مواصلة رحلتهم باتجاه اليمن.

طفلة يمنية نازحة تقف في مدخل مأوى مصنوع من القش شمال مدينة عدن (أ.ب)

وأبدت المنظمة قلقها إزاء أوضاع مهاجرين تقطعت بهم السبل في المناطق الصحراوية وعلى الطرقات، محذرة من تعرضهم للجفاف والإجهاد ونقص المياه والغذاء.

وتواصل فرق المنظمة تقديم المساعدات العاجلة، لكن الوصول إلى المحتاجين أصبح أكثر تعقيداً مع اعتماد أعداد متزايدة من المهاجرين على طرق ومسارات بعيدة عن الطرق الرئيسية، ما يزيد صعوبة الرصد والاستجابة.

وأكدت المنظمة أن السلطات الجيبوتية تحركت سريعاً لمواجهة التدفقات، غير أن اتساع حجمها وتنوع احتياجات القادمين يفرضان ضغوطاً كبيرة على الإمكانات المتاحة، داعية إلى دعم إضافي يشمل الوافدين من اليمن والمهاجرين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، إلى جانب المجتمعات المحلية التي تتحمل أعباء استضافتهم.


من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
TT

من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)

وسّع الحوثيون عمليات الاستيلاء المنظم على الممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي أحكمت سيطرتها عليها في الساحل الغربي اليمني بمحافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز، في ممارسات تعكس نهجاً يتعامل مع المدن ومرافقها الخدمية باعتبارها غنائم يجري الاستحواذ عليها ونقلها إلى مناطق نفوذ الجماعة.

وتجلّت أحدث هذه الممارسات في تفكيك ومصادرة معدات وألواح محطتي الطاقة الشمسية في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ونقلها إلى صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، ما حرم آلاف السكان من خدمة الكهرباء التي كانت تمثل شرياناً أساسياً لحياتهم اليومية، وفاقم معاناتهم في ظل تردي الخدمات وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادي غرسان المطري، الذي ينتحل صفة مدير كهرباء الحديدة، وجّه قبل أيام عناصر الجماعة بتفكيك منظومتي الطاقة الشمسية في حيس والخوخة، ونقل كامل مكوناتهما وأجهزتهما ومستلزماتهما الفنية على متن شاحنات كبيرة باتجاه صعدة.

الحوثيون استولوا على المساعدات الغذائية في المخا وأعادوا توزيعها مقابل الولاء (إعلام حوثي)

وبحسب المصادر، كانت المنظومتان توفران نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، وأسهمتا في تشغيل المنازل والتخفيف من معاناة السكان، لا سيما في المناطق الساحلية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، قبل أن تتحول معدات المشروعين إلى هدف لعملية مصادرة ونقل منظمة.

وتشير هذه الواقعة، وفق المصادر، إلى نمط أوسع من عمليات الاستيلاء التي تنفذها الجماعة بحق المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي بسطت سيطرتها عليها، حيث يجري حالياً تفكيك تجهيزات ومعدات وشبكات خدمية أخرى ونقلها إلى صعدة وصنعاء، بدلاً من إبقائها لخدمة السكان في مناطقها الأصلية.

اقتصاد الغنيمة

يرى ناشطون من أبناء الحديدة أن نقل منظومات الكهرباء من حيس والخوخة إلى صعدة يمثل نموذجاً لما وصفوه بـ«اقتصاد الغنيمة» الذي تتعامل به الجماعة مع المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكدين أن السكان يدفعون ثمن هذا السلوك بحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما تُكدّس الموارد في مراكز نفوذ الحوثيين.

وفي مديرية المخا الساحلية، كشفت مصادر محلية عن استمرار عمليات السطو والاستيلاء التي بدأتها الجماعة منذ الساعات الأولى لسيطرتها على المدينة، واستهدفت منازل ومرافق حكومية ومقار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (فيسبوك)

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة داهمت عشرات المنازل والشقق، خصوصاً في حي الحالي ومدينة الثاني من ديسمبر، واستولت على الأثاث والأجهزة المنزلية ومحتويات أخرى، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى خارج المدينة.

كما طالت عمليات النهب، حسب المصادر، مقرات حكومية، بينها مقر السلطة المحلية وفرع البنك المركزي اليمني في المدينة، حيث جرى الاستيلاء على محتوياتها ونقلها إلى جهات غير معلومة.

ولم تتوقف عمليات السطو عند المؤسسات والمنازل، إذ أفاد شهود عيان بأن دوريات حوثية شوهدت وهي تنقل بشكل متواصل كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من عدد من محال الجملة وسط مدينة المخا إلى خارجها.

وأفاد ناشطون محليون بأن عمليات الاستيلاء جرت تحت إشراف عناصر مجهولة يُعتقد بارتباطها بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجماعة.

تكسير ونهب في «التربة»

في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قالت مصادر محلية إن جماعة الحوثيين كررت النهج ذاته، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنازل مواطنين وقيادات مرتبطة بالحكومة اليمنية.

وأضافت المصادر أن عدداً من أصحاب المتاجر اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية مع دخول الجماعة، خشية تعرضها للنهب، لكن ذلك لم يمنع، وفق شهادات سكان، من استهداف بعضها بالقوة.

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة جنوب تعز (فيسبوك)

ووفق الشهادات، أقدمت عناصر الجماعة على كسر أبواب عدد من المتاجر المغلقة والاستيلاء على محتوياتها من السلع بالقوة، في إجراء قال السكان إنه جاء رداً على إغلاق أصحابها محالهم في أثناء دخول الجماعة إلى المدينة.

وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن نهج متكرر في الاستيلاء على الممتلكات والمرافق، يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة إلى تفريغ المدن من مقدراتها الخدمية والاقتصادية ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بما يفاقم معاناة السكان ويعمّق انهيار الخدمات.

ويحذر سكان وناشطون من أن استمرار هذه الممارسات سيحوّل سيطرة الجماعة على أي مناطق جديدة إلى عملية استنزاف ممنهجة لمواردها، في وقت يُترك فيه السكان أمام واقع أكثر فقراً وخدمات أقل، بينما تُنقل المعدات والممتلكات بعيداً عنهم لصالح مراكز النفوذ الحوثية.