جولة على أشهر مقاهي الهند العريقة

تشتهر بتقديم الشاي وأصناف لا تحصى من المخبوزات

من المقاهي القديمة في مومباي
من المقاهي القديمة في مومباي
TT

جولة على أشهر مقاهي الهند العريقة

من المقاهي القديمة في مومباي
من المقاهي القديمة في مومباي

في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، انتشرت مقاهي على الطراز الإيراني بمختلف أرجاء الساحل الغربي للهند، وبمرور الوقت تحولت هذه المقاهي إلى محور للثورة الاجتماعية التي شهدتها مومباي.
نظرة تاريخية
تبدو هذه المقاهي والمطاعم التي تأسست على أيدي إيرانيين بالعقد الأخير من القرن التاسع عشر، وكأن الوقت توقف عندها. كان هؤلاء الإيرانيون قد جاءوا للهند فرارًا من مجاعة كبرى ضربت بلاد فارس، تسببت في مقتل الملايين موتًا وفرار مئات آخرين، استقر بعضهم في الهند التي كانت لا تزال موحدة حينها.
في خضم رحلتهم، اجتاز هؤلاء الإيرانيون جبال هندوكوش سيرًا على الأقدام، وهي مسافة تضم حاليًا أربع دول وتمتد على قارتين، كي يستقر المقام بهم أخيرًا في هندوستان سيرًا على الأقدام.
من بين المئات من الإيرانيين الذين قصدوا الهند في رحلة شاقة استمرت ثمانية شهور حتى وصلوا إلى مدينة بومباي في الهند البريطانية - والمعروفة حاليًا باسم مومباي - الحاج محمد شوغي يزدي، شاب من إقليم يزد القائم بإيران الحالية. وأخيرًا، وصل الحاج محمد إلى مقصده من دون عمل ولا مال ولا أسرة، وبدأ في بيع شاي إيراني إلى العمال بمنطقة الميناء في بومباي - المعروفة الآن باسم مومباي.
بداية الأمر، ظهرت المقاهي الإيرانية كأماكن لتجمع الإيرانيين؛ حيث كانوا يتبادلون الحديث بخصوص ذكرياتهم، وبعد فترة بدأت فكرة بيع أقداح الشاي تبدو فكرة مربحة. ومن هنا، بزغ فجر حقبة المقاهي الإيرانية، وسرعان ما تحولت لأماكن أيقونية بالمناطق التي ظهرت بها. بحلول مطلع القرن الـ20، ظهرت المقاهي الإيرانية في جميع الشوارع البارزة تقريبًا في بومباي وبون وحيد آباد، لتتحول بذلك إلى رمز لكل من الاندماج الثقافي للإيرانيين وتميزهم في الوقت ذاته.
الأسلوب والجو العام
نجحت المقاهي الإيرانية في طرح أسلوب يختلف كثيرًا عما كان سائدًا بالمقاهي والمطاعم الهندية الأخرى أو المطاعم الأخرى ذات الأسلوب الأوروبي. واشتهرت المقاهي والمطاعم الإيرانية بأسعارها المعقولة للمأكولات والمشروبات. وكانت أغلبية مرتادي هذه المقاهي والمطاعم من أصحاب الدخل المتواضع والذين أتاحت لهم هذه الأماكن فرصة لتناول قدح من الشاي أو وجبة خفيفة، أو حتى مجرد فرصة للقاء آخرين والحديث إليهم، من دون أن يتكبدوا مبلغًا يفوق طاقتهم. وعبر ترحيبها بالجميع، نجحت المقاهي الإيرانية في خلق نموذج مصغر يخلو من الفوارق الطبقية والانقسامات الدينية، بل وتعمد بعض أصحاب المقاهي تعليق لافتات مكتوب عليها «مرحبًا بالجميع» أو «مرحبًا بأبناء جميع الطبقات». وحرصت بعض المقاهي على تزييد جدرانها برموز تنتمي لمختلف الديانات.
وتميزت هذه المقاهي بارتفاع جدرانها، والتي غالبًا ما كان يتدلى منها مروحة، إضافة إلى الأسقف المغطاة بالقرميد والطاولات التي يحمل الجزء العلوي منها قطع رخام إيطالية، بينما ازدانت الجدران بساعات تعمل بالبندول، تردد معظمها النغمية المميزة لساعة «بيغ بين».
وكثيرًا ما كان أصحاب المقاهي يستعرضون ساعات حصلوا عليها من أجدادهم، ما يضفي على المكان عبق التاريخ. وكما كانت العادة في المقاهي الإيرانية التقليدية، حرص أصحاب المقاهي والمطاعم الإيرانية بالهند على تحديد قائمة بالممنوعات التي يحظر على مرتادي المكان الإقدام عليها، مثل «ممنوع تمشيط الشعر» و«ممنوع قراءة الجريدة» و«ممنوع وضع الساق على مقعد» و«ممنوع الحديث إلى عامل الحسابات»، وذلك خشية أن يعطيه العميل رشوة كي يدفع ثمنًا أقل من المطلوب!
خبازون مشهورون
سرعان ما أصبح المهاجرون الإيرانيون الذين كانوا يدينون في معظمهم بالزرادشتية، مشهورين كخبازين أيضًا، حيث نجحوا في بناء مخابز تقدم مخبوزات طازجة لذيذة، وكثيرًا ما كان العملاء يصطفون على أبوابها، علاوة على تقديمها مخبوزات للمقاهي والمطاعم. كما عملت هذه المخابز على إعداد الكعك والفطائر وبسكويت الفراولة.
عندما يكون غالبية أبناء مومباي في سبات عميق في الثالثة صباحًا، يكون بي. ميروان منهمكًا في العمل، حيث يعمل على ضمان جودة المخبوزات التي من المقرر تسليمها يوميًا، ويتبع بدقة الوصفات التي وضعها جده الذي أسس المطعم عام 1914. يفتح ميروان أبواب المقهى في الخامسة والنصف صباحًا ليستقبل أفواجًا من العملاء يمرون على المقهى في طريقهم إلى العمل، ويظل منهمكًا في عمله حتى السابعة مساءً. وتنتمي المقاعد داخل المقهى في الأصل إلى تشيكوسلوفاكيا (سابقًا) أما المناضد الرخامة فتعود إلى إيطاليا. أما باقي عناصر المقهى فتعكس الطراز الإيراني، مثل مروحة السقف البطيئة ومفارش المناضد المضلعة، وصور تزدان بأطر مميزة معلقة على الجدران.
الواضح أن ميروان تعمد الالتزام بالعناصر الكلاسيكية للمقهى الإيراني، وأبرزها جميع أنواع البسكويت والخبز بالمربى أو الكريمة. وغالبًا ما تنفذ كعكة «مافا» الشهيرة بحلول السابعة صباحًا.
وعندما أغلق مقهى «بي ميروان وكو» أبوابه العام الماضي للمرة الأخيرة منذ عام 1914، أثار القرار موجة عارمة من المقالات التي جاءت بمثابة نعي للمقهى وصور للمقهى، بجانب حدوث طفرة هائلة في المبيعات قبيل إغلاقه. أما أكثر ما انصب عليه حزن مودعي المقهى الشهير، فكان كعك «ماوا». أما المفاجأة الكبرى فكانت عودة المقهى لفتح أبوابه بعد ذلك ببضعة شهور قلائل!
من ناحية أخرى، فتح «مخبز يازداني» في أربعينات القرن الماضي، ويتولى خبز قرابة 6.000 قطعة يوميًا. وتعتمد معظم المخبوزات على 12 نوعًا مختلفًا من الحبوب - ليكون بذلك أول مخبز يفعل ذلك على مستوى المدينة. ولا تكتمل الزيارة لـ«مخبز يازداني» إلا بتبادل أطراف الحديث مع مالكه زند إم. زند، 74 عامًا، والذي أسس والده المخبز. والملاحظ أن جميع منتجات المخبز مصنوعة يدوية، ويجري خبزها داخل أفران تعمل بالديزل. ويجتذب المخبز أعدادًا كبيرة من الزائرين، بينهم عدد غير قليل من الأجانب خاصة الألمان.
تراجع الأعداد
بدءًا من مطلع القرن العشرين، ظهرت الكثير من المقاهي الإيرانية داخل ثلاثة مدن رئيسة - مومباي وبون وحيدرآباد. وعلى امتداد الأعوام العشرين الماضية، كان من شأن ارتفاع أسعار العقارات وتردد الأجيال الجديدة حيال الاستمرار في إدارة الشؤون التجارية لعائلاتهم حدوث تراجع هائل في أعداد هذه المقاهي من ما يزيد على 1.000 إلى قرابة 100 فقط.
من جهته، قال رفيق بغدادي، المؤرخ والصحافي المقيم في مومباي: «كانت تلك المقاهي واحدة من أول الأماكن الكوزموبوليتانية».
وأضاف: «مع انتقال شؤون إدارة المقاهي الإيرانية إلى أبناء الجيل الثاني والثالث، فإن تمتع الأفراد بتعليم أعلى وتوافر وظائف برواتب أعلى أغرى الإيرانيين للتخلي عن النشاط التجاري لعائلاتهم. وأصبح هؤلاء يفضلون بيع المقاهي التي ورثوها عن آبائهم - التي تقع في معظمها بمناطق عليها إقبال عقاري كبير - مفضلين عليها عيش حياة رغدة بدلاً من إنهاك أنفسهم في عمل تتراوح ساعات عمله بين 14 و16 ساعة يوميًا».
الإحياء
ومع ذلك، فإنه بعد 126 عامًا من قدوم الحاج محمد إلى الهند وامتهانه بيع الشاي، عمد حفيده المخرج منصور شوغي يزدي لاقتفاء آثار رحلة بائعي الشاي الإيرانيين من فارس إلى مقاهي بومباي.
عبر ذلك، نجح يزدي في تحقيق حلم حياته بافتتاح مقهى على الطراز الإيراني - «كافيه إيراني شاي» - ليكون بذلك أول مقهى إيراني يفتتح أبوابه في مومباي منذ 30 عامًا. داخل «كافيه إيراني شاي»، تزدان الجدران بمرايا طويلة تعكس المفارش المميزة التي تزدان بها الطاولات. وقد اضطر يزدي للجوء إلى الأقارب والأصدقاء وتمشيط سوق مومباي للسلع المستخدمة بحثًا عن مقاعد مصنوعة من خشب «بنتوود» البولندي الأصلي. وتحمل الجدران صورًا لأفراد عائلته، بينهم جده الحاج محمد الذي سار برفقة إيرانيين آخرين الطريق من إقليم يزد بإيران الحالية حتى مومباي في العقد الأخير من القرن التاسع عشر.
وأكد يزدي أن: «بيع الشاي يجري في دمائي، ولن نسمح بموت هذا الجزء الأخير المتبقي من ثقافتنا». كما وثق يزدي أيضًا عبر فيلمه الوثائقي تطور المقاهي الإيرانية. على سبيل المثال، أصبح مقهى «بارادايس» في حيدر آباد يتسع لـ3.000 شخص ونجح في التحول إلى مطعم متكامل يقدم شتى أطباق مطبخ حيدر آباد، علاوة على عدد من الأطباق الإيرانية المميزة.
في الوقت ذاته، يعمل «يزداني كافيه» في بون، والذي يتولى إدارته الآن شقيقان شابان من أبناء الجيل الثالث، على إحياء وصفات إيرانية تقليدية مثل طبق «أومليت المصارع» الذي يجري إعداده باستخدام ما بين 8 و12 بيضة، بهدف اجتذاب عملاء جدد.
عن ذلك، قال سيمين باتل، الذي يعكف على وضع كتاب حول المقاهي الإيرانية في بومباي: «تعد هذه المقاهي أشبه ببوتقة تنصهر بها مختلف الثقافات، فهي تتمتع بطابع خاص بها تفتقر إليه المقاهي المعاصرة». من جانبه، يروي المصمم المعماري البارز رضا كابل أنه ولد داخل مقهى، حيث كانت أسرته تعيش فوق أحد المقاهي الإيرانية المملوكة لوالده. وكان هو وأشقاؤه يأكلون بالمطعم ويعاونون والدهم في الاهتمام بشؤونه بعد قدومهم من المدرسة، بل وتولوا إدارته بالكامل في الأوقات التي كان يغيب خلالها والدهم. ويتذكر كابل كيف أنه في وقت مضى كان مطعمهم أشبه بمنزل لأولئك المحرومين من منزل خاص بهم، خاصة من كانوا يفدون إلى المدينة بحثًا عن عمل.
وقال: «كان هاتفنا أشبه بهاتف عمومي، حيث كان الهاتف الذي يجري الاتصال به للتواصل مع جميع المتاجر المجاورة في الحي أيضًا». إلا أن والده اضطر لغلق المطعم نهاية الأمر لأن عائده لم يكن كافيًا لإعالة الأسرة. وزاد من الضغوط على عاتقه الارتفاع الشديد في أسعار العقارات. وأضاف كابل: «لقد قدم لنا هذا البلد الكثير، فقد احتضننا شعب الهند وكأننا منهم. وسنظل ممتنين لذلك».

وصفة الشاي الإيراني
½ ينسون نجمي
10 - 12 ثمرة كاملة
6 - 7 فلفل جمايكا
1 ملعقة صغيرة من قرفة
6 - 7 إلى فلفل أبيض
1 ثمرة هال مفتوحة حتى البذور
مكونات أخرى:
1 كوب ماء
4 - 6 كوب حليب كامل الدسم
2 ملعقة كبيرة من شاي غامق عالي الجودة كبير الأوراق «سيلون» أو «إنغليش بريكفاست».
سكر
الطريقة
داخل إناء صغير، أضف البهارات إلى كوب واحد من الماء، ثم اتركه حتى يغلي، وبعدها ارفعه من على النار. ضعه يبرد، ما بين 5 و20 دقيقة، تبعًا لقوة النكهة التي تريدها. أضف ما بين 4 - 6 أكواب من الحليب كامل الدسم للماء والبهارات. إذا لم يكن لديك ماء كامل الدسم، يمكنك الاستعانة بحليب خالي من الدسم، مع إضافة قليل من الكريمة. ضع الحليب ومزيج البهارات على النار حتى الغليان، ثم ارفعه من على الموقد. أضف الشاي إلى الحليب واتركه ما بين 5 و10 دقائق، حسب الرغبة. وعادة ما يضاف السكر قبل التقديم، حسب الرغبة.



«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».


مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
TT

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن في فترة ما بعد رمضان وخلال عطلات الصيف، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى. فخلال العام الماضي، استقبلت أحياء «سوهو»، و«فيتزروفيا»، و«مايفير»، و«دالستون» سلسلة من المطاعم التي تعكس تحولاً ملموساً نحو المساحات الأكثر خصوصية والأعلى تركيزاً.

يواصل مطبخ شرق البحر المتوسط توسيع نطاق حضوره، بينما تخطف القوائم المعتمدة على المكونات الموسمية الطازجة الأنظار. كما تعيد المقاهي الهادئة التي تعتني بتفاصيل التصميم الزخم إلى ثقافة الحياة الليلية في العاصمة. وتوفر هذه الافتتاحات الأخيرة، في مجملها، صورة واضحة ومباشرة للوجهات التي تجسد نبض لندن العصري في الوقت الراهن.

فيما يلي نماذج منتقاة لأبرز المطاعم التي أُطلقت في لندن خلال العام الماضي، وهي وجهات افتُتحت مؤخراً وباتت بالفعل محور حديث النخبة في كافة أنحاء المدينة.

أطباق صغيرة في مطعم كامارا (الشرق الاوسط)

إيسز فود كرافت (Aces Food Craft)

مطعم فاخر في قلب فيتزروفيا يعكس مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»

شهد حي «فيتزروفيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، انطلاقة مطعم «إيسز فود كرافت»، وهو أول مشروع مستقل للثنائي «ألكساندرا يازيفيكا» وزوجها «أليكس كراسيوم».

يرتكز هذا المطعم الذي يتميز بأجوائه الحميمية على مفهوم الطهي القائم على جودة المكونات، حيث يقدم تجربة عشاء راقية ومبتكرة تستلهم جوهرها من أفضل المحاصيل البريطانية. وتتجلى في أطباقه خبرة «أليكس» العريضة التي اكتسبها في أرقى المطابخ العالمية، بما في ذلك مطاعم حائزة على نجمة ميشلان في طوكيو. وبعد مسيرته السابقة بوصفه رئيس الطهاة التنفيذي في مطعم «سوشارو» الشهير، يقود «أليكس» اليوم مطبخاً يقدم طهياً دقيقاً يحتفي بالمكونات الأساسية، ضمن أجواء دافئة صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالألفة وكأنه في منزله، بعيداً عن صرامة المطاعم الرسمية التقليدية.

أغرودولتشي (Agrodolce)

بصمة روما الكلاسيكية تحط الرحال في لندن

مطعم أغرودولتشي من الخارج (الشرق الاوسط)

افتتح مطعم «أغرودولتشي» أبوابه في شارع «شارلوت» بحي فيتزروفيا في مارس (آذار) 2025، لينقل تقاليد الطهي الرومانية الأصيلة إلى قلب لندن. يصب المطعم جُل اهتمامه على المعكرونة المحضرة يدويا والأطباق الكلاسيكية العريقة، مثل «كاريبونارا» و«أماتريشيانا» و«توناريلي بالزعفران»، إلى جانب قائمة مختارة بعناية من المقبلات والحلويات. ويعكس تصميم المكان روح نظيره في روما، حيث تزدان المساحات بطاولاته الرخامية، وأواني الخزف الإيطالية العتيقة، مع توفير خيارات لتناول الطعام في قاعات خاصة. ويحافظ «أغرودولتشي» على التزام صارم بالوصفات التقليدية، والمكونات عالية الجودة، وأصول الضيافة الإيطالية البسيطة وغير المتكلفة.

أوتومات (Automat)

جوهرة أميركية خفية في قلب «مايفير»

افتتح مطعم «أوتومات» أبوابه في شارع «ماونت» بحي مايفير في نوفمبر 2025، ليقدم مفهوماً راقياً ومجدداً للمطبخ الأميركي في المنطقة.

وبإشراف من مجموعة «وان لوكشري غروب» وبإدارة «كريس سيدون» بوصفه مديراً للعلامة التجارية، يعيد المطعم صياغة كلاسيكيات المائدة الأميركية من أوائل ومنتصف القرن العشرين برؤية عصرية حديثة. ويتميز الوصول إلى المطعم بخصوصية تامة عبر متجر الجلود الفاخرة «تانر كرول»، حيث تبرز المساحة التي تتسع لـ58 ضيفاً كوجهة حميمية تحاكي نمط «البارات السرية»، ويقدم أطباقاً أميركية كلاسيكية بلمسات مخملية راقية. وتجمع الديكورات الداخلية من تصميم استوديو «توميف» بين سحر الأصالة القديمة والبراعة الحديثة، لتقديم أصول الضيافة الأميركية بروح «مايفير» المتميزة.

براذر ماركوس (Brother Marcus)

مطعم شرق المتوسط المفضل يتوسع في «سوهو»

مأكولات براذر ماركوس (الشرق الاوسط)

في سبتمبر (أيلول) 2025، حطَّ مطعم «براذر ماركوس» رحاله في شارع «بولاند» بحي سوهو، ناقلاً نكهات شرق البحر المتوسط إلى قلب وسط لندن. يشتهر المطعم - الذي أسسه «تاسوس غايتانوس» و«أليكس لارج» - بأطباقه السخية الشهية المفعمة بالنكهات المستوحاة من تقاليد الطهي العريقة في شرق المتوسط، والتي تُقدم في أجواء مريحة تُعنى بأدق تفاصيل التصميم. يمتد فرع «سوهو» على طابقين، ويقدم خدماته على مدار اليوم؛ بدءاً من أطباق الفطور المتأخر الراقية وصولاً إلى أطباق «المزة» المخصصة للمشاركة. وتعكس قائمة الطعام عقداً من التطوير، مرتكِزة على لمسات مستوحاة من جزيرة كريت وأسلوب الطهي التشاركي الودود.

كراست بروس (Crust Bros)

بيتزا نابولي الحائزة على الجوائز تتألق في «كوفنت غاردن»

بيتزا "كراست بروس" الحائزة على عدة جوائز (الشرق الاوسط)

تُعد «كراست بروس» علامة لندنية مرموقة حائزة على «جائزة البيتزا الوطنية» لمرتين متتاليتين؛ وتشتهر بعجينتها ذات الحواف المحمرة والمميزة بنقشة «جلد النمر»، وبيتزا نابولي المُخصصة حسب طلبات الضيوف، حيث تمزج بين التقنيات التقليدية واللمسات العصرية المبتكرة.

وفي يوليو (تموز) 2025، افتتحت العلامة أكبر فروعها حتى الآن في حي «كوفنت غاردن» وهي مساحة تمتد على طابقين، وتتسع لـ135 ضيفاً في شارع «بيدفورد» في قلب منطقة «ويست إند»، حيث تُحضر العجينة طازجة يومياً وتُترك لتتخمر ببطء لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل خبزها في درجات حرارة عالية للحصول على قوامها الهش الفريد. ويمكن للضيوف ابتكار البيتزا الخاصة بهم أو الاختيار من قائمة الأطباق المفضلة، إلى جانب أطباق جديدة حصرية، فضلاً عن الآيس كريم «الجيلاتو» بالتعاون مع «لا جيلاتيريا».

باراسول (Parasol)

إيقاعات «الديسكو» تعيد صياغة السهرات في شرق لندن

انطلق «باراسول» في منطقة «دالستون» في مايو (أيار) 2025، بوصفه أول مشروع مشترك بين «آندي كير» و«توم غيبسون»، الثنائي الذي يقف وراء عدد من أبرز الوجهات اللندنية المرموقة، مثل «ذا صن تافرن»، و«ديسكونت سوت كومباني»، و«ذا أمبريلا ووركشوب».

ويتخذ «باراسول» موقعاً مميزاً في طابق تحت الأرض جرى تحويله بالكامل في شارع «ستوك نيوينغتون»، حيث تبرز الديكورات ذات الطابع الترابي مع لمسات مغربية ومكسيكية ناعمة. ويضفي منسقو الأغاني طابعاً خاصاً على الأمسيات التي تمتد حتى الثانية صباحاً، بمختارات موسيقية مستوحاة من حقبة «ديسكو نيويورك» في أوائل الثمانينات، مما يجعلها وجهة مثالية لمن يبحث عن تجربة ليلية مفعمة بالحيوية والزخم.


من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
TT

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص، وتشكيلات المزّة العامة. غير أن هذا المطبخ بدأ اليوم يبرز بوصفه تأثيراً طهوياً مستقلاً، يحظى بقبول متزايد بين روّاد الطعام في الهند.

في مدنٍ هندية متعددة، بات الطعام السعودي يجد موطئ قدمه تدريجياً، لا عبر تسويقٍ صاخب أو بهرجة قائمة على كونه موضة جديدة أو تجربة غريبة مؤقتة، بل من خلال إحساس عميق بالألفة لا يزال المتذوّق الهندي في طور اكتشافه.

ولم يعد هذا المطبخ حكراً على مطابخ الجاليات أو الفعاليات المؤقتة في الفنادق، بل أخذ يتجذّر بثبات في مطاعم الأحياء، وإقامات الطهاة المنسّقة، وأنماط الطعام الحضرية.

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

ويكمن جوهر هذا التحوّل في تنامي التقدير للطهي القائم على المكوّنات، وتقنيات الطهي البطيء، وثقافة الأكل الجماعي، وهي قيم راسخة منذ زمن طويل في كل من المطبخين السعودي والهندي.

وقد أسهمت عروض طهوية حديثة، في مقدمتها فعالية «المائدة السعودية» التي أشرف عليها الشيف كونال كابور، أحد أبرز رواة القصص الطهوية في الهند، في إبراز هذه القرابة الثقافية بوضوح أكبر، مقدمةً المطبخ السعودي لا باعتباره غريباً، بل قريباً ومألوفاً على نحو هادئ.

يعيد كابور تقديم أطباق مثل الكبسة والمنسف وأرز الزعفران بالمأكولات البحرية، بأسلوب يتّسم بالأناقة والتوازن اللذين اشتهر بهما. وحتى الحلويات، مثل بانا كوتا الورد والفستق، وإبداعات التمر واللوز، والبقلاوة الغنية، تحمل بصمته المميّزة: تحافظ على جوهرها التقليدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه تقدَّم بأسلوب مهني راقٍ وتقنيات عالية دون تشويه أصلها.

السليق على الطريقة السعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف كابور، الذي لعب دوراً محورياً في تعريف الجمهور الهندي بعمق المطبخ السعودي عبر تجارب طعام منسّقة: «الطعام السعودي لا يحاول أن يبهرك، بل يطعمك. إنه صادق، قائم على المكوّنات، ومبني على المشاركة. وهذه قيم يفهمها المطبخ الهندي جيداً».

مطبخ يبدو مألوفاً

حين وصف الشيف كابور المطبخ السعودي بأنه الأقرب إلى مطبخ ولاية بيهار شرق الهند، أثار ذلك دهشة الكثيرين، إلا أن المقارنة لم تكن مجازية؛ فكلا المدرستين الطهويتين تعتمدان بدرجة كبيرة على الحبوب والبقوليات والأرز والخضراوات واللحوم المطهوة ببطء، مع نكهات تُبنى عبر العطر لا الحدّة.

الجريش السعودي (شاترستوك)

وقال كابور خلال إطلاق «المائدة السعودية» في مطعم «ون 8 كوميون» بمدينة غورغاون: «لو طُلب مني أن أربط النكهات السعودية بأي منطقة هندية، لاخترت بيهار. التقنيات، والإحساس بالراحة، وحتى طريقة مشاركة الطعام، كلها أمور تبدو مألوفة. الفارق الأكبر هو الزيت؛ نحن نستخدم زيت الخردل، وهم يستخدمون زيت الزيتون. تغيّر الزيت يغيّر الإحساس بالنكهة، لكن بنية الطبق تبقى متشابهة بوضوح».

كما يسلّط كابور الضوء على مكوّنات سعودية مثل الباذنجان والزعفران والتمر والأعشاب، مشيراً إلى مدى انسجامها مع الذاكرة الطهوية الهندية. ويقول: «الطهي السعودي لا يُخفي المنتجات المحلية تحت طبقات متعددة من التوابل، بل يبرز نكهاتها الطبيعية من خلال تقنيات بسيطة مثل الشواء، والطهي البطيء، أو التحميص».

ويحرص كابور على كسر الفكرة الشائعة التي تختزل المطبخ السعودي في كونه مطبخاً واحداً متجانساً أو مجرد «مطبخ صحراوي». ويوضح: «السعودية تضم جبالاً وسواحل والبحر الأحمر وشِعاباً مرجانية، فضلاً عن المأكولات البحرية ولحم الضأن والحبوب، وطيف واسع من الأطباق النباتية». وهو مطبخ تشكّل بفعل الجغرافيا والتجارة، أكثر من اعتماده على كثافة التوابل. وتشكل مكوّنات مثل التمر والقمح والأرز والزعفران والهيل والليمون المجفف والأعشاب أساس الوجبات اليومية، وتُحضَّر باستخدام الشواء والطهي البطيء والتحميص، وهي أساليب مألوفة بعمق في المطابخ الهندية.

وفي إحدى أمسيات أيام الأسبوع في حي أوكلا بدلهي، لم يعد من غير المألوف رؤية روّاد يتشاركون أطباقاً كبيرة من المندي، الأرز طويل الحبة المعطّر بالهيل والقرنفل، الذي تعلوه قطع من الدجاج أو لحم الضأن المطهو ببطء. وما كانت يوماً وجبة للحنين تُطبخ بهدوء في بيوت المهاجرين، بدأت اليوم تتسلّل إلى أروقة المدن الهندية وتثبت حضورها في مشهدها الغذائي.

وغالباً ما يصف الطهاة الهنود العاملون بالمطبخ السعودي دورهم ليس كمبتكرين، بل كمترجمين؛ إذ يكمن التحدّي في الحفاظ على رصانة الطبق داخل ثقافة طعام تشتهر بالوفرة.

كبسة سعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف أنس خان، الذي يدير مطبخاً عربياً: «الطهي الهندي قائم على تعدد التوابل، بينما الطهي السعودي قائم على معرفة متى تتوقف. إذا بالغت، تفقد روح الطبق. هذا مطبخ الانضباط». ويؤكد الشيف كابور المعنى نفسه قائلاً: «لا يمكنك فرض الطابع الهندي على الطعام السعودي. إن فعلت ذلك، يفقد الطبق نزاهته. الفكرة ليست في المزج، بل في الفهم».

جذور في التجارة والهجرة

هذا التقارب ليس وليد الصدفة. فقد ربطت الهند وشبه الجزيرة العربية عبر قرون طويلة طرق تجارة بحرية، تبادلتا خلالها التوابل والأرز والمعرفة الطهوية.

وفي العقود الأخيرة، عمّق الشتات الهندي في السعودية، وهو من أكبر الجاليات الوافدة في المملكة، هذا التبادل. فقد سمحت المطابخ المنزلية والطهاة والموائد المشتركة بانتقال النكهات والتقنيات عبر الأجيال. والنتيجة ليست اندماجاً بمعناه الحديث، بل تداخلاً: مطبخان نشآ كل على حدة، لكنهما ظلا في حوار دائم.

ومع عقود من الهجرة إلى السعودية، دخلت كثير من الأطباق البيوت الهندية قبل أن تصل إلى المطاعم. ويقول الشيف روحان، الذي نشأ في عائلة ذات صلات وثيقة بالسعودية: «بالنسبة لنا، هذا الطعام يجسّد مشاعر الحنين؛ إذ يذكّر الناس بآباء عملوا في الخارج، وبموائد العيد، وبالأطباق المشتركة. المطاعم لا تفعل اليوم سوى اللحاق بما عرفته البيوت منذ زمن».

لماذا أصبح الذوق الهندي أكثر تقبلاً الآن؟

يكتسب توقيت بروز المطبخ السعودي في الهند أهمية خاصة. ويقول الشيف الشهير رانفير برار: «روّاد المطاعم في الهند اليوم باتوا أكثر سفراً وفضولاً، وأقل اهتماماً بالطعام الغريب أحادي البعد. فهناك شهية متزايدة للأصالة، سواء داخل الهند أو خارجها. والطعام السعودي، بتركيزه على الراحة والألفة، ينسجم طبيعياً مع هذا التحوّل».

ويرى برار أن أقوى صلة بين الثقافتين تكمن في طريقة تناول الطعام نفسه، ففي السعودية تُقدَّم الوجبات في أوعية كبيرة تُشارك بين أفراد العائلة والضيوف الجالسين معاً، وهو ما يعكس التقاليد الهندية التي ترى في الطعام تعبيراً عن الضيافة لا مجرّد عرض.

ويؤمن الشيف كابور بأن هذا القبول ينبع من الألفة لا من عنصر التجديد، فيقول: «الطعام السعودي لا يصدم الذوق الهندي، بل يطمئنه. التقنيات بسيطة، والنكهات صادقة، والطعام مُعدّ للمشاركة. وهذا أمر يفهمه الهنود بالفطرة».

فالسليق، عصيدة الأرز الكريمية الغنية بالمرق والحليب، تجد ما يقابلها في الأطعمة التي يأكلها الهنود للشعور بالراحة. والجريش المصنوع من القمح المجروش يذكّر بأطباق الحبوب الشائعة في شمال وشرق الهند. وحتى شوربات العدس المنتشرة في البيوت السعودية تبدو مألوفة على الفور للذوق الهندي في الطعام.

مدن هندية يترسّخ فيها الطعام السعودي

لم يكن نمو المطبخ السعودي في الهند متكافئاً، لكنه حمل دلالات مهمة.

فإلى جانب منطقة دلهي الكبرى، برزت بنغالورو بوصفها مركزاً مهماً، مدفوعة بجمهورها من الطلاب والعاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الخبرة الخليجية. وتحتضن أحياء مثل فريزر تاون وكاماناهالي مطاعم تتمحور حول المندي، حيث تُقدَّم الأطباق الكبيرة للأكل باليد، تماماً كما في البيوت السعودية.

وبالمثل، أظهرت مدينة حيدر آباد، ذات الإرث العريق المرتبط بالأرز، تقبّلاً خاصاً لهذا المطبخ. ويشير طهاة محليون إلى أن المندي يبدو مألوفاً للمدينة التي نشأ سكانها على أكل البرياني. ويقول أحد الطهاة في حيدر آباد: «الناس يفهمون منطق الطبق فوراً. الأرز يحمل نكهة اللحم؛ ولذا فهو ليس غريباً على الإطلاق».

أما كيرالا التي توصف بأنها «بلاد الله»، فإنها تتصدر القائمة.