انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

بين رهان «التغيير» ومطمح «مواصلة الإصلاح»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»
TT

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

يتوجه أكثر من 15 مليون ناخب مغربي، يوم الجمعة المقبل، إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم بمجلس النواب، في ثاني استحقاق تشريعي، بعد دستور 2011، والرابع من نوعه في عهد الملك محمد السادس، الذي تولى الحكم صيف عام 1999. ويتولى مجلس النواب الوظائف التشريعية ومراقبة عمل الحكومة، عن طريق سن القوانين، ومساءلة الحكومة، شفويًا أو كتابيًا، أو عن طريق لجان تقصي الحقائق أو نزع الثقة.
ويعتبر الاقتراع في المغرب، حقًا وواجبًا وطنيًا. فيما يعني الاقتراع باللائحة تقديم كل حزب جميع مرشحيه ضمن لائحة واحدة، للتصويت عليها. ومن خصائصه أنه «يقوم على التمثيل النسبي، حسب قاعدة أكبر بقية». ومن إيجابياته أنه «يقلل من السمة الفردية للانتخاب، حيث تغيب صورة الفرد ويظهر الحزب، وبغياب السمة الشخصية يبرز البرنامج»، بينما تتلخص أبرز سلبياته في أنه «يؤدي إلى (البلقنة السياسية)» و«تكوين أغلبيات غير متجانسة».
ويحدد قانون تنظيمي، يتعلق بتأليف مجلس النواب، الذي أنهى ولايته التاسعة، عدد الأعضاء في 395، ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة؛ 305 منهم على صعيد الدوائر الانتخابية، و90 على الصعيد الوطني، تهم النساء والشباب، أقل من 35 سنة. وتواصلت، منذ الساعة الأولى من يوم السبت 24 سبتمبر (أيلول) الماضي حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً من اليوم السابق لتاريخ الاقتراع، الذي تشارك فيه 27 هيئة سياسية، الحملة الانتخابية، وسط أجواء من التجاذب السياسي، بين عدد من الفاعلين السياسيين.
- تشير معطيات عممتها وزارة الداخلية المغربية، مباشرة بعد انتهاء الفترة المخصصة لإيداع التصريحات بالترشيح للانتخابات النيابية (البرلمانية) إلى أن عدد لوائح الترشيح المقدمة برسم كل الدوائر الانتخابية المحلية والدائرة الانتخابية الوطنية، قد بلغ ما يفوق 1400 لائحة، تشتمل في المجموع على نحو 7 آلاف مترشح ومترشحة، منها 1385 لائحة ترشيح تم إيداعها برسم الدوائر الانتخابية المحلية وتتضمن نحو 4800 مترشح ومترشحة، بمعدل 15 لائحة عن كل دائرة محلية. وتمكنت ثلاثة أحزاب فقط، هي حزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب العدالة والتنمية، من تغطية جميع الدوائر الانتخابية. في حين تتوزع نسبة الناخبين بين الذكور والإناث، على التوالي، ما بين 55 و45 في المائة، تمثل فيهم ساكنة الوسط الحضري نسبة 55 في المائة، وهم يتوزعون، حسب الفئة العمرية، بين 19 في المائة لأكثر من 60 سنة، و8 في المائة لمن بين 55 و59 سنة، و20 في المائة لمن بين 45 و54 سنة، و23 في المائة لما بين 35 و44 سنة، و21 في المائة لما بين 25 و34 سنة، و9 في المائة لما بين 18 و24 سنة.
* الطريق إلى 7 أكتوبر
لعل أهم ما يميز الانتخابات الحالية أنها تجري، حسب عدد من المحللين، وسط «تجاذب سياسي حاد» و«احتقان وصراع» لم يقتصر على الأحزاب السياسية المتنافسة، سواء كانت في المعارضة أو داخل التحالف الحكومي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة.
ويرى المراقبون أن اقتراع السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، يشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة للحزبين الأساسيين المتصارعين «العدالة والتنمية» (مرجعية إسلامية)، و«الأصالة والمعاصرة» (علماني)، بل إن بعضهم شبّه السباق بينهما بسباق «داحس والغبراء».
ويرى الحسين أعبوشي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة في جامعة «القاضي عياض» بمراكش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي والحزبي المغربي الحالي، يمكن قراءته، من خلال استحضار كثير من المعطيات والعناصر: أولها، الحراك الاجتماعي، الذي عرفه المغرب في 2011، وتنامي المطالب بالديمقراطية. وثانيها، الخطاب الملكي لـ9 مارس (آذار) ودستور 2011، الذي تم فيه التفاعل مع المطالب الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، الشيء الذي غير كثيرا من المعادلات وفتح المجال لظهور قوى سياسية كثيرة، وخصوصًا التيارات الإسلامية، التي مثلها حزب العدالة والتنمية. أما المعطى الثالث فيتمثّل في تراجع تأثير وقوة أحزاب الحركة الوطنية، ممثلة في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ونسبيا (الاستقلال). وبالتالي فقد عشنا، بعد هذه المرحلة، وصول الإسلاميين إلى المشاركة في ممارسة السلطة، بعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية لما بعد 2011، ومن ثم قيادة ائتلاف حكومي تشكل من أربعة أحزاب، هي: العدالة والتنمية، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، قبل أن يعلن (الاستقلال) انسحابه، ويعوض بـ(التجمع الوطني للأحرار)».
ويقول أعبوشي، إن «قيادة حزب إسلامي للحكومة، أدت إلى ظهور أنماط وأشكال جديدة للصراعات الحزبية في المغرب؛ وهي صراعات يمكن أن نميز فيها الصراعات التي كانت مباشرة بين (العدالة والتنمية) و(الأصالة والمعاصرة)، الذي يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى وسط اليسار، وعلى أنه حزب حداثي تقدمي، فضلا عن صراعات بين الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي، وخصوصًا بين (العدالة والتنمية) و(التجمع الوطني للأحرار)». وكان لكل هذا، كما يضيف أعبوشي: «انعكاس على المشهد الحزبي الحالي، وعلى عمل الحكومة، من جهة، وعلى الحياة السياسية في المغرب، بصفة عامة. وهو ما سيظهر، بشكل جلي، عندما دخلت هذه الأحزاب في الحملة الانتخابية الجارية، حيث أفرز لنا الوضع صراعًا ثنائيًا واضحًا بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة؛ إذ لم يعد لباقي المكونات الأخرى تأثير كبير في المشهد الحزبي، على الرغم من محاولات الدفع بـ(فيدرالية اليسار) بقيادة نبيلة منيب، وتمكين القوانين الناظمة للانتخابات الأحزاب الصغيرة من الدخول في غمار الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تخفيض العتبة الانتخابية إلى 3 في المائة، من ضمان مقعد برلماني. وهذا ما سيساعد على (بلقنة) المشهد السياسي وتشتيت أصوات الناخبين، وبالتالي صعوبة أن يحصل حزب واحد، أو حزبان، أو حتى ثلاثة، على الأغلبية التي تمكنها من تشكيل حكومة في المستقبل».
ولاحظ أعبوشي أن «هذا كله يفسر لنا، اليوم، حدة النقاش السياسي، الذي يصل، أحيانًا، إلى درجة العنف اللفظي في الخطاب السياسي عند الفاعلين السياسيين، خلال مرحلة الانتخابات. كل هذا، من دون أن نغيّب مؤشرات، تتعلق بتنظيم ما عرف بمسيرة (مجهولة الهوية)، بالدار البيضاء، قبل أيام من بدء الحملة الانتخابية، حاملة شعار «لا لأسلمة وأخونة الدولة»؛ فضلا عن الخوض في الحياة الخاصة لرموز وقياديي عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات القيادية، وهو ما يتنافى والقيم والأخلاق السياسية».
وأثارت مسيرة الدار البيضاء كثيرًا من ردود الفعل السلبية، الغاضبة والمستهجنة، إلى درجة لم يتجرأ معها أحد على تبنيها، لتشتهر بين المغاربة بـ«المسيرة المجهولة»، ولقد كشفت عن صراع بين وزارتين تشرفان على الانتخابات، هما الداخلية والعدل، بعدما خرج مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، المنتمي للعدالة والتنمية، إلى الرأي العام بـ«إعلان عام» عبر صفحته على «فيسبوك»، قال فيه إنه «لا يستشار ولا يقرر» في كل ما يتعلق بالشأن الانتخابي. وأنه «على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب». ثم أعلن أن «أي رداءة أو نكوص أو تجاوز أو انحراف لا يمكن أن يكون مسؤولا عنها»؛ ليسارع محمد حصاد، وزير الداخلية، بالرد عليه عبر موقع إلكتروني، معتبرًا الأمر مجرد «سوء فهم».
ومن جانبه، رأى إدريس لشكر، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، في خلاف الرميد وحصاد، تعبيرًا عن «غياب التجانس في الحكومة»، حيث علق ساخرًا: «أصبحوا يتواصلون فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهم غير قادرين حتى على عقد اجتماع».
في حين قال محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، المشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، إنه «كان يجب على وزيري العدل والداخلية، الجلوس إلى الطاولة لحل المشكل الذي عبر عنه الرميد، لا اللجوء إلى التدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي». وأبرز العنصر أن الرميد وحصاد «لم يجر اختيارهما اعتباطيًا للإشراف على الانتخابات، بل في منظومة واضحة وبتعيين من الملك».
* لافتات «ارحل»
والواقع، لم يكن الترخيص لمسيرة «مجهولة»، رفعت خلالها لافتات «ارحل» ضد رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، قبل أيام من الاقتراع، الخلاف الوحيد بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية، التي منعت، قبل ذلك، الشيخ السلفي حماد القباج من الترشح باسم العدالة والتنمية. لذلك، تحدث ابن كيران عن مناورات، تعرض لها حزبه «من اليمين ومن الشمال»، إلى أن «أراد الله أن يفضحهم فنظموا المسيرة المعلومة»، التي رأى أنها «ليست حدثًا ومر، بل هي علامة فارقة، بخصوص ماذا يريد المغاربة. هل يريدون ناسًا معقولين، يقولون لهم الحقيقة، ويبينون لهم كيفية إصلاح أمور البلاد بتدرج، أم يريدون من يبيعهم الأوهام؟».
وأثار ترشيح ومنع القباج جدلاً كبيرًا، بين مرحب ومعارض. وذهب العماري، أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة، إلى القول بأن حزبه كان يرغب في ترشيح مغربي يهودي الديانة في مدينة مراكش، لمواجهة القباج. سوى أن هذا الأخير منع من الترشح، كما أن المرشح الذي كان ينوي حزبه ترشيحه اعتذر لأسباب شخصية. ثم استدرك قائلا: «أنا ضد المنع. وترشيح مغربي يهودي للانتخابات التشريعية كنا نريده تعبيرًا عن مغرب نريده متعددًا».
من جهته، لم يفوّت ابن كيران الفرصة لينتقد قرار منع القباج، حيث قال: «وماذا به حماد القباج؟ ما هي مشكلته؟ قالوا عنه إنه سلفي. وماذا بعد؟.. هو سلفي متنور. يحب بلده وملكه، كما ساهم في حملة التصويت لصالح الدستور. فكيف نتنكر له هو وأمثاله ممن يجعلون من التيار السلفي تيارًا إيجابيًا مشاركًا في المجتمع، يقف في وجه الإرهاب والتطرف والتشدد؟».
وفي غمار التحضير للانتخابات، أصدر الديوان الملكي، في 13 سبتمبر الماضي، بيانًا تضمن انتقادات قوية لنبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة، وأمين عام حزب التقدم والاشتراكية (يسار)، وذلك على خلفية تصريحات وصفها القصر بالـ«خطيرة»، تتعلق بفؤاد عالي الهمة، مستشار العاهل المغربي ومؤسس حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، قبل أن يصبح مستشارًا ملكيًا. ووصف البيان تلك التصريحات بأنها «ليست إلا وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة». وكان ابن عبد الله، قد قال، في حوار إن مشكلة حزبه ليست مع حزب الأصالة والمعاصرة، بل مع من أسسه، وهو من يجسد التحكم، ليرد الحزب، بعد ذلك، بأن «الموضوع في الأصل يتعلق بنزاعات حزبية محضة لم يكن أبدا في نية حزب التقدم والاشتراكية وأمينه العام إقحام المؤسسة الملكية فيها بأي شكل من الأشكال».
* حسابات الأحزاب
بدا ابن كيران، في تجمعاته الخطابية، منسجمًا مع شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، الذي رفعه حزبه، في الانتخابات الجارية، ولذلك تعهد بمواصلة الإصلاح إذا فاز حزبه بولاية ثانية. وتحدث عن حصيلة حكومته، فقال إنه «كان لا بد من الإصلاح لإنقاذ المركب من الغرق، ولم يكن هناك مفر من الإصلاح، على الرغم من أني كنت أعرف أنه يمكن للناس أن يخرجوا إلى الشارع». وزاد ابن كيران مخاطبا أعضاء حزبه: «نحن واثقون بأننا سنستمر في هذا الطريق؛ لأن أمن البلاد واستقرارها لا يباع ولا يشترى».
على خلاف العدالة والتنمية، المتشبث بـ«مواصلة الإصلاح»، رفع الأصالة والمعاصرة، شعار «التغيير، الآن». بل إن أمينه العام، إلياس العماري، قال إن الحكومة المقبلة، التي ستتمخض عن اقتراع 7 أكتوبر المقبل، ستكون ملزمة، بغض النظر عن مكوناتها، باتخاذ جملة من الإجراءات والتدابير، من قبيل رفع نسبة النمو، وتقليص المديونية، ورفع نسبة الاستثمار، وخلق فرص الشغل، ورقمنة الإدارة، ومحاربة الفساد، وإصلاح صندوق المقاصة (صندوق دعم المواد الأساسية) والتدبير الجيد لإصلاح أنظمة التقاعد، وإلا فـ«إننا سنباع في المزاد العلني»، حسب تعبيره. وفيما يتعلق بخريطة التحالفات، التي يمكن أن تتمخض عنها نتائج الاقتراع، استبعد أي إمكانية للتحالف مع العدالة والتنمية، حيث قال: «من المستحيل أن يكون هناك تحالف بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لأننا ننتمي لمشروعين مجتمعيين متناقضين تمامًا».
وهكذا، وبينما تشتد الخصومة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ترفض باقي الأحزاب، وبخاصة الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، حصر التنافس الانتخابي في البلاد بين هذين الحزبين، فقط. وذهب لشكر أبعد، في تشريحه حالة التجاذب التي تميز المشهد الحزبي المغربي، فقال إن الصراع «أصبح محصورًا بين مشروعين، الأول ديمقراطي حداثي والثاني محافظ رجعي»، مبرزًا أن تحالفاته لا يمكن أن تخرج عن الأحزاب التي تشاركه المشروع الحداثي الديمقراطي.
* خيار ثالث
في هذه الأثناء، تميّزت الاستعدادات للانتخابات الجارية بالحديث عما سمي بـ«التيار الثالث»، الذي تمثله، بالأساس «فيدرالية اليسار الديمقراطي» التي تسعى إلى تكوين توجه سياسي يخالف توجه قطبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.
ويرى أعبوشي أنه «في سياق التقاطب السياسي الحزبي الثنائي بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ظهرت دعوات إلى المراهنة على (خيار ثالث)، من أجل تحقيق التوازن بين هذين الحزبين الغريمين، وذلك من خلال دفع بعض قوى اليسار، بقيادة نبيلة منيب، من أجل لعب دور وتقديم البديل الموضوعي الذي يفرز إجابات على الطلبات الاجتماعية في سياق آخر». وباستخدام عبارة «الخط» أو «الطريق» أو «الخيار» الثالث، تريد فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن تتميز من جهة، عن الإسلاميين في العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى، عن الأصالة والمعاصرة الداعي إلى التغيير، والذي يقدم نفسه حزبًا حداثيًا تقدميًا.
وترى منيب، الأستاذة الجامعية، البالغة من العمر 56 سنة، والمرأة الوحيدة التي تقود حزبا سياسيا في المغرب، أن «الجزء الذي يوصف بالمحافظ (أي الإسلاميين) أثبت أنه يتبنى من وجهة النظر الاقتصادية النيو - ليبرالية، بكل آثارها المضرّة. أما القطب الآخر، الذي يسمى حداثويًا جزافًا، فلم يتحدث يومًا عن الحداثة». وتذهب القيادية اليسارية إلى القول بأن «الطرفين لا يلبّيان تطلعات المغاربة، أي إرساء ديمقراطية حقيقية»، قبل أن تقدم اختيارات وقناعات حزبها، قائلة: «نحن نقف بينهما، ونقترح خطًا، هو طريق إصلاح سياسي حقيقي، عبر فصل بين السلطات».
* شعار لكل حزب
لقد رفعت الأحزاب المغربية المشاركة في الاستحقاق الانتخابي شعارات مختلفة، جاءت، إلى حد ما، معبرة عن تموقع كل واحد منها، خلال الولاية التشريعية السابقة، إما في المعارضة أو باعتباره حزبا مشاركا في الحكومة، والاستراتيجيات التي رسمتها لنفسها، خلال المرحلة المقبلة. لذلك رفع التقدم والاشتراكية شعار «المعقول لمواصلة الإصلاح»، والأصالة والمعاصرة شعار «التغيير، الآن»، والاستقلال شعار «تعاقد من أجل الكرامة». وفي حين اختار العدالة والتنمية شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، اختار التجمع الوطني للأحرار «جميعًا من أجل تحرير الطاقات، وتعزيز التضامن»، وفيدرالية اليسار الديمقراطي «معنا؛ مغرب آخر ممكن.. مغرب الديمقراطية.. مغرب المواطنة»، والحركة الشعبية «التزام من أجل المغرب»، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية «55 كفى.. 555 تدبيرًا».
* التعددية الحزبية خيارًا
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إدريس لكريني، أستاذ القانون العام، بجامعة «القاضي عياض»، في سياق تناوله للتفاوت الحاصل في شعارات الأحزاب، إن «المغرب اعتمد، منذ أول دستور له بعد الاستقلال، التعددية الحزبية خيارا استراتيجيا؛ على اعتبار أن المجتمع المغربي هو غني بتنوعه؛ واعتبارًا لكون الديمقراطية هي آلية لتدبير هذا التنوع والاختلاف بشكل سليم وسلمي». وأردف أن «الانتخابات التشريعية تشكل إحدى المناسبات التي يفترض أن تعكس هذا التنوع والاختلاف من حيث الأولويات والتحالفات وطبيعة البرامج والشعارات».
ولاحظ لكريني أن «اعتماد الشعارات المختصرة في الانتخابات له وقع كبير على الناخب بمختلف توجهاته ومستواه الفكري والتعليمي؛ ذلك أن الأمر يسمح بإيصال إشارات رسائل غالبًا ما تكون بسيطة وواضحة في مضمونها تتعلق بأولويات وانتظارات مفتقدة أو نادرة، تطمح لها فئات واسعة من المواطنين، كما هو الشأن بالنسبة لـ(المعقول) الذي يحيل إلى اعتماد الجدية في الأداء؛ أو (التغيير) أو (الكرامة) أو (الإصلاح)، أو (التضامن) أو (المواطنة)». غير أن مواكبة أجواء الحملة الانتخابية، يختم الكريني، تظهر أن «بعض الأحزاب تركز على أسلوب القذف والشتم والإساءة لخصومها من الأحزاب سبيلاً للتنافس، أكثر من تركيزها على مضامين برامجها وشعاراتها؛ وهو ما تكون له تبعات سلبية على مستوى التصويت لصالحها أو من حيث التأثير في نسبة مشاركة الناخبين بشكل عام».
* الصورة بألف كلمة
وحقًا، أثار «اتفاق» أغلب قادة الأحزاب المغربية على «النزول» إلى الأسواق الأسبوعية، بالبوادي أو الأسواق والأحياء الشعبية بالمدن، بالموازاة مع حرصهم على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك»، للتواصل مع الناخبين، في محاولة لاستمالتهم للتصويت على مرشحيهم، انتباه وفضول المغاربة، متتبعين للشأن العام أو مواطنين عاديين.
ولاحظ لكريني، في هذا السياق، أن «هناك توجهًا من قبل الأحزاب إلى تطوير سبل تواصلها مع الناخبين»، مشيرًا إلى أن «الشعبوية» التي ميزت النقاش السياسي، في السنوات الأخيرة، دفعت الأحزاب إلى «نوع من الاجتهاد في إبداع أدوات تواصلية جديدة مبنية على التفاعل المباشر من خلال زيارة الأسواق الشعبية والتماهي مع المواطنين في بعض السلوكيات، من أكل وشرب».
وإضافة إلى الحملات الانتخابية والمنافسة التي تجري بين مختلف الأحزاب في المدن والقرى، يضيف لكريني: «نتابع حملات تجري أطوارها، بشكل قوي، في العالم الافتراضي، من خلال المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، اعتمادًا على النصوص المكتوبة والصور ومقاطع الفيديو».
* توقعات ما بعد 7 أكتوبر
يتوقع أعبوشي أن تفرز استحقاقات 7 أكتوبر عدة معطيات: أولاها، ستكون على مستوى النتائج، حيث «لن يخرج المتصدر عن ثلاثة أحزاب، هي، من دون ترتيب محدد أو مسبق، العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع التشديد على أن الفرق بين المتصدر والحزبين الباقيين لن يكون كبيرًا، كما كان عليه الحال في الانتخابات التشريعية السابقة، التي تصدرها العدالة والتنمية». ثانيها، أن «هناك مراهنة، من طرف المسؤولين، في المغرب، على أن تكون نسبة المشاركة مرتفعة، وأن تتجاوز 50 في المائة. وكل ضعف أو عزوف عن المشاركة سيطرح نقاشًا حول مشروعية الفائز، ومن خلاله مصداقية عمل الحكومة المقبلة»؛ فيما يشير المعطى الثالث إلى أنه «كيفما كانت النتائج، فستكون هناك صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي منسجم. وهناك توقع، بالنظر إلى هذه المعطيات وإلى الصراعات بين الأحزاب، أن يجد الحزب الفائز صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.