مصر تقنن الصحافة الرقمية

شروط إدارية ورسوم مالية لإطلاقها كمؤسسات احترافية على الإنترنت

مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
TT

مصر تقنن الصحافة الرقمية

مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)
مواقع إخبارية مصرية على الإنترنت تنتظر «قانون تنظيم الصحافة والإعلام» («الشرق الأوسط»)

تسعى مصر لتقنين «الصحافة الرقمية» أو المواقع الإخبارية على الإنترنت، من خلال وضع شروط ورسوم مالية قبل إطلاقها على الشبكة العنكبوتية، والتعامل معها بعد ذلك كمؤسسات احترافية يدير الأمور فيها صحافيون أعضاء في «نقابة الصحافيين»، التي ظلت لسنوات طويلة «نقابة للصحافة الورقية». وقال يحيى قلاش، نقيب الصحافيين المصريين، لـ«الشرق الأوسط»، إن النقابة لن تظل «نقابة للصحافة الورقية فقط»، وأضاف أن «الواقع أصبح يحتم علينا أن نجاري تطور الزمن وأن نتعامل مع الصحافة الإلكترونية كجزء من نسيج العمل الصحافي المؤسسي».
وبعد إجازة استمرت نحو شهرين، يستعد البرلمان لاستئناف جلساته في غضون أسبوع. وبدأ الجدل بين مشرعين وإعلاميين، حول المشروع الذي يحمل اسم «تنظيم الصحافة والإعلام». خرجت بيانات علنية وتسريبات من تحت الطاولة أيضًا. يبدو أنها طريقة لجس نبض معارضين محتملين.
وأحالت الحكومة المشروع إلى مجلس الدولة، وهو جهة تراقب سلامة صياغة القوانين ويأخذ في الاعتبار ما يحال إليه من مقترحات بهذا الشأن. ومن المقرر أن يعيده «المجلس» للسلطة التنفيذية بتعديلات جديدة، وسط لغط عن مصير بنود قدمتها نقابة الصحافيين لـ«تلطيف بعض المواد». وتخشى مواقع إخبارية من قيود على الحريات ومن إجبارها على سداد مبالغ مالية تفوق قدرتها. لكن وزير الإعلام المصري الأسبق، أسامة هيكل، قال لـ«الشرق الأوسط» إن مشروع القانون يستهدف التنظيم وليس التقييد. ويشغل هيكل حاليًا رئاسة لجنة معنية بالإعلام في البرلمان. كما كان رئيسًا لتحرير صحيفة «الوفد» الليبرالية المعارضة.
ومثلما زاد عدد الصحف الورقية الصادرة عن مؤسسات مستقلة منذ «ثورة 2011»، أصبحت توجد أيضًا عدة مئات من المواقع الإخبارية الخاصة التي تمكنت من إيجاد موضع قدم لها في الوسط الإعلامي والصحافي في دولة يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت فيها نحو 30.8 مليون مستخدم، بنسبة نحو 33 في المائة من عدد السكان، وفقًا لموقع «internet livestats» الذي يرصد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم.
واشترط مشروع القانون الجديد ألا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن 500 ألف جنيه (السعر الرسمي للدولار يبلغ نحو 8.85 جنيها)، لإصدار موقع إلكتروني إخباري. وقال خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «البداية» الإلكتروني: «تقدمنا، في نقابة الصحافيين، باقتراح لتخفيض هذا المبلغ إلى 150 ألف جنيه أو 200 ألف جنيه». ويتولى البلشي موقع رئيس لجنة الحريات في النقابة. وأوضح أنه يخشى أن تكون «روح الحريات» في مشروع القانون أقل مما كانت عليه في السابق.
كما اشترط التشريع الجديد على الصحف الخاصة التي يصدرها الأشخاص الاعتباريون أن تتخذ شكل تعاونيات أو شركات مملوكة للمصريين وحدهم، ولا يقل رأسمال الشركة المدفوع عن ثلاثة ملايين جنيه إذا كانت الصحيفة (ورقية) يومية، ونصف مليون جنيه إذا كانت صحيفة إلكترونية.
وقال رئيس تحرير «البداية» إنه لا يعرف إن كان قد تم الأخذ باقتراح تخفيض المبلغ أم لا، أثناء عرض مشروع القانون في مجلس الدولة.. لكن في كل الأحوال سيوفق أوضاع صحيفته الإلكترونية، مثل كثير من المواقع المشابهة الأخرى، لتتماشى مع القانون. وتوجد هواجس بشأن احتمال تسرب مواد في القانون المقترح في نسخته الحكومية، تعطي للسلطة التنفيذية هيمنة، من خلال طبيعة تشكيل الهيئات التي ستكون مختصة بعالم الصحافة والإعلام، وهي «المجلس الأعلى للصحافة» و«الهيئة الوطنية للصحافة» و«الهيئة الوطنية للإعلام».
البلشي يرى أنه يمكن التغاضي عن مسألة تخفيض مبلغ التأسيس، قائلا إنه في نهاية المطاف: «أنا أرى أن هذا كلام يمكن أن أتجاوزه رغم كل شيء، أضف إلى ذلك أن القانون يعطيني فرصة لتقنين الأوضاع لمدة سنة». وحركت عدة تسريبات الجدل، قبل الأوان، حول أحقية رئيس السلطة التنفيذية في تعيين أعضاء في الهيئات الثلاث التي ستتولى الإشراف على الإعلام والصحافة.
ومن بين ما خرج من تحت الطاولة القول بإمكانية إخراج المواد الخاصة بتلك الهيئات، من مشروع القانون المقترح، ووضعها في قانون منفصل، لتخفيف حدة أي معارضة متوقعة لمشروع القانون الأصلي عند عرضه على البرلمان.
ويضم البرلمان 12 نائبًا على الأقل قادمين من خلفيات لها علاقة بالعمل في الصحافة والتلفزيون، لكن معظمهم يؤيد عادة التوجهات الحكومية. ودعا عدد من كبار الصحافيين، نواب الكتل البرلمانية والحكومة إلى عقد لجان استماع ومناقشة لطرد الشائعات التي تتسرب بشأن بنود مفصلية في المشروع المقترح، إلا أن الحكومة لم تعلق «انتظارا لما ستنتهي إليه مراجعة مجلس الدولة».
وجاء التشريع الجديد تطبيقًا للدستور الذي وافق عليه المصريون بعد سنة من «ثورة 2013» ضد حكم جماعة الإخوان. ففي عام 2014 جرى إلغاء منصب «وزير الإعلام»، لأول مرة منذ عام 1952، مما ترك هذا الجسم «دون رأس مركزي» رغم تضخمه، خاصة مع تزايد المواقع الإخبارية الإنترنتية، وذلك انتظارًا لصدور القانون الذي يضع الإعلام الرقمي ضمن أولوياته، ويحاول وضع أسلوب عصري لإدارة الإعلام والصحافة بعيدًا عن التدخل المباشر من الحكومة.
ويُلزم مشروع القانون الدولة بضمان حرية الصحافة والإعلام والطباعة والنشر الورقي والمسموع والمرئي والإلكتروني. ويحظر «الحبس الاحتياطي» في الجرائم التي تقع بواسطة الصحافيين أو الإعلاميين المتعلقة بممارسة عملهم. كما يعاقب بالحبس والغرامة المالية، أو كليهما.. «كل من تعدى على صحافي أو إعلامي بسبب أو أثناء عمله».
ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بضرورة الانتهاء من إصدار المشروع في عدة مناسبات. وكان يفترض مناقشته وإقراره في البرلمان قبل أشهر، لكن محاولات لاسترضاء أطراف متباينة التوجهات أدت، على ما يبدو، إلى تأجيل الأمر إلى الدورة البرلمانية الجديدة.
وصحب ذلك مخاوف من ملاك مواقع إلكترونية بشأن القدرة مستقبلا على العمل دون قيود. وقال أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان: «نأمل أن يتم الانتهاء من مشروع القانون في الدورة المقبلة»، مشيرًا إلى أن المشروع يستهدف تنظيم المواقع الإلكترونية الإخبارية وليس تقييدها، و«من الطبيعي أنه ستكون هناك فترة انتقالية لتقنين اﻷوضاع. نحن في انتظار إحالة مشروع القانون إلينا من الحكومة بعد مراجعته في مجلس الدولة».
ويشغل عضوية نقابة الصحافيين المصريين التي تتخذ لها شعار «قلعة الحريات»، نحو 8500 عضو، ممن يعملون في الصحف الورقية. بينما يعمل في مئات المواقع الإلكترونية الإخبارية الخاصة أعداد غير معروفة وغير مسجلة في نقابة الصحافيين، مما يعرض محرريها ومندوبيها ومراسليها للمؤاخذات القانونية بسبب عدم حملهم بطاقات النقابة. وحاولت تجمعات لصحافيي مواقع إخبارية إلكترونية، غالبيتهم من الأجيال الجديدة، تأسيس نقابات موازية في الأعوام الخمس الأخيرة، لكنها ظلت بلا فاعلية أمام الثقل الذي تمثله النقابة الأم التي تأسست على يد كبار الصحافيين قبل 75 عامًا.
ودخل الإنترنت إلى مصر على نطاق محدود عام 1992، وتوسعت الخدمة بعد ذلك بخمس سنوات لتدخل بيوت المواطنين لكن بقدرة تحميل متواضعة لم تزد وقتها عن 256 كيلوبايت في الثانية. وظهرت الثورة الإنترنتية الحقيقية بعد عام 2004، بوصول عدد الداخلين على الشبكة إلى نحو 8.7 مليون في مصر، وذلك حينما توسعت الحكومة في مبادرة الإنترنت المجانية وزيادة سرعته، مما دفع الكثير من الصحف الورقية القائمة بالفعل لإنشاء مواقع لها، لكن الأمور كانت تتغير في جهة أخرى.
فقد بدأت صفحات المدونين المعارضين الذين يعبرون عن أنفسهم، في مزاحمة عالم الصحافة المنضبطة، خاصة بعد أن ضاعفت الحكومة سرعة التحميل على الشبكة العنكبوتية مجددًا، حيث وصلت حينها إلى 24 ميغا في الثانية. وبحلول عام 2010 كان عدد الداخلين على الإنترنت قد ارتفع إلى نحو 17.7 مليون، إلا أنه لوحظ تراجع عالم المدونين، في مقابل امتلاء الإنترنت بمواقع إخبارية بدأت تتزايد بعد ثورة 2011 على حساب مؤسسات صحافية ورقية عريقة، حيث وصل عدد مستخدمي الإنترنت في تلك السنة إلى 21.4 مليون مستخدم. ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم زاد عليهم أكثر من 9 ملايين مستخدم جديد، وبالتزامن مع هذا تشكل جيل من الصحافيين الإلكترونيين الشبان، ممن وجدوا أنفسهم دون حماية قانونية وخارج منظومة الصحافة التقليدية.
وقال قلاش، الذي جرى انتخابه نقيبًا للصحافيين العام الماضي ولديه خبرة طويلة في العمل النقابي، وقضايا الحريات وتطوير مهنة الصحافة: «نحاول أن نجعل الصحافة الإلكترونية ذات طابع مؤسسي، وخاضعة لعلاقات عمل منظمة». وأضاف: «نحن لن نظل نقابة الصحافة المكتوبة، ولن نكون فلكلورًا، وفي النهاية النقابة تستوعب أي تطور. المستقبل يسير في هذا الاتجاه. نحن نريد للصحافة الإلكترونية أن تكون جزءًا من نسيج العمل الصحافي الذي يراعي حدًا أدنى من علاقات العمل».
وعلى عكس من يستكثرون مبلغ تأسيس صحيفة إلكترونية في مشروع القانون الجديد، يرى قلاش أن المبلغ أقل من ثمن شقة تصلح كمقر للموقع والعاملين فيه.. «هناك بعض الناس استكثروا الـ500 ألف جنيه، ونحن من وجهة نظرنا نرى أنه حتى لو أردت أن تشتري شقة بهذا المبلغ، فلن تجد. فكرة أن يقوم شخص مع اثنين من أصدقائه بإدارة صفحة أو موقع على الإنترنت للتعبير عن أنفسهم.. فهذه ليست مؤسسة صحافية. يوجد فرق بين حرية التعبير والاحتراف. نحن نتحدث عن الاحتراف. يكون للموقع مقر وهيئة تحرير نقابية تتطلب مرتبات».
ومن بين المخاوف التي بثها معارضون للحكومة، القول بأن مشروع القانون الجديد سوف يعاقب من لا يلتزمون بنصوصه، من أصحاب المواقع الشخصية على الإنترنت، بما فيها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ولا تتضمن صياغة مشروع القانون أي شيء من هذا الأمر. وقال قلاش: «من حق أي شخص أن ينشئ صفحات. لا تستطيع أن تطارد ملايين البشر على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن حق المؤسسات أيضًا أن تفعل ذلك كنوع من الدعاية والترويج والإعلان عن نفسها.. نحن نعرف كل هذا، لكن الصحافة الإلكترونية المحترفة، لا بد أن يتوفر لها الحد الأدنى من التنظيم ومن علاقات العمل.. وهذا ما نسعى إليه».
وعن تقديره لعدد المواقع الإنترنتية الإخبارية في مصر، أوضح أن عددها «كبير جدًا»، نتيجة لأنه لا توجد شروط لها. كما أصبح هناك نقابات كل منها تقول إنها نقابة للصحافة الإلكترونية.. «بينما يتم فيها استغلال شباب صغير السن يسعى للعمل في هذا المجال، لكنه يخضع للابتزاز من مثل هذه النقابات، بزعم أنها قادرة على إصدار بطاقات صحافية لهم تعطيهم الحق في العمل الصحافي، وهذا في رأيي خطر.. وخطر على المهنة نفسها».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.