«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

قلة نضج غالبية الأحزاب سياسياً دفع بمرشحي العشائر إلى الواجهة

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن
TT

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

«القائمة النسبية».. تجربة جديدة للأردن

يجمع المراقبون على أن القانون الذي ستجرى على أساسه انتخابات مجلس النواب الثامن عشر في الأردن المقررة يوم 20 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يوصل أي حزب أو تجمع سياسي إلى حكومة برلمانية، التي كانت من أبرز مطالب الربيع الأردني خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من أن القانون الجديد ألغى قانون الصوت الواحد واشترط على المرشحين الدخول في قوائم على مستوى المحافظة أو الدائرة الانتخابية، فإن الغالبية العظمى من المهتمين بالعملية الانتخابية ما زالت تتأثر بالقانون السابق، واتضح ذلك من خلال الدعاية الانتخابية التي اتّسمت بالفردية دون التركيز على القائمة.
يشهد الأردن يوم الثلاثاء المقبل 20 سبتمبر الحالي معركة الانتخابات النيابية (البرلمانية)، وتتنوع الآراء حيال الصورة التي يتوقع أن تنتجها على مسرح الساسة في المملكة. وحول إمكانية البناء على هذه الانتخابات في تشكيل حكومة برلمانية، صرح الكاتب والمحلل السياسي فهد الخيطان خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا توجد نية لأحد في تشكيل حكومة برلمانية في المرحلة الحالية، وبات من المؤكد أن القانون بحاجة لتجربته أكثر من مرة حتى تنضج الحياة السياسية والحزبية، حتى يصبح القانون أداة مناسبة للوصول إلى الحكومات البرلمانية». وأردف: «الإشكالية ليست في القانون وإنما في الحياة الحزبية نفسها، فكلما تطوّرت الحياة الحزبية أصبح من الممكن تشكيل حكومات برلمانية استنادًا إلى هذا القانون». ثم قال: «نحن بحاجة إلى تجربة تطبيق القانون لمدة دورتين، وبعدها نستطيع أن نجني ثمار هذا القانون مع تعديلات يجب أن تجرى عليه، خصوصًا أننا في عملية التطبيق سنكتشف المشكلات على الواقع وهي التي تحدد هذه التعديلات».
بدوره، قال النائب السابق الدكتور مصطفى حمارنة إن «البيئة الحاضنة ليست بالمستوى السياسي الذي يتيح إفراز عدد كافٍ من النواب على أساس برامجي وسياسي، لكي يكون باستطاعتهم تشكيل كتل سياسية برلمانية على أساس برامجي - ليست هلامية مثل المجالس السابقة - لها القدرة على التشريع وتكون شريكة الحكومة في الرؤية». وأضاف: «للأسف أنا من النواب الذين صوّتوا لصالح إقرار القانون اعتقادًا مني أنه سيساهم في تشكيل قوائم سياسية حزبية ولها برامج، ولكن، للأسف، هذا لم يحصل واستمر هذا التأطير للجهوية والعشائرية في الدوائر الانتخابية الذي لا يشجع على التنمية السياسية».
* الإسلاميون.. في الصورة
وأردف حمارنة: «أنا لا أرى للأحزاب القديمة أو الحديثة أي دور في المجلس المقبل، وحتى القوى الإسلامية تأثرت قاعدتها الشعبية في الفترات السابقة لأسباب كثيرة ومختلفة»، مشيرًا إلى أنه رشح نفسه في «قائمة المستقبل» في دائرة مأدبا (جنوب غربي عمّان)، «ولنا برنامج عمل أطلقته كتلة المبادرة البرلمانية في المجلس السابق، وسنكمل هذا البرنامج إذا كتب لنا النجاح، والقائم على مبدأ المشاركة مع الحكومة». وتابع أنه يتمنى الوصول إلى قانون يكون على أساس القوائم الحزبية لا توجد فيها «كوتات» (حصص)، علمًا بأن هذه «الكوتات» موجودة في السابق وتوسّعت في القانون.
في المقابل، رأى عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، أن القانون في الأساس «مصمم خصيصًا للحيلولة دون تشكيل كتل برلمانية حزبية وعدم الوصول إلى حكومات برلمانية، حيث لم يمكن القانون أي تكتلات حزبية أو وطنية أردنية في الحصول على مقاعد كافية في تشكيل أغلبية أو أقلية وازنة في البرلمان». وتوقع الرنتاوي أن يكون باستطاعة حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين (الأم)، تشكيل كتلة برلمانية عددها من 15 إلى 20 نائبًا، أما بقية الأحزاب فلن تحظى إلا بمقعد أو مقعدين لكل منها في أحسن الأحوال. وأشار إلى أنه من الصعوبة بمكان جمع هذه الأحزاب على برنامج عمل واحد، ولكن قد تنشأ تكتلات على غرار المجلس السابق من دون أي روابط أو لاصق لها.
وأوضح الرنتاوي أنه «وفق القانون الحالي ستكون المنافسة السياسية الحزبية على 30 مقعدًا من أصل 130 مقعدًا، أما بقية المقاعد فستكون لنواب الحارات والجهويات والعشائر وغيرها بنفس الطريقة القديمة، وربما عدد كبير من النواب السابقين سيعاد إفرازهم.. والجديد منهم سيكون من نفس التركيبة. أما من لديه لون سياسي حزبي فإن من سيصل إلى البرلمان لا يتجاوز 30 نائبًا، منهم 20 نائبًا من جبهة العمل الإسلامي، والعشرة الباقون سيتوزعون على بقية التلاوين السياسية، بما فيها الحزبان اللذين تم الإعلان عنهما أخيرًا؛ حزب (زمزم) وجمعية جماعة الإخوان المسلمين المنشقة عن الجماعة الأم».
واستطرد الرنتاوي قائلاً إن قرار مشاركة الأحزاب في الانتخابات «جاء لأنه ليس لديها خيار آخر. فهي محاولة منها لتقديم نواب في البرلمان إذا حالفها الحظ، وإذا لم يحالفها الحظ فهي فرصة لتقديم نفسها وبرامجها ورموزها للرأي العام. وبالتالي، فهي بمثابة تمرين بالذخيرة الحية بالتعامل مع جمهورها». وذكر أن «الأحزاب، التي تخوض الانتخابات ولها برامج فكرية، محصورة بالإسلاميين وبعض القوائم القليلة لبعض الأحزاب اليسارية والوطنية، أما الأحزاب الوسطية فإنها تخوض الانتخابات بغطاء عشائري واضح بعيدة عن أي برامج».
وعن مشاركة جمعية جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات، قال الرنتاوي إنها «مخالفة للقانون، ولو كانت هناك معايير صارمة لتم إغلاقها على غرار تحويل 30 جمعية خيرية للقضاء بسبب تدخلها في الانتخابات، خصوصًا أن جمعية الجماعة تخضع لقانون الجمعيات الخيرية وليس لقانون الأحزاب السياسية». وختم كلامه بالقول إن نتيجة الانتخابات «ستكون فرز قرابة 30 نائبًا حزبيًا، والبقية المائة سيكون انتخابهم بنفس الطريقة الفردية السابقة من دون برامج وولاؤهم مضمون للحكومة».
* عمل مؤسسي وبرامجي
على صعيد آخر، أعرب موسى المعايطة، وزير الشؤون السياسية والبرلمانية، عن أمله بأن تؤسس الانتخابات المقبلة لـ«عمل مؤسسي وبرامجي، من خلال تشكيل القوائم والتحالفات والائتلافات التي أعلنت خوضها الانتخابات، سواءً كان ذلك على مستوى الدائرة الانتخابية الواحدة أو الدوائر الانتخابية الـ23 على مستوى المملكة». واعتبر أن مشاركة مختلف القوى السياسية والحزبية والشعبية والمُجتمعية في الانتخابات من خلال تشكيل الكُتل والائتلافات «خطوة مُتقدمة لترسيخ الديمقراطية الأردنية وسط إقليم مُلتهب، ورسالة للعالم بأن المملكة هي واحة أمن واستقرار ومحبة، وأنموذج عملي في تعزيز مشاركة المواطن في صناعة القرار».
وأردف أن الحكومة «تتطلّع إلى مشاركة كبيرة لفرز تركيبة نيابية تمثل مختلف الأطياف والقوى السياسية والحزبية والمُجتمعية»، مؤكدًا أنه «كلّما كانت المُشاركة أوسع كانت تشكيلة مجلس النواب أقرب إلى التمثيل الحقيقي للمجتمع، وبالتالي، فإن المواطن سيكون شريكًا في صناعة القرار وانتخاب ممثليه». وأشار المعايطة إلى أن «عدم مُشاركة بعض الناخبين في هذه الانتخابات تعني أنهم يسمحون لغيرهم بأن يُقرروا نيابة عنهم شكل ولون مجلس النواب المقبل».
وبيّن أن «صناعة التغيير في مجلس النواب الجديد تتطلّب مُشاركة الجميع في الإدلاء بأصواتهم، وليس من خلال المُقاطعة التي لا تخدم المصلحة الوطنية ولا السياسية، في مرحلة يسير فيها الأردن بثقة نحو تعزيز مسيرة (الإصلاح)، باعتباره مطلبًا وطنيًا أجمع عليه المواطنون». وللعلم، أبدت جميع الأحزاب والفعاليات الشعبية والنقابية رغبتها بالمشاركة في العملية الانتخابية سواء من الترشح أو الاقتراع.
* 1289 مرشحًا ومرشحة
بلغ العدد النهائي لمقدّمي طلبات الترشح للانتخابات النيابية 1289 مرشحًا ومرشحة، توزّعوا على 230 قائمة انتخابية. وبلغ عدد السيدات المتقدمات بطلبات الترشح 257 سيدة، منهن 4 سيدات مسيحيات وسيدتان من الشيشان/ الشركس، كما تقدمت قائمتان نسائيتان للترشح في كل من الدائرة الأولى في الزرقاء تحت اسم «قائمة النشميات»، والدائرة الخامسة في عمّان تحت اسم «قائمة سيدات الأردن».
ويخوض حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن غير المرخصة، المعركة تحت قوائم «التحالف الوطني للإصلاح» البالغ عددها 19 قائمة تضم 111 مرشحًا منهم 72 من كوادر الحزب. في حين تخوض أحزاب إسلامية تابعة لجمعية جماعة الإخوان المسلمين التي انشقت عن الجماعة الأم على 7 قوائم، دون تحديد عدد المرشحين الذين يتمتعون بدعم عشائري.
ولقد أظهرت نتائج دراسة مسحية أن جميع الأحزاب أكدت نيتها المشاركة في العملية الانتخابية، ووصل عدد الأحزاب المشاركة في الترشح إلى 39 حزبًا بنسبة 78 في المائة من إجمالي الأحزاب، بينما اكتفى 11 حزبًا بالتصريح برغبتهم بالمشاركة من خلال الانتخاب فقط. كذلك بيّنت الدراسة أن المرشحين من ذوي الانتماءات الحزبية شكلوا ما نسبته 18 في المائة من إجمالي عدد المرشحين، بما مجموعه 234 مرشحًا ومرشحة، وكانت نسبة الذكور منهم 81.7 في المائة، مقارنة بنسبة الإناث 18.3 في المائة. وتوزع المرشحون من ذوي الانتماءات الحزبية على 99 قائمة انتخابية في مختلف الدوائر الانتخابية.
كذلك بينت الدراسة، أن أكثر الأحزاب ترشيحًا في الانتخابات النيابية لعام 2016 هو حزب جبهة العمل الإسلامي، إذ ترشح عنه 72 مرشحًا، أي ما يعادل 5.6 في المائة من إجمالي المرشحين على مستوى المملكة، نسبة السيدات منهم 19 في المائة منهم. وتلاه حزب التيار الوطني بـ23 مرشحًا، نسبة السيدات منهم 17 في المائة. ثم يأتي حزب المؤتمر الوطني (زمزم) بـ20 مرشحًا، نسبة السيدات 10 في المائة. بينما ترشح من حزب الاتحاد الوطني 16 مرشحًا ومثله حزب الوسط الإسلامي. أما بالنسبة للأحزاب اليسارية والقومية فقد رشحت ما مجموعه 12 مرشحًا، من بينهم سيدتان فقط توزعوا على 8 قوائم انتخابية في 6 دوائر انتخابية.
ومن اللافت حسب الدراسة أن القوائم التي ضمت مرشحين يساريين، كانت عبارة عن قوائم مختلطة بين اليسار والوسط والتحالفات العشائرية، كما أظهرت المعطيات ميل أحزاب اليمين والوسط إلى بناء تحالفاتها بصورة متباينة في مختلف الدوائر التي ترشحت فيها، أي أنه لم يلحظ أي سلوك معياري لتحالف الأحزاب اليمينية والوسطية ذاتها في مختلف الدوائر التي تترشح فيها.
* أكثر من 4 ملايين ناخب
هذا على صعيد المرشحين، أما بالنسبة للناخبين، فإنه يربو على 4 ملايين ناخب، منهم مليون ونصف المليون في العاصمة عمّان ومليون ناخب في الزرقاء، ومن المنتظر أن ينعكس تراجع الإقبال في عمّان والزرقاء على تدني نسبة الاقتراع الإجمالية. والحقيقة أن أشكال الدعاية للانتخابات تظهر تأثر المرشحين بقانون الصوت الواحد، في ظل طغيان لافتات دعائية منتشرة في الشوارع تحمل صورًا شخصية لمرشحين بعينهم، دون بقية المنضوين في قوائمهم. حسب مراقبين، فهذا النوع من الدعاية يكشف عن تخوّفات كانت تتحدث عن فكرة «الحشوة» في القوائم، بحيث تستحوذ صور القائمين على القوائم على النسبة الأكبر، على حساب باقي أعضائها، أي «الحشوة»، أو ما جيء بهم لإكمال العدد. وما تحتويه هذه اللافتات من صبغة شخصية، مؤشر جدي على أنها دعوة للناخب لاختيار شخصية واحدة من القائمة، شخصية يبدو أنها لم تكن ستترشح عن طريق قائمة، لو سمح القانون لها بذلك. أما باقي أعضاء القوائم، وليس كلها حتمًا، فهم هناك لتجميل صورة قانون الانتخاب الذي لا يرضى بمرشحين إلا عبر قوائم، بحسب تقدير بعض المراقبين.
وبالنسبة للشعارات، بدا جليًا أن الدعاية الحالية للانتخابات بلافتاتها، لم تحمل شعارات جديدة، تغري الناخب بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، فمفردات مثل «التغيير» و«قوت المواطن» و«البطالة» و«محاربة الفقر» باتت سمة مألوفة في شعارات المرشحين والقوائم، كما كانت مع حملة مجلس النواب السابق. ولذا يتساءل المراقبون عن الجديد في هذه الشعارات، وما جاء به المرشحون، خصوصًا أن الشارع ملّ مثل هذا النمط الدعائي وفقد الثقة بها.
من جهة ثانية، بدأت تطفو قضية المال السياسي على سطح المشهد الانتخابي، خصوصًا بعد تحويل عدد من القضايا المرتبطة بها إلى القضاء، وفق الهيئة المستقلة للانتخاب، فضلاً عما تشهده بعض الدوائر الانتخابية من ظهور هذا المال بين ناخبين ومرشحين، بحسب شهود عيان، مما يدعو للتصدي له ووقفه قبل استفحاله. وبينما عالجت «الهيئة المستقلة» هذه القضية عبر تعليمات تنفيذية خاصة بالاقتراع والفرز - وخصوصًا للناخب الأمي، الذي يعد أحد مفاتيح شراء وبيع الأصوات - يتحرك المال السياسي بسرعة في العملية الانتخابية.
* المال.. والرشوة
ويتخذ هذا «المال السياسي» أشكالاً متعددة، من بينها الرشوة التي يقدمها مرشحون للناخبين لقاء ضمان أصواتهم، سواء كان الصوت لصالح مرشح معين أو توظيفه ضد مرشح آخر، إما بحجب الصوت أو منحه مرشحًا آخر لتشتيت الأصوات، والحؤول دون نجاح أحد المرشحين. لكن «المال السياسي» ليس بدعة أردنية في حال، بل حالة عالمية، يمارسها إغراء أو تدجين وتطويع الناخبين عبر المال والاسترضاء بالامتيازات. وفي هذا الصدد، قال الناخب علي بلال، إنه «تجاهل دعوات وجهها إليه مرشحون وأفراد من طواقمهم، ليقف في صفهم»، ورفض ذلك، مؤكدًا أنه «سينتخب من يريده هو لا من يفرض عليه». وأشار إلى أنه «على علم بأن هناك أشخاصًا، يجري توظيفهم من قبل مرشحين، للترويج لهم واستغلال الظروف المعيشية الصعبة لمواطنين لشراء أصواتهم».
أما الناخب أيمن الصمادي، فذكر أن «أشكال المال السياسي بدأت تظهر قبل فترة من خلال التبرعات والمساعدات العينية»، مشيرًا إلى أن «ظاهرة شراء الأصوات، أفقدت مجلس النواب السابق هيبته وجعلته عرضة للنقد، وساهم ذلك في تدني مستوى أداء المجلس». وأوضح أنه تنتشر في منطقته «شعارات انتخابية باهتة، تتناول التأمين الصحي والتعليم وتخفيض أسعار النفط والكهرباء ومحاربة الفاسدين، وما إلى ذلك مما سمع به المواطن من شعارات دون أن يرى أي تطبيق لها على أرض الواقع».
وفي هذا السياق نشير إلى أن دائرة الإفتاء العام في المملكة حرمت شراء الأصوات في الانتخابات، من خلال فتوى نشرتها على موقعها الإلكتروني. ونصت الفتوى على أنه «يحرم على المرشح أن يدفع المال للناس مقابل انتخابه وحشد الأصوات لصالحه، سواء أكان نقدًا، أو هدايا، ومن يفعل ذلك، فكيف يؤتمن على مصالح وطنه ومقدراته». وتابعت أنه «من غير اللائق بالمواطن الأردني أن يتعامل مع قضية الانتخابات بهذا الأسلوب، ومن غير اللائق على النائب كذلك أن يحشد الأصوات لصالحه بهذه الطريقة، ومما يذمّ به المجتمع أن تكون المجالس النيابية قائمة على شراء الضمائر، وماذا يُتوقع ممن يرى المال كل شيء فيبيع صوته، أو يشتري صوت غيره؟ وماذا يُتوقع منه إذا صار صاحب قرار؟».
* قانون الانتخاب الجديد
- يرتكز قانون الانتخاب الجديد على نظام «القائمة النسبية المفتوحة».
- ينهي هذا القانون مبدأ الصوت الواحد، وسيؤدي إلى أن تكون ثمة حكومات برلمانية في المستقبل.
- نظام القائمة النسبية المفتوحة للدول التي تتمتع بوجود أحزاب قوية: «أن يشكل كل حزب قائمة تحتوي على مرشحيه في الانتخابات، حيث يتم وفق النظام الانتخابي اختيار مرشح أو أكثر من القائمة الحزبية، بينما يتم تحديد نسب تمثيل هذه الأحزاب في البرلمان بناء على نسب الأصوات التي حصل عليها كل حزب».
وأما فيما يتعلق باختيار ممثلي الحزب وفق هذا القانون، فإنه يتم بحسب ترتيب الأصوات التي حصلوا عليها.
- بما أن الحياة الحزبية في الأردن ليست قوية، فاعتمد القانون الجديد على أن يشكل مجموعة من الأفراد قائمة محددة بناء على تيار يجمعهم أو فكر سياسي أو اجتماعي أو حزب.
- يرى كثيرون أن في نظام القائمة النسبية المفتوحة مساحة كافية لفوز الفقراء والأقليات، وتمثيلهم بصورة عادلة في البرلمان.
- أصبحت كل محافظة تمثل دائرة واحدة، باستثناء العاصمة عمّان التي خصصت لها 5 دوائر، وإربد 4 دوائر، والزرقاء دائرتان، ليكون المجموع الكلي 23 دائرة.
- يمتلك كل ناخب عددًا من الأصوات يساوي عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية، ولن يكون هناك عدد يقل عن 3 مقاعد للدائرة الواحدة.
- يقوم الناخب بالإدلاء بصوته لقائمة واحدة فقط من القوائم المرشحة أولاً، ثم يصوت لكل واحد من المرشحين ضمن هذه القائمة أو لعدد منها.
- عدد النواب وفق القانون 130 نائبًا أي أقل بـ20 نائبًا من السابق، مع الإبقاء على 15 مقعدًا مخصصًا للنساء «الكوتا» و9 مقاعد للمسيحيين و3 مقاعد للشركس والشيشان.
- يبلغ عدد المقاعد المخصصة للنساء ضمن «الكوتا» 15 مقعدًا، بواقع مقعد واحد لكل محافظة، على ألا يلغي ذلك حقهن في الحصول على مقعد في حال فوزهن بالتنافس.
- المقاعد المخصصة للشركس والشيشان والمسيحيين، فإنهم يترشحون فقط ضمن قوائم في الدوائر الانتخابية التي خصصت لهم فيها مقاعد.
- تعامل كل دائرة من دوائر البادية الثلاث (الشمالية والوسطى والجنوبية) معاملة المحافظة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».