حفتر يقلب الطاولة

تحالف القبائل والجيش يربك المشهد الليبي

حفتر يقلب الطاولة
TT

حفتر يقلب الطاولة

حفتر يقلب الطاولة

قَلَبَ الجنرال الليبي خليفة حفتر الطاولة على خصومه. فعلَ مثلما فعل أسلافه ممن وصلوا إلى حكم البلاد، خلال عشرات السنين الماضية، انطلاقًا من الشرق، أو مما يُعرف بـ«إقليم برقة». ليس شرطًا أن يتولى حفتر مسؤولية إدارة البلاد، لكن، على الأقل، يمكنه أن يمهد لمرحلة جديدة عقب سيطرته، قبل أيام، على نحو ستين في المائة من مصادر النفط وموانئ تصديره. وللعلم، يضم الشرق قبائل لها أصول منتشرة في عموم ليبيا. وأدى هذا إلى ظهور مقولات أصبحت شائعة منها أن مَن يسيطر على الإقليم يمكنه، بكل سهولة، أن يُخضع باقي البلاد لسلطته. وتوجد توقعات بتحرك جنرال الجيش لتحرير مناطق جديدة قرب العاصمة من «الميليشيات».
يقول الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، الدكتور محمد الزبيدي، لـ«الشرق الأوسط»، لدى سؤاله عن مستجدات الوضع في ليبيا: «توقعوا مفاجآت جديدة من القوات المسلحة العربية الليبية». والواقع أن الجيش بقيادة خليفة حفتر أربك العالم بتحركه في الهلال النفطي، رغم أنه محروم من العتاد، بقرار دولي منذ 2011. ولكن يوجد مؤيدون لعمل الجيش، مثل الدكتور الزبيدي، والمحلل السياسي الليبي، ابن برقة، عبد العزيز الرواف، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» من مدينة طبرق، إن «الجيش بقيادته المحترفة وبأفراده المدربين، استطاع أن يفاجئ العالم». لكن هناك في طرابلس ومصراتة، من يخشون من تزايد قوة حفتر. ومن بين هؤلاء مَن كان يعوِّل منذ البداية على المجلس الرئاسي، المدعوم من الأمم المتحدة ومن دول غربية أخرى، في توحيد البلاد، من خلال حكومة وفاق وطني.
ويحلو لمتحدثين في منتديات ليبية في القاهرة تناول موضوع بلادهم ببساطة شديدة.. أي باعتباره منافسة محمومة بين شرق البلاد وغربها. وعلى هذا القياس تبدو فرضية انتصار الغرب ضعيفة، حتى لو كانت الميليشيات التي لديه، بما فيها قوات «البنيان المرصوص»، مدججة بالأسلحة وتتلقى مساعدات في الخفاء من دول كبيرة ومقتدرة.
* البداية
بدأت المعضلة بين شرق ليبيا ذي الطابع القبلي وغربها الأقل تمسكا بتقاليد القبائل منذ انتخابات البرلمان في 2014. في الجانب الغربي من البلاد يعد اللاعب الرئيسي هما مدينتي طرابلس ومصراتة. طرابلس لها ميليشيات ومصراتة لها ميليشيات. شكلا وحدة واحدة عرفت باسم «فجر ليبيا» وبدأت الحرب ضد البرلمان الجديد، مما اضطره إلى نقل جلساته للانعقاد في طبرق، في أقصى الشرق، وسط قبائل القطعان والمنفة والحبون وغيرها بالإضافة إلى قبيلة العبيدات التي ينتمي إليها رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح.
وبدأ زعماء من إقليم برقة يشعرون بأنهم في حالة عداء مع قادة من إقليم طرابلس. وزاد الطين بلة قيام كثير من ميليشيات الغرب بدعم معظم ميليشيات مدينتي بنغازي ودرنة لقتل رجال الجيش والشرطة، ولمحاربة البرلمان وحكومته برئاسة عبد الله الثني. والثني الذي يدير وزارته من الشرق، من أبناء مدينة غدامس الواقعة جنوب غربي طرابلس. وعلى هذا استمر البرلمان والجيش والحكومة في العمل على أساس أنهم يمثلون ليبيا وليس الشطر الشرقي من البلاد فقط، كما كان يشيع قادة في طرابلس ومصراتة.
في هذه الأثناء كان الجيش يرتب أوضاعه، لكي يؤسس له مقرات وارتكازات عسكرية في الجنوب والغرب. وشعرت عدة ميليشيات من جماعة الإخوان ومن الجماعة الليبية المقاتلة، بخطر المنظومة الجديدة للقوات المسلحة، بقيادة حفتر. هنا ظهرت مقترحات البعثة الأممية بضرورة إجراء حوار بين الأطراف المتحاربة والمتخاصمة. وعلى ذلك وافق قادة البرلمان، ورئيسه صالح الذي يعد، وفقًا للإعلان الدستوري، أعلى سلطة في البلاد، وبمثابة رئيس للدولة، على الانخراط في الحوار برعاية الأمم المتحدة، لكنها كانت فيما يبدو موافقة تنقصها الحماسة.
* مساعي الأمم المتحدة
رغم كل شيء بدأت مفاوضات البعثة الأممية بين عدة أطراف ليبية في بلدة الصخيرات بالمغرب، واستمرت أكثر من سنة، إلى أن انتهت بمولد مجلس السراج مع وجود رائحة عن ميل المنظمة الدولية لقادة طرابلس ومصراتة.. لقد كان قادة الشرق يخشون، منذ البداية، من التهميش، ومن إعادة نظام حكم الميليشيات مرة أخرى. لا يملك البرلمان قوة يؤكد بها شرعيته إلا قوة الجيش وقائده حفتر ومساندة القبائل له.
وفي المقابل.. ولكي يتمكن السراج من العمل، كان لا بد من إجراءات يتخذها له البرلمان، مثل تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري المعمول به كدستور مؤقت للبلاد، وحل مشكلة البند الوارد في الاتفاق، الخاص بتحكم المجلس الرئاسي في شؤون الجيش والمخابرات، ومنح حكومة التوافق الثقة. وظل البرلمان يماطل.
وعلى هذا أخذت قيادات في غرب البلاد تتهم قبائل في الشرق والجيش الوطني بأنها اختطف البرلمان وتمنعه من التصديق على حكومة السراج التي ظلت، حتى الآن، دون غطاء شرعي. وفي الوقت نفسه مطلوب من السراج أن يحل المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وكلها مشكلات كبيرة تراكمت وتضخمت في السنوات التي أعقبت سقوط نظام القذافي.
من جانبه لم يشأ السراج أن يقف مكتوف الأيدي. قام بجولات واستشارات مع مَن يدعمونه في غرب البلاد وفي الخارج. وأخيرا، اتخذ الرجل مجموعة قرارات، أيدها المبعوث الأممي لليبيا، مارتن كوبلر، للخروج من المأزق، لكنها تسببت على ما يبدو في تعقيد المشكلة مع قادة الشرق، خصوصًا البرلمان والجيش، بالإضافة إلى قبائل أخرى.
إغراء قبائل في شرق البلاد لتأييد السراج، كان رهانا محفوفا بالمخاطر. فإحدى هذه القبائل ينتمي إليها قائد الميليشيا المتحكمة في موانئ تصدير البترول في منطقة الهلال النفطي. والأخرى ينتمي إليها وزير الدفاع الذي اختاره السراج في حكومة الوفاق. لكن تحرك حفتر أطاح بكل الخطط.
من طرابلس يقول طارق القزيري، الرئيس السابق للمركز الليبي للدراسات، وأحد مستشاري الحوار والاتفاق السياسي الذي أنتج المجلس الرئاسي، إن المجلس، بعد التطورات الأخيرة، أي بعد دخول الجيش إلى منطقة الهلال النفطي، وبعد عراقيل مختلفة، أصبح موقفه «ليس على ما يرام». ويضيف موضحا أن المجلس الرئاسي «بات الآن في مهب الريح.. سواء من حيث الأداء، أو قوة المناهضين له، بالإضافة إلى عجز الغرب عن تقديم دعم فعلي. كل هذا جعل الحديث عن مصير (المجلس) الرئاسي، منطقيا وغير مستهجن حتى عند أقرب مؤيديه».
بينما يقول الدكتور خليل المجعي، ابن مدينة مصراتة، وهو أستاذ للقانون ومستشار وناشط سياسي معروف، إن سيطرة حفتر على الموانئ النفطية «هو أمر تختص به حكومة الوفاق الوطني. هي وحدها الحكومة الليبية الشرعية في البلاد. ويجب أن تنظر إلى الأمر وتدرسه في إطار المصلحة العليا للوطن».
* نظرة جغرافية وأنثربولوجية
وأيا ما كان الأمر فإن الشرق الليبي يعد مفتاح التغيير السياسي والعسكري في ليبيا. وقد يرجع السبب لمدينة بنغازي التي تعد ثاني أكبر المدن، وتضم خليطا من عشرات القبائل التي تعود أصولها إلى مناطق ليبية مختلفة. أي أن ما يمكن أن يتفق عليه القادة في عاصمة الشرق، من السهل أن يسري في النهاية على ليبيا ككل.. ينظر كثير من شيوخ العشائر إلى بنغازي التي يتخذ منها الجيش مركزا لعملياته في عموم البلاد، بوصفها «ليبيا مُصغَّرة». ويقول أحد القادة العسكريين من مقر العمليات إن المدينة تاريخيًا هي مفتاح الحل والربط، ومن يسيطر عليها يحكم ليبيا.
ومما يُذكر في هذا السياق أن الجيش الذي حرّر ليبيا من الاستعمار، في بداية أربعينات القرن الماضي، تحرك انطلاقا من الشرق. كما أن خطاب الاستقلال الذي ألقاه الملك من شرفة القصر، في مطلع الخمسينات، كان من الشرق أيضا. حتى الضابط الشاب معمر القذافي، حين أراد أن يعلن عن حركته التي أوصلته إلى الحكم عام 1969، اختار الشرق. كما أن «ثورة 17 فبراير» التي قضت على حكمه في 2011، انطلقت شرارتها الأولى، كذلك، من شرق البلاد.
ويعيش في الشرق الليبي، أكثر من ثلث سكان البلاد. ويحد المنطقة من الغرب، إقليم طرابلس الذي تشكلت فيه دويلة صغيرة مع نهاية العهد العثماني في ليبيا، قبل أكثر من مائة سنة، لكن هذه الدويلة لم تتمكن من الحياة والبقاء إلا بعد أن تحالف قادتها مع زعماء الشرق في «ليبيا موحدة».
ويحد المنطقة من ناحية الجنوب الغربي إقليم فزان الصحراوي الشاسع، والغني بالواحات والتمور والثروات المعدنية. وتطل معظم مدن إقليم برقة على ساحل البحر المتوسط، مثل درنة وطبرق وبنغازي، لكن الأغلبية من السكان لديها نزوع للتأقلم مع حياة الصحراء ورعي الأغنام وتربية الإبل أكثر من حياة البحر وصيد السمك والسياحة الشاطئية. كما تضفي مروج الجبل الأخضر مسحة شاعرية على الثقافة العامة. ومن مدن الشرق خرجت رموز في الفنون والثقافة وخرج كتاب ومطربون وموسيقيون، رغم أن بعض هذه المدن تحولت لملاذ للميلشيات المتطرفة بعد سقوط نظام القذافي، إلى أن تصدى لها الجنرال حفتر أخير.
وما زالت توجد بيوت قديمة تقع على اللسان البحري لمدينة طبرق وفي ضواحي بنغازي، تخص قادة عسكريين آخرين من قبائل الشرق والوسط والغرب والجنوب كانوا يعملون مع القذافي، بينهم من ينتمي لقبيلة الفرجان (قبيلة خليفة حفتر)، وقبيلة العواقير وقبائل القطعان والمنفة والورفلة والمقارحة والقذاذفة والمغاربة، وغيرها من القبائل.
وفي الخطوة الأخيرة التي أربكت المشهد، انتزع حفتر موانئ تصدير النفط، وهي موانئ يعتمد عليها الشعب الليبي في تمويل مأكله ومشربه. لك أن تتخيل حالة الفقر وارتفاع الأسعار وتأخر صرف الرواتب، إذا علمت أن كمية صادرات النفط لم تكن تزيد طوال الفترة الأخيرة، في المتوسط، عن ربع مليون برميل يوميًا، بعد أن كانت لا تقل، في السابق، عن مليون ونصف المليون برميل يوميًا.
هناك وقائع تاريخية ينبغي عدم تجاهلها في ليبيا، منها أهمية التحالف بين القبائل والجيش. ويقول الدكتور الزبيدي، وهو من قبيلة ورفلّة، ومن أبناء مدينة بني وليد شمال غربي سرت، إن القبائل كان لها دور مهم في استعادة الجيش لموانئ التصدير و«قوت الشعب». ويبدو أن الأمم المتحدة لم تضع هذين الفريقين في الحسبان، منذ بدأت في جمع بعض الليبيين حول مائدة الصخيرات.
حين جاء السراج إلى طرابلس، أواخر مارس (آذار) الماضي، لم تستقبله رموز القبائل الكبيرة ولا الجنرال حفتر، ولكنه وصل إلى شاطئ طرابلس في مركب تحت جنح الظلام. واستقبلته ميليشيات مسلحة من الغرب الليبي لحمايته على أمل أن تحصل على غطاء رسمي لعملها الموازي لعمل الجيش والشرطة. السراج ابن طرابلس. لا ينتمي إلى قبيلة كبيرة تُذكر مثل القبائل الرئيسية الأخرى. ومع ذلك كانت أطراف داخلية وإقليمية ودولية تضغط عليه لكي يسير بالمركب إلى بر الأمان.
وفي هذا الإطار اضطر أخيرًا لأن يلقي بكل ما معه من أوراق على الطاولة.. الورقة الأولى حشد بها ما تيسر من ميليشيات لمحاربة «داعش» في سرت. ونصَّب نفسه لهذا الغرض قائدًا أعلى للجيش الليبي. الورقة الثانية العمل على استقطاب قبائل الشرق. وساعد كلّ من كوبلر، وأطراف دولية أخرى، منها بريطانيا والولايات المتحدة، في هذا الاتجاه. كان الأمل حشد التأييد للسراج والثناء على نجاحه في «لمّ شمل الليبيين» قبل الاجتماع السنوي للأمم المتحدة. لكن البرلمان والقبائل وحفتر، أفسدوا الأمر برمته.
* دور مناصري القذافي
ويشير الدكتور الزبيدي إلى اشتراك قادة عسكريين كبار من الموالين لنظام القذافي ومن الموالين لـ«ثورة 17 فبراير » التي أطاحت به، في «تحرير الموانئ النفطية في المنطقة الشرقية والوسطى من سطوة الميليشيات، ويستعدون للتحرك في الجنوب والغرب أيضا». ويضيف أن المستغرب هو دعوة كوبلر للجيش بالانسحاب من موانئ التصدير، وكأنه يريد أن يحدد له أماكن تمركزه.
ويقول إنه رغم ذلك أثبت الجيش وطنيته بأن دعا المؤسسة الوطنية للنفط (تابعة لحكومة السراج) للحضور والإشراف على تصدير النفط وبيعه والتصرف فيه، وهذه الخطوة أدت إلى «إفراغ المجلس الرئاسي من محتواه»، لأن هذا المجلس نفسه كان وقتها يدعو الميليشيات إلى التوجه للموانئ النفطية ومواجهة الجيش وإشعال الحرب فيها، بينما المؤسسة الوطنية للنفط رأت فيما قام به الجيش «عملاً وطنيًا بامتياز».
ويضيف أن الجيش الليبي بتحريره موانئ النفط قطع الطريق بشكل نهائي على موضوع تقسيم ليبيا، وأفشله. وقضى على أفكار الفيدرالية.. «كل ذلك أدى أيضًا إلى تراجع السراج عن تصريحاته العنترية، وبدأ يتحدث طالبًا الحوار وعدم الاقتتال».
يبدو أن موقف المجلس الرئاسي أصبح معقدًا، لأن تحرك حفتر لم يكن فرديًا. يقول الرواف إن تحرك الجيش سبقه عمل سياسي واجتماعي قادته عدة أسماء سياسية واجتماعية منهم برلمانيون، وأيضًا شيوخ وعمد قبائل ليبية، في مقدمتهم شيخ مشايخ قبيلة المغاربة التي تمتد على مساحة شاسعة في ليبيا، ويعتبر قائد الميليشيات التي كانت تحتل موانئ النفط، إبراهيم الجضران، أحد أفرادها، لكن القبيلة آثرت الوطن ومصلحته.
على الجبهة الأخرى، وقبل أسابيع، كان يوجد اعتقاد بأن السراج لو تمكن من دحر «داعش» في سرت، سيحصل بكل سهولة على ثقة البرلمان. ولهذا وقف معه المجتمع الدولي في هذه الحرب. لكن البرلمان لم يعطه مراده. لو كان البرلمان صادَقَ على حكومته لكان في مقدوره الحصول على 67 مليار دولار من الأموال الليبية المجمدة في الخارج، ولأنعش بها السوق ولشعر عامة الناس بفاعليته.
أما ملف الشرق القبلي، فقد فتحه السراج أيضًا قبل ثلاثة شهور من أجل تفتيت التكتل المناوئ له، وذلك من خلال ما اعتقدَ أنه النجاح في استقطاب اثنتين من القبائل المعتبرة. هاتان القبيلتان هما قبيلة المغاربة التي ينتمي إليها الجضران، وقبيلة العواقير التي ينتسب لها وزير الدفاع في حكومة المجلس الرئاسي، مهدي البرغثي، وهو ضابط كان يعمل مع حفتر في بنغازي. لكن هذا كله اتضح أنه لم يكن يعني شيئًا، بعد طرد حفتر للجضران من الموانئ، وظهور الجيش متماسكًا حتى بعد موالاة البرغثي للسراج.
* النفط والتحديات الأخرى
ويقول القزيري إن «تحركات الجيش التابع للبرلمان كانت تستهدف بالأساس إقصاء أو تهميش خصوم خليفة حفتر في المنطقة الشرقية خاصة الجضران والبرغثي، لكي يتمكن بذلك من تأمين جبهته الداخلية عبر إتمام تحشيد قبائل المغاربة والعواقير». ويضيف أن خطوط التماس الآن باتت «واضحة جغرافيا»، و«إذا لم تحدث تفاهمات وصفقات سياسية منتجة وقابلة للحياة، فقد نشهد تصعيدا في الجنوب وفي تخوم العاصمة طرابلس».
ويتساءل القزيري عما إذا كان الحديث سيكون، بعد التطورات الأخيرة، عن «ما بعد (المجلس) الرئاسي؟ أم ما بعد الاتفاق السياسي؟»، ويقول إنه «ما لم تحدث تغيرات دراماتيكية سيكون السؤال: أي شكل جديد للمجلس الرئاسي؟ الذي لن يكون تُساعيًا (يضم تسعة أعضاء حاليا) ولا موسعًا، بلا أدنى شك».
وعلى كل حال فإن ما يهم الليبيين هو تصدير النفط. وهذا محور اهتمام عدة دول لديها شركات تعمل في هذا المجال.. هل ستذهب حصيلة النفط إلى الشرق أم إلى الغرب؟ ويقول القزيري إنه من الواضح أن تحرك حفتر في موانئ التصدير لم يحسب حساب ردود الفعل الدولية، في البداية، لكن حين ظهرت الضغوط «ترتب عليها تسليم الموانئ النفطية، واحتواء غضب الدول الغربية ومجلس الأمن الدولي، ليكون بيع النفط لصالح المجلس الرئاسي وبنك ليبيا في طرابلس».
ومن جانبه، يوضح الدكتور المجعي قائلا من مصراتة إن ليبيا اليوم أمام تحديات جسيمة، منها تحديات أمنية واقتصادية ملحة. واستمرار أزماتها قد يعصف بوحدة الوطن واستقراره. ويضيف أن «هذه الأزمة هي جزء من أزمة كبرى وهي الانقسام السياسي. انعكس هذا في تشظي المؤسسات العامة بالدولة، خصوصًا مؤسسة الجيش والشرطة. وهذه الأزمة لن تحل إلا بالحوار السياسي بين كل الأطراف. وهدا الحوار يجب أن ينطلق من حيث انتهت آخر نتائجه». أما إذا لم يكن هناك حوار، فيرى المجعي أن ليبيا «لن تنعم باستقرار أو أمان بل المزيد من الانهيار الأمني والاقتصادي الذي يمكن أن تمتد آثاره إلى خارج البلاد».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.