المخدرات.. تجارة تدر الملايين على الجماعات الإرهابية في ليبيا

حمولة سفينة «أبردين» من الحشيش المحتجزة عام 2014 قدرت قيمتها بنحو 240 مليون يورو

الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
TT

المخدرات.. تجارة تدر الملايين على الجماعات الإرهابية في ليبيا

الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)

استخدمت جهود المحققين من وحدة مكافحة المخدرات الإيطالية في قياس مستوى تدفق الحشيش إلى السواحل الأوروبية، ولذلك فعندما رن جرس الهاتف مع إشارة إلى أن هناك سفينة محملة بمخدر الحشيش تجوب المياه الدولية إلى جنوب صقلية في طريقها إلى ليبيا، على مسافة مئات الأميال إلى الشرق من طريق المخدرات السريع والمعتاد إلى إسبانيا، علم فرانشيسكو أميكو، كبير المحققين الإيطاليين، أن هناك أمرا غريبا يحدث.
فعندما أوقفت سفينتان حربيتان إيطاليتان سفينة الشحن «آدم»، قبالة السواحل الليبية في 12 أبريل (نيسان) عام 2013. عثر طاقم السفن الحربية الإيطالية على عدد من السوريين المصابين برعب شديد، بالإضافة إلى 15 طنا من مخدر الحشيش، وهي الشحنة التي تجاوز أكبر الشحنات التي صادرتها السلطات الإيطالية في أي وقت مضى.
وإثر ذلك عثرت السلطات الإيطالية على طريق جديد ومربح لتهريب المخدرات، يمتد بعيدا إلى الشرق على طول سواحل شمال أفريقيا، ويؤدي دائما إلى ليبيا، وبالضبط في المنطقة التي تتنازع عليها الجماعات المسلحة المختلفة، ومن بينها تنظيم داعش الإرهابي.
ومن خلال مساعيهم لفهم ما الذي حدث لشحنات التهريب الضخمة، واجه المحققون لغزا أثار كثيرا من التساؤلات المهمة، ولكن مع القليل من الإجابات الشافية. فأحد الأمور التي يعرفونها هي أن المخدرات لا ينتهي بها الحال في ليبيا، وأن منتجي المخدرات يستخدمون باستمرار شعارات وعلامات تجارية منفردة، مثل شعار العقرب أو علامة الدولار، ويساعد ذلك المحققين في معرفة الدرب الذي تسلكه شحنات المخدرات بعدما تغادر ليبيا، حيث تسافر على طول الطريق البري عبر مصر ثم إلى أوروبا عبر البلقان.
ولكن المحققين لا يزالون غير متأكدين مما يحدث حال عبور المخدرات لذلك الطريق. فمن واقع الاستجواب والمراقبة، علم المحققون بالطريق العابر للأراضي التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي، الذي كان يفرض الضرائب على مرور شحنات المخدرات وغير ذلك من البضائع في سوريا والعراق.
وأدى هذا بالمحققين الإيطاليين، على وجه الخصوص، إلى البدء في طرح الأسئلة التي لم يكونوا يتوقعون أن يطرحوها: هل يمكن لتنظيم داعش، أو أي جماعة أخرى أن تربح من طريق تهريب المخدرات من خلال فرض الضرائب؟ وهل كانت الفوضى التي سببتها الجماعات المتطرفة في ليبيا توفر الفرص لمهربي المخدرات من أجل تلمس طريق تهريب جديد لا تعلم السلطات عنه شيئا أو لعلها لا تتوقع وجوده، أو هل كانت الجماعات المتمركزة في ليبيا متورطة بصورة مباشرة في عمليات تهريب المخدرات ذاتها؟ كما يقول المحققون.
يقول المقدم جيوسبي كامبوباسو، الذي يرأس وحدة مكافحة المخدرات في صقلية تحت رئاسة الحرس المالي التابع لوزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية، وهي قوة الشرطة المالية الإيطالية التي تقود عمليات البحث عن سفن التهريب: «فور وصول الشحنات إلى ليبيا، فإننا نفقد كل أثر لها».
وعلى مدى سنوات، كان المحققون الإيطاليون يتعقبون الشحنات الصغيرة لمخدر الحشيش بأوزان تبلغ مائة كيلوغرام في المرة الواحدة، التي تصل إلى إسبانيا. وفي عام 2007 بدأت إسبانيا في تركيب كاميرات للمراقبة أعلى وأسفل السواحل الجنوبية، ولكن على الأقل في بداية الأمر، استمرت عمليات تهريب الحشيش.
ومع عيون البحث الأوروبية المدربة على التقاط القوارب الصغيرة المتجهة نحو إسبانيا، لم يلحظ أحد في أول الأمر سفن الشحن الكبيرة التي كانت تأخذ المنعطف الكبير نحو الشرق. وقد فسر جياكومو كاتانيا، المفتش لدى الحرس المالي الإيطالي الذي كان مسؤولا عن تخزين شحنات المخدرات المصادرة، معضلة غريبة أخرى، وهي أن سفن الشحن الكبيرة التي احتجزوها، وبعضها يبلغ طولها مساحة ملعب لكرة القدم ومصممة لنقل أساطيل من السيارات وحاويات البضائع، كانت خالية تماما من أي شيء إلا المخدرات.
وبالنظر إلى مبيعات مخدر الحشيش التي تبلغ 10 آلاف يورو، أو ما يساوي 11.200 ألف دولار للكيلوغرام الواحد بمجرد وصوله إلى الشوارع الأوروبية، فإن حمولة السفينة «آدم» بمفردها تساوي مبلغ 150 مليون يورو. وكانت الشحنات التي صودرت في أوقات لاحقة أكبر من ذلك بكثير، بما في ذلك حمولة من الحشيش على متن سفينة الشحن «أبردين»، التي احتجزتها السلطات في صيف عام 2014، التي قدرت قيمتها بنحو 240 مليون يورو، أو ما يساوي 472 مليون دولار.
وبعد الاستيلاء على السفينة «آدم»، أخضع المحققون الإيطاليون طاقم السفينة للاستجواب، لكنهم أصروا جميعا على أنهم لا علم لهم بالحشيش المخبأ في 591 من الأكياس البلاستيكية التي عثر عليها المحققون على متن السفينة. وقد شهد ربان السفينة بأنه كان يعتقد أنه كان ينقل مساعدات إنسانية وصلت إلى متن السفينة بواسطة طاقم من أحد القوارب السريعة الذي اقترب من السفينة الكبيرة، وأصر على نقل الأكياس البلاستيكية، وفقا لنص شهادته أمام المحققين الإيطاليين.
ولمعرفة المزيد، قرر المحققون الإيطاليون، الذين يملكون عقودا من الخبرة في التعامل مع المافيا في صقلية، زرع أجهزة التنصت في الزنازين التي سُجن فيها ستة من طاقم السفينة. وبعد شهور من المراقبة المستمرة، بدأ أميكو في استكشاف الخطوط العريضة لمسار التهريب، وفك لغز معقل الجماعات المتطرفة على السواحل الليبية الذي تمر عبره شحنات التهريب.
ومنذ الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011، تحولت الأراضي الليبية، الممتدة على طول الشريط الساحلي في المنطقة الشرقية من برقة إلى ساحة قتال بين الجماعات المتطرفة المتناحرة. وبحلول عام 2014، شمل ذلك فرع تنظيم داعش في ليبيا، الذي كانت له في كثير من الأوقات مواطئ قدم في مدن بنغازي، ودرنة، خصوصا مدينة سرت، التي سقطت بصورة جزئية في أيدي القوات الموالية للحكومة.
ويعتقد المسؤولون الإيطاليون أن تلك المدن كانت جميعها وجهات مؤكدة لبعض من شحنات المخدرات، على الرغم من أن وحدات الملاحة للسفن الأخرى المحتجزة تشير إلى أنها كانت متجهة إلى ميناء طبرق الليبي الخاضع لسيطرة الجماعة المعارضة التي تقاتل تنظيم داعش في البلاد.
ويقول المحققون إنهم يعتقدون أنه في بعض الحالات على أقل تقدير، كان التنظيم الإرهابي قادرا على فرض ضرائب على مرور شحنات المخدرات. مما يضاهي ممارسات الأعمال التي يضطلع بها تنظيم داعش في معقله المعروف في سوريا والعراق، حيث إن نسبة 7 في المائة من عائدات التنظيم خلال العام الماضي نابعة من إنتاج، وفرض الضرائب على تهريب المخدرات، وفقا لدراسة أعدها مركز بلدان المخاطر التابع لمؤسسة «آي إتش إس» البحثية. غير أن المسؤولين يقولون إنهم لا يستطيعون الجزم بأي الأدوار، إن كانت هناك أدوار، يلعبها تنظيم داعش في عمليات تهريب شحنات الحشيش.
*خدمة: {نيويورك تايمز}



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.