بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

أنطونيو تابوكي وروايته الكاشفة «هذيان أيام فرناندو بيسوا ـ الأيام الثلاثة الأخيرة»

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
TT

بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته

صدرت رواية تابوكي عن الإيطالية عام 1994، وهي ترصد الأيام الثّلاثة لبيسوا في المشفى بينما يقوم الشّعراء الذين خلقهم بالتوافد إلى زيارته وتمضية بعض الوقت معه والإدلاء بالاعتراف وواجب العزاء والمعاتبة على تلك الأيام التي قضوها معا مترافقين.
يبدع تابوكي في تلخيص حياة بيسوا الشّخصية والإبداعية، ويظهر مهارة فائقة بفهمه العميق وقراءته الكبيرة لكلّ شعراء بيسوا.
لا ينبغي على أي أحد أن يترك وراءه عشرين كتابا، وإذا كان قادرا على الكتابة مثل عشرين من الأشخاص المختلفين، فهم يكونون عشرين من المختلفين. يقول بيسوا.
على كلّ يمكن قراءة رواية تابوكي بالعربية بمقدمة طويلة ملهمة شارحة وشديدة الأهمية للمترجم إسكندر حبش، منشورات دار طوى. وإن كنت تزور لشبونة وتبحث فيها عن بيسوا، سيسعفك حقا بتحويلك من سائح ساذج إلى فائح بالأسئلة وفادح بالاكتشاف. يعرّفك على جذوة التعدد، فالذات الواحدة مصابة بعسر الحياة.
ثلاثة أيام في لشبونة برفقة بيسوا وشعرائه الذين خلقهم قبل الوصول إلى موته، دفعتني إلى تأجيل الذهاب إلى قبره حتى آخر يوم لي في لشبونة.
تمدّني هذه الرّواية بالخيوط الأولى للمسير، فأتجه إلى كاتدرائية أستيريا بقبتها الباروكية الكبيرة، بدعة معمارية جاثمة بلا مبالاة. حديقتها المفتوحة للعامة كانت تجمع بيسوا مع أوفيليا كويروز، حبّه الأوحد، يتخاصمان، ويتبادلان النذور بأبدية العشق، وبعض القبلات المسروقة المباركة.
حياتي أقوى مني، سامحيني يا أوفيليا، كان علي أن أكتب، لم يكن علي سوى أن أكتب، لم أكن أستطيع القيام بأي شيء آخر، لقد انتهى كل شيء الآن.
ستكشف رسائل بيسوا إلى حبيبته الجانب الأبسط والحقيقي منه، وستقوم ابنة أخت حبيبته بنشرها بعد زمن طويل، محققة شهرة ودخلا من كبيرا من المال.
سنجد فيها بيسوا العليل، المقهور بالتفاصيل، الذي يتمنى أن يربح جائزة الألف باوند، كي تتحسن ظروف حياته. سنجد فيها بيسوا العاشق الطيب الصادق المبتلى بمرض في الفم، ما يُضطرّه إلى ألا يتوقف عن البصاق كل دقيقتين. سنجد واقعية هذه الشخصية المثيرة الغامضة عارية مجروحة وغارقة في شؤون الحياة، من إيجار البيت والخوف من خسارة العمل والاهتمام بالأم المتطلّبة. الخائف على صورته، عند حبيبته، المتصدي للنميمة الاجتماعية.
سنجد شخصية هشة من لحم ودم لا تشبه أبدا الصورة الخيالية المدهشة للكاتب العبقري.
- وداعًا أيها الحب الصغير، حاولي ما استطعت أن تحبيني حقًا، لمشاركتي آلامي، لتتمني لي صحة جيدة؛ حاولي أن تتظاهري بذلك بشكلٍ ما!
- الرسائل علامات انفصال، الرسائل نكتبها لأولئك الناس الذين لم تعد لدنيا رغبة في الحديث إليهم.
- وداعًا، سأضع رأسي في قاع دلو. هكذا يفعل الكبار - على الأقل عندما يكون لهم - أولاً عقل، ثانيا رأس، ثالثًا دلو حيث يضعون رؤوسهم!
سنتابع المسير بخريطة رواية تابوكي عن بيسوا، أمام البرلمان، وتمشي باتجاه الكالسداد دو كومبرو، حيث قطن سابقًا، في غرفة ضمن بيت سيدة مجنونة في السّتين من عمرها تعمل بتحضير الأرواح، كانت تدعى ماريا داس. كان يشاركها جلساتها الرّوحية، حين تتصل بزوجها الجنرال الميت، وتدخل معه في أحاديث لا تنتهي، عن الحروب، وأسعار الفلفل، وخلال تلك الفترة ابتكر شخصية «برناردو سواريس»، وبدأ يخط كتابه اللاطمأنينة.
وأيضا اخترع شاعرًا مبتدئًا يعمل شرطيا، يدعى «كويلهو باشيكو»، كان يتبادل مع أقرانه الشّعراء إشارات سرّية، بالأصابع ورفيف الجفون.
في مشفى المدينة، رقد بيسوا أيامه الثّلاثة الأخيرة، في الغرفة رقم 4. سيكون من اللائق أن ألقي نظره عليها، قبل البحث عن الشّعراء الذين تناسلوا منه، وزاد عددهم على السّبعين شاعرا.
في غرفة الاحتضار، سيجيء أنداده مودعين. أول الزائرين كان «ألفارو دو كامبوس».
سيتعاتبان، قليلا، ويقول ألفارو دي كامبوس: ألاحظ أنّك لم تعد تنادني بالمهندس، ولم تعد تكلّمني بصيغة الاحترام، وتكلّمني من دون تكلف!
يجيب بيسوا: لقد دخلت حياتي وأصبحت بديلا عني، ولأنّك أنت السّبب في إنهاء علاقتي بأوفيليا. وأيضا أنت من شككت بوجودي وادعيت بأنني لست سوى نسج من خيال.
يرد دي كامبوس: بخصوص الشّك بوجودك أعتذر عن ذلك، ولكن هل فعلاً ظننت أنّك كنت موجودا أكثر مني؟ أما حبيبتك فهي لم تكن تلائمك. كان زواجكما سيفشل، الآن إذا رجعت إلى رسائل الحبّ التي كتبتها لها ستجد كم هي سخيفة. الرّسائل والحالة التي كنت تكذب بها، أتمنى أن تشكرني على ذلك. لقد أنقذتك من السّخف.
أتدري أن رسائلك اليومية السّاذجة التي بعثتها إليها ستقوم ابنة أختك بنشرها بعد سنوات، وستبدو فيها كم كنت أخرقا وساذجا وطيبا. بالعامية «تلوّي القلب» يا عزيزي. سبع عشرة رسالة إلى حبيبتك، تتكلم فيها عن وجع حلقك وكيف تضطر إلى البصق كل دقيقتين، هل تتوقع من انتهازية مثل حبيبتك أن تتفهم صدقك، وأنت تبوح لها بألمك وتناديها برضيعتي، أو فرنادويك. أو حين تصرّح لها برغبتك بأن تربح جائزة الألف باوند التي تحتاجها بشدّة، أو كيف يطردك ربُّ عملك لأنّك غير مؤهل للعمل. وكيف تقضي جلّ وقتك بالانتقال من بيت إلى بيت، وتساعد أمك الطّيبة، وتكشف لها أمراضك وأرقك وأوجاعك وحسراتك، ياه يا عزيزي بيسوا كم أنقذتك من هذه البلوى، كم أنقذتك من السّخف.
يطرق بيسوا ويهمس بحكمة المحتضر، قبل موته بيومين، سيطرح على نفسه ذلك السّؤال العجيب، هل فعلا من السخف أن يكون للشاعر عائلة وأولاد؟ على الأقل سيكون موتًا لطيفًا، محاطا بالأولاد والعائلة، أفضل من مخالطة تلك الأشباح.
هذا ما تخيلته وفكرت به وأنا أستحضر رواية تابوكي عن بيسوا وأمر بجوار المشفى الذي مات فيه.
تاريخيا، الزّواج مضادّ للشّاعر، ولكنّه سيكون منقذًا للكثير من الرّوائيين.
ربّما من بين كلّ الشّعراء، لمع نجم الشّاعر الأميركي دونالد هول، فقد تزوج شاعرة أيضا جين كنيون، وشهد احتضارها وموتها، فأصدر ديوانين جعلاه يلمع كالماسة نقيّة في سوق الشّعر الكاسد «السّرير المطلي» وديوانا بعنوان «من دون».
كان غيابها الفاجع يجتاحه، فتألقت القصيدة، هكذا سيبدو الغياب محرض الشّاعر. أن يكون المرء مهجورًا أو متروكًا، يتلمس أثر الفقد بحواس الشّعر، هي المعادلة المضمونة للبقاء على قيد الشّعر.
ألفارو دي كامبوس، أحد شخصيات بيسوا كان عدميا، لكنه أيضا أحبَّ، سيقول له: لقد أحببت الحياة أيضا، وإذا كنت في أناشيدي المستقبلية والغامضة قد كتبت بسخرية، وإن كنت في قصائدي العدمية، قد دمّرت كل شيء حتى نفسي، لتعلم أنني أحببت الحياة بألم واعٍ.
يرد الشّاعر المحتضر لندّه المعترف: أغفر لك يا كامبوس إذا كنت قد أحببت لمرة واحدة، فهذا لأنك بشري، وإنسانيتك قد غفرت لك.
فيتابع كامبوس: أريد أن أعترف لك يا بيسوا، أني أحنّ وأندم، إلى الحقبة التي كنت فيها شاعرًا منحطًا، أتذكر الآن ضوء القمر والمراكب، والجمال، وكم كنت أحمقا، لأنني كنت أسخر من الحياة، لقد أضعتها ولم أعرف كيف أتمتع بها، وهربت حياتي مني.
لم أستطع فك رموز الواقع، أصبت بالإحباط فهربت للعدمية، مثلما هرب غيري إلى الدين، ويهرب العالم إلى المال، للنتيجة نفسها ولكن بتسميات مختلفة.
الآن أنا سأموت معك، ولكن كان علي أن أقول لك ذلك، لأننا لن نلتقي ثانية، وأعرف أن مزيدا من الأشباه والشّعراء الذين خلقتهم ينتظرون دورهم ليلقوا عليك نظرة الوداع.
يقول بيسوا: أسمعني يا كامبوس قصيدة تخطر على بالك في هذه اللحظات قبل أن تغادر.
كامبوس: حسنا إن كان من قصيدة فلتكن «طريق سينترا على ضوء القمر». وها أنا أتلو عليك مقطعا منها.
أأخلف أحلاما من ورائي، أم ترى هي السيارة التي تخلف الأحلام؟
أأنا قائد السيارة، أم أنا السيارة المعارة التي أقود؟
كان بيسوا يردد ما تبقى من القصيدة حين اكتشف أنّ ضيفه قد غادر وهو يبكي، وعلى الباب سيكون معلمه (ألبرتو كاييرو) ما زال قلقا من كل شيء خصوصا رؤية الأشياء على أنها أشياء، هادئا يرتل أناشيده بمعزل عن أي آيديولوجيا أو ثقافة تعكّر صفو الشّعر:
الجوهري أن نحسن الرؤية
أن نحسن الرؤية دون تفكير
أن نحْسن الرؤية عندما نرى
ولا أن نرى عندما نفكّر
وعلى عكس ما توقع، كان ألبرتو كاييرو يريد أن يعترف لتلميذه لا أن يسحب منه الاعتراف، فباشره فورا:
أنا هو مسبب الأرق لك، في كل تلك الليالي التي لم تستطع أن تنام، أنا كنت من أزورك في الليل، أجعلك متوترا، أحيل ليلك إلى جحيم من الخيالات، أملأ مكان رقادك بالذّكريات، والكلمات، وجعلتك تكتب بلا أدنى شفقة لنفسك.
أطرق بيسوا بهدوء، ثم قال: كنت أشكّ أنّه أنت، على الرّغم من كلّ الألم المدمر للأرق، لكنّك جعلت من تلك الليالي خصيبة.
لولاك يا ألبرتو لم أنتج، ولم أكتشف. كنت أحتاجك كي تكون لي بمثابة المعلم والأب.
لا يمكن أن تنجز الحياة من دون هذا المثل، فحين تصادر الحياة الواقعية منك الأب أو المعلم، عليك بابتكاره، كنت أحتاج يا ألبرتو، إلى مخثّر، ودليل. لولاك لتطايرت حياتي إلى شظايا. لم يطل المعلم المكوث، شعر بالإطراء الشّديد ودّع تلميذه بفرح، وغادر، لأنّ بالباب كان ينتظر منذ وقت طويل، ندّه الذي عاد من البرازيل على ما يبدو.
ريكاردو ريس، طبيب وشاعر كلاسيكي، همس بيسوا: ريس هو «هوراس إغريقي يكتب بالبرتغالية». أغلب قصائده تتحدث عن الحاجة إلى تقبّل القدر. ريس كان ملكي الهوى، ولذا لاذ بالفرار إلى البرازيل حينما سقطت الملكية. وهو الشّخصية التي عنون لها سارماغو روايته الخالدة «سنة موت ريكاردو ريس». كان هذا أخطر أنداد بيسوا، لأنه حاول أن يقنع العالم أن بيسوا نفسه لم يكن موجودا وأنه هو من ابتكره.
حين دخل قابله بيسوا بابتسامة لطيفة.. إذن ها أنت تعترف بأني موجود ؟
فأجاب ريكاردو بقصيدة.
دع الريح تمر لا تسألها شيئا
ليس لها من معنى
غير أنها الريح تمر.
بعده يأتي برناندو سواريس يحلم بالأرواح المتعددة، فحياة واحدة لا تكفي وشخصية واحدة لا تكفي. وبسرعة طلب منه بيسوا أن يلقي عليه قصيدة دكان التبغ.
حسنا أيها العزيز:
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهي
عندما نظرت في المرآة كنت قد شخت
ثملا كنت، لم أعد أعرف وضع القناع الذي لم أنزعه
طوحت به
وفي خزانة الثياب نمت
مثل كلب معتنى به
لكونه غير مؤذٍ
بعد هؤلاء، توافد العشرات من الشّعراء الأنداد الذين اخترعهم قبل أن تحين ساعته ويسلم الرّوح إلى النّهاية. يمكن استبيان بعضٍ من أشهرهم، فهناك أنطونيو مورا مؤلف كثير من النّصوص الفلسفية المكرّسة لموضوع الوثنية. رفاييل بالدايا المنجّم، شأن بيسوا نفسه، والمأخوذ بالغيبيات. مؤلف «رسالة في النكران»، حيث تكون فرضيته الأساسية أن الوجود وهمٌ، والقدر هو أكبر كذبة.
هناك أيضا البارون دي تايفه الذي عرف بمؤلفه الصّغير «تعليم الرواقي» الذي عبر فيه، شأن بيسوا أيضا، عن إحباطاته بسبب عجزه عن إنهاء أي عمل، وفي النّتيجة يفكر بالانتحار. وبعده تأتي ماريا خوزيه العاشقة الحدباء كاتبة رسالة إلى عامل، تشاهده كل يوم من نافذتها، إلا أنّ الرّسالة لم ترسل، وهكذا واحد تلو الآخر مروا للوداع وذابوا وبقي وحده ليتأمل اللحظات الأخيرة وهو يخرج آخر الأنفاس.
من المفيد معرفة أن أحد معاني كلمة بيسوا بالبرتغالية هو: «لا أحد».
لتدرك أن المكان قد فرغ، كنت أقف على بابه، أراقب وجهه المطمئن، وشاربه الدقيق، قبعته السّوداء، ومعطفه السّميك، علبة لفافات تبغه، وعصاه الطّويلة.
- والآن علي أن أتمنى لك رحلة موفقة يا فرناندو، وأقول لك كما يقول شاعري الصّغير الذي مات أيضا في مشفى وهو دون الثامنة والعشرين:
أنت اخلع عنك الحياة
واذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلا إذا كانت يداك جافَّتين
ومشاعرك حافية
وهنا سمعت بيسوا يردد، مشاعرك حافية، نعم مشاعرك حافية.. مشاعرك حافـ.....
وغاب كل شيء.
* كاتب من سوريا



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة