بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

أنطونيو تابوكي وروايته الكاشفة «هذيان أيام فرناندو بيسوا ـ الأيام الثلاثة الأخيرة»

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
TT

بيسوا.. شاعر واحد لا يكفي.. حياة واحدة لا تكفي

تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته
تمثال بيسوا أمام المقهى الذي اعتاد أن يرتاده - غرفته كما تركها قبل موته

صدرت رواية تابوكي عن الإيطالية عام 1994، وهي ترصد الأيام الثّلاثة لبيسوا في المشفى بينما يقوم الشّعراء الذين خلقهم بالتوافد إلى زيارته وتمضية بعض الوقت معه والإدلاء بالاعتراف وواجب العزاء والمعاتبة على تلك الأيام التي قضوها معا مترافقين.
يبدع تابوكي في تلخيص حياة بيسوا الشّخصية والإبداعية، ويظهر مهارة فائقة بفهمه العميق وقراءته الكبيرة لكلّ شعراء بيسوا.
لا ينبغي على أي أحد أن يترك وراءه عشرين كتابا، وإذا كان قادرا على الكتابة مثل عشرين من الأشخاص المختلفين، فهم يكونون عشرين من المختلفين. يقول بيسوا.
على كلّ يمكن قراءة رواية تابوكي بالعربية بمقدمة طويلة ملهمة شارحة وشديدة الأهمية للمترجم إسكندر حبش، منشورات دار طوى. وإن كنت تزور لشبونة وتبحث فيها عن بيسوا، سيسعفك حقا بتحويلك من سائح ساذج إلى فائح بالأسئلة وفادح بالاكتشاف. يعرّفك على جذوة التعدد، فالذات الواحدة مصابة بعسر الحياة.
ثلاثة أيام في لشبونة برفقة بيسوا وشعرائه الذين خلقهم قبل الوصول إلى موته، دفعتني إلى تأجيل الذهاب إلى قبره حتى آخر يوم لي في لشبونة.
تمدّني هذه الرّواية بالخيوط الأولى للمسير، فأتجه إلى كاتدرائية أستيريا بقبتها الباروكية الكبيرة، بدعة معمارية جاثمة بلا مبالاة. حديقتها المفتوحة للعامة كانت تجمع بيسوا مع أوفيليا كويروز، حبّه الأوحد، يتخاصمان، ويتبادلان النذور بأبدية العشق، وبعض القبلات المسروقة المباركة.
حياتي أقوى مني، سامحيني يا أوفيليا، كان علي أن أكتب، لم يكن علي سوى أن أكتب، لم أكن أستطيع القيام بأي شيء آخر، لقد انتهى كل شيء الآن.
ستكشف رسائل بيسوا إلى حبيبته الجانب الأبسط والحقيقي منه، وستقوم ابنة أخت حبيبته بنشرها بعد زمن طويل، محققة شهرة ودخلا من كبيرا من المال.
سنجد فيها بيسوا العليل، المقهور بالتفاصيل، الذي يتمنى أن يربح جائزة الألف باوند، كي تتحسن ظروف حياته. سنجد فيها بيسوا العاشق الطيب الصادق المبتلى بمرض في الفم، ما يُضطرّه إلى ألا يتوقف عن البصاق كل دقيقتين. سنجد واقعية هذه الشخصية المثيرة الغامضة عارية مجروحة وغارقة في شؤون الحياة، من إيجار البيت والخوف من خسارة العمل والاهتمام بالأم المتطلّبة. الخائف على صورته، عند حبيبته، المتصدي للنميمة الاجتماعية.
سنجد شخصية هشة من لحم ودم لا تشبه أبدا الصورة الخيالية المدهشة للكاتب العبقري.
- وداعًا أيها الحب الصغير، حاولي ما استطعت أن تحبيني حقًا، لمشاركتي آلامي، لتتمني لي صحة جيدة؛ حاولي أن تتظاهري بذلك بشكلٍ ما!
- الرسائل علامات انفصال، الرسائل نكتبها لأولئك الناس الذين لم تعد لدنيا رغبة في الحديث إليهم.
- وداعًا، سأضع رأسي في قاع دلو. هكذا يفعل الكبار - على الأقل عندما يكون لهم - أولاً عقل، ثانيا رأس، ثالثًا دلو حيث يضعون رؤوسهم!
سنتابع المسير بخريطة رواية تابوكي عن بيسوا، أمام البرلمان، وتمشي باتجاه الكالسداد دو كومبرو، حيث قطن سابقًا، في غرفة ضمن بيت سيدة مجنونة في السّتين من عمرها تعمل بتحضير الأرواح، كانت تدعى ماريا داس. كان يشاركها جلساتها الرّوحية، حين تتصل بزوجها الجنرال الميت، وتدخل معه في أحاديث لا تنتهي، عن الحروب، وأسعار الفلفل، وخلال تلك الفترة ابتكر شخصية «برناردو سواريس»، وبدأ يخط كتابه اللاطمأنينة.
وأيضا اخترع شاعرًا مبتدئًا يعمل شرطيا، يدعى «كويلهو باشيكو»، كان يتبادل مع أقرانه الشّعراء إشارات سرّية، بالأصابع ورفيف الجفون.
في مشفى المدينة، رقد بيسوا أيامه الثّلاثة الأخيرة، في الغرفة رقم 4. سيكون من اللائق أن ألقي نظره عليها، قبل البحث عن الشّعراء الذين تناسلوا منه، وزاد عددهم على السّبعين شاعرا.
في غرفة الاحتضار، سيجيء أنداده مودعين. أول الزائرين كان «ألفارو دو كامبوس».
سيتعاتبان، قليلا، ويقول ألفارو دي كامبوس: ألاحظ أنّك لم تعد تنادني بالمهندس، ولم تعد تكلّمني بصيغة الاحترام، وتكلّمني من دون تكلف!
يجيب بيسوا: لقد دخلت حياتي وأصبحت بديلا عني، ولأنّك أنت السّبب في إنهاء علاقتي بأوفيليا. وأيضا أنت من شككت بوجودي وادعيت بأنني لست سوى نسج من خيال.
يرد دي كامبوس: بخصوص الشّك بوجودك أعتذر عن ذلك، ولكن هل فعلاً ظننت أنّك كنت موجودا أكثر مني؟ أما حبيبتك فهي لم تكن تلائمك. كان زواجكما سيفشل، الآن إذا رجعت إلى رسائل الحبّ التي كتبتها لها ستجد كم هي سخيفة. الرّسائل والحالة التي كنت تكذب بها، أتمنى أن تشكرني على ذلك. لقد أنقذتك من السّخف.
أتدري أن رسائلك اليومية السّاذجة التي بعثتها إليها ستقوم ابنة أختك بنشرها بعد سنوات، وستبدو فيها كم كنت أخرقا وساذجا وطيبا. بالعامية «تلوّي القلب» يا عزيزي. سبع عشرة رسالة إلى حبيبتك، تتكلم فيها عن وجع حلقك وكيف تضطر إلى البصق كل دقيقتين، هل تتوقع من انتهازية مثل حبيبتك أن تتفهم صدقك، وأنت تبوح لها بألمك وتناديها برضيعتي، أو فرنادويك. أو حين تصرّح لها برغبتك بأن تربح جائزة الألف باوند التي تحتاجها بشدّة، أو كيف يطردك ربُّ عملك لأنّك غير مؤهل للعمل. وكيف تقضي جلّ وقتك بالانتقال من بيت إلى بيت، وتساعد أمك الطّيبة، وتكشف لها أمراضك وأرقك وأوجاعك وحسراتك، ياه يا عزيزي بيسوا كم أنقذتك من هذه البلوى، كم أنقذتك من السّخف.
يطرق بيسوا ويهمس بحكمة المحتضر، قبل موته بيومين، سيطرح على نفسه ذلك السّؤال العجيب، هل فعلا من السخف أن يكون للشاعر عائلة وأولاد؟ على الأقل سيكون موتًا لطيفًا، محاطا بالأولاد والعائلة، أفضل من مخالطة تلك الأشباح.
هذا ما تخيلته وفكرت به وأنا أستحضر رواية تابوكي عن بيسوا وأمر بجوار المشفى الذي مات فيه.
تاريخيا، الزّواج مضادّ للشّاعر، ولكنّه سيكون منقذًا للكثير من الرّوائيين.
ربّما من بين كلّ الشّعراء، لمع نجم الشّاعر الأميركي دونالد هول، فقد تزوج شاعرة أيضا جين كنيون، وشهد احتضارها وموتها، فأصدر ديوانين جعلاه يلمع كالماسة نقيّة في سوق الشّعر الكاسد «السّرير المطلي» وديوانا بعنوان «من دون».
كان غيابها الفاجع يجتاحه، فتألقت القصيدة، هكذا سيبدو الغياب محرض الشّاعر. أن يكون المرء مهجورًا أو متروكًا، يتلمس أثر الفقد بحواس الشّعر، هي المعادلة المضمونة للبقاء على قيد الشّعر.
ألفارو دي كامبوس، أحد شخصيات بيسوا كان عدميا، لكنه أيضا أحبَّ، سيقول له: لقد أحببت الحياة أيضا، وإذا كنت في أناشيدي المستقبلية والغامضة قد كتبت بسخرية، وإن كنت في قصائدي العدمية، قد دمّرت كل شيء حتى نفسي، لتعلم أنني أحببت الحياة بألم واعٍ.
يرد الشّاعر المحتضر لندّه المعترف: أغفر لك يا كامبوس إذا كنت قد أحببت لمرة واحدة، فهذا لأنك بشري، وإنسانيتك قد غفرت لك.
فيتابع كامبوس: أريد أن أعترف لك يا بيسوا، أني أحنّ وأندم، إلى الحقبة التي كنت فيها شاعرًا منحطًا، أتذكر الآن ضوء القمر والمراكب، والجمال، وكم كنت أحمقا، لأنني كنت أسخر من الحياة، لقد أضعتها ولم أعرف كيف أتمتع بها، وهربت حياتي مني.
لم أستطع فك رموز الواقع، أصبت بالإحباط فهربت للعدمية، مثلما هرب غيري إلى الدين، ويهرب العالم إلى المال، للنتيجة نفسها ولكن بتسميات مختلفة.
الآن أنا سأموت معك، ولكن كان علي أن أقول لك ذلك، لأننا لن نلتقي ثانية، وأعرف أن مزيدا من الأشباه والشّعراء الذين خلقتهم ينتظرون دورهم ليلقوا عليك نظرة الوداع.
يقول بيسوا: أسمعني يا كامبوس قصيدة تخطر على بالك في هذه اللحظات قبل أن تغادر.
كامبوس: حسنا إن كان من قصيدة فلتكن «طريق سينترا على ضوء القمر». وها أنا أتلو عليك مقطعا منها.
أأخلف أحلاما من ورائي، أم ترى هي السيارة التي تخلف الأحلام؟
أأنا قائد السيارة، أم أنا السيارة المعارة التي أقود؟
كان بيسوا يردد ما تبقى من القصيدة حين اكتشف أنّ ضيفه قد غادر وهو يبكي، وعلى الباب سيكون معلمه (ألبرتو كاييرو) ما زال قلقا من كل شيء خصوصا رؤية الأشياء على أنها أشياء، هادئا يرتل أناشيده بمعزل عن أي آيديولوجيا أو ثقافة تعكّر صفو الشّعر:
الجوهري أن نحسن الرؤية
أن نحسن الرؤية دون تفكير
أن نحْسن الرؤية عندما نرى
ولا أن نرى عندما نفكّر
وعلى عكس ما توقع، كان ألبرتو كاييرو يريد أن يعترف لتلميذه لا أن يسحب منه الاعتراف، فباشره فورا:
أنا هو مسبب الأرق لك، في كل تلك الليالي التي لم تستطع أن تنام، أنا كنت من أزورك في الليل، أجعلك متوترا، أحيل ليلك إلى جحيم من الخيالات، أملأ مكان رقادك بالذّكريات، والكلمات، وجعلتك تكتب بلا أدنى شفقة لنفسك.
أطرق بيسوا بهدوء، ثم قال: كنت أشكّ أنّه أنت، على الرّغم من كلّ الألم المدمر للأرق، لكنّك جعلت من تلك الليالي خصيبة.
لولاك يا ألبرتو لم أنتج، ولم أكتشف. كنت أحتاجك كي تكون لي بمثابة المعلم والأب.
لا يمكن أن تنجز الحياة من دون هذا المثل، فحين تصادر الحياة الواقعية منك الأب أو المعلم، عليك بابتكاره، كنت أحتاج يا ألبرتو، إلى مخثّر، ودليل. لولاك لتطايرت حياتي إلى شظايا. لم يطل المعلم المكوث، شعر بالإطراء الشّديد ودّع تلميذه بفرح، وغادر، لأنّ بالباب كان ينتظر منذ وقت طويل، ندّه الذي عاد من البرازيل على ما يبدو.
ريكاردو ريس، طبيب وشاعر كلاسيكي، همس بيسوا: ريس هو «هوراس إغريقي يكتب بالبرتغالية». أغلب قصائده تتحدث عن الحاجة إلى تقبّل القدر. ريس كان ملكي الهوى، ولذا لاذ بالفرار إلى البرازيل حينما سقطت الملكية. وهو الشّخصية التي عنون لها سارماغو روايته الخالدة «سنة موت ريكاردو ريس». كان هذا أخطر أنداد بيسوا، لأنه حاول أن يقنع العالم أن بيسوا نفسه لم يكن موجودا وأنه هو من ابتكره.
حين دخل قابله بيسوا بابتسامة لطيفة.. إذن ها أنت تعترف بأني موجود ؟
فأجاب ريكاردو بقصيدة.
دع الريح تمر لا تسألها شيئا
ليس لها من معنى
غير أنها الريح تمر.
بعده يأتي برناندو سواريس يحلم بالأرواح المتعددة، فحياة واحدة لا تكفي وشخصية واحدة لا تكفي. وبسرعة طلب منه بيسوا أن يلقي عليه قصيدة دكان التبغ.
حسنا أيها العزيز:
عندما أردت نزع القناع
التصق بوجهي
عندما نظرت في المرآة كنت قد شخت
ثملا كنت، لم أعد أعرف وضع القناع الذي لم أنزعه
طوحت به
وفي خزانة الثياب نمت
مثل كلب معتنى به
لكونه غير مؤذٍ
بعد هؤلاء، توافد العشرات من الشّعراء الأنداد الذين اخترعهم قبل أن تحين ساعته ويسلم الرّوح إلى النّهاية. يمكن استبيان بعضٍ من أشهرهم، فهناك أنطونيو مورا مؤلف كثير من النّصوص الفلسفية المكرّسة لموضوع الوثنية. رفاييل بالدايا المنجّم، شأن بيسوا نفسه، والمأخوذ بالغيبيات. مؤلف «رسالة في النكران»، حيث تكون فرضيته الأساسية أن الوجود وهمٌ، والقدر هو أكبر كذبة.
هناك أيضا البارون دي تايفه الذي عرف بمؤلفه الصّغير «تعليم الرواقي» الذي عبر فيه، شأن بيسوا أيضا، عن إحباطاته بسبب عجزه عن إنهاء أي عمل، وفي النّتيجة يفكر بالانتحار. وبعده تأتي ماريا خوزيه العاشقة الحدباء كاتبة رسالة إلى عامل، تشاهده كل يوم من نافذتها، إلا أنّ الرّسالة لم ترسل، وهكذا واحد تلو الآخر مروا للوداع وذابوا وبقي وحده ليتأمل اللحظات الأخيرة وهو يخرج آخر الأنفاس.
من المفيد معرفة أن أحد معاني كلمة بيسوا بالبرتغالية هو: «لا أحد».
لتدرك أن المكان قد فرغ، كنت أقف على بابه، أراقب وجهه المطمئن، وشاربه الدقيق، قبعته السّوداء، ومعطفه السّميك، علبة لفافات تبغه، وعصاه الطّويلة.
- والآن علي أن أتمنى لك رحلة موفقة يا فرناندو، وأقول لك كما يقول شاعري الصّغير الذي مات أيضا في مشفى وهو دون الثامنة والعشرين:
أنت اخلع عنك الحياة
واذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلا إذا كانت يداك جافَّتين
ومشاعرك حافية
وهنا سمعت بيسوا يردد، مشاعرك حافية، نعم مشاعرك حافية.. مشاعرك حافـ.....
وغاب كل شيء.
* كاتب من سوريا



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.