الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

محمد نور الدين أفاية في «النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي
TT

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

الديمقراطي الحقيقي هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية وليس من يتمناها في برجه العالي

سأركز في هذا المقال، على دراسة بعض القضايا التي أثارها الدكتور محمد نور الدين أفاية، في القسم الثاني من كتابه الجديد: «في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، الطبعة 2014. وفيه عالج «الكثافة النقدية التي تتضمنها الفلسفة وعلاقتها بأسئلة الوجود والحياة، وللأبعاد النقدية الثاوية، بل والمكونة للديمقراطية، باعتبارها نظرة إلى الإنسان وإلى المجتمع، فضلا عن كونها سياسة تنبني من المساءلة والمراقبة» (ص 13). من خلال رصد مجموع القضايا التي تجعل من الفلسفة لا مجرد تأمل نظري بحت، بل فعلا مقترنا بالواقع المعيش وباليومي، حيث يدعونا إلى إعادة النظر في طريقة وأساليب عمل الفلسفة، وربطها بالواقع اليومي المعيش، بما هي نشاط يمنحنا الحياة السعادة بالمعنى الأبيقوري. حيث يذهب إلى أن الفلسفة، كمادة فكرية وتربوية، تبقى «رغم وضعيتها المؤسسية والثقافية، مجالا للتنوير والتحفيز والاجتهاد. بل إنه من الأفضل، بجميع التقديرات، دعم الدرس الفلسفي داخل المؤسسات وترسيخه، بدلا من ترك الميدان حرًا للنزعات اللاعقلانيّة، حيث ينتعش التحجر، واللاتسامح، وإعدام التاريخ» (ص 122). وهذا ما يجعلنا نعتبر أن غايات الدرس الفلسفي تتجاوز الممارسة الفصلية، وتخترق جدران الفصل الدراسي نحو الخارج، حيث تدعو إلى قيم إنسانية نبيلة غير مستساغة لذوي النزعة اللاعقلانية، ولذوي النزوع نحو التحجر والتعصب.
ويقف كثيرًا على وضعية الدرس الفلسفي بالمغرب، ويعتبره درسا تحيط به إكراهات وضغوط تتعلق بالمناخ الثقافي العام، وبما هو مؤسسي، وبغياب الشروط المادية، حيث يقول: «يعيش الدرس الفلسفي، سواء كان جامعيا أو ثانويا، مجموعة ضغوط، منها ما هو مؤسسي وما هو رهين بالسياق المادي، ومنها ما يتصل بالوضعية النظرية التي يتحرك ضمنها، وبالمناخ الثقافي العام الذي يتفاعل معه سلبا أو إيجابا» (ص 120). وبطبيعة الحال، أمكننا تلخيص هذه الضغوط في طبيعة المجتمع المغربي، حيث تحضر السلطة التقليدية والمحافظة بقوة في القرار السياسي، ناهيك عن الثقل التاريخي الذي نحمله معنا منذ مأساة ابن رشد.
يفرض علينا النظر إلى طبيعة العلاقة بين المؤسسة التعليمية والفلسفة، افتراض أن هناك اختلافا جوهريا بين أهداف وغايات الفلسفة، وأهداف وغايات المؤسسة التربوية. ففي الوقت الذي تتجه فيه الفلسفة نحو نقد المألوف والسائد، وخلخلة الدوكسا (المعتقد الشائع)، والثابت، والآراء المسبقة حول المجتمع وثقافته وسلوكياته، تتجه المؤسسة بصفة عامة، نحو تكريس السائد، وإعادة إنتاج التقليد، والمحافظة على الآيديولوجيا المهيمنة. تبدو وظيفة المدرس حقا مختلفة عما ألفناه، في حين أنه كخبير ومختص في مادته التدريسية، فهو لا يقوم بأي شيء إبداعي أو خارق، لأنه يقوم فقط بمساعدة التلاميذ على فهم النصوص وتفكيك المضامين، وتدريبهم على الكتابة الإنشائية. وعلى الرغم من ذلك، يبقى مدرس الفلسفة بكل سلطاته التربويّة والمعرفيّة والمهنيّة، في خدمة المؤسسة التعليميّة للأسباب التي ذكرناها أعلاه. لذلك نتفق مع دريدا في أنه لا وجود لمكان محايد وطبيعي في التعليم، أي أن الأمر يتعلق باتخاذ موقف سياسي، أي موقف القبول أو رفض اللعبة: هذا هو منطق السياسة. وهو ما يرفضه سلافوي جيجيك، حينما يعتبر أن الفلسفة والسياسة مفترقتان: ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسة صوب تدبير وتسيير وتقويم المجتمع، أي حل المشكلات، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات وعلى الأخص المشكلات الجديدة؟ وبهذا المعنى تقف الفلسفة في وجه المؤسسة لأنها تخدم أغراض السياسة.
ليست تأملات الدكتور بنوع التأملات الفارغة من المعنى، ولا بنوع الشعارات الرنانة التي تعودنا سماعها في النقاشات الجارية، بل هي نابعة من عمق غيرته على الدرس الفلسفي، في بعده المنهجي والمعرفي أيضا، لأن «التفلسف معناه أن تفكر فيما تعرف وما تعيش وما تريد» (ص 101)، وهو بذلك يخترق جدارا يعرف جيدا أنه ليس بهين: فكيف لنا أن نفكر فيما نعرف وما نعيش وما نريد؟ إن الدعوة إلى تأمل المعيش والتساؤل عن البديهيات والأحكام المسبقة، لهي مغامرة حقيقية، من دونها لا يمكن الحديث عن تفلسف حقيقي. فهذا الأخير «ليس مجرد ادعاء أو مغامرة، بل هو عمل وجهد لا يحصل من دون قراءات وأدوات بل معاناة»، إن التفلسف يفيد في نظر الدكتور: «نقد للمسبقات والأوهام وللآيديولوجيات... إنه عمل وكفاح سلاحه العقل وأعداؤه تعبيرات البلاهة والتعصب والانغلاق وحلفاؤه مختلف العلوم، وهدفه الحكمة والسعادة» (102)، وهنا تتضح بجلاء عمق النزعة الأبيقورية التي يستحضرها ويستشهد بها غير مرة: «الفلسفة نشاط يمنحنا الحياة السعيدة من خلال الخطاب والبرهنة».
يؤمن الدكتور إيمانًا عميقًا بقدرة الفلسفة على القيام بوظيفتها النقديّة، فعلى الرغم من الصورة السلبيّة التي يرسمها الجميع عن درس الفلسفة، و«على الرغم من كل العوائق التي لا تزال تحيط بالدرس الفلسفي في المغرب وفي العالم العربي ككل، فإن هناك بصيص أمل، هناك من لا يزال يجتهد داخل الحقل الفلسفي، ولا تزال أنوية شابة تعمل على توصيل السؤال وتبليغ الهم الفكري».
ينطلق الدكتور لبحث العلاقة الشائكة بين الفلسفة والديمقراطية، من التساؤلات التالية: هل يمكن تصور دور ما للفلسفة في ظل التحولات الجارفة الجارية على الصعيد الدولي؟ هل يحتمل منطق العولمة، بانكساراتها وأزماتها وحساباتها، إمكانية إدخال هامش من التأمل والتفكير؟ ما هو دور الفلسفة في المجال الديمقراطي؟ كيف يمكن للفلسفة، وللديمقراطية معها، أن تساهم في تكوين المواطنين؟ وما هي وسائلها ومقاصدها؟
تمثل تغيرات السيّاسة في عالم اليوم، الهاجس الأكبر للدكتور في اختياره لموضوعة الديمقراطيّة، ناهيك عن محيطنا الثقافي والسيّاسي والاجتماعي، أي الطبيعة المركبة لمجتمعنا المغربي. بحيث يدعو إلى تدقيق النظر في العلاقة بين الفلسفة والديمقراطية من خلال رصد الموقفين المتعارضين حول دور الفلسفة اتجاه الديمقراطية، لأنه «يصعب تصور تسخير الأولى قصد تحقيق الثانية» (117)، وسيكون من الخطأ «اعتبار الفلسفة دعامة للديمقراطية بالضرورة، وسنكون واهمين إذا عملنا على تنمية تدريس الفلسفة وانتظرنا، من خلال ذلك، نتائج تخدم وتنشر القيم الديمقراطية بكيفية آلية ونفعية». هكذا يرى «إنه من الصعب الاستنتاج بأن أي فيلسوف أو من اكتسب معرفة فلسفية، إنسان ديمقراطي بالضرورة، ويشهد تاريخ الفكر الفلسفي على هذا التعارض الصارخ بين الفلسفة وسؤال الديمقراطية، بحيث إن السياق يفرض نفسه: ألم يدافع توماس هوبز عن الحكم الملكي المطلق في وجه الجمهوريين باسم المصلحة العامة؟ فالديمقراطي الحقيقي في نظره هو الفاعل الحقيقي للديمقراطية، وليس ذلك الذي يتمنى الديمقراطية في برجه العالي وكأنها قدر ستأتي يوما لا محالة». غير أن الديمقراطية لا تفيد في نظره مجرد أسطورة أو حكاية بل هي ممارسة لا تخلو من سلبيات، وتقبل التطور والتغير، من هنا يستحضر النقاش المعاصر الذي دشنه الفيلسوف الألماني المعاصر هابرماس إلى جانب رواد الليبرالية السياسية الأميركية: جون راولز وتشارلز تايلور حول الديمقراطية التمثيلية والتي تعيش أزمة حقيقية في عصر العولمة.
لقد أبانت العولمة عن حدود الديمقراطية التمثيلية، من جهة ظهور مؤسسات عالمية تدير حكما سياسيا دوليا، وهي مؤسسات تمارس سلطتها على مجموع الكوكب من دون حاجة إلى أي شرعية انتخابية أو شعبية، من قبيل مجموعات الدول الثماني الكبار أو مجموعة العشرين، التي تضع مصير مواطني العالم بين أيدي الشركات المتعددة الجنسية. ولنأخذ كمثال على ذلك، اتفاقية (الاتفاقية متعددة الاستثمار)، التي تمنح الحق للشركات للاعتراض على قرارات دولة ما، تمس بمصالح الشركة. لقد صار قرار الدولة بسيادتها ومؤسساتها وعمليتها السياسية ككل، موضع سؤال، وتعاظم دور الاقتصاد أمام دور الدول.
يقترح أفاية، توليفة متأنية وعميقة للدور المفترض للفلسفة تجاه الديمقراطية، لأن «ممارسة التأمل الفلسفي لا تفهم بوصفها مقاربة لتاريخ الأفكار، بمقدار ما يفترض فيها المساعدة على تكوين المواطن وتطوير حسه النقدي التحليلي، وتقديره لتنوع الحجج واختلافها ووعيه بنسبية الأمور. وتمثل المساهمة في تنمية القدرة على الحكم معطى أساسيًا في الحياة الديمقراطية، خصوصًا إذا ما حصل تجاوز الإطار الضيق للاختصاص، وتلاه الانفتاح الملائم على وسائط الاتصال الجديدة، لمحاربة الأمية الفكرية ونشر الفكر العقلاني» (120)، بحيث إن ما يقرب الفلسفة من الديمقراطية، في نظره، هو القدرة على النقد الذاتي، أي قدرة الفلسفة على إعادة النظر في أساسياتها وقدرة الديمقراطية على تطور مؤسساتها في خدمة المواطنين.
لا تسير الفلسفة مع الديمقراطية دوما في اتجاه واحد، كما أن حضور الفلسفة في بلد ما من البلدان لا يقترن بالضرورة بالديمقراطية، بل يرتبط الأمر بالإرادة السياسية وبمرونة القرار السياسي، وأن التاريخ الثقافي والفكري لبلد ما قد لا يساير تاريخه السياسي. فهناك: «بلدان ديمقراطية لا تعير الفلسفة أي اهتمام، ولا تدمجها في نظامها التربوي، أو تستدعيها في حياتها الثقافية، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية». وبهذه الإشارة، فإن رهان مؤسسة اليونيسكو أن تحقق الفلسفة وتعزز الديمقراطية في بلدان مستبدة أو أوثوقراطية، هو رهان يقبل النقض. وعلى العكس من ذلك، نجد الفلسفة حاضرة بقوة في بلدان غير ديمقراطية، ما يطرح السؤال حول أطروحة اليونيسكو. يحدد الدكتور التقاء الفلسفة والديمقراطية في أربعة مستويات: الشك: بحيث إن البحث عن الحق والمناقشة حول العدالة يتطلب: خلخلة اليقينيات، ومساءلة الثابت، والانتقال من الأجوبة إلى الأسئلة؛ الكلام، أي ضرورة المناقشة والنقد ومواجهة حجج الآخرين، سواء في مجال الفكر الفلسفي أو في معترك السياسة؛ المساواة: لأن المساهمة في الحوار والمناقشة لا يتطلب أي ترخيص أو أي سلطة أو صفة، بل القدرة على الكلام والإقناع والحجاج؛ التأسيس الذاتي: بحيث إن «الفلسفة والديمقراطية تستمدان قوتهما من ذاتيهما، ولا تخضعان لأي قوة عير منبعثة منهما».
تمثل هذه المستويات بحق مجالات اشتغال الفلسفة السيّاسيّة والعلوم السيّاسيّة معًا، مع افتراض التمايز الممكن بين الخطاب الفلسفي وبين الخطاب السيّاسي، ففي الوقت الذي يتجه هذا الأخير، نحو غايات نفعيّة ولحظيّة تهدف إلى تدبير الشأن العام، فإن الخطاب الفلسفي يهدف إلى مساءلة الخطاب السياسي برمته، وإلى إثارة المشكلات لا كما يراها السيّاسي ذو النظرة الضيقة – ولربما لأنها تتعارض ومصلحته الخاصة – وإنما كما يراه منطق العقل في تاريخيته وفي بعده الكوسموبوليتي. وبموجب هذا، يقر «إن الفلسفة في الأول والأخير، اختيار فكري وتربوي وسياسي، نجد من يعتبره وسيلة لتعزيز العملية الديمقراطية، وتحفيز التفكير الحر، ونلقى، في المقابل، من يرى أن هناك أولويات اقتصادية واجتماعية يتعين توفيرها، أولا، قبل الانشغال بقضايا الفلسفة وبأمور تدريسها»، وعلى الرغم من ذلك، فالقرار السياسي يستحضر البعد الديمقراطي للفلسفة، لأن مهمة الفلسفة هي «تكوين المواطن، وتطوير حسه التحليلي، وتقديره لتنوع الحجج واختلافها، ووعيه بنسبية الأمور».



ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب
TT

ثقافة ذاكرة الحرب

ثقافة ذاكرة الحرب

كثيراً ما تبدأ كتابات أدب الرحلة من لحظات السفر الأولى، أما كتاب «رحلة في ذاكرة الحرب» فإنَّ صاحبته، الكاتبة المصرية حنان سليمان، تبدأه منذ كانت طفلةً في التاسعة من عمرها تجلس أمام شاشة التلفزيون، تتابع أخبار حرب لا تعرف عنها شيئاً، لكنها تشعر بأنَّها تخصها على نحو ما، تقول: «هناك، في البوسنة، شاهدتُ أولى مآسي العالم تتسلل إلى طفولتي عبر الشاشة. وجوههم لم تُشبه وجوهنا؛ بشرة وعيون أفتح، وألسنة لا نفهمها إلا عبر الترجمة. كان البعد مضاعفاً: جغرافيا، ولغوياً، وشعورياً».

تحمل الكاتبة تلك الحرب معها في جعبة طفولتها، ليتصاعد شغفها باستكشاف تلك الآصرة بعد أن أصبحت صحافية وروائية، لتبدو الرحلة إلى «البوسنة» وكأنها امتداد طبيعي لفضول مبكر قادها لإعداد حقيبتها للانضمام إلى جامعة سريبرينيتسا الصيفية، التي تأخذها في رحلة مكثَّفة عبر تاريخ البوسنة وحاضرها، وتضم جولات ميدانية في المواقع التاريخية والمتاحف، ولقاءات مع نشطاء وأهالٍ.

ما بعد الإبادة

يبدو الكتاب، الصادر عن دار «كتوبيا» للنشر بالقاهرة، قراءةً في آثار الحرب، وما أنتجته من ثقافة تحفظ الذاكرة عبر المتاحف، والرموز والطقوس، والأدب. تصل الكاتبة إلى سريبرينيتسا بعد عقود من ذكرى الإبادة الجماعية التي شهدتها. وترصد، عبر محطات سيرها وتجوالها اليومي، ومشاهداتها وملاحظاتها البسيطة، ما يربط الحاضر بماضي الحرب، بينما تصنع مفارقات واسعة بين طبيعة المكان الجمالية، وبين المجزرة التي شهدتها: «على أرض البوسنة شواطئ وشلالات وجبال وأنهار وألوان من الجمال شتى تأسر العين، ويقوم عليها قطاع ترفيهي وسياحي نشط. هي أيضاً مقصد عالمي لهواة التزلج. لكن يظل المعلم السياحي الأول الراسخ لها في الأذهان هو ذاكرة الحرب، أو بالأحرى ذاكرة الإبادة».

تظل حساسية الملاحظة إحدى أدوات الكاتبة لتسجيل آثار حرب البوسنة على حاضرها، وهي الحرب التي اندلعت مع تفكك يوغوسلافيا، وخلّفت واحدة من أبشع مآسي أوروبا الحديثة، بما شهدته من سياسات التطهير العرقي، و«مجزرة سريبرينيتسا» التي أصبحت لاحقاً رمزاً للإبادة الجماعية في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

تتوقف الكاتبة عند تجربة الجامعة الصيفية التي التحقت بها، كانت توفِّر في سنواتها الأولى الإقامة والرعاية الكاملة للدارسين من أنحاء العالم، أخذت تفقد تدريجياً دعم المانحين، خاصة بعد جائحة «كورونا»، حتى تقلصت إمكاناتها بصورة لافتة، ولا يبدو هذا التفصيل عابراً في الكتاب، بل يتحوَّل إلى سؤال عن مصير المؤسسات الثقافية التي تحفظ الذاكرة.

فلا يقتصر دور تلك الجامعة على تدريس تاريخ البوسنة، إنما تؤدي دوراً سنوياً في إحياء ذكرى «مجزرة سريبرينيتسا»، إذ تختتم برامجها بالمشاركة في مسيرة السلام، التي يسير خلالها المشاركون على خطى آلاف الفارين من الموت عام 1995، الأمر الذي يجعل تراجع دعمها خسارةً تتجاوز التعليم والمعرفة إلى الذاكرة التاريخية نفسها.

رموز بصرية

لعل أحد أبرز ملامح الكتاب أنَّه لا يقف عند توثيق الحرب، بل ينصرف إلى ما فعلته البوسنة بذاكرتها بعد الحرب، فبدلاً من إزالة آثار المأساة، اختارت أن تجعلها جزءاً من حياتها اليومية، فترصد الكاتبة مثلاً «زهور سراييفو»؛ تلك الحفر التي خلفتها القذائف في الشوارع، لتبدو كأنَّها زهور نبتت في قلب الإسفلت.

تنظر الكاتبة إليها بوصفها فلسفةً كاملةً في مقاومة النسيان؛ فالمدينة لم تُخفِ جراحها، إنما أبقتها مرئيةً، لتتحوَّل الشوارع نفسها إلى سجل تاريخي مفتوح، ومن الفكرة نفسها تنتقل إلى «وردة سريبرينيتسا» التي نسجتها أمهات الضحايا لتصبح أحد أشهر رموز الإبادة الجماعية؛ 11 بتلة تشير إلى الـ11 من يوليو (تموز)، واللون الأبيض يرمز إلى براءة الضحايا، بينما يتوسَّطها قلب أخضر يستدعي استمرار الحياة، ليلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة الثقافة على تحويل الحداد إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة جماعية، بما يجعل الفن نفسه امتداداً لفعل المقاومة. لا تكتفي سليمان بتأمل تلك الرموز البصرية، التي شملت التماثيل والجداريات والمتاحف، بل أيضاً البنية السياسية والاجتماعية للدولة، متأملة فلسفة الانتماء نفسها، فتقول: «تتسع الأرض للجميع، ولا يُمنح الانتماء لها بسهولة»، وذلك في سياق حديثها عن قانون الجنسية في البوسنة والهرسك، الذي لا يمنح الجنسية لمجرد الميلاد على أرض البلاد، إنما يشترط أن يكون أحد الأبوين مواطناً بوسنياً.

ومن خلال هذا التفصيل القانوني تفتح الكاتبة باباً للتأمل في مجتمع ما زال يسعى، بعد الحرب، إلى حماية توازنه الديموغرافي والديني شديد الحساسية، حيث تتجاور الهويات الإسلامية والمسيحية واليهودية داخل دولة لا تزال آثار الصراع ماثلةً في بنيتها السياسية، وهو مفتاح لفهم علاقة البوسنيِّين بالأرض، وبالهوية، وبالذاكرة التي ما زالت تحدد كثيراً من اختياراتهم.

تقتفي الكاتبة أيضاً ذاكرة الإبادة في الأدب، لذلك تحرص على اقتناء الروايات البوسنية، وتسجيل ملاحظتها حول قلة ترجمتها إلى الإنجليزية، وأيضاً حضورها الضعيف في الثقافة العربية، وتُخصِّص مساحةً لمقاربات أدبية بين تلك الأعمال، وبين أعمال أخرى مثل رواية «حطب سراييفو» للروائي الجزائري سعيد خطيبي، التي تستدعي بدورها ذاكرة الحرب في البلقان، وتكشف كيف يمكن للرواية أن تعبر الحدود الجغرافية لتلتقي الذاكرة الإنسانية نفسها.

من خلال هذه القراءات يعزِّز الكتاب فكرة أنَّ الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب؛ فإذا كانت المتاحف تحفظ الوقائع، فإنَّ الروايات تحفظ ما هو أكثر هشاشة؛ الخوف، والحنين، والخيبة، والأسئلة التي يتركها العنف في النفوس، ومن هنا تبدو قراءات الكاتبة الأدبية جزءاً أصيلاً من الرحلة، لا استراحة بينها، وكأنَّها تؤمن بأنَّ الطريق إلى البوسنة يمرُّ أيضاً عبر الكتب.

ومن ثم، تطرح الكاتبة تساؤلات عن غياب الاستثمار العربي في المبادرات الثقافية التي تحفظ ذاكرة الإبادة، ودعم المؤسسات المعنية بها، التي تعاني اليوم من تراجع التمويل. ويأتي هذا الطرح متناغماً مع الفكرة المركزية للكتاب؛ وهي مقاومة البوسنيِّين للنسيان، عبر تحويل آثار مأساتهم التاريخية إلى لغة بصرية وأدبية وإنسانية حيّة.

الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب


هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟
TT

هل لا تزال الناس تقرأ؟

هل لا تزال الناس تقرأ؟

يكاد يكون هذا أكثر الأسئلة تكراراً كلما اشتكى أحد من هيمنة الهاتف المحمول أو وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما زالت الناس تقرأ؟ ويأتي الجواب عادة حاسماً: لم يعد أحد يقرأ. لكن هذه الإجابة العجلى، على شيوعها، تخفي مفارقة تستحق التأمل. فربما لم يقرأ الإنسان في تاريخه كما يقرأ اليوم كثرة. نحن نستيقظ على الكلمات، ونعمل بالكلمات، ونتواصل بالكلمات، وننام والكلمات لا تزال تلاحقنا على شاشات الهواتف. الأخبار، والرسائل، والتعليقات، والإعلانات، والتعليمات، والإشعارات، كلها تجعل القراءة النشاط الأكثر حضوراً في حياتنا اليومية. لذلك؛ فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: ماذا تقرأ؟ وكيف تقرأ؟

لقد تغيرت القراءة أكثر مما تراجعت. ففي الماضي كانت القراءة حدثاً استثنائياً، يختار الإنسان كتاباً، ويجلس إليه ساعات، ويمنحه انتباهه الكامل. أما اليوم، فقد أصبحت القراءة تياراً متصلاً لا يكاد ينقطع. غير أن هذا التيار لا يمنح القارئ دائماً فرصة التوقف أو التأمل. إنه يدفعه إلى الانتقال المستمر من نص إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، حتى أصبحت السرعة إحدى خصائص القراءة الحديثة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين كمية القراءة وطبيعتها. فكمية القراءة تشير إلى عدد الكلمات التي يمر بها الإنسان في كل يوم، أما طبيعتها فتتعلق بالعلاقة التي يقيمها مع النص ومدى حميميتها. قد يقرأ المرء آلاف الكلمات في يوم واحد، لكنه لا يتوقف عند فكرة واحدة توقفاً كافياً يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى العالم وللحياة.

ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات، فنحن نعيش أكثر العصور امتلاءً بها. المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. فالمعرفة ليست حصيلة ما نجمعه من بيانات، وإنما هي القدرة على إقامة العلاقات بينها، واكتشاف المعنى الذي يجمعها. ولهذا؛ كان الكتاب، في أفضل صوره، لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّم القارئ كيف يطرح أسئلة أفضل.

لقد غيرت الوسائط الرقمية مفهوم القراءة نفسه. ففي الكتاب الورقي كانت البداية والنهاية واضحتين يمكن تحسسهما باليد، وكانت العلاقة بالكتاب علاقة حميمية حقاً، وكان القارئ يسير في طريق واحد رسمه المؤلف. أما على الشاشة، فإن كل صفحة تقود إلى عشرات الصفحات، وكل فكرة تستدعي إشعاراً جديداً أو رابطاً آخر، وقد تقاطعك الإعلانات أثناء ذلك. وهكذا أصبحت القراءة أشبه بالتجوال في مدينة لا تنتهي شوارعها. ولا ينبغي أن يكون تصورنا لهذه القضية مأساوياً؛ فهذه الحرية الهائلة في الوصول إلى النصوص هي إحدى أعظم منجزات العصر، لكنها في الوقت نفسه جعلت المحافظة على الانتباه تحدياً ثقافياً غير مسبوق.

ولهذا؛ فإن أخطر ما يهدد القراءة ليس قلة الكتب، ولا عزوف الناس عنها، بل تآكل القدرة على المكوث مع فكرة واحدة حتى تبلغ مداها. هذا هو مربط الفرس. فالقراءة العميقة تحتاج إلى الصبر، والصبر أصبح لا يطاق في زمن الإيقاع المتسارع، وفي زمن الكم الهائل من النصوص الذي يريد أن يقتحم وعينا في كل لحظة. وحين يعتاد العقل القفز السريع بين النصوص، فإنه يربح اتساعاً في الاطلاع، لكنه قد يخسر القدرة على التعمق والخروج من دائرة الفهم السطحي. وهنا لا تنقص كمية القراءة، بل يتغير شكلها ووظيفتها.

ولعل أهم ما تمنحه القراءة العميقة أنها تعيد إلى الإنسان ملكة الانتباه. والانتباه ليس مجرد تثبيت النظر على الكلمات، بل هو القدرة على الإقامة مع فكرة واحدة حتى تستنفد ما تقوله. فالإنسان لا يفهم النصوص لأنه يقرأها بسرعة، وإنما لأنه يمنحها الزمن الذي يسمح لها بأن تكشف عن طبقاتها الخفية. وربما كانت الأزمة الثقافية اليوم أقل ارتباطاً بندرة الكتب منها بندرة الانتباه.

فنحن نعيش في اقتصاد جديد تتنافس فيه التطبيقات والمنصات ووسائل الإعلام على الاستحواذ على أعيننا وعقولنا، حتى أصبح الانتباه نفسه مورداً نادراً. ولهذا تغدو القراءة، في أعمق معانيها، مقاومة لهذا التشظي، فهي ليست مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تدريب يومي على استعادة السيادة على الذهن، وعلى تحريره من الإيقاع الذي تفرضه وفرة المعلومات.

ولعل هذا يفسر ظاهرة لافتة في حياتنا الثقافية. فنحن نتداول اليوم اقتباسات أكثر من أي وقت مضى، لكننا نناقش أفكاراً كبرى أقل من ذي قبل. أصبحت الجملة القصيرة أكثر انتشاراً من الحجة الطويلة، والعنوان أكثر تأثيراً من الكتاب، والملخص أكثر رواجاً من النص الكامل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الحنين للماضي بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في معنى القراءة نفسها. فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي تدريب على الإصغاء، وعلى تحمّل التعقيد، وعلى مقاومة الإغراء الدائم بالانتقال إلى الشيء التالي.

ولهذا؛ فإن مستقبل القراءة لن يتحدد بعدد الكتب المطبوعة، ولا بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات، بل بقدرتنا على استعادة القراءة بوصفها فعلاً من أفعال الانتباه. فالثقافة لا تُقاس بما نستهلكه من كلمات، وإنما بما تتركه تلك الكلمات فينا من أثر. قد نقرأ كثيراً ولا يتغير فينا شيء، وقد نقرأ صفحة واحدة فتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم بأسره.

لذلك؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل ما زالت الناس تقرأ؟ بل: هل ما زالت تقرأ بالكيفية التي تجعل القراءة تجربة تُعيد بناء الإنسان، لا مجرد عادة يستهلك بها الكلمات والوقت؟ فبين كثرة القراءة وجودتها، وبين وفرة النصوص وعمق التلقي، تتحدد ملامح الثقافة في عصرنا، ويتحدد معها نوع الإنسان الذي نصنعه بقراءاتنا.

* كاتب سعودي


«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب
TT

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

«ساق تحدق»... الذاكرة تقاوم الخراب

عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبداعية التي تمتد لأكثر من نصف قرن، زاوج فيها بين النقد التشكيلي، والموسيقى، والسرد، وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه.

في قصص العتابي هذه، تتحول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحداث على شكل شذرات دافعاً بالقارئ إلى إعادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الخراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف... اضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم» (المجموعة 5).

تتحول الأرقام الباردة إلى شواهد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يتصل كامل بصديقه «نزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة 10). وتختصر هذه اللحظة فكرة المجموعة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب».

وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الشاي الأخير»، حيث يلتقي الصديقان «حسن وكريم» بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني». ثم يختم اللقاء بعبارة تفيض بالوجع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحباً كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا بدأت أنسى شكل الحلم» (ص 32).

لا يتناول العتابي الحرب عبر البيانات العسكرية، بل بوصفها حالة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قصة «ذات صباح»، نعيش حلم الشاب «خالد السلمان» الذي جاء إلى العاصمة ليدرس، وكان يردد بخوف: «أخاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مفخخة، وتأتي الصدمة من البرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى الخبر» (ص 19).

وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب القناع عن الشعارات السياسية الكبرى التي تحول الحروب إلى مقبرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفاً أجساد الجنود البسطاء بأنها «تتناثر مثل الطيور الذبيحة» (العتابي 43). وفي «فرصة العمر»، تواجه السلطة الأب بسؤال مخادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة لمواجهة العدو؟» (العتابي 45).

وتكتمل المأساة في «إجازة تأجيل الموت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري أياماً إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسمه باللون الأحمر على ظهر الخروف (ص 53)، فيغدو الخروف معادلاً رمزياً للجندي؛ فكلاهما يُساق إلى الذبح بلا إرادة، ويصبح الاسم المكتوب محاولة أخيرة لإثبات الوجود في مواجهة موتٍ يقترب. وفي قصة «بابا نائم»، تبلغ المفارقة ذروتها عندما تسحب طفلة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» (ص 93). وفي «موت جميل»، يفضح الكاتب تجميل القتل بسخرية سوداء؛ إذ توصف الرصاصة بأنها «مغلفة بطبقة ناعمة من مركب زهري» ص 89).

ومن جهة أخرى، تحضر المدينة في المجموعة كائناً حياً يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص 29). إن تشبيه الكتب بالأشلاء يوضح عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي.

وفي قصة «أمل في سروال»، يتناول الكاتب التحولات الطبقية عبر سوق الملابس المستعملة (البالة)، حيث «كل قطعة تحمل قصة» (العتابي 48) صاحبها الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبراً على ارتداء تاريخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فقدان سلسلة» إلى دفء الريف ممثلاً بنهر الغراف ومدرسته القديمة التي «ليست بناية من حجر، إنما روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا يعرف التوقف» (ص 100).

يبلغ جمال العتابي ذروة اشتغاله الفني حين يمنح الأشياء والأعضاء المبتورة القدرة على الكلام، فتغدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عن قوله. ففي قصة «ساق تحدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بل تتحول إلى شاهد حي على الخراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل في الساحات وبين جريح» (ص 118). بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزءٌ من الجسد إلى ضمير جمعي يستحضر الوطن الجريح، ثم تستعيد ذكريات الركض وصعود الجبال لتغدو عيناً ساهرة تحدق في بشاعة الحرب وتدين صُنّاعها.

* كاتب عراقيوتتكرر هذه الأنسنة في قصة «لسان يترنح»، إذ لا ينجح القمع في إسكات الحقيقة رغم بتر اللسان: «أنتم تقطعون اللحم، أما الحقيقة فهي تسكن في العظام» (ص 115). وهنا تتحول الإعاقة الجسدية إلى فعل مقاومة، حين يبتكر الناس لغة بديلة، فيغدو مشهد «صار الناس يشيرون بأصابعهم إلى أفواههم المغلقة، ثم إلى قلوبهم» (ص 115) دالاً على أن التواصل الإنساني أوسع من حدود اللغة المنطوقة، وأن الحقيقة تستطيع أن تجد دائماً وسيلة جديدة للتعبير.

ولا يقتصر هذا الحس الإنساني على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الكائنات الأخرى. ففي قصة «تيمة كلب» يغدو الكلب رمزاً للوفاء، ويصبح غرس شجرة في مكانه بعد موته فعلاً يحفظ الذاكرة ويقاوم الفناء (ص 115).

أما في قصة «اتحاد النمل»، فإن العتابي يمنح النمل صوتاً أخلاقياً يواجه استعلاء الإنسان، حين يعلن: «لسنا ضدك، لكننا لسنا دونك، نحن نعيش على هذه الأرض كما تعيش... لكن لا نملك حذاءً لنسحق به أحداً» (ص 111).

ومن التقنيات البارزة في المجموعة اعتماد النهايات المفتوحة التي تجعل القارئ مشاركاً في إنتاج الدلالة. ففي قصة «الوردة المجففة» لا يحسم السارد معنى الاحتفاظ بالوردة، بل يتركه معلقاً عبر قوله: «ربما لتحتفظ بالرائحة. وربما لتتذكر أن بعض الرسائل تعرف طريقها، حتى في العتمة» (ص 40). إن تكرار لفظة «ربما» يوسع أفق التأويل، ويمنح المتلقي حرية استكمال المعنى وفق خبرته ووعيه.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «رفعت الجلسة»؛ إذ لا تنتهي المحاكمة بقرار القاضي، وإنما تنقضها صرخة درويش: «لا... لم ترفع الجلسة، ما زالت مستمرة» (ص 126). وبهذه النهاية يتحول الحكم القضائي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة، ويغدو القارئ طرفاً فيها، مطالباً بإصدار موقفه من الظلم بدل الاكتفاء بمراقبته.

وخلاصة القول: تنحاز مجموعة «ساق تحدق» بوضوح إلى الإنسان المقهور والمهمش؛ فالجندي، وبائع الشاي، والكادح، واليتيم، جميعهم يمثلون وجوهاً لمعاناة واحدة. من خلال المفارقة، والرمز، وأنسنة الأشياء، والنهايات المفتوحة.