أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

إعادة قراءة في كتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»
TT

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

هل فعلاً لم تعرف الجزيرة العربية الحضارة قط، وأنه لم يكن هناك عالم لغة عربية واحد في الجزيرة العربية، وأن سكانها كانوا مجرد سراق إبل، كما ذهب د. يوسف زيدان في ندوة له في المغرب، وكذلك قسم من المؤرخين والمستشرقين؟ الرد المفحم على هذا التشكيك قدمه العالم الفرنسي الشهير جوستاف لوبون، الذي يدين له علم الاجتماع بالكثير، في كتابه «حضارة العرب» الذي صدر عام 1884. الترجمة للعربية أنجزها شيخ المترجمين العرب، الفلسطيني عادل زعيتر (1895 - 1957)، ضمن سلسلة الأعمال الفكرية التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2000. ولا أعلم لماذا لم يتطرق أحد له خلال ذلك الجدل الأخير، رغم أن هذا الكتاب الخطير بكل ما تعنيه الكلمة، يؤكد وجود حضارة إنسانية متكاملة قامت في شبه الجزيرة العربية. عدت للكتاب الذي أعتز به في مكتبتي ضمن أمهات الكتب التاريخية، للتعرف على رأي لوبون ومشاهداته وآراء المؤرخين في زمانه في تلك الحقبة الزمنية، وتمنيت لو استطعت نشره على أوسع نطاق، وسعدت بأن مؤسسة «هنداوي للتعليم والثقافة» قامت بنشر هذا الكتاب إلكترونيًا على موقعها مجانًا للقراء، وهو أمر يستحق الإشادة والتبجيل.
يقع الكتاب الموسوعي في 659 صفحة، ويعد دراسة سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسياسية وطبوغرافية شاملة، وهو مقسم إلى 6 أبواب، وكل باب مقسم إلى 3 فصول، فضلاً عن أنه مزود بالصور والخرائط، بعضها التقطه لوبون بنفسه أثناء زيارته البلاد العربية، وبعضها حصل عليه من المراكز العلمية والبحثية العربية التي تردد عليها أو من المجموعات النادرة التي تحصل عليها، فهو يعتبر أيضًا من أهم الكتب التي تقوم على المشاهدات التاريخية، ولا يقل أهمية عن كتابات ابن خلدون. وقد برع المترجم في نقل رؤى ونظريات لوبون بلغة سهلة، مع تطعيم الكتاب بمعاني المفردات والتعريف بالأشخاص الذين ذكرهم لوبون، وتصويب بعض الهنات التي وقع فيها المؤلف الفرنسي. وربما لم يأخذ الكتاب حقه كمرجع هام، نظرًا لكونه ينصف الحضارة العربية ويدحض أقوال المستشرقين الخاطئة عن العرب والإسلام وتعاليمه.
في هذا الكتاب قدم لوبون، مؤلف «سيكولوجية الجماهير»، دراسة متكاملة عن ماضي وحاضر العرب، فدرس طبائعهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم، وأثر ذلك في تقدمهم أو تأخرهم، بل تمنى لو استطاعوا الاستيلاء على أوروبا وجنبوها ظلام القرون الوسطى، ونجده يُرجع أسباب أفول حضارة العرب لاختلاط دمائهم وتزاوجهم من شعوب أخرى. يقول لوبون في مقدمته: «لم يقم عالم بوضع كتاب جامع لتأثير حضارة العرب في الأمم التي سيطرت عليها، شامل لعجائبها في إسبانيا وإفريقيا ومصر وسوريا وفارس والهند، ولم تنل يد البحث العام فنون العرب، وإن كان أكثر ما عرف من عناصر حضارتهم، وباء المؤلفون القليلون الذين أرادوا ذلك بالخيبة، فعزوا حبوط عملهم إلى نقص الآثار والأسانيد!»، ويستكمل موضحًا إشكالية أطروحته العلمية: «حقًا، إن ما ذكره المؤرخون ضعيف للغاية ولا يقف أمام سلطان النقد، وطريقة التحليل العلمي أفضل وسيلة لإيضاح شأن أمة كالأمة العربية.. والغرب وليد الشرق ولا يزال مفتاح ماضي الحوادث في الشرق، فعلى العلماء أن يبحثوا عن هذا المفتاح». (ص: 26 - 27).
يبدأ الكتاب بباب «البيئة والعرق» ويناقش في مستهله جغرافيا الجزيرة العربية، ويكشف كيف أن معرفة الرومان بها كانت ضعيفة للغاية، وكذلك الأوروبيين الذين لم يعرفوا عنها إلا بعد المؤرخ نيبوهر، الذي زارها عام 1762م ووضع أول خريطة علمية عنها. ويقول: «وانقضى نصف قرن بعد نيبوهر من غير أن يقوم سائح آخر بارتياد الجزيرة العربية، فلما كانت سنة 1815، استأنف بُركهارد البحث، فجمع أنباء رائعةً عن الجزيرة العربية، ولا سيما مكة والمدينة، وما قامت به مصر نحو تلك السنة من غزو ضد الدولة السعودية الأولى كان فاتحة بحث واسع عن مختلف أقسام الجزيرة العربية، ثم جاب الجزيرة العربية سيّاح كثيرون، نذكر منهم والني (سنة 1845) وبُرتُون (سنة 1852) وبلغريف (سنة 1862) الذي زار في أواسط الجزيرة العربية، أماكن كانت مجهولة قبله تمامًا».
وفي وصفه لبلاد نجد، استعان بأقوال المؤرخ بلغريف: «من الباطل أن توصم الجزيرة العربية بالتوحش». وفي حديثه عن مكة، يشير إلى أحد أسباب نقص المعلومات عنها لدى مؤرخي أوروبا، بسبب أنه كان يمنع دخول أي أوروبي إليها، إذ كتب لوبون: «لم يكن لدينا عنها فيما مضى، غير رسوم ناقصة لا يركن إليها عند البحث الصحيح، ونستطيع، اليوم فقط، أن نتمثلها تمثلاً صحيحًا بفضل الصور الفوتوغرافية التي التقطها أحد رجال الجيش المصري، صادق بك، والتي انتهت إلينا بأوروبا في سنة 1881، فاستعنا ببعضها في هذا الكتاب».
يرد الكتاب على آراء المستشرقين الأوروبيين التي وصمت العرب في شبة الجزيرة العربية بالتخلف، أو وصفهم بـ«الرعاع» أو «الأجلاف»، ومنهم رينان الذي قال: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسي والثقافي والديني قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمة فاتحة مبدعة، ولم يكن للجزيرة العربية شأن في القرون الأولى من الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ، ولم يظهر بأسها وبسالتها إلا بعد القرن السادس من الميلاد».
وكتب لوبون في الفصل الثالث من كتابه ردًا على رينان تحت عنوان «الوهم في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)»، نافيًا أن يكون العرب قبل الإسلام من الأجلاف، وأنه لا يمكن لأمة أيًا كانت أن تظهر حضارتها بغتة، مؤكدًا أن رأي رينان فاسد، لأنه «لا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدريج.. أثبتت الآثار والوثائق التي بأيدينا وجودها، وأنها لم تكن، على ما يحتمل، دون حضارة الآشوريين وحضارة البابليين اللتين ظهر شأنهما حديثًا بفضل علم الآثار بعد أن كانتا مجهولتين. ولم ينشأ وهم الناس في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم) عن سكوت التاريخ فقط، بل نشأ أيضًا عن عدم التفريق بين أهل البدو وأهل الحضر من العرب. والأعراب، قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعده، أجلاف كأجلاف الأمم الأخرى الذين لم يكن لهم تاريخ ولا حضارة».
ويستطرد قائلاً: «كان للعرب قبل ظهور مُحمد (صلى الله عليه وسلم) آداب ناضجة ولغة راقية، وأنهم كانوا ذوي صلات تجارية بأرقى أمم العالم القديم، فاستطاعوا في أقل من مائة سنة أن يقيموا حضارة من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ».
ويعتبر هذا الفصل ردًا مفصلاً على كل من ينكر حقيقة تاريخ العرب قبل ظهور الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول: «للعرب ما قبل تاريخهم مثل ما للأمم الأخرى.. وعثر علماء الآثار القديمة في الجزيرة العربية وأوروبا وأميركا وفي كل مكان على آثار لذلك العصر الحجري.. ولا ترجع أقدم روايات الجزيرة العربية إلى ما قبل إبراهيم، ولكن علم اللغات يثبت أن أممًا ذات لغة واحدة كانت تسكن البقاع الواقعة بين القفقاس وجنوب الجزيرة العربية، وإن لم يكن عرق هذه الأمم واحدًا، ودل درس اللغات السامية على أن لغات تلك الأمم، وهي (العبرية والفينيقية والسريانية والآشورية والكلدانية والعربية)، وثيقة القربى متحدة الأصل». (ص: 89).
ويشير لوبون إلى أن مصادر تاريخ العرب قبل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، هي كتب العبريين وروايات العرب والنصوص القليلة التي وردت في كتب بعض مؤرخي اليونان واللاتينيين، وما جاء في الخطوط الآشورية، وما أسفرت عنه الاكتشافات التي تمت في موقع الصفا القريب من دمشق، لافتًا إلى أن كتب العبريين تؤكد أن للعرب حضارة أقدم منهم، ويؤكد أن ما ورد في مؤلفات اليونانيين يثبت أن الإسكندر عزم على غزو الجزيرة العربية لما عرف عنها من غنى سكانها قبل الميلاد بأربعة قرون، وأنها نجت من غزوه بسبب موته. وحين قسمت دولة الإسكندر كانت الجزيرة من نصيب بطليموس، حيث نصر الأنباط بطليموس على أنتيغون سيد سوريا وفينيقيا، ثم أباد الأنباط بعد ذلك جيش أنتيغون. وتحت عنوان «حضارة الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)» يكشف لوبون ما قصه بنو إسرائيل عن تجارة العرب ومدنهم، ويذكر هنا ما رواه المؤرخان هيرودتس واسترابون من وصف لمعالم الثراء والحضارة في بلاد العرب ويتطرق بالتفصيل لما ذكراه عن مملكة سبأ وسد مأرب (ص: 100).
يفرق لوبون بين أقوام العرب الذين وصفهم بأنهم على قدر كبير من الذكاء، وبين برابرة القرون الوسطى الذين وصفهم بـ«الأمم المنحطة»، وبين «أجلاف الترك والمغول»، ويشير إلى أن العرب أبدعوا بعد استعانتهم بحضارة اليونان والرومان والفرس «حضارة جديدة أفضل من الحضارات التي جاءت قبلها». وأفرد الباب الثاني (مصادر قوة العرب) للحديث عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ ولادته ورسالته السماوية، وحياته وأخلاقه، ثم تحدث عن القرآن الكريم واستشهد بعدد من الآيات من سور مختلفة منه، وتطرق بعدها لفلسفة القرآن وانتشاره في العالم، مقرًا بأن سهولة الدين الإسلامي ووضوحه سبب قوته، وما أمر به من العدل والإحسان كان سببًا في اعتناق كثير من الشعوب له.
في الفصل الثالث (فتوح العرب) يتحدث المؤلف عن حال العالم في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويورد الفتوحات التي قاموا بها حتى نهاية دولة العرب، كما أطلق عليها بعد أن استولى فرديناند على عاصمة العرب الأخيرة غرناطة سنة 1492م، أي في القرن التاسع من الهجرة.
ويخوض الباب الثالث (دولة العرب) وهو أطول أقسام الكتاب، في تفاصيل تأثير العرب على الأمم التي عاشروها، باحثًا في أثرهم في كل بلد فتحوه، حيث أورد أحوال هذه البلاد قبل وبعد الفتح العربي، وفصوله هي: «العرب في سوريا»، و«العرب في بغداد»، و«العرب في بلاد فارس والهند»، و«العرب في مصر»، و«العرب في أفريقيا الشمالية»، و«العرب في إسبانيا» و«العرب في صقلية وإيطاليا وفرنسا» و«اصطراع النصرانية والإسلام.. الحروب الصليبية».
والحق لم يترك لوبون مقولة تاريخية ضد العرب أو المسلمين بشكل عام إلا ورد عليها، نافيًا عنهم مثلاً حرق مكتبة الإسكندرية: «وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي يأباها العرب، والتي تجعل المرء يسأل كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟ وهذه القصة دحضت في زماننا.. إن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعناية كالتي هدموا بها التماثيل ولم يبق منها ما يحرق». (ص: 213).
ويشير في الباب الرابع (طبائع العرب ونظمهم) إلى أن العرب أقل تحولاً من الأوروبيين لارتباطهم بالعادات والتقاليد، وأيضًا لالتزامهم بالقرآن كدستور ديني وسياسي ومدني، مشيرًا إلى أهم صفات أهل البدو من العرب، ألا وهي عشقهم للحرية. ثم يتحدث عن أسلوب معيشتهم ومنازلهم وطعامهم وشرابهم، كما تطرق لمسألة تعدد الزوجات، مشيرًا إلى أن الزوجات هن من يدفعن أزواجهن لذلك. وأشار لكرم ضيافتهم، كما أتى على ذكر أنواع الطعام على الموائد العربية التي بها «ما تجهله الموائد الأوروبية». (ص: 355).
ويقدم لوبون شهادته عن طبائع عرب المدن، مقدمًا وصفًا تفصيليًا للأسواق والبيوت والأعياد والاحتفالات والحمامات الشعبية والمقاهي. ويتناول فن القص كأحد أهم وسائل التسلية عند العرب: «يقص القاصون القصص ارتجالاً في بعض الأحيان، ويقتصرون في الغالب على إنشاد قصيدة أو تلاوة قصة من رواية ألف ليلة وليلة، ولا أزال أذكر أنني زرت حيًا من أحياء يافا الشعبية ذات ليلة، فشاهدت فيه جمعًا عربيًا من الحمالين والنواتي والأجراء... إلخ، يستمعون على نور مصباح إلى قصة عنترة بعناية، فتراني أشك في نيل قاص مثل ذلك النجاح لو أنشد جماعة من فلاحي فرنسا ما تيسر من شعر لامارتين أو شاتوبريان». (ص: 373).
وفي دراسته لـ«الرق في الشرق» يقول لوبون: «الرق عند المسلمين غيره عند النصارى فيما مضى، وحال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، فالأرقاء في الشرق يؤلفون جزءًا من الأسر».
ويقدم لوبون شرحًا مفصلاً لنظم العرب السياسية والاجتماعية، قائلاً: «العرب، وهم أعقل من كثير من أقطاب السياسة المعاصرين، كانوا يعلمون جيدًا أن النظم الواحدة لا تلائم جميع الشعوب، فكان من سياستهم أن يتركوا الأمم المغلوبة حرة في المحافظة على قوانينها وعاداتها ومعتقداتها». (ص: 382).
وذهب لوبون إلى أن نظام العرب السياسي كان ديمقراطيًا، قائلاً: «لا شيء أكثر بساطة من بساطة نظم العرب السياسية، فقد قامت على مساواة الجميع التامة تحت سيد واحد، أي تحت وكيل الله في الأرض، الذي كان الصاحب الوحيد لكل سلطة مدنية ودينية وحربية، والذي لم يكن في الدولة سلطة غير سلطته أو سلطة مندوبيه، ولم يعرف العرب قط نظام الإقطاع والأرستقراطية والوظائف الإدارية». (ص: 392).
وتطرق لوبون لتأثير الإسلام على حياة المرأة قائلاً: «الإسلام حسن حال المرأة كثيرًا، وهو أول دين رفع شأنها، والمرأة في الشرق أكثر احترامًا وثقافة وسعادة منها في أوروبا على العموم»، كما أنه اعتبر تعدد الزوجات في الشرق أفضل من الزنا والخيانة الزوجية في الغرب.
لم يغفل لوبون دراسة الأخلاق والقيم عند العرب والمسلمين، ثم يقدم مبحثًا عن مناهج العرب العلمية والكتب التي ألفوها وساهموا بها في نشر العلم في أوروبا. وفي مبحث آخر يتناول اللغة العربية، مفيدًا بأن الشعر العربي ظهر قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم بقرن واحد، وأن لهجة قبيلة النبي هي أفصح لهجات العرب، ثم يستشهد لوبون بما ذكره المؤرخ سيديو بأن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وتحديدًا الفرنسية، ويقدم بعض الكلمات التي اقتبست من العربية أو اشتقت منها.
وفي حديثه عن «الأدب العربي»، يؤكد لوبون أن أمر الأدب القديم في اليمن وفي مختلف أجزاء الجزيرة العربية مجهول تمامًا، وأن ما عرف منه ما قيل بعد ظهور المسيح. وينتقل بعدها للتأكيد على فضل العرب في علوم الفلك والرياضيات والعلوم الجغرافية والفيزياء والميكانيكا والكيمياء والعلوم الطبية والعلوم التطبيقية واختراعهم البارود والأسلحة النارية، على عكس ما أشيع بأن الصينيين هم من اخترعوه، وأشار إلى أنهم أول من استخدموا البوصلة في الملاحة البحرية، مقدمًا أدله من مخطوطات قديمة.
وخصص لوبون فصلاً عن الفنون العربية والرسم والحفر، ويشير إلى أن العرب والإغريق والرومان والفينيقيين والعبريين وكل أمة أخرى استفادت من مجهودات الماضي، وأن فنون العرب تشير إلى أن تميزهم فيها لم يظهر فجأة، بل كانت له أسس في الماضي السحيق لم تتكشف للعلماء.
كما خصص فصلاً آخر عن فنون العمارة عند العرب وإبداعهم المآذن والمساجد والزخارف، مشيرًا إلى أن الطراز العربي قبل ظهور النبي لا يزال مجهولاً، «خلا ما يستشف من بقايا مباني اليمن القديمة، ومن بقايا المباني التي أقيمت في الممالك العربية السورية القديمة، كمملكة الغساسنة مثلاً».
ولم يغفل لوبون دراسة صلات العرب بالعالم من حولهم عبر التجارة، فكتب عن صلات العرب بالهند، وبالصين، وأفريقيا، وأوروبا. ثم انتقل لتأثير العرب في أصقاع العالم من حولهم، مشيرًا إلى أنهم تركوا أثرًا في كل البلدان التي دخلوها، بل وأثروا في مصر التي يقال عنها إنها أصعب أقطار العالم إذعانًا للمؤثرات الأجنبية، وإنها تخلت عن حضارتها التي دامت 7 آلاف سنة بعد أقل من قرن واحد منذ دخول عمرو بن العاص، فاعتنقت مصر دينًا جديدًا ولغة جديدة وفنًا جديدًا اعتناقًا متينًا.



المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.


ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.