منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

ترجمة عربية لكتاب باومان «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدرت عن «مشروع كلمة» في أبوظبي الترجمة العربية الأولى لكتاب الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، الذي يعيش في بريطانيا منذ خمسة وأربعين عامًا، كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» بترجمة الدكتور سعد البازعي والكاتبة بثينة الإبراهيم، وهو الكتاب الذي صدر في عام 2008 بعنوان (Does Ethics Have a Chance in a World of Consumers).
في العنوان الأصل، وكما يبدو، لا تظهر كلمة «حداثة» (Modernity)، ولا كلمة «سائلة» (Liquid)، إلا أن المترجمَين اختارا نقل العنوان إلى العربية بما يتناسب مع خطاب فلسفة باومان في نقد تمظهرات عالم ما بعد الحداثة الاستهلاكي (الحداثة السائلة). وبذلك، وبقدر ما توفق - البازعي والإبراهيم - في ذلك، نراهما يوفران للقارئ العربي تذكيرًا ضمنيًا بجوهر فلسفة باومان الذي سبق وأصدر الطبعة الأولى من كتابه «الحداثة السائلة» عام 1999. وكان ذلك الكتاب تأسيسا لجانب كبير من فلسفة باومان في نقد النمط الاستهلاكي للعالم المعاصر، وكذلك في بيان رؤيته التي وصفت مرحلة الحداثة بأنها «صلبة» (Solid)، ووصفت مرحلة ما بعد الحداثة بأنها «سائلة» (Liquid)، لينتصر بذلك إلى مفهومي «الإسالة» (Liquidizing)، و«التذويب» (liquefaction) اللذين ميزا مرحلة ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة؛ وبروح الباحث الاجتماعي المدقق في متغيرات ما يجري بالعالم المعاصر، راح باومان يشخِّص كل مظاهر السيولة التي تسم أنماط المعاش في عالمنا، وهو ما وجد تطبيقًا مركزًا له في كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»، بحسب هذه الترجمة، ومن قبل تناوله باومان في كتب عدَّة له، صدر منها: «الحداثة والهولوكوست» 1989. و«العولمة: الاستهلاك البشري والحياة الاستهلاكية» 2001. و«الحب السائل» 2003. وغير ذلك.
يضم الكتاب مقدِّمة وستة فصول هي: «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، و«القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، و«الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، و«حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، و«بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وأخيرًا «جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا».
أوضح المترجمان في مقدِّمتهما المشتركة طبيعة الخطاب الفكري الذي يشتغل به المؤلِّف، لكنهما أشارا إلى نمط الكتابة لدى باومان ليس سهلاً كما يُشاع عنه، لا سيما أن باومان كثير الشواهد، فهو يتناص مع مقتبسات لمفكرين وشعراء وفلاسفة وفنانين ومؤرخين وعلماء اجتماع وصحافيين من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وأميركا وبريطانيا، وكان ذلك عبئًا تجاوزته هذه الترجمة ببراعة رغم أسلوبية الكتابة لدى باومان، وهي أسلوبية غالبًا ما تلجأ إلى العبارات والجمل الطويلة، بل والاعتراضية أيضًا، لكنها أسلوبية فاتنة في كثير من المعالجات التي قدّمها المؤلِّف حتى إننا بوصفنا قراء لا نملّ منها كون الكتابة الشواهدية فيها تأخذنا إلى مضان نعيشها يوميًا حتى لتبدو جزءا مما نعيش، خصوصًا أن المؤلِّف يفتتح كتابه بمقولة توحي بذلك، فهو يقول: «هذا الكتاب تقريرٌ من أرض المعركة» (ص 17)، ولذلك يدخلنا باومان، من فوره، إلى أتون اليومي بنماذج حياتية وطبيعية بالانطلاق من اعتبار منهجي مهم مفاده «أننا نحتاج، وبشكل ملح، إلى إطار جديد يمكنه استيعاب تجربتنا وتنظيمها بطريقة تسمح لنا بإدراك المنطق الذي يحكُم تلك التجربة، ونقرأ ما فيها من رسالة ظلَّت، حتى الآن، مخفية، وغير مقروءة أو عرضة لسوء الفهم» (ص18). ولذلك يصف عمله بأنه «تقرير سيرة» (ص18) لحياة ومجتمع وإنسان صارت حياته تعج بمتغيرات جوهرية في عصر الحداثة السائلة ما انعكسَ على طبيعة القيم الأخلاقية التي أمست «تفتت مركزية المركز» (ص29)، وتفكك تقلُّبات الهوية في ظل جدلية الاتصال والانفصال، لا سيما «أن الهوية في حالة ولادة» (ص37) مستمرة، وانهيار الذات نحو تخوم جديدة، وظهور «الحشد» بديلاً عن «الجماعة»، ففي عصر الحداثة الصلبة كان للجماعة قمّة، بينما في عصر الحداثة السائلة لا قمة للحشد ولا مركز، ليس له سوى «طيرانه.. ذي الدفع الذاتي» (ص34)، وتلك ميزة ما يجري راهنا.
في كتابه هذا لا يقدِّم باومان رؤية أكاديمية تقليدية عن القيم، فكتابه لا يعرض ذلك بقدر ما يتابع التحولات المجتمعية في الواقع الجاري، وما تعكسه كل السُّلوكيات من قيم أخلاقية، ولكن ليس بعيدًا عن مباحث القيم التي تناولها فلاسفة وعُلماء نفس واجتماع وأنثروبولوجيا مثل توماس هوبز، وماكس شلر، وميشيل أغيير، وفيرغسون، وجورج زيمل، ولوغستروب، وبرودسكي، وفرويد، ونيتشه، وهيدغر، ولفيناس وبورديو، وغيرهم، ولذلك جاء الفصل الأول «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، هذا التساؤل الذي بدت معالجته لذيذة من الناحية المعرفية كونه يربط «الأخلاق» و«الاستهلاك» و«العولمة» في سياق واحد، بين قيم تتغير ورؤى فلسفية واجتماعية تصف بقدر ما ترفض وتقبل تحوّلات ما يجري اليوم في عصر نفر فيه من ثوابت الماضي نحو مستجدات الحاضر السريعة والعابرة بلا هوادة.
سيشعر أحدنا بالمرارة عندما يقرأ الفصل الثاني «القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، فباومان يعود بنا إلى مآس حزينة عاشها إنسان القرن الماضي، ابتداء من محارق اليهود إلى صور الإبادة الشاملة للجماعات العرقية، ومنها ما جرى لأكراد العراق، وغير ذلك من مناطق العالم، وكلها «تكرس دروس نتجت عن الابتذال والتقديس، وتدفع إلى مزيد من الانفصال والشك والكراهية والعداء، وبهذا تزيد من احتمال حدوث كارثة جديدة أكبر مما كان سيحدُث من دونها» (ص138). ومهما يكن ما سيحدُث، وهذا ما يختم به باومان فصله الثاني، فإنِّ «المشكلات الإنسانية على كوكب معولم يمكن مقاربتها وحلها فقط على يد إنسانية متضامنة» (ص150)، ويبدو ذلك أملاً لا غير.
هذه الرؤية ستجد صداها في الفصل التالي «الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، الذي خاض فيه المؤلِّف مناقشات مركَّزة لآراء فلاسفة التنوير بشأن الحرية في ضوء الفكرة القائلة إن «الإنسان المثالي هو ذلك الذي يجرؤ أن يفكِّر لنفسه ساحقًا تحت قدميه التعصُّب والتقاليد والماضي والمعتقدات الشعبية» (ص157). لكن ذلك لم يعد يكفي، «فما زال العالم الذي نعيشُ فيه أبعد ما يكون عن الشفافية وقابلية التنبؤ، كما أنه ليس وطنًا آمنًا للجنس البشري» (ص158)، هكذا يقول باومان، الأمر الذي يعني أن حرية الإنسان ما زالت مسلوبة فيه، وما زالت حياتنا عرضة للنزعة الاستهلاكية المريرة، ما يعني ضرورة «إنقاذ التضامن الإنساني من التآكل، والحفاظ على مشاعر المسؤولية الأخلاقية من الاضمحلال» (ص192)، وتلك مهمة صعبة لكنها غير مستحيلة.
من الحرية إلى إشكالية التعليم ننتقل مع باومان عبر الفصل الرابع «حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، حيث كل شيء يمضي بوتيرة عجول، ومنه التعليم الذي تسمه الحياة الاستهلاكية بالسرعة والنسيان، وهي الملاحظة التي ينطلق منها الباحث في معاينة منظومات التعليم الدائرة في عصرنا في ضوء حراك السيولة الذي يبدو هوية لكل شيء في هذا العالم، فمثلما يعيش الاقتصاد الاستهلاكي على تقليب البضائع كذلك هو التعامل مع التعليم، وتلك طامة كبرى.
ومن التعليم إلى الثقافة والفنون في عصر الحداثة السائلة، وهو موضوع الفصل الخامس «بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وفيه يستعرض باومان شتى سبل الفنون والثقافات الاستهلاكية ذات الطابع الاستهلاكي العابر في ظل ضياع «الصدفة» بوصفها موئلاً للإبداع وحتمية وجود «العتمة» التي لا تنتج سوى العابر والجاري بمعايير دخيلة عليه، حتى أصبح الفنانون والكتاب مجرد وسطاء يرضخون لقوى السوق، ما يعني أن «إخضاع الإبداع الثقافي لمعايير السوق الاستهلاكية ومقاييسها المطالبة بقبول هذا الإبداع لشروط المنتجات الاستهلاكية» (ص270)، حيث أصبحت شهرة «الفنان» تساوي شهرة «العلامة التجارية»، وأصبح للمبدع تاريخ إنتاج وصلاحية، ما ينذر بولادة ونشوء «ثقافة الهدر» (ص275) الدائر عبثها المدمر في عصر الحداثة السائلة.
ينهي باومان كتابه بالحديث الحزين عن أوروبا «جعل الكوكب مضيافًا أوروبيًا»، فالعالم من حول هذه القارة يبدو ضاجًا بالعنف والسيطرة الاستعمارية الجديدة (أميركا) التي يشي نمطها باستهلاك سريع وتصفية للتقاليد وظهور جديد للفوضى والإرهاب العالمي، وما فكرة الحرب على الإرهاب سوى «ضرب من التناقض» (ص302)، حيث «الحصون المحاصرة التي تتحوّل إليها المدن المتعددة الإثنيات والثقافات يتقاسمها الآن الإرهابيون وضحاياهم» (ص305) (العراق أنموذجًا) في ظل ظهور أنماط من «الحشود الإرهابية» العابرة للحدود، وهي «حشود منزلية» بلا ثكنات تشتغل في «ساحات معركة سريعة الحركة» (ص306)، وتلك تبعات تتحمَّلها الولايات المتحدة الأميركية في سياساتها التي تعتمد القوة العنيفة لا العلاقات الإنسانية، ولذلك يدعو باومان إلى جعل «الكوكب مضيافًا لقيم وأساليب أخرى من الوجود أكثر من تلك التي تمثلها القوة العسكرية الأميركية العظمى وتروِّج لها»، يدعو إلى «القيم والأساليب التي تعد أوروبا أكثر من أي جزء بالعالم مستعدّة لتقديمها، الذي يحتاج أكثر من أي شيء آخر أن يصمم الطريق المؤدي إلى الوحدة الشاملة للجنس البشري» (ص 311)
لقد أبدى البازعي والإبراهيم جهدًا ترجميًا تنويريًا عندما أقبلا على نقل متن هذا الكتاب إلى العربية، لا سيما هوامش المؤلِّف الأساسية، فضلاً عن الإضاءات الخاصة بترجمة الأسماء الواردة في المتن والتعريف بها في مواضع كثيرة خدمة للقارئ العربي، وتلك أمانة علمية حرصا على تفعيلها في صنيعهما الترجمي هذا.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.