نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

سكانها ودّعوا موتاهم في المقابر قبل إخلاء المدينة وسط مخاوف من جرفها

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
TT

نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)

نُفذت المرحلة الأولى أمس من اتفاق قضى بإخراج مقاتلي المعارضة والمدنيين من مدينة داريا الواقعة غرب وسط دمشق والمحاصرة منذ أربع سنوات، وسط شبهات لدى المعارضة من أن يكون ضغط النظام على المدنيين بإخلائها، مقدمة لتغيير ديموغرافي حول العاصمة السورية.
وبدأت الدفعة الأولى من المدنيين والمقاتلين بعد ظهر أمس الجمعة وسط أجواء من الحزن بالخروج من داريا المدمرة، المتاخمة لدمشق، في إطار اتفاق يقضي بإخلاء مدينة - ضاحية طال حصارها وحافظت على رمزية خاصة لدى المعارضة السورية. وحسب التقارير توصل النظام والفصائل المعارضة في داريا يوم أول من أمس الخميس إلى اتفاق يقضي بخروج 700 مقاتل إلى إدلب، بشمال غربي سوريا، الواقعة تحت سيطرة فصائل إسلامية وأخرى متشددة، وإجلاء 4000 من الرجال والنساء مع عائلاتهم بدءًا من الجمعة من هذه المدينة، فضلاً عن تسليم المقاتلين سلاحهم المتوسط والثقيل.
وأفادت وسائل الإعلام ببدء خروج حافلات المدنيين والمقاتلين عند نحو الساعة الثالثة والربع بالتوقيت المحلي من المدينة، عبر حافلات نقل ركاب كانت متوقفة عند المدخل الشمالي للمدينة. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن غالبية ركاب الحافلة الأولى كانوا من النساء والأطفال والمسنين، فبينما تضمنت الحافلات الأخرى مقاتلين يحملون سلاحهم الفردي ومعهم عائلاتهم. وأكد مصدر عسكري نظامي أن الدفعة الأولى الجمعة تتضمن «300 مقاتل مع عائلاتهم» على أن تستكمل العملية اليوم السبت.
جدير بالذكر أن مقاتلين معارضين كانوا قد قالوا في رسالة صوتية بثت مساء أول من أمس الخميس إن المفاوضات جرت بين اللجنة المكلفة من أهالي داريا ووفد من النظام ترأسته ابنة رئيس الفرقة الرابعة في قوات النظام، التي هدّدت بأن هذه المفاوضات هي الفرصة الأخيرة لمقاتلي داريا كي يخرجوا بشكل آمن من المدينة، و«إلا سيتم القضاء على كل من في داريا». وتحدث أحد المقاتلين عن صعوبة الأوضاع في داريا خلال الأيام الأخيرة واستحالة الاستمرار بالمعارك والصمود في ظل انعدام الإمداد، كما عبّر عن الشعور بالخذلان من فصائل معارضة أخرى «لم تؤازرهم إلا بالكلام».
في إطار عملية إخلاء المدينة، أوضح مصدر عسكري نظامي أن «الذي لا يريد المصالحة سيذهب باتجاه مدينة إدلب، والذي يريد البقاء (...) سيذهب إلى منطقة حرجلة» في الغوطة الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام. وأشار إلى أن «كل مسلح يرغب في أخذ أولاده معه باتجاه إدلب سيحصل له ذلك». ومن جهته، أكد المجلس المحلي لمدينة داريا أن «الأسر المدنية ستتوجه إلى بلدة حرجلة (...) ومن هناك يتوزّعون إلى المناطق التي يرغبون في التوجه إليها». هذا وأفاد ناشطون في الشمال، باستحداث غرفة طوارئ داريا، بتكليف من المقاتلين المنسحبين منها، وهي «الجهة الوحيدة المخولة بتنسيق وصولهم إلى الشمال ورعايتهم إغاثيا وأمنيًا.
من جانب آخر، أوضح رامي عبد الرحمن مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن النظام «اشترط عدم وجود معارضين له في داريا»، حيث يعمل على «إجلاء المدينة بأكملها من السكان، قبل أن يتيح لغير المعارضين في وقت لاحق العودة إذا أرادوا ذلك». وتابع عبد الرحمن في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قسمًا من النازحين الموالين له من داريا «نزحوا إلى مناطق سيطرته في أطراف دمشق، ويُعتقد أنه ينوي إعادتهم بعد تطهيرها من المعارضين». واستبعد عبد الرحمن في تصريحه أن يكون ذلك «خطة لتغيير ديموغرافي» في المدينة، معتبرًا أن النظام «لا يستطيع إجراء تغيير فيها بالنظر إلى أن ربع مليون من سكانها الأصليين هم من السنة، ولا يستطيع استبدالهم بالعلويين أو غيرهم، بل يصر على إقصاء المعارضين من المنطقة المحيطة بعاصمته».
لكن القيادات المعارضة، رسمت شكوكًا حول خطط لتغيير ديموغرافي. إذ منسّق «الهيئة العليا للمفاوضات» الدكتور رياض حجاب - وهو رئيس حكومة سابق - وجه رسالة إلى «أصدقاء الشعب السوري» أعرب فيها عن مخاوفه من أن تكون خطة للتغيير الديموغرافي، إذ قال حجاب إن «إخلاء داريا بدأ، ويأتي ضمن خطة مفرغة من التغيير الديموغرافي التي ينفذها النظام مدعومًا من قبل الإيرانيين والروس». وأعرب عن خشيته من «تكرار سيناريو حمص وغيرها من المناطق، حيث تم إلقاء القبض على المواطنين والمقاتلين المغادرين».
وإذ أشار حجاب في رسالته إلى أنه «بسبب الحصار المنهجي على داريا من قبل النظام وحلفائه، مدعومًا بدعم كامل من روسيا، وباستخدام أسلحة محرمة دوليا، والنابالم والأسلحة المتطورة الأخرى التي أجبرت سكان داريا على القبول بأحكام هذا الاتفاق»، طالب أصدقاء الشعب السوري «بالإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق المفروض لضمان سلامة وأمن المواطنين والمقاتلين الذين يجري ترحيلهم ومنع اعتقالهم أو الاعتداء عليهم».
قال المتحدث الرسمي باسم «الهيئة العليا للمفاوضات» الوزير السابق الدكتور رياض نعسان آغا في تصريح خاص لوكالة «سمارت»، من جهته «نخشى أن ينتقم النظام من أهل مدينة داريا، لأنها أسطورة الصمود أمام طغيانه، على مدى أربع سنوات من المقاومة والحصار.. إن ما يحصل اليوم كان متوقعًا لعدم وجود أي مساعدة عسكرية لها».
دوليًا، عبرت الأمم المتحدة أمس الجمعة عن قلقها بشأن الاتفاق على إنهاء الحصار المفروض على داريا قائلة إنه ينبغي عدم إجلاء المدنيين إلا إذا كان ذلك آمنًا تماما. وفي تصريحات بالبريد الإلكتروني لـوكالة «رويترز» قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ستيفن أوبراين «نواصل المطالبة بالوصول إلى داريا بحرية وأمان وندعو جميع الأطراف لضمان أن يكون أي تحرك للمدنيين آمنا وطوعيا ويتماشى مع المبادئ والقوانين الإنسانية الدولية».
داريا، تتمتع في الحقيقة برمزية كبيرة كونها من أوائل المناطق التي تضامنت مع درعا إثر فض النظام مظاهرات واعتصامات أهالي درعا بالقوة والرصاص في فبراير (شباط) 2011. وكان المتظاهرون في داريا وقتها يوزعون الورد والمياه على عناصر قوات النظام تأكيدا على سلميتهم، لكن ذلك لم يمنع سقوط قتلى برصاص قوات النظام ولاحقا بالقصف المدفعي، وكما في المدن السورية الأخرى تحولت الاحتجاجات بعد قمعها إلى نزاع مسلح. ومن ثم غدت داريا أول منطقة شكلت تنظيمًا عسكريًا مسلحًا ضده، ونظرًا لأنها تتمتع بموقع استراتيجي، دفع رئيس النظام بشار الأسد لزيارتها في العام 2012 لشد عصب مقاتليه. ولقد أعاد إخلاء المدنيين من داريا إلى الأذهان سيناريو أحياء مدينة حمص القديمة التي أخلاها النظام بموجب اتفاق تحت الإكراه مع المعارضة في مايو (أيار) 2014. إذ فرض، آنذاك إخلاء المدنيين منها، وأتاح في وقت لاحق إعادة الموالين له إلى أحياء حمص التي يقول ناشطون إن معظمها الآن خال من السكان.
وبكثير من الخيبة والشعور بالخذلان، ودّع المدنيون المحاصرون في مدينة داريا، المتاخمة للعاصمة السورية دمشق، قبور أحبائهم الذين قضوا في الحرب مع قوات نظام بشار الأسد والميليشيات الداعمة لها، وقال ناشطون في داريا إن الأهالي خرجوا يوم أمس من المدينة - الضاحية و«يتملكهم الخوف على قبور الشهداء من أن تجرفها قوات الأسد بعد دخولها» وفق اتفاق تسوية تحت الإكراه والضغط بدأ تنفيذه يوم أمس الجمعة.
المجلس المحلي لمدينة داريا، نشر صورًا لنساء ومدنيين في جبانتها قبل يوم من مغادرتها، بعد توصل لجنة مكلفة من داريا إلى تسوية مع وفد يمثل النظام إلى اتفاق يقضي بخروج الأهالي المدنيين. وقال مجلس المحلي لمدينة داريا إن النظام رفض إخراج المقاتلين سلاحهم الثقيل الذي هو عبارة عن دبابة واحدة ومدرعة بي إم بي ورشاشات 14.5 و«دوشكا» وقواذف وقناصات حرارية، واجهوا بها قوات النظام وطيرانه وميليشيات حلفائه لأكثر من ثلاث سنوات. واشترط النظام الذي حاصر داريا طيلة أربع سنوات تسليم الدبابة والمدرعة، أما الباقي فأحرقه مقاتلو داريا قبل خروجهم.
اللافت في الأمر، أن النظام، لأول مرة، يعترف بوجود مدنيين حاصرهم منذ أربع سنوات، ونقل التلفزيون النظامي وقائع إخراج المدنيين يوم أمس الجمعة بحافلات تابعة لمنظمة الهلال الأحمر السوري، والمفارقة أن إعلام النظام دأب على ترويج كذبة خلو داريا من المدنيين، والزعم أن المدينة تقع تحت سيطرة تنظيم «جبهة النصرة»، الذي أصبح اسمه «فتح الشام» أخيرًا. وبحسب التقديرات، لم يتبق من سكان داريا - التي كان يقطنها 250 ألفا قبل الحرب - سوى نحو ثمانية آلاف شخص، بينهم أكثر من ألفي امرأة وطفل، في منطقة دمّر أكثر 90 في المائة منها. وكان هؤلاء يتعرضون يوميا لغارات ألقت آلاف الصواريخ والقذائف وأكثر من عشرة آلاف برميل متفجر، فضلا عن هجمات الأسلحة المحرّمة دوليا كالغازات السامة وقنابل النابالم الحارقة.
وليس «قبور الشهداء» فقط ما يؤلم سكان داريا في هذه اللحظات. فالشعور بالخذلان، يتصدر كل المشاعر الأخرى. وقال ناشط في مدينة داريا، فضل عدم الكشف عن اسمه، في حديث عبر الهاتف مع مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في العاصمة اللبنانية بيروت: «هناك قهر كبير» بين السكان. وأضاف: «ذهبت الأمهات أمس إلى المقابر لتوديع شهدائهم، إنهم يبكون على داريا أكثر مما بكوا حين سقط الشهداء».
وأظهرت صورة نشرها المجلس المحلي لمدينة داريا على صفحته على «فيسبوك» أحد الشبان وهو يقبل اسم داريا على أحد جدران المدينة. وقال أحد مقاتلي الفصائل المعارضة في المدينة إن داريا تعيش اليوم «أصعب اللحظات، الجميع يبكي، الطفل يودع مدرسته، والأم تودع ابنها الشهيد عند قبره».
ويجمع السكان المهجّرون، وفق قوله، «أغراضهم المتواضعة المتبقية، لتبقى معهم ذكرى لأربع سنوات من الحصار والجوع والقصف، وتبقى ذكرى لمجتمع دولي خذلهم دون أي ذنب». وأضاف: «المدينة لم تعد صالحة للسكن، فقد باتت مدمرة تمامًا»، إذ كانت تتعرض للقصف بعشرات البراميل المتفجرة يوميا، فضلا عن القصف المدفعي والغارات الجوية، ما أسفر عن دمار هائل فيها.
وعند مدخل داريا الشمالي، كتب على أحد جدران الأبنية: «داريا الحرة مع تحيات الجيش الحر».



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.