نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

سكانها ودّعوا موتاهم في المقابر قبل إخلاء المدينة وسط مخاوف من جرفها

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
TT

نظام الأسد يهجر أهالي داريا.. مفرغا محيط العاصمة من سكانها.. والعالم يتفرج

بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)
بعد صمود تاريخي أهالي داريا يغادرونها وسط المباني التي دمرها القصف الإجرامي (أ.ب)

نُفذت المرحلة الأولى أمس من اتفاق قضى بإخراج مقاتلي المعارضة والمدنيين من مدينة داريا الواقعة غرب وسط دمشق والمحاصرة منذ أربع سنوات، وسط شبهات لدى المعارضة من أن يكون ضغط النظام على المدنيين بإخلائها، مقدمة لتغيير ديموغرافي حول العاصمة السورية.
وبدأت الدفعة الأولى من المدنيين والمقاتلين بعد ظهر أمس الجمعة وسط أجواء من الحزن بالخروج من داريا المدمرة، المتاخمة لدمشق، في إطار اتفاق يقضي بإخلاء مدينة - ضاحية طال حصارها وحافظت على رمزية خاصة لدى المعارضة السورية. وحسب التقارير توصل النظام والفصائل المعارضة في داريا يوم أول من أمس الخميس إلى اتفاق يقضي بخروج 700 مقاتل إلى إدلب، بشمال غربي سوريا، الواقعة تحت سيطرة فصائل إسلامية وأخرى متشددة، وإجلاء 4000 من الرجال والنساء مع عائلاتهم بدءًا من الجمعة من هذه المدينة، فضلاً عن تسليم المقاتلين سلاحهم المتوسط والثقيل.
وأفادت وسائل الإعلام ببدء خروج حافلات المدنيين والمقاتلين عند نحو الساعة الثالثة والربع بالتوقيت المحلي من المدينة، عبر حافلات نقل ركاب كانت متوقفة عند المدخل الشمالي للمدينة. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن غالبية ركاب الحافلة الأولى كانوا من النساء والأطفال والمسنين، فبينما تضمنت الحافلات الأخرى مقاتلين يحملون سلاحهم الفردي ومعهم عائلاتهم. وأكد مصدر عسكري نظامي أن الدفعة الأولى الجمعة تتضمن «300 مقاتل مع عائلاتهم» على أن تستكمل العملية اليوم السبت.
جدير بالذكر أن مقاتلين معارضين كانوا قد قالوا في رسالة صوتية بثت مساء أول من أمس الخميس إن المفاوضات جرت بين اللجنة المكلفة من أهالي داريا ووفد من النظام ترأسته ابنة رئيس الفرقة الرابعة في قوات النظام، التي هدّدت بأن هذه المفاوضات هي الفرصة الأخيرة لمقاتلي داريا كي يخرجوا بشكل آمن من المدينة، و«إلا سيتم القضاء على كل من في داريا». وتحدث أحد المقاتلين عن صعوبة الأوضاع في داريا خلال الأيام الأخيرة واستحالة الاستمرار بالمعارك والصمود في ظل انعدام الإمداد، كما عبّر عن الشعور بالخذلان من فصائل معارضة أخرى «لم تؤازرهم إلا بالكلام».
في إطار عملية إخلاء المدينة، أوضح مصدر عسكري نظامي أن «الذي لا يريد المصالحة سيذهب باتجاه مدينة إدلب، والذي يريد البقاء (...) سيذهب إلى منطقة حرجلة» في الغوطة الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام. وأشار إلى أن «كل مسلح يرغب في أخذ أولاده معه باتجاه إدلب سيحصل له ذلك». ومن جهته، أكد المجلس المحلي لمدينة داريا أن «الأسر المدنية ستتوجه إلى بلدة حرجلة (...) ومن هناك يتوزّعون إلى المناطق التي يرغبون في التوجه إليها». هذا وأفاد ناشطون في الشمال، باستحداث غرفة طوارئ داريا، بتكليف من المقاتلين المنسحبين منها، وهي «الجهة الوحيدة المخولة بتنسيق وصولهم إلى الشمال ورعايتهم إغاثيا وأمنيًا.
من جانب آخر، أوضح رامي عبد الرحمن مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن النظام «اشترط عدم وجود معارضين له في داريا»، حيث يعمل على «إجلاء المدينة بأكملها من السكان، قبل أن يتيح لغير المعارضين في وقت لاحق العودة إذا أرادوا ذلك». وتابع عبد الرحمن في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قسمًا من النازحين الموالين له من داريا «نزحوا إلى مناطق سيطرته في أطراف دمشق، ويُعتقد أنه ينوي إعادتهم بعد تطهيرها من المعارضين». واستبعد عبد الرحمن في تصريحه أن يكون ذلك «خطة لتغيير ديموغرافي» في المدينة، معتبرًا أن النظام «لا يستطيع إجراء تغيير فيها بالنظر إلى أن ربع مليون من سكانها الأصليين هم من السنة، ولا يستطيع استبدالهم بالعلويين أو غيرهم، بل يصر على إقصاء المعارضين من المنطقة المحيطة بعاصمته».
لكن القيادات المعارضة، رسمت شكوكًا حول خطط لتغيير ديموغرافي. إذ منسّق «الهيئة العليا للمفاوضات» الدكتور رياض حجاب - وهو رئيس حكومة سابق - وجه رسالة إلى «أصدقاء الشعب السوري» أعرب فيها عن مخاوفه من أن تكون خطة للتغيير الديموغرافي، إذ قال حجاب إن «إخلاء داريا بدأ، ويأتي ضمن خطة مفرغة من التغيير الديموغرافي التي ينفذها النظام مدعومًا من قبل الإيرانيين والروس». وأعرب عن خشيته من «تكرار سيناريو حمص وغيرها من المناطق، حيث تم إلقاء القبض على المواطنين والمقاتلين المغادرين».
وإذ أشار حجاب في رسالته إلى أنه «بسبب الحصار المنهجي على داريا من قبل النظام وحلفائه، مدعومًا بدعم كامل من روسيا، وباستخدام أسلحة محرمة دوليا، والنابالم والأسلحة المتطورة الأخرى التي أجبرت سكان داريا على القبول بأحكام هذا الاتفاق»، طالب أصدقاء الشعب السوري «بالإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق المفروض لضمان سلامة وأمن المواطنين والمقاتلين الذين يجري ترحيلهم ومنع اعتقالهم أو الاعتداء عليهم».
قال المتحدث الرسمي باسم «الهيئة العليا للمفاوضات» الوزير السابق الدكتور رياض نعسان آغا في تصريح خاص لوكالة «سمارت»، من جهته «نخشى أن ينتقم النظام من أهل مدينة داريا، لأنها أسطورة الصمود أمام طغيانه، على مدى أربع سنوات من المقاومة والحصار.. إن ما يحصل اليوم كان متوقعًا لعدم وجود أي مساعدة عسكرية لها».
دوليًا، عبرت الأمم المتحدة أمس الجمعة عن قلقها بشأن الاتفاق على إنهاء الحصار المفروض على داريا قائلة إنه ينبغي عدم إجلاء المدنيين إلا إذا كان ذلك آمنًا تماما. وفي تصريحات بالبريد الإلكتروني لـوكالة «رويترز» قال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ستيفن أوبراين «نواصل المطالبة بالوصول إلى داريا بحرية وأمان وندعو جميع الأطراف لضمان أن يكون أي تحرك للمدنيين آمنا وطوعيا ويتماشى مع المبادئ والقوانين الإنسانية الدولية».
داريا، تتمتع في الحقيقة برمزية كبيرة كونها من أوائل المناطق التي تضامنت مع درعا إثر فض النظام مظاهرات واعتصامات أهالي درعا بالقوة والرصاص في فبراير (شباط) 2011. وكان المتظاهرون في داريا وقتها يوزعون الورد والمياه على عناصر قوات النظام تأكيدا على سلميتهم، لكن ذلك لم يمنع سقوط قتلى برصاص قوات النظام ولاحقا بالقصف المدفعي، وكما في المدن السورية الأخرى تحولت الاحتجاجات بعد قمعها إلى نزاع مسلح. ومن ثم غدت داريا أول منطقة شكلت تنظيمًا عسكريًا مسلحًا ضده، ونظرًا لأنها تتمتع بموقع استراتيجي، دفع رئيس النظام بشار الأسد لزيارتها في العام 2012 لشد عصب مقاتليه. ولقد أعاد إخلاء المدنيين من داريا إلى الأذهان سيناريو أحياء مدينة حمص القديمة التي أخلاها النظام بموجب اتفاق تحت الإكراه مع المعارضة في مايو (أيار) 2014. إذ فرض، آنذاك إخلاء المدنيين منها، وأتاح في وقت لاحق إعادة الموالين له إلى أحياء حمص التي يقول ناشطون إن معظمها الآن خال من السكان.
وبكثير من الخيبة والشعور بالخذلان، ودّع المدنيون المحاصرون في مدينة داريا، المتاخمة للعاصمة السورية دمشق، قبور أحبائهم الذين قضوا في الحرب مع قوات نظام بشار الأسد والميليشيات الداعمة لها، وقال ناشطون في داريا إن الأهالي خرجوا يوم أمس من المدينة - الضاحية و«يتملكهم الخوف على قبور الشهداء من أن تجرفها قوات الأسد بعد دخولها» وفق اتفاق تسوية تحت الإكراه والضغط بدأ تنفيذه يوم أمس الجمعة.
المجلس المحلي لمدينة داريا، نشر صورًا لنساء ومدنيين في جبانتها قبل يوم من مغادرتها، بعد توصل لجنة مكلفة من داريا إلى تسوية مع وفد يمثل النظام إلى اتفاق يقضي بخروج الأهالي المدنيين. وقال مجلس المحلي لمدينة داريا إن النظام رفض إخراج المقاتلين سلاحهم الثقيل الذي هو عبارة عن دبابة واحدة ومدرعة بي إم بي ورشاشات 14.5 و«دوشكا» وقواذف وقناصات حرارية، واجهوا بها قوات النظام وطيرانه وميليشيات حلفائه لأكثر من ثلاث سنوات. واشترط النظام الذي حاصر داريا طيلة أربع سنوات تسليم الدبابة والمدرعة، أما الباقي فأحرقه مقاتلو داريا قبل خروجهم.
اللافت في الأمر، أن النظام، لأول مرة، يعترف بوجود مدنيين حاصرهم منذ أربع سنوات، ونقل التلفزيون النظامي وقائع إخراج المدنيين يوم أمس الجمعة بحافلات تابعة لمنظمة الهلال الأحمر السوري، والمفارقة أن إعلام النظام دأب على ترويج كذبة خلو داريا من المدنيين، والزعم أن المدينة تقع تحت سيطرة تنظيم «جبهة النصرة»، الذي أصبح اسمه «فتح الشام» أخيرًا. وبحسب التقديرات، لم يتبق من سكان داريا - التي كان يقطنها 250 ألفا قبل الحرب - سوى نحو ثمانية آلاف شخص، بينهم أكثر من ألفي امرأة وطفل، في منطقة دمّر أكثر 90 في المائة منها. وكان هؤلاء يتعرضون يوميا لغارات ألقت آلاف الصواريخ والقذائف وأكثر من عشرة آلاف برميل متفجر، فضلا عن هجمات الأسلحة المحرّمة دوليا كالغازات السامة وقنابل النابالم الحارقة.
وليس «قبور الشهداء» فقط ما يؤلم سكان داريا في هذه اللحظات. فالشعور بالخذلان، يتصدر كل المشاعر الأخرى. وقال ناشط في مدينة داريا، فضل عدم الكشف عن اسمه، في حديث عبر الهاتف مع مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في العاصمة اللبنانية بيروت: «هناك قهر كبير» بين السكان. وأضاف: «ذهبت الأمهات أمس إلى المقابر لتوديع شهدائهم، إنهم يبكون على داريا أكثر مما بكوا حين سقط الشهداء».
وأظهرت صورة نشرها المجلس المحلي لمدينة داريا على صفحته على «فيسبوك» أحد الشبان وهو يقبل اسم داريا على أحد جدران المدينة. وقال أحد مقاتلي الفصائل المعارضة في المدينة إن داريا تعيش اليوم «أصعب اللحظات، الجميع يبكي، الطفل يودع مدرسته، والأم تودع ابنها الشهيد عند قبره».
ويجمع السكان المهجّرون، وفق قوله، «أغراضهم المتواضعة المتبقية، لتبقى معهم ذكرى لأربع سنوات من الحصار والجوع والقصف، وتبقى ذكرى لمجتمع دولي خذلهم دون أي ذنب». وأضاف: «المدينة لم تعد صالحة للسكن، فقد باتت مدمرة تمامًا»، إذ كانت تتعرض للقصف بعشرات البراميل المتفجرة يوميا، فضلا عن القصف المدفعي والغارات الجوية، ما أسفر عن دمار هائل فيها.
وعند مدخل داريا الشمالي، كتب على أحد جدران الأبنية: «داريا الحرة مع تحيات الجيش الحر».



تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».