سيناء.. الحرب الخفية

نشاط إيراني.. وقلق مصري وبرود أميركي

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
TT

سيناء.. الحرب الخفية

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).

يجلس الجندي محمود على نصف برميل مقلوب وفارغ. حرارة الشمس تصب لهيبها على رأسه. سيكون عليه، بعد أن ينتهي من تنظيف سلاحه الكلاشنيكوف وحشوه بالرصاص، ارتداء قناع القماش الأسود لكي يغطي وجهه. يتحول الحر والعرق تحت القناع إلى عذاب. مع ذلك عليه أن يكون متيقظًا. لا أحد يعرف من أين يمكن أن يبدأ الهجوم على الكمين. في الجوار توجد صفوف من أكياس الرمال المرصوصة فوق بعضها. ومظلة من الكتّان تحتها بقايا طعام وزجاجات مياه ضربتها الشمس بسخونتها.
من هنا يمكن أن ترى الأفق الشاسع لصحراء شبه جزيرة سيناء التي يحارب فيها الجيش المصري جماعات من المتطرفين منذ أكثر من ثلاثة أعوام، دون أن يكون هناك وقت محدد للإعلان عن انتهاء العمليات. أخيرًا وصلت لأيدي المتطرفين أسلحة تبدو إيرانية الصنع. فتّاكة، ولديها قدرة على القنص من مسافة 1500 متر.
فيما عدا مساعدات من بعض دول عربية صديقة، يقع عبء الحرب على الإرهاب في سيناء على عاتق المصريين وحدهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة. يظهر أن هناك تراجعا في اهتمام الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في مد يد العون للقاهرة، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد. هذا رغم أن باراك بارفي، الباحث في «مؤسسة أميركا الجديدة» الأميركية، يقول لـ«الشرق الأوسط» من واشنطن، إن الولايات المتحدة قد تقدم للمصريين «معلومات استخباراتية»، إلا أنه يضيف أن الرئيس باراك أوباما «ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء وهو يقترب من نهاية ولايته».
يوجد مركز لقوات حفظ السلام الدولية في سيناء. هي هنا، في المنطقة «ج» المنزوعة السلاح، منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. لكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب. فقد اضطر الجيش المصري للدخول بآلياته الثقيلة إلى قطاع «ج» بعد أن امتلأ القطاع بإرهابيين محليين وأجانب منذ ثورات الربيع العربي. الشيء الوحيد الباقي على حاله في سيناء حالة الفقر، أُضيف إليها ارتباك وخوف من الأيام المقبلة.
جوانب الشارع التجاري أصبحت مغطاة بالتراب. هنا منطقة غرناطة التي كانت يومًا تعجّ بالمتسوقين من زوار مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء. كانت يفد إليها مصريون وعرب وأجانب للسياحة. تحولت اليوم لمنطقة خطرة وملتهبة. يوجد في منطقة غرناطة استراحة الرئاسة، ومنها يمكن العبور إلى رفح، آخر نقطة على حدود سيناء مع قطاع غزة. الشارع مغلق من الجانب الآخر بأكوام التراب وكتل الخرسانة. وبعد هذه الحواجز يقع مبنى المحافظة والكتيبة 101 التي تعرضت لهجوم دام بمفخخات المتطرفين قبل أشهر.
في شارع البحر. بالتحديد في منطقة الخلفاء الراشدين وسط العريش، سقط أيضًا العديد من القتلى من الجنود النظاميين ومن المواطنين العاديين. ويقول تاجر أقمشة، يدعى جمال، إنه سدّ نوافذ دكانه بالإسمنت حتى يتقي الرصاص الطائش أثناء المطاردات التي تقع بين حين وآخر بين السلطات والمتشددين. وفعل ذلك أيضًا في بيته الذي يقع في الجوار؛ غطّى شرفته المطلة على الشارع بستارة من الخرسانة المسلحة.
تراجعت حركة البيع والشراء ليس للأسباب الأمنية فقط، ولكن تروس الاقتصاد في شبه جزيرة سيناء أصبحت أبطأ من أي وقت مضى، بما في ذلك أثناء حقبة احتلالها من إسرائيل عام 1967. ويقول جار التاجر جمال، حين زاره بصحبة زوجته وأطفاله الخمسة بينهم طفلة اسمها صفاء، إنه لم يعد قادرًا على الوصول إلى مزرعته في جنوب المدينة بسبب «عدم الأمان.. من الممكن أن أفقد حياتي برصاصة». ثم لف ذراعه حول كتفي ابنته التي تدرس في الصف الخامس الابتدائي. يفكر في ترك هذه الساحة والانتقال للعيش في بلد آخر، لكنه لا يملك مدخرات. ثم ابتسم ساخرًا: «لا أستطيع أن أنقل مزرعتي معي».
قضبان حديدية تغلق ميناء العريش البحري. تعول السلطات على هذا الميناء في عملية التنمية والاستثمار بعد أن تنتهي من الحرب على الإرهاب. في السابق كان متنفسًا تجاريًا مهمًا للمدينة. وفي الجانب الآخر تقف سيارات الأجرة السيناوية المشهورة بنقل الركاب بين القاهرة والعريش، لتدلل على ما أصاب المحافظة من ركود وفقدان للصلة مع باقي محافظات الجمهورية. وهناك.. حيث الساحة المعروفة بـ«محطة القطار القديم»، يعبر المارة في توجس. تشهد مناطق عدة في شمال شرقي سيناء عمليات قنص وتفجير كل أسبوع تقريبًا. وفي شارع البحر، كما يقول جمال وجاره وهم جلوس في غرفة الضيافة.
يقول صاحب البيت في أسى: «كان آخر انفجار الأسبوع الماضي.. شعرت بأن الأرض اهتزت. واشتعلت النيران. كان هناك قتلى لا أعرف عددهم.. ثلاثة أو أربعة». يؤدي شارع البحر الذي أصبح شبه مهجور إلى مدينتي الشيخ زويد ورفح. يقول مسؤول محلي إن السلطات تدرس تركيب كاميرات مراقبة فيه منذ أشهر، لكن لم يتم حسم الأمر حتى الآن. ويسود اعتقاد بين أهل العريش أنه يوجد تنافس بين بعض المتنفذين من أجل الحصول على صفقة الكاميرات، لكن هذه الصفقة لم تتم حتى اليوم. وتعتمد مراقبة الشارع على الطرق البدائية.
أما الضباط الأجانب الكبار الذين كانوا يأتون من دول غربية كل عدة أشهر، لزيارة قوات حفظ السلام على الحدود، ولمساعدة السلطات المحلية في بسط الأمن هنا، فقد اختفوا تقريبًا منذ ثورة 2011. تتكون قوات حفظ السلام من مئات الجنود، نصفهم تقريبًا أميركيون. تناول أوباما قضية «داعش» في العراق وسوريا وليبيا، بيد أنه نادرًا ما يشير إلى سيناء. يقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق للقوات المسلحة المصرية: «لا نريد من أوباما شيئًا. نحن كفيلون بأعدائنا».
إلا أنه توجد مخاوف من أن تطول مدة الحرب في سيناء. لا يبدو أنها بتلك السهولة التي يتخيلها البعض. تفاصيل صغيرة على الأرض لا تتعلق بالإرهاب فقط، بل بالتربح، وهي مخيفة أيضًا. ولد الجندي محمود في بلدة تقع بالقرب من مدينة الزقازيق داخل الدلتا التي تراها على الخريطة ملونة بلون الزراعات الأخضر. حصل على شهادة إنهاء الدراسة الثانوية، لكنه لم يكمل تعليمه الجامعي بسبب العوز. يعمل والده مزارعًا بالأجر، ويجني في اليوم الواحد من خمسين إلى مائة جنيه، أو ما يساوي في المتوسط نحو سبعة دولارات. مبلغ يكفي بالكاد لسد احتياجات أسرته المكونة من سبعة أفراد، خصوصًا بعد الارتفاع الكبير في أسعار السلع جراء نقص العملات الأجنبية.
يقول محمود الذي يتذكر أجواء الحقل، وهو يلقّم الطلقات في خزنة سلاحه في هذه الصحراء: «الحمد لله. أبي ما زال قادرًا على العمل حتى أنهي خدمتي العسكرية.. ساعدت والدي، إلى أن جاء أمر التجنيد الإجباري. الآن أنا هنا، للدفاع عن سيناء». وقُتل اثنان من زملاء محمود أثناء ما يسمونه «طلعة». قُتِلا لأنهما كانا في السيارة الأمامية، أما هو فكان في السيارة الثانية.
كانت «الطلعة» تتكون من ثلاث سيارات، تحركت بعد معلومات عن اقتراب مجموعة مسلحة تضم خمسة يُشتبه في أنهم من المتطرفين. عبرت إلى الطريق الدائري جنوب العريش. كانت السيارة التي يستقلها محمود مزودة بجهاز حديث له هوائي طويل، يهتز مع حركة السيارة فوق طريق تملأه الحفر.. جهاز له القدرة على التشويش على اتصالات الهواتف الجوالة. هذا يعني أن «المتطرفين» إذا ما كانوا قد زرعوا قنبلة على جانب الطريق، فإنهم لن يتمكنوا من تفجيرها عن بعد بواسطة الهاتف الجوال، كما اعتادوا في الشهور الماضية. لكن، للأسف، التفجير وقع. طارت دعامات الصفيح والحديد التي كانت مثبتة على جوانب السيارة لحمايتها. طارت معها أشلاء الجثث. جنديان وضابط. يقول محمود: «حين تفحصنا الكيفية التي تم بها تفجير القنبلة عن بعد اكتشفنا أن المتطرفين استبدلوا بعملية ربط القنبلة بالهاتف الجوال، طريقة أخرى بدائية، وهي ربط القنبلة بسلك طويل.. سلك يمتد لنحو ثلاثمائة متر، وينتهي في حفرة كان يختبئ فيها أحد المتطرفين، وحين مرت (الطلعة) بمكان القنبلة المزروعة على جانب الطريق، فَجّرها، وركب دراجته النارية واختفى في السراب».
على الجانب الآخر، يستلهم متطرفو سيناء، الذين أعلنوا الولاء لتنظيم داعش، الطريقة التي يعمل بها تجار مخدرات ومهربون ممن ينشطون عادة في المناطق الحدودية. من هذه الطرق «مراقبة من يراقبك» و«بيع معلومات زائفة لمن يجمع عنك المعلومات». مصر دولة مركزية. نادرًا ما تجد مسؤولاً رسميًا لديه القدرة على التعامل مع سكان المناطق الحدودية ومشكلاتهم. تبذل الأجهزة المعنية جهودًا جبارة لفك طلاسم التركيبة القبلية وامتداداتها إلى داخل الحدود الأخرى، وما يمكن أن تجده من سلبيات ومن إيجابيات في هذا العالم المثير للشكوك لبعض المسؤولين القابعين في المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة.
تنعكس الطبيعة الجغرافية لكل منطقة حدودية على التركيبة الاجتماعية. في سيناء يعيش أكثر من 8 في المائة من السكان على الشريط الساحلي الممتد على البحر المتوسط. وفي الضفة الجنوبية، يبدو الأمر مختلفًا.. بعض المزارع التي يعتمد عليها السكان، ثم صحراء وأودية صخرية مثل وادي العريش، إضافة إلى جبال وعرة يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ثمانمائة متر، مثل جبل المغارة، وجبل الحلال الذي دارت فيه معارك طاحنة مع المتطرفين لعدة أشهر. يبدو اليوم أن التكتيكات تغيرت مع طول فترة الحرب.
يقول أحد الضباط ممن يشرفون على إدارة الحرب جنوب مدينتي العريش والشيخ زويد، إن المتطرفين يتخلَّون عن فكرة التجمع في أماكن يمكن قصفها بالطيران أو إبادتها بالكامل بالصواريخ والمدفعية. اختاروا بدلاً من ذلك الاتجاه شمالاً، والاختباء وسط تجمعات قبلية وعائلية يعاني أبناؤها من البطالة والتهميش. وحيث توجد الأموال الوفيرة التي تصل لهؤلاء المتطرفين من الخارج، فإن باقي المهمة يصبح سهلاً، بما في ذلك شراء الولاءات وبث معلومات مغلوطة عن التحركات، وكذا الحصول على كمية جديدة من الأسلحة الحديثة، كان آخرها نوعًا يُصنع في إيران.
كيف وصلت مواسير بنادق القنص الطويلة إلى هنا؟ لقد أقر تنظيم داعش في سيناء بوجود مثل هذه الأسلحة في آخر شريط فيديو بثه على الإنترنت، قبل أسبوع، ويحمل عنوان «لهيب الصحراء». هذا نوع أسلحة معروف باسم «إيه إم 50 سيياد»، ومخصص للقتل عن بعد، وتدمير المعدات على مسافة 1500 متر. يقول خبير عسكري مصري في الأسلحة، إن الطراز الإيراني المشار إليه، ظهر على نطاق واسع بين يدي مقاتلي الحشد الشعبي (موالون لإيران) في العراق، وظهر أيضًا لدى الحوثيين الممولين من طهران.
يشير إلى أن النسخة الأصلية لهذا السلاح الذي يبلغ وزنه نحو 12 كيلوغرامًا، ظهرت لأول مرة في النمسا قبل سنوات، وقام الإيرانيون بتقليدها بعد ذلك في مصانع الجيش، ونشرها في صفوف القوات المسلحة الإيرانية، خصوصًا البرية، إضافة إلى ميليشيات الحرس الثوري، وأنتجوا منها أكثر من طراز.. العادي، والمزود بمنظار مقرب، وأيضًا نوعًا مزودًا بجهاز للرؤية الليلية. يبلغ طوله مترًا ونصف المتر. وعيار طلقته 12.7 ملليمتر. تقع مصر، التي يبلغ إجمالي مساحتها نحو مليون كيلومتر مربع، بين ثلاث مناطق تبدو متوترة وتعاني من مشكلات. ليبيا من الغرب، والسودان من الجنوب، ثم غزة وإسرائيل من الشمال الشرقي. باقي الحدود هي البحر الأحمر والبحر المتوسط. يجيب العميد عادل العمدة، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر، بشأن وصول سلاح إيراني لمتطرفي سيناء، قائلا إنه، بكل بساطة «سلاح وجد طريقه إلى ليبيا، من خلال جماعات متطرفة في السودان، ومن ليبيا يتم تهريبه إلى سيناء، سواء عن طريق البر أو عن طريق السواحل. هذه هي السلسلة».
أحد المسؤولين المحليين في جنوب البلاد يقول بشأن ما كان يُشاع عن خط سير للسلاح، من مهربين في منطقة بور سودان على البحر الأحمر، إلى سيناء وغزة، عبر دروب الجبال الوعرة، إن هذا الخط كان يستخدمه مهربو المخدرات، ثم حاول مهربو الأسلحة والهجرة غير الشرعية، استغلاله، لكن دولاً معنية في المنطقة، خصوصًا مصر وإسرائيل، وضعته تحت المراقبة.. «حدث هذا قبل 2011، لكن بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت الثورة في مصر وليبيا، وجد المهربون طريقًا آخر لنقل السلاح إلى سيناء عن طريق الدخول إلى الأراضي الليبية، ومن ثم التسلل بها إلى مصر». العميد العمدة يوضح قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «نعم.. السلاح لا يأتي من بور سودان إلى سيناء كما كان يعتقد، ولكنه يأتي من ناحية الغرب، بعد نقله من سواحل السودان إلى ليبيا. هناك إرهابيون في السودان وليبيا يتعاونون في هذا المجال».
تزخر سيناء بمختلف أنواع الأسلحة مع متشددين محللين وأجانب. مدافع من عيار 14.5 ملليمتر، وعيار 23 ملليمترًا.. هناك صواريخ «غراد» وقذائف «آر بي جي» التي جرى نهبها من مخازن القذافي، بالإضافة إلى حقائب ناسفة كان قد دخل منها إلى ليبيا نحو 7 آلاف حقيبة بداية من عام 2012 استخدمها إرهابيو ليبيا لتفخيخ سيارات ضباط الجيش وجنوده خلال سنوات ما بعد القذافي. وأخيرًا سلاح «إيه إم 50 سيياد».
وعن مصلحة إيران في تغذية بؤرة التوتر في سيناء، يوضح مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا: «لكي نجيب عن هذا السؤال لا بد من أن نعود مرة أخرى لنقول: من هي إيران؟ نحن نسميها هنا الدجاجة التي تبيض ذهبًا للولايات المتحدة الأميركية. بمعني أنها تقوم بكل ما من شأنه أن يجعل المنطقة العربية دائما تعاني من الصراعات المتأججة». معروف أن العلاقات الرسمية مقطوعة بين مصر وإيران منذ عام 1979، بسبب خلافات تتعلق بالتوجهات الإقليمية بالمنطقة. يبدو من طريقة حديث العميد العمدة أن هذه الخلافات ما زالت متجذرة. يقول إن إيران (التي وصفت إسقاط مبارك بأنه ثورة إسلامية) غير مرتاحة، كما يظهر في الفترة الأخيرة، للتطورات الحالية في القاهرة.. «هي ترى أن مصر تحاول النهوض، وتقوم بإنجازات ومشروعات كبرى، وتبذل مساعي جادة لبسط الاستقرار والأمن واستئصال الإرهابيين، وتمكنت من استعادة مواقعها على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذا يحدث بعد السنة التي تولى فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي السلطة ومحاولته فتح أبواب القاهرة للحرس الثوري الإيراني، واستقباله للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد».
وينفي مصدر مسؤول في بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» علمه بموضوع دخول أسلحة إيرانية الصنع إلى سيناء، دون مزيد من تفاصيل.
وأيا ما كان الأمر، فإن الإرهاب في سيناء موجود منذ حقبة مبارك. جرى تنفيذ عمليات انتحارية في منتجعات سياحية ومواقع حكومية في 2005 و2006 لكن الأمر كان تحت السيطرة حتى 2011. بعدها زاد نشاط المتطرفين بشكل واضح واشتعل أكثر عقب الثورة التي قام بها المصريون ضد نظام حكم «الإخوان» في 2013. هذه الثورة أغضبت عدة أطراف دولية، على رأسها إدارة أوباما. كان يسود اعتقاد بأن مواقف دول كبرى مما جرى في القاهرة يمكن أن تجهض نظام الحكم الجديد، إلا أن دولاً عربية بذلت جهودًا دبلوماسية ومادية لمساعدة الشعب المصري على حماية خياراته الجديدة.
تمكّنت مصر خلال عامين من حكم السيسي من العودة سريعًا رغم استمرار المشكلات الاقتصادية والأمنية. فقد شغلت أخيرًا عضوية مجلس الأمن، واستضافت العديد من المؤتمرات الإقليمية، وتسعى مع السعودية لتحقيق تعاون عربي وإسلامي وتشكيل قوة معتبرة في مواجهة الإرهاب. يقول العمدة: «لهذا تعمل إيران على تصدير السلاح للإرهابيين في سيناء والمنطقة العربية».
المساحة الجغرافية التي ينشط فيها المتطرفون في سيناء، محدودة للغاية، مقارنة بمساحة مصر أو حتى مساحة سيناء نفسها البالغة 61 ألف كيلومتر مربع، وفقا لما قاله لـ«الشرق الأوسط» اللواء سالم. يضيف أن منطقة نشاط الإرهابيين لا تزيد عن 1 على 61 من مساحة شبه جزيرة سيناء. تضم شبه الجزيرة محافظتي شمال سيناء وجنوب سيناء.. وهذه الأخيرة تقع فيها منتجعات سياحية أصبحت مهجورة، مثل قطاع السياحة عموما، الذي فقد مليارات الدولارات، بسبب قضية الإرهاب.
بعد جهود مضنية من السلطات وفقدان أرواح مئات الجنود، لم يعد لدى متطرفي سيناء ذلك الانتشار والتمركز، وفي المقابل زاد الزخم لدى المسؤولين عن خطط التنمية هنا. يصور اللواء سالم بؤرة التوتر في سيناء كالتالي: «لو عندي عمارة فيها 61 شقة، منها 60 شقة هادئة، وواحدة لا، إذن فهذه ليست قضية. أريد أن أقول إن عمليات التعمير في سيناء تعمل في كل مكان فيها، بما في ذلك المنطقة التي يوجد فيها الإرهابيون».
رغم ذلك فإن البعض يرى أن الأخبار التي تظهر بين يوم وآخر عن سقوط قتلى من قوات الجيش والشرطة ومن رجال القضاء ومن شيوخ القبائل وغيرهم، ما زالت تتسبب في تعطيل التنمية في سيناء وضرب سمعة البلاد في السياحة والاستثمار. ما زالت الآثار الكارثية على المنتجعات السياحية مستمرة منذ إعلان «داعش سيناء» عن مسؤوليته عن تفجير طائرة السياح الروس فوق سيناء، أثناء عودتها من منتجع شرم الشيخ إلى روسيا العام الماضي.
لا يفرق العميد العمدة بين نشاط الإرهاب في سيناء ونشاط المتمردين في اليمن أو دول مثل العراق وسوريا. قد يقول قائل إن طهران تدعم الحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق ونظام بشار الأسد في سوريا و«حزب الله» اللبناني، انطلاقًا من مزاعمها عن الوقوف وراء الشيعة في كل مكان في العالم.. فما علاقتها بالجماعات السنية المتشددة، مثل تلك الموجودة في سيناء، وعلى رأسها تنظيم داعش الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة؟!
يجيب العمدة مذكِّرا بالعلاقات القوية بين نظام طهران والجماعات السنية المتطرفة، ليس هذه الأيام فقط، ولكن منذ قيام المتشددين المصريين بقتل الرئيس الأسبق أنور السادات. يقول: «إيران لها علاقات قديمة مع المتطرفين. استضافت زعماء تنظيم القاعدة الذين فروا من أفغانستان أثناء الحرب في 2001. كما أنها، قبل ذلك، استقبلت قتلة السادات عام 1981، وأشهرهم خالد الإسلامبولي.. وسمت شارعًا في طهران باسمه». اليوم عادت الأسئلة مجددًا عن الدور الإيراني، بعد إعلان «داعش سيناء» عن أسلحته من طراز «إيه إم 50 سيياد».
يقول اللواء سالم مستجمعًا سنوات خبرته في عمله رئيسًا لجهاز الاستطلاع بالجيش: «الحرب على الإرهاب في سيناء مختلفة. كثير من المتطرفين بدأوا يجنحون للاختباء وسط بيوت الناس، والجيش يعمل بحرفية لتجنب الخسائر في صفوف الأبرياء. ما نقوم به يشبه إخراج الشعرة من العجين، وهذا يتطلب وقتًا»، مشيرًا إلى أنه حتى لو وصل سلاح «إيه إم 50 سيياد» إلى سيناء فهو لا يزيد عن قطع محدودة. ثم إن الأمر برمته ربما لا يزيد عن صور ظهرت في الفيديو كدعاية من الإرهابيين لأنفسهم، ليس أكثر».
وعن تقييمه للحرب في سيناء، يقول إن الوضع اختلف عما كان عليه من قبل.. ويوضح: «بتضادها تتمايز الأشياء.. انظر كيف كان الوضع منذ سنة أو سنتين، وكيف كانت قدرات التنظيم. كان يهاجم بمقاتلين معهم أسلحة، أما اليوم فأقصى حلمه أن يقوم بعملية تفجير أو قنص عن بُعد.. ليس لديه العدد الذي كان من قبل، وفي المقابل ضربات السلطات ضدهم مستمرة، ولا تتوقف، وبالتالي فإن التنظيم تعرض لخسائر كبيرة.. ومن كان يفكر في الانضمام إليه، بدأ في الهروب منه». بغض النظر عن التشديد الأمني فإن الانتماء للدولة المصرية وإبداء الوطنية قضية أساسية لدى أهل سيناء. لا يحمل الدكتور حسام رفاعي، نائب سيناء في البرلمان المصري، توجهًا سياسيًا محددًا، مثل غالبية القيادات الشعبية هنا. يكتفي أحدهم بالقول إن «اتجاهي السياسي هو مصر». يبدو رفاعي من خلال نشاطه البرلماني، ومن حديثه لـ«الشرق الأوسط» أيضًا، مائلاً إلى «الاتجاه الليبرالي نوعًا ما.. ومع ذلك أنا مصري، قبل أي اتجاه سياسي». وعلى كل حال تبدو الحياة الحزبية المصرية بعد تجربة حكم «الإخوان»، والثورة عليه، أضعف من أي وقت مضى. وهذا أثر بطريقة أو بأخرى على الوضع في سيناء.
بعد سقوط مبارك ظهرت عشرات الأحزاب، فوق الأحزاب التقليدية، من اليسار ومن اليمين وما بينهما، إضافة إلى أحزاب ذات توجه ديني مثل حزب جماعة الإخوان الذي يتهمه خصومه بأنه كان السبب في عودة مئات المتطرفين من الخارج، والإفراج عن عشرات المتشددين من المحكوم عليهم في السجون من عهد مبارك، بينهم زعماء خطرون لجماعات إرهابية في سيناء.
حين ضاق المصريون بحكم مرسي المنتمي لـ«الإخوان»، دخلت الأحزاب التي تعارضه، وتمثل غالبية الأحزاب المدنية، تحت مظلة جبهة عرفت باسم «جبهة الإنقاذ» بقيادة الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن حركة الجبهة كانت أبطأ من حركة الشارع، كما أنها لم تكن تدعو لإسقاط مرسي، على عكس رغبة ملايين المصريين ممن لم يجدوا ملجأ لهم، وهم يتظاهرون في الشوارع والميادين، إلا في الجيش متمثلاً في وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، حيث جرى تفويضه بعد ذلك لاتخاذ ما يراه في سبيل محاربة الإرهاب في سيناء وفي عموم البلاد.
في خضم ثورة 2013، والعامين التاليين لها، كان الجميع، من القواعد الشعبية حتى الحكومة، يضعون قضيتي «الأمن» و«الاقتصاد» على رأس الأوليات. بعد كل هذا الوقت يبدو أن تحقيق التقدم في أي ملف يحتاج إلى استشارة الآخرين فيما ينبغي عمله. يوجد برلمان، لكن، كما يقول الدكتور رفاعي، لم يستجب لأي طلب من الطلبات التي تقدم بها لحل المشكلة في سيناء، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا. كما أن عدم إجراء انتخابات للمجالس المحلية جعل الإدارة المحلية تعمل بنصف عين، في ظروف صعبة.
على هذا الواقع اتخذت السلطات التنفيذية قرارات يبدو أنها أصابت قطاعًا من السكان بأضرار. عمليات انتقام وانتقام مضاد. مزارعون وعمال فقدوا أعمالهم.. عائلات لا تستطيع تبادل الزيارات إلا بشق الأنفس. شبان ممن فقدوا بيوتهم أو سقط بعض أقاربهم ضحايا في الحرب على الإرهاب، أو تعرضوا للقمع بسبب انتماءاتهم القبلية والعشائرية العابرة للحدود، لجأوا إلى جماعات إرهابية، رغبة في الانتقام لذويهم.
كما تؤدي تصرفات فردية ممقوتة، مثل الابتزاز والعسف والتربح، يقوم بها ضباط صغار أو معاونوهم من المدنيين في سيناء، إلى انضمام بعض المضطهدين إلى جناح المتطرفين. بالنسبة لمن لديهم مقدرة مالية كبيرة فقد فضلوا الرحيل عن هنا والسكن في المدن الواقعة على قناة السويس أو في القاهرة نفسها.
يوضح الدكتور رفاعي قائلا إنه رغم الجهود التي تبذلها الدولة، هناك تجاوزات يقوم بها بعض المسؤولين الصغار، ومن الصعب أن تجد من يفهم طبيعة سكان الحدود الذين لديهم امتدادات عائلية وقبلية على الجانب الآخر من الحدود.
ويتابع: «هناك من يفهم الموضوع خطأ، معتقدين أن أبناء المناطق الحدودية لهم حاجة بعيدة عن مصر. نحن نقول لهم لا.. ولا تنس أن الناس في سيناء وقفوا مع مصر وقت الاحتلال الإسرائيلي».
المجلس المحلي لسيناء، وهو يشبه البرلمان المصغر الذي يراقب السلطة التنفيذية في المحافظة، كان يتكون، قبل انتهاء عمله بعد ثورة 2011، كما يقول الدكتور رفاعي، من 140 عضوًا. كان من بينهم سياسيون محترفون وشيوخ قبائل وشخصيات لديها رؤية مغايرة ولديها أساليب مختلفة لمعالجة الاحتقان وبؤر التوتر. يضيف: «بالتأكيد، كانوا يساعدون نائب البرلمان عن المحافظة، ويساعدون المحافظة في اتخاذ القرار المناسب».
أحمد الزملوط، رئيس مجلس أمناء مؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، يعد من شباب مدينة العريش ممن كانوا يطمحون في تحسين أحوال الناس من خلال العمل السياسي. هو قيادي في حزب التجمع ذي التوجهات الاشتراكية. لكن بعد الثورة ضد مبارك والثورة ضد مرسي، شاهد على الطبيعة تعقيدات الوضع في سيناء. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد مجلس محلي.. الحرب على الإرهاب عطلت العمل السياسي، لدينا أفكار، ونرى أن الحل في التنمية». يقف على هذه الأرضية، مع الزملوط، كثيرون من وجهاء المجتمع في سيناء. لديهم خطط للقضاء على التطرف. يقوم بعضهم بالطرق على أبوب المسؤولين من أجل تقديم المساعدة. لكن من النادر أن تكون هناك استجابة ذات معنى، إلا إذا جاءت التعليمات من القيادات العليا في القاهرة. في بعض الأحيان يجهرون بآرائهم علانية في شوارع سيناء، متحدين الإرهاب.
في خضم هذا الصراع، بدأ المتطرفون يستهدفون هذا النوع من الطبقة الاجتماعية التي يُفترض أن لها القدرة على القيادة. جرت أعمال تصفية رهيبة. على ذلك، كما يشير الزملوط، بدأت شخصيات كثيرة في الانتقال للسكن خارج سيناء، من بينهم رجال أعمال وسياسيون وشعراء ومثقفون. عدد منهم اشتروا عقارات في العاصمة، مما يعطي انطباعًا بأن الرحيل سيطول لسنوات.
ومع ذلك، كما يفيد مصدر أمني في العريش، يبدو أن الخطر ليس في التعاون مع «داعش» من جانب بعض العناصر اليائسة فقط، بل يوجد خطر يتلخص في بيع معلومات قاتلة لجأ إليها، على هامش الحرب المستعرة، عدد من صغار العاملين في الأمن في سيناء بغرض التربح وجني الأموال. يضيف: «حتى لو كان عدد المتورطين صغيرًا، فردًا أو فردين، فإن آثاره كارثية، ليس فيما يتعلق بالتسبب في سقوط ضحايا من الجيش والشرطة ورجال الدولة فحسب، ولكن في تخريب ثقة المواطن في عناصر السلطة التنفيذية».
من جانبه، يشير مسؤول أمني آخر في سيناء إلى أن السلطات ألقت القبض على خمسة من عناصر الأمن في العريش، بعد أن اشتبهت في قيامهم بالتعاون مع «داعش» في سيناء.. «كانت هذه العناصر قد جاءت إلى سيناء في مأموريات أمنية من محافظات مصرية في الدلتا.. اشتبهت السلطات في أنهم يقومون بإبلاغ خلايا داعشية بتحركات قوات الأمن بمقابل مادي يحصلون عليه منهم.. هذا تسبب في حالة من الارتباك لبعض الوقت في سيناء».
يوضح قيادي محلي كان عضوًا في حزب مبارك، إن واقعة بيع المعلومات للمتطرفين خلّفت تأثيرًا سلبيًا.. «مثلاً الأجهزة الأمنية المختصة لم تعد تستجيب للاستغاثات التي ترد عبر الهاتف وتتعلق بنزاعات بين السكان أو غيرها من الجرائم العادية، خوفًا من أن يكون وراءها كمين لاستدراج الشرطة. الأمر أصبح يحتاج منهم لمزيد من التحريات قبل التحرك هنا وهناك، لكن المردود سيئ بطبيعة الحال». المشكلة اليوم (كما يقول الرئيس السابق لجهاز استطلاع الجيش المصري) تكمن في لجوء متطرفين في سيناء للاختباء في بيت من البيوت، أو وسط الناس، ولا أحد يستطيع أن يبلغ السلطات عنه، وإلا قاموا بتصفيته. هذا يعطيهم بعض الاستمرارية، ويؤجل مسألة أن نقوم بالقضاء عليهم مرة واحدة.. «لأنني لو ضغطت أكثر من ذلك، فيمكن أن يكون هناك تأثير على المدنيين الذين لا ذنب لهم. لا يمكن، لكي تضرب الإرهابي، أن تضرب البيت كله الذي يختبئ فيه وسط الأبرياء. أنا أنتظر إلى أن أخرجه من هذا الوسط، مثل الشعرة من العجين».
قامت السلطات بإخلاء مئات المنازل على الشريط الحدودي الملاصق لغزة، وهدم معظم الأنفاق التي كانت تربط سيناء بالقطاع، وهي أنفاق كان يتسلل منها المتطرفون والأسلحة والسلع المهربة. كانت تمثل تجارة بملايين الدولارات. يبدو أن توجس الناس يتزايد رغم الانتصارات على المتطرفين، التي أعلنت عنها السلطات في بيانات رسمية عديدة.
مع ذلك، يقول أحد رجال الأعمال في العريش، ممن يستعد للاستقرار في القاهرة، إن حالة الحرب خلقت طبقة مستفيدة من بين منخرطين بطريقة ما في العمل على مكافحة الإرهاب. بعضهم يتربح.. حتى من بين «البدو المقنعين»، حيث أساءت بعض تصرفاتهم إلى عمل القوات النظامية، مثل احتجاز أبناء عائلات ثرية دون جريرة وطلب أموال من ذويهم، تتراوح بين ألفي دولار وخمسة آلاف دولار، بحجة التوسط لإطلاق سراحهم، ويجري ذلك دون علم السلطات.
يعتقد أحد كبار شيوخ قبائل سيناء أن كل شيء تحت السيطرة الأمنية لكن «لا يوجد حسم.. يبدو أنه لا توجد رغبة في الحسم». وعن تفسيره، يقول إن هناك العديد من الأسباب، منها ما يتعلق بأطماع بعض الأفراد، خصوصًا من القيادات الوسطى ممن وجدوا في المحافظة ميراثًا يمكن الاستفادة منه في تحقيق ثروات مالية كبيرة في وقت قياسي. ويضيف أن البعض بدأ في استغلال الأنفاق مع غزة والتربح منها رغم التشديد الأمني. بذلت السلطات مجهودًا جبارًا لإغلاق نحو 95 في المائة من هذه الأنفاق، لكن هناك نحو 5 في المائة ما زالت تعمل، وهناك من يتربح منها، و«حتى الآن، يجري من خلالها تهريب دراجات نارية وسجائر وغيرها من السلع.. آخرها كمية كبيرة من طيور الزينة. نحو 270 طائرًا ملونًا كانت مطلوبة لأحد قيادات غزة. تم تجميع هذه الطيور في العريش بسعر الطائر الواحد 50 جنيها وبيعها لمندوب عبر النفق بسعر 300 جنيه للطائر الواحد بإجمالي 81 ألف جنيه (نحو 10 آلاف دولار)».
«كل مجتمع فيه الصالح والطالح.. هناك بعض رجال الأمن بالتأكيد شاركوا في مرحلة معينة واستفادوا». يقول الدكتور رفاعي، ويضيف: «يوجد السيئ في كل مجتمع، وهناك المستفيد من هذا الوضع.. هناك من يريد للوضع أن يستمر حتى تستمر الفائدة لهم. نحن لا ننكر أن هناك البعض من سيناء، وهناك البعض من رجال الأمن، وهناك بعض الفاسدين الآخرين الذين تربحوا، وأعتقد أنه من مصلحتهم عدم انتهاء كل هذه الأحداث، حتى لا تنتهي الفوائد التي يجنونها لأنفسهم».
وعقد الرئيس السيسي اجتماعات مع قيادات قبلية وبرلمانية من أبناء سيناء، لبحث واقع المحافظة واحتياجاتها، كما سبق للرئيس زيارة سيناء وأوفد عددًا من مستشاريه إليها، لكن الدكتور رفاعي، الذي قدم من خلال نيابته في البرلمان مقترحات لحلحلة الوضع في سيناء ولم تلقَ اهتمامًا يُذكر، يقول إن سبب مشكلة سيناء هم «الصغار لا الكبار».
ويضيف: «نحن (القيادات الشعبية في سيناء) حين نجلس مع المسؤولين الكبار، يكون تفهمهم واضحًا للقضية وللمشكلات، لكن للأسف الشديد، الذي يتعامل مع الناس على الأرض، هم الصغار وليس الكبار. هذا من الأسباب الرئيسية في استمرار وضع سيناء على ما هو عليه».
ويقول أيضًا: «منذ دخولنا البرلمان قبل سنة، تقدمنا باقتراح لتشكيل لجنة نوعية لتنمية سيناء، لكن للأسف الشديد لم يؤخذ بهذا الاقتراح. وطالبت بتشكيل لجنة لزيارة شمال سيناء وطرح المشكلات الموجودة على الأرض للبحث والحل، وتم تأجيل الزيارة.. حددنا جلسة استماع برلمانية حول سيناء، لكن تم تأجيلها، وطالبت بتعديل بعض الإجراءات الأمنية المتخذة التي تضيق على حياة المواطنين». وبعد قليل من الصمت يقول ممنيًا النفس: «كانت هناك وعود. وإن شاء الله سيتم إصلاح هذه الأمور.. الموضوع الأمني هو المسيطر على الوضع».
وتوجهت «الشرق الأوسط» إلى اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي والتعبئة القومية في البرلمان المصري، الذي يؤكد في البداية على أن «سيناء نطاق أمن قومي لمصر. ونطاق تأمين مهم، وبالطبع هي جزء رئيسي من مهمة اللجنة». وتحدث عن الأعباء الكثيرة التي تقوم بها لجنته في خضم عمل البرلمان لسن التشريعات (وفقًا للدستور الجديد). ويقول ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت لجنته التي تعد الأهم في هذا المجال قد قامت بأي زيارة أو عقدت أي جلسة استماع عن الوضع في سيناء: «لا.. لم نقم بعد بزيارات أو شيء من هذا القبيل، حتى الآن». لكنه يضيف موضحًا: «خططنا بالفعل لكي نقوم بزيارات لسيناء»، وسيكون ذلك «في الوقت المناسب». ويملك اللواء عامر خبرة في مشكلات سكان المناطق الحدودية، حيث كان في السابق محافظًا لمحافظة مطروح المجاورة لليبيا.
مما لا شك فيه أن القيادات التي تدير الحرب على الإرهاب في سيناء تحاول جاهدة الانتهاء من العملية بأقل أضرار ممكنة، ودون انتظار لتحرك الحليف الأميركي أو غيره. هذه الحملة دخل بها الجيش المصري إلى المنقطة «ج»، وذلك لأول مرة منذ عام 1967. إلا أن أحد مسؤولي الحملة يشير إلى عراقيل تسبَّب فيها «أصدقاء دوليون»، أي الولايات المتحدة، وهي دول كانت مهتمة باستقرار الوضع الأمني في سيناء أثناء عهد مبارك، وأثناء الزخم الخاص بحل القضية الفلسطينية وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة ككل. لكن الوضع تغير الآن، مشيرًا إلى أن مسألة وصول سلاح إيراني لسيناء، يعني أن طهران دخلت على الخط لاستغلال الوضع، «لكن لا أعتقد أنه سيكون لهذا تأثير على سير المعارك وحسم الحرب.. ومع ذلك ما زالت التحقيقات جارية حول هذا النوع من السلاح ومصدره الحقيقي».

يعتقد كثير من العسكريين المصريين أن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة يزيد أطماع دول في الهيمنة على الإقليم مثل إيران. من جانبه، يقول اللواء سالم عن «برود البيت الأبيض الأميركي» تجاه الحرب المصرية ضد «داعش» في سيناء إن الرئيس أوباما لا يريد أن يقدم دعمًا ولا تعاونًا، ومع ذلك «نحن كفيلون إن شاء الله بأعدائنا. بالنسبة لنا الخطوط واضحة؛ مَن يمول الإرهاب.. ومن يشجعه.. والدور الأميركي ليس خافيًا علينا».
ومن واشنطن يقول الباحث الأميركي، بارفي: «أتصور أن الولايات المتحدة تقدم لمصر معلومات استخباراتية، مثل الصور، وربما بيانات الأقمار الصناعية التي تأتي من اعتراض وكالة الأمن القومي، مثل المكالمات الهاتفية والإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية، خصوصًا تكنولوجيا المعلومات التي يحصلون عليها عند العمل على تنظيم داعش في العراق وسوريا.. لكنني لست متأكدًا إذا كان لدينا طائرات دون طيار تعمل هناك (في سيناء)».
ويعرب عن اعتقاده بأن أوباما ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء، ولكنه مهتم بالانتهاء من فترة ولايته.. «إنه لم يُظهر قدرًا كبيرًا من الاهتمام.. لا يريد التورط في المنطقة، ولم يكن سعيدًا جدًا مع ما حدث في مصر في 2013. أوباما لا يحبذ عقد أي صفقات أسلحة مع المصريين حاليًا.. هو ليس رئيسًا مثل بيل كلينتون الذي كان يجتمع مع قادة الدول ويحاول مساعدتهم».
أثناء الخروج من مدينة العريش بدت الحركة أقل من السابق. سيارات الأجرة ما زالت تبحث عن مسافرين وتربض مكانها في الميدان المهجور في يأس. وفي كمين الأمن رفع الجندي محمود قناعه، ولوح بيديه مودعًا، ثم أشار بعلامة النصر، وعلى وجهه ابتسامة عريضة ظلت تبتعد وتبتعد تحت شمس الصيف.



العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.