سيناء.. الحرب الخفية

نشاط إيراني.. وقلق مصري وبرود أميركي

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
TT

سيناء.. الحرب الخفية

مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).
مشهد من الدمار في سيناء بعد قيام المتطرفين باستهداف قوات من الجيش (صورة أرشيفية).

يجلس الجندي محمود على نصف برميل مقلوب وفارغ. حرارة الشمس تصب لهيبها على رأسه. سيكون عليه، بعد أن ينتهي من تنظيف سلاحه الكلاشنيكوف وحشوه بالرصاص، ارتداء قناع القماش الأسود لكي يغطي وجهه. يتحول الحر والعرق تحت القناع إلى عذاب. مع ذلك عليه أن يكون متيقظًا. لا أحد يعرف من أين يمكن أن يبدأ الهجوم على الكمين. في الجوار توجد صفوف من أكياس الرمال المرصوصة فوق بعضها. ومظلة من الكتّان تحتها بقايا طعام وزجاجات مياه ضربتها الشمس بسخونتها.
من هنا يمكن أن ترى الأفق الشاسع لصحراء شبه جزيرة سيناء التي يحارب فيها الجيش المصري جماعات من المتطرفين منذ أكثر من ثلاثة أعوام، دون أن يكون هناك وقت محدد للإعلان عن انتهاء العمليات. أخيرًا وصلت لأيدي المتطرفين أسلحة تبدو إيرانية الصنع. فتّاكة، ولديها قدرة على القنص من مسافة 1500 متر.
فيما عدا مساعدات من بعض دول عربية صديقة، يقع عبء الحرب على الإرهاب في سيناء على عاتق المصريين وحدهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة. يظهر أن هناك تراجعا في اهتمام الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في مد يد العون للقاهرة، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم البلاد. هذا رغم أن باراك بارفي، الباحث في «مؤسسة أميركا الجديدة» الأميركية، يقول لـ«الشرق الأوسط» من واشنطن، إن الولايات المتحدة قد تقدم للمصريين «معلومات استخباراتية»، إلا أنه يضيف أن الرئيس باراك أوباما «ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء وهو يقترب من نهاية ولايته».
يوجد مركز لقوات حفظ السلام الدولية في سيناء. هي هنا، في المنطقة «ج» المنزوعة السلاح، منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. لكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب. فقد اضطر الجيش المصري للدخول بآلياته الثقيلة إلى قطاع «ج» بعد أن امتلأ القطاع بإرهابيين محليين وأجانب منذ ثورات الربيع العربي. الشيء الوحيد الباقي على حاله في سيناء حالة الفقر، أُضيف إليها ارتباك وخوف من الأيام المقبلة.
جوانب الشارع التجاري أصبحت مغطاة بالتراب. هنا منطقة غرناطة التي كانت يومًا تعجّ بالمتسوقين من زوار مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء. كانت يفد إليها مصريون وعرب وأجانب للسياحة. تحولت اليوم لمنطقة خطرة وملتهبة. يوجد في منطقة غرناطة استراحة الرئاسة، ومنها يمكن العبور إلى رفح، آخر نقطة على حدود سيناء مع قطاع غزة. الشارع مغلق من الجانب الآخر بأكوام التراب وكتل الخرسانة. وبعد هذه الحواجز يقع مبنى المحافظة والكتيبة 101 التي تعرضت لهجوم دام بمفخخات المتطرفين قبل أشهر.
في شارع البحر. بالتحديد في منطقة الخلفاء الراشدين وسط العريش، سقط أيضًا العديد من القتلى من الجنود النظاميين ومن المواطنين العاديين. ويقول تاجر أقمشة، يدعى جمال، إنه سدّ نوافذ دكانه بالإسمنت حتى يتقي الرصاص الطائش أثناء المطاردات التي تقع بين حين وآخر بين السلطات والمتشددين. وفعل ذلك أيضًا في بيته الذي يقع في الجوار؛ غطّى شرفته المطلة على الشارع بستارة من الخرسانة المسلحة.
تراجعت حركة البيع والشراء ليس للأسباب الأمنية فقط، ولكن تروس الاقتصاد في شبه جزيرة سيناء أصبحت أبطأ من أي وقت مضى، بما في ذلك أثناء حقبة احتلالها من إسرائيل عام 1967. ويقول جار التاجر جمال، حين زاره بصحبة زوجته وأطفاله الخمسة بينهم طفلة اسمها صفاء، إنه لم يعد قادرًا على الوصول إلى مزرعته في جنوب المدينة بسبب «عدم الأمان.. من الممكن أن أفقد حياتي برصاصة». ثم لف ذراعه حول كتفي ابنته التي تدرس في الصف الخامس الابتدائي. يفكر في ترك هذه الساحة والانتقال للعيش في بلد آخر، لكنه لا يملك مدخرات. ثم ابتسم ساخرًا: «لا أستطيع أن أنقل مزرعتي معي».
قضبان حديدية تغلق ميناء العريش البحري. تعول السلطات على هذا الميناء في عملية التنمية والاستثمار بعد أن تنتهي من الحرب على الإرهاب. في السابق كان متنفسًا تجاريًا مهمًا للمدينة. وفي الجانب الآخر تقف سيارات الأجرة السيناوية المشهورة بنقل الركاب بين القاهرة والعريش، لتدلل على ما أصاب المحافظة من ركود وفقدان للصلة مع باقي محافظات الجمهورية. وهناك.. حيث الساحة المعروفة بـ«محطة القطار القديم»، يعبر المارة في توجس. تشهد مناطق عدة في شمال شرقي سيناء عمليات قنص وتفجير كل أسبوع تقريبًا. وفي شارع البحر، كما يقول جمال وجاره وهم جلوس في غرفة الضيافة.
يقول صاحب البيت في أسى: «كان آخر انفجار الأسبوع الماضي.. شعرت بأن الأرض اهتزت. واشتعلت النيران. كان هناك قتلى لا أعرف عددهم.. ثلاثة أو أربعة». يؤدي شارع البحر الذي أصبح شبه مهجور إلى مدينتي الشيخ زويد ورفح. يقول مسؤول محلي إن السلطات تدرس تركيب كاميرات مراقبة فيه منذ أشهر، لكن لم يتم حسم الأمر حتى الآن. ويسود اعتقاد بين أهل العريش أنه يوجد تنافس بين بعض المتنفذين من أجل الحصول على صفقة الكاميرات، لكن هذه الصفقة لم تتم حتى اليوم. وتعتمد مراقبة الشارع على الطرق البدائية.
أما الضباط الأجانب الكبار الذين كانوا يأتون من دول غربية كل عدة أشهر، لزيارة قوات حفظ السلام على الحدود، ولمساعدة السلطات المحلية في بسط الأمن هنا، فقد اختفوا تقريبًا منذ ثورة 2011. تتكون قوات حفظ السلام من مئات الجنود، نصفهم تقريبًا أميركيون. تناول أوباما قضية «داعش» في العراق وسوريا وليبيا، بيد أنه نادرًا ما يشير إلى سيناء. يقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق للقوات المسلحة المصرية: «لا نريد من أوباما شيئًا. نحن كفيلون بأعدائنا».
إلا أنه توجد مخاوف من أن تطول مدة الحرب في سيناء. لا يبدو أنها بتلك السهولة التي يتخيلها البعض. تفاصيل صغيرة على الأرض لا تتعلق بالإرهاب فقط، بل بالتربح، وهي مخيفة أيضًا. ولد الجندي محمود في بلدة تقع بالقرب من مدينة الزقازيق داخل الدلتا التي تراها على الخريطة ملونة بلون الزراعات الأخضر. حصل على شهادة إنهاء الدراسة الثانوية، لكنه لم يكمل تعليمه الجامعي بسبب العوز. يعمل والده مزارعًا بالأجر، ويجني في اليوم الواحد من خمسين إلى مائة جنيه، أو ما يساوي في المتوسط نحو سبعة دولارات. مبلغ يكفي بالكاد لسد احتياجات أسرته المكونة من سبعة أفراد، خصوصًا بعد الارتفاع الكبير في أسعار السلع جراء نقص العملات الأجنبية.
يقول محمود الذي يتذكر أجواء الحقل، وهو يلقّم الطلقات في خزنة سلاحه في هذه الصحراء: «الحمد لله. أبي ما زال قادرًا على العمل حتى أنهي خدمتي العسكرية.. ساعدت والدي، إلى أن جاء أمر التجنيد الإجباري. الآن أنا هنا، للدفاع عن سيناء». وقُتل اثنان من زملاء محمود أثناء ما يسمونه «طلعة». قُتِلا لأنهما كانا في السيارة الأمامية، أما هو فكان في السيارة الثانية.
كانت «الطلعة» تتكون من ثلاث سيارات، تحركت بعد معلومات عن اقتراب مجموعة مسلحة تضم خمسة يُشتبه في أنهم من المتطرفين. عبرت إلى الطريق الدائري جنوب العريش. كانت السيارة التي يستقلها محمود مزودة بجهاز حديث له هوائي طويل، يهتز مع حركة السيارة فوق طريق تملأه الحفر.. جهاز له القدرة على التشويش على اتصالات الهواتف الجوالة. هذا يعني أن «المتطرفين» إذا ما كانوا قد زرعوا قنبلة على جانب الطريق، فإنهم لن يتمكنوا من تفجيرها عن بعد بواسطة الهاتف الجوال، كما اعتادوا في الشهور الماضية. لكن، للأسف، التفجير وقع. طارت دعامات الصفيح والحديد التي كانت مثبتة على جوانب السيارة لحمايتها. طارت معها أشلاء الجثث. جنديان وضابط. يقول محمود: «حين تفحصنا الكيفية التي تم بها تفجير القنبلة عن بعد اكتشفنا أن المتطرفين استبدلوا بعملية ربط القنبلة بالهاتف الجوال، طريقة أخرى بدائية، وهي ربط القنبلة بسلك طويل.. سلك يمتد لنحو ثلاثمائة متر، وينتهي في حفرة كان يختبئ فيها أحد المتطرفين، وحين مرت (الطلعة) بمكان القنبلة المزروعة على جانب الطريق، فَجّرها، وركب دراجته النارية واختفى في السراب».
على الجانب الآخر، يستلهم متطرفو سيناء، الذين أعلنوا الولاء لتنظيم داعش، الطريقة التي يعمل بها تجار مخدرات ومهربون ممن ينشطون عادة في المناطق الحدودية. من هذه الطرق «مراقبة من يراقبك» و«بيع معلومات زائفة لمن يجمع عنك المعلومات». مصر دولة مركزية. نادرًا ما تجد مسؤولاً رسميًا لديه القدرة على التعامل مع سكان المناطق الحدودية ومشكلاتهم. تبذل الأجهزة المعنية جهودًا جبارة لفك طلاسم التركيبة القبلية وامتداداتها إلى داخل الحدود الأخرى، وما يمكن أن تجده من سلبيات ومن إيجابيات في هذا العالم المثير للشكوك لبعض المسؤولين القابعين في المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة.
تنعكس الطبيعة الجغرافية لكل منطقة حدودية على التركيبة الاجتماعية. في سيناء يعيش أكثر من 8 في المائة من السكان على الشريط الساحلي الممتد على البحر المتوسط. وفي الضفة الجنوبية، يبدو الأمر مختلفًا.. بعض المزارع التي يعتمد عليها السكان، ثم صحراء وأودية صخرية مثل وادي العريش، إضافة إلى جبال وعرة يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ثمانمائة متر، مثل جبل المغارة، وجبل الحلال الذي دارت فيه معارك طاحنة مع المتطرفين لعدة أشهر. يبدو اليوم أن التكتيكات تغيرت مع طول فترة الحرب.
يقول أحد الضباط ممن يشرفون على إدارة الحرب جنوب مدينتي العريش والشيخ زويد، إن المتطرفين يتخلَّون عن فكرة التجمع في أماكن يمكن قصفها بالطيران أو إبادتها بالكامل بالصواريخ والمدفعية. اختاروا بدلاً من ذلك الاتجاه شمالاً، والاختباء وسط تجمعات قبلية وعائلية يعاني أبناؤها من البطالة والتهميش. وحيث توجد الأموال الوفيرة التي تصل لهؤلاء المتطرفين من الخارج، فإن باقي المهمة يصبح سهلاً، بما في ذلك شراء الولاءات وبث معلومات مغلوطة عن التحركات، وكذا الحصول على كمية جديدة من الأسلحة الحديثة، كان آخرها نوعًا يُصنع في إيران.
كيف وصلت مواسير بنادق القنص الطويلة إلى هنا؟ لقد أقر تنظيم داعش في سيناء بوجود مثل هذه الأسلحة في آخر شريط فيديو بثه على الإنترنت، قبل أسبوع، ويحمل عنوان «لهيب الصحراء». هذا نوع أسلحة معروف باسم «إيه إم 50 سيياد»، ومخصص للقتل عن بعد، وتدمير المعدات على مسافة 1500 متر. يقول خبير عسكري مصري في الأسلحة، إن الطراز الإيراني المشار إليه، ظهر على نطاق واسع بين يدي مقاتلي الحشد الشعبي (موالون لإيران) في العراق، وظهر أيضًا لدى الحوثيين الممولين من طهران.
يشير إلى أن النسخة الأصلية لهذا السلاح الذي يبلغ وزنه نحو 12 كيلوغرامًا، ظهرت لأول مرة في النمسا قبل سنوات، وقام الإيرانيون بتقليدها بعد ذلك في مصانع الجيش، ونشرها في صفوف القوات المسلحة الإيرانية، خصوصًا البرية، إضافة إلى ميليشيات الحرس الثوري، وأنتجوا منها أكثر من طراز.. العادي، والمزود بمنظار مقرب، وأيضًا نوعًا مزودًا بجهاز للرؤية الليلية. يبلغ طوله مترًا ونصف المتر. وعيار طلقته 12.7 ملليمتر. تقع مصر، التي يبلغ إجمالي مساحتها نحو مليون كيلومتر مربع، بين ثلاث مناطق تبدو متوترة وتعاني من مشكلات. ليبيا من الغرب، والسودان من الجنوب، ثم غزة وإسرائيل من الشمال الشرقي. باقي الحدود هي البحر الأحمر والبحر المتوسط. يجيب العميد عادل العمدة، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر، بشأن وصول سلاح إيراني لمتطرفي سيناء، قائلا إنه، بكل بساطة «سلاح وجد طريقه إلى ليبيا، من خلال جماعات متطرفة في السودان، ومن ليبيا يتم تهريبه إلى سيناء، سواء عن طريق البر أو عن طريق السواحل. هذه هي السلسلة».
أحد المسؤولين المحليين في جنوب البلاد يقول بشأن ما كان يُشاع عن خط سير للسلاح، من مهربين في منطقة بور سودان على البحر الأحمر، إلى سيناء وغزة، عبر دروب الجبال الوعرة، إن هذا الخط كان يستخدمه مهربو المخدرات، ثم حاول مهربو الأسلحة والهجرة غير الشرعية، استغلاله، لكن دولاً معنية في المنطقة، خصوصًا مصر وإسرائيل، وضعته تحت المراقبة.. «حدث هذا قبل 2011، لكن بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت الثورة في مصر وليبيا، وجد المهربون طريقًا آخر لنقل السلاح إلى سيناء عن طريق الدخول إلى الأراضي الليبية، ومن ثم التسلل بها إلى مصر». العميد العمدة يوضح قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «نعم.. السلاح لا يأتي من بور سودان إلى سيناء كما كان يعتقد، ولكنه يأتي من ناحية الغرب، بعد نقله من سواحل السودان إلى ليبيا. هناك إرهابيون في السودان وليبيا يتعاونون في هذا المجال».
تزخر سيناء بمختلف أنواع الأسلحة مع متشددين محللين وأجانب. مدافع من عيار 14.5 ملليمتر، وعيار 23 ملليمترًا.. هناك صواريخ «غراد» وقذائف «آر بي جي» التي جرى نهبها من مخازن القذافي، بالإضافة إلى حقائب ناسفة كان قد دخل منها إلى ليبيا نحو 7 آلاف حقيبة بداية من عام 2012 استخدمها إرهابيو ليبيا لتفخيخ سيارات ضباط الجيش وجنوده خلال سنوات ما بعد القذافي. وأخيرًا سلاح «إيه إم 50 سيياد».
وعن مصلحة إيران في تغذية بؤرة التوتر في سيناء، يوضح مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا: «لكي نجيب عن هذا السؤال لا بد من أن نعود مرة أخرى لنقول: من هي إيران؟ نحن نسميها هنا الدجاجة التي تبيض ذهبًا للولايات المتحدة الأميركية. بمعني أنها تقوم بكل ما من شأنه أن يجعل المنطقة العربية دائما تعاني من الصراعات المتأججة». معروف أن العلاقات الرسمية مقطوعة بين مصر وإيران منذ عام 1979، بسبب خلافات تتعلق بالتوجهات الإقليمية بالمنطقة. يبدو من طريقة حديث العميد العمدة أن هذه الخلافات ما زالت متجذرة. يقول إن إيران (التي وصفت إسقاط مبارك بأنه ثورة إسلامية) غير مرتاحة، كما يظهر في الفترة الأخيرة، للتطورات الحالية في القاهرة.. «هي ترى أن مصر تحاول النهوض، وتقوم بإنجازات ومشروعات كبرى، وتبذل مساعي جادة لبسط الاستقرار والأمن واستئصال الإرهابيين، وتمكنت من استعادة مواقعها على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذا يحدث بعد السنة التي تولى فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي السلطة ومحاولته فتح أبواب القاهرة للحرس الثوري الإيراني، واستقباله للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد».
وينفي مصدر مسؤول في بعثة رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» علمه بموضوع دخول أسلحة إيرانية الصنع إلى سيناء، دون مزيد من تفاصيل.
وأيا ما كان الأمر، فإن الإرهاب في سيناء موجود منذ حقبة مبارك. جرى تنفيذ عمليات انتحارية في منتجعات سياحية ومواقع حكومية في 2005 و2006 لكن الأمر كان تحت السيطرة حتى 2011. بعدها زاد نشاط المتطرفين بشكل واضح واشتعل أكثر عقب الثورة التي قام بها المصريون ضد نظام حكم «الإخوان» في 2013. هذه الثورة أغضبت عدة أطراف دولية، على رأسها إدارة أوباما. كان يسود اعتقاد بأن مواقف دول كبرى مما جرى في القاهرة يمكن أن تجهض نظام الحكم الجديد، إلا أن دولاً عربية بذلت جهودًا دبلوماسية ومادية لمساعدة الشعب المصري على حماية خياراته الجديدة.
تمكّنت مصر خلال عامين من حكم السيسي من العودة سريعًا رغم استمرار المشكلات الاقتصادية والأمنية. فقد شغلت أخيرًا عضوية مجلس الأمن، واستضافت العديد من المؤتمرات الإقليمية، وتسعى مع السعودية لتحقيق تعاون عربي وإسلامي وتشكيل قوة معتبرة في مواجهة الإرهاب. يقول العمدة: «لهذا تعمل إيران على تصدير السلاح للإرهابيين في سيناء والمنطقة العربية».
المساحة الجغرافية التي ينشط فيها المتطرفون في سيناء، محدودة للغاية، مقارنة بمساحة مصر أو حتى مساحة سيناء نفسها البالغة 61 ألف كيلومتر مربع، وفقا لما قاله لـ«الشرق الأوسط» اللواء سالم. يضيف أن منطقة نشاط الإرهابيين لا تزيد عن 1 على 61 من مساحة شبه جزيرة سيناء. تضم شبه الجزيرة محافظتي شمال سيناء وجنوب سيناء.. وهذه الأخيرة تقع فيها منتجعات سياحية أصبحت مهجورة، مثل قطاع السياحة عموما، الذي فقد مليارات الدولارات، بسبب قضية الإرهاب.
بعد جهود مضنية من السلطات وفقدان أرواح مئات الجنود، لم يعد لدى متطرفي سيناء ذلك الانتشار والتمركز، وفي المقابل زاد الزخم لدى المسؤولين عن خطط التنمية هنا. يصور اللواء سالم بؤرة التوتر في سيناء كالتالي: «لو عندي عمارة فيها 61 شقة، منها 60 شقة هادئة، وواحدة لا، إذن فهذه ليست قضية. أريد أن أقول إن عمليات التعمير في سيناء تعمل في كل مكان فيها، بما في ذلك المنطقة التي يوجد فيها الإرهابيون».
رغم ذلك فإن البعض يرى أن الأخبار التي تظهر بين يوم وآخر عن سقوط قتلى من قوات الجيش والشرطة ومن رجال القضاء ومن شيوخ القبائل وغيرهم، ما زالت تتسبب في تعطيل التنمية في سيناء وضرب سمعة البلاد في السياحة والاستثمار. ما زالت الآثار الكارثية على المنتجعات السياحية مستمرة منذ إعلان «داعش سيناء» عن مسؤوليته عن تفجير طائرة السياح الروس فوق سيناء، أثناء عودتها من منتجع شرم الشيخ إلى روسيا العام الماضي.
لا يفرق العميد العمدة بين نشاط الإرهاب في سيناء ونشاط المتمردين في اليمن أو دول مثل العراق وسوريا. قد يقول قائل إن طهران تدعم الحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق ونظام بشار الأسد في سوريا و«حزب الله» اللبناني، انطلاقًا من مزاعمها عن الوقوف وراء الشيعة في كل مكان في العالم.. فما علاقتها بالجماعات السنية المتشددة، مثل تلك الموجودة في سيناء، وعلى رأسها تنظيم داعش الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة؟!
يجيب العمدة مذكِّرا بالعلاقات القوية بين نظام طهران والجماعات السنية المتطرفة، ليس هذه الأيام فقط، ولكن منذ قيام المتشددين المصريين بقتل الرئيس الأسبق أنور السادات. يقول: «إيران لها علاقات قديمة مع المتطرفين. استضافت زعماء تنظيم القاعدة الذين فروا من أفغانستان أثناء الحرب في 2001. كما أنها، قبل ذلك، استقبلت قتلة السادات عام 1981، وأشهرهم خالد الإسلامبولي.. وسمت شارعًا في طهران باسمه». اليوم عادت الأسئلة مجددًا عن الدور الإيراني، بعد إعلان «داعش سيناء» عن أسلحته من طراز «إيه إم 50 سيياد».
يقول اللواء سالم مستجمعًا سنوات خبرته في عمله رئيسًا لجهاز الاستطلاع بالجيش: «الحرب على الإرهاب في سيناء مختلفة. كثير من المتطرفين بدأوا يجنحون للاختباء وسط بيوت الناس، والجيش يعمل بحرفية لتجنب الخسائر في صفوف الأبرياء. ما نقوم به يشبه إخراج الشعرة من العجين، وهذا يتطلب وقتًا»، مشيرًا إلى أنه حتى لو وصل سلاح «إيه إم 50 سيياد» إلى سيناء فهو لا يزيد عن قطع محدودة. ثم إن الأمر برمته ربما لا يزيد عن صور ظهرت في الفيديو كدعاية من الإرهابيين لأنفسهم، ليس أكثر».
وعن تقييمه للحرب في سيناء، يقول إن الوضع اختلف عما كان عليه من قبل.. ويوضح: «بتضادها تتمايز الأشياء.. انظر كيف كان الوضع منذ سنة أو سنتين، وكيف كانت قدرات التنظيم. كان يهاجم بمقاتلين معهم أسلحة، أما اليوم فأقصى حلمه أن يقوم بعملية تفجير أو قنص عن بُعد.. ليس لديه العدد الذي كان من قبل، وفي المقابل ضربات السلطات ضدهم مستمرة، ولا تتوقف، وبالتالي فإن التنظيم تعرض لخسائر كبيرة.. ومن كان يفكر في الانضمام إليه، بدأ في الهروب منه». بغض النظر عن التشديد الأمني فإن الانتماء للدولة المصرية وإبداء الوطنية قضية أساسية لدى أهل سيناء. لا يحمل الدكتور حسام رفاعي، نائب سيناء في البرلمان المصري، توجهًا سياسيًا محددًا، مثل غالبية القيادات الشعبية هنا. يكتفي أحدهم بالقول إن «اتجاهي السياسي هو مصر». يبدو رفاعي من خلال نشاطه البرلماني، ومن حديثه لـ«الشرق الأوسط» أيضًا، مائلاً إلى «الاتجاه الليبرالي نوعًا ما.. ومع ذلك أنا مصري، قبل أي اتجاه سياسي». وعلى كل حال تبدو الحياة الحزبية المصرية بعد تجربة حكم «الإخوان»، والثورة عليه، أضعف من أي وقت مضى. وهذا أثر بطريقة أو بأخرى على الوضع في سيناء.
بعد سقوط مبارك ظهرت عشرات الأحزاب، فوق الأحزاب التقليدية، من اليسار ومن اليمين وما بينهما، إضافة إلى أحزاب ذات توجه ديني مثل حزب جماعة الإخوان الذي يتهمه خصومه بأنه كان السبب في عودة مئات المتطرفين من الخارج، والإفراج عن عشرات المتشددين من المحكوم عليهم في السجون من عهد مبارك، بينهم زعماء خطرون لجماعات إرهابية في سيناء.
حين ضاق المصريون بحكم مرسي المنتمي لـ«الإخوان»، دخلت الأحزاب التي تعارضه، وتمثل غالبية الأحزاب المدنية، تحت مظلة جبهة عرفت باسم «جبهة الإنقاذ» بقيادة الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن حركة الجبهة كانت أبطأ من حركة الشارع، كما أنها لم تكن تدعو لإسقاط مرسي، على عكس رغبة ملايين المصريين ممن لم يجدوا ملجأ لهم، وهم يتظاهرون في الشوارع والميادين، إلا في الجيش متمثلاً في وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي، حيث جرى تفويضه بعد ذلك لاتخاذ ما يراه في سبيل محاربة الإرهاب في سيناء وفي عموم البلاد.
في خضم ثورة 2013، والعامين التاليين لها، كان الجميع، من القواعد الشعبية حتى الحكومة، يضعون قضيتي «الأمن» و«الاقتصاد» على رأس الأوليات. بعد كل هذا الوقت يبدو أن تحقيق التقدم في أي ملف يحتاج إلى استشارة الآخرين فيما ينبغي عمله. يوجد برلمان، لكن، كما يقول الدكتور رفاعي، لم يستجب لأي طلب من الطلبات التي تقدم بها لحل المشكلة في سيناء، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا. كما أن عدم إجراء انتخابات للمجالس المحلية جعل الإدارة المحلية تعمل بنصف عين، في ظروف صعبة.
على هذا الواقع اتخذت السلطات التنفيذية قرارات يبدو أنها أصابت قطاعًا من السكان بأضرار. عمليات انتقام وانتقام مضاد. مزارعون وعمال فقدوا أعمالهم.. عائلات لا تستطيع تبادل الزيارات إلا بشق الأنفس. شبان ممن فقدوا بيوتهم أو سقط بعض أقاربهم ضحايا في الحرب على الإرهاب، أو تعرضوا للقمع بسبب انتماءاتهم القبلية والعشائرية العابرة للحدود، لجأوا إلى جماعات إرهابية، رغبة في الانتقام لذويهم.
كما تؤدي تصرفات فردية ممقوتة، مثل الابتزاز والعسف والتربح، يقوم بها ضباط صغار أو معاونوهم من المدنيين في سيناء، إلى انضمام بعض المضطهدين إلى جناح المتطرفين. بالنسبة لمن لديهم مقدرة مالية كبيرة فقد فضلوا الرحيل عن هنا والسكن في المدن الواقعة على قناة السويس أو في القاهرة نفسها.
يوضح الدكتور رفاعي قائلا إنه رغم الجهود التي تبذلها الدولة، هناك تجاوزات يقوم بها بعض المسؤولين الصغار، ومن الصعب أن تجد من يفهم طبيعة سكان الحدود الذين لديهم امتدادات عائلية وقبلية على الجانب الآخر من الحدود.
ويتابع: «هناك من يفهم الموضوع خطأ، معتقدين أن أبناء المناطق الحدودية لهم حاجة بعيدة عن مصر. نحن نقول لهم لا.. ولا تنس أن الناس في سيناء وقفوا مع مصر وقت الاحتلال الإسرائيلي».
المجلس المحلي لسيناء، وهو يشبه البرلمان المصغر الذي يراقب السلطة التنفيذية في المحافظة، كان يتكون، قبل انتهاء عمله بعد ثورة 2011، كما يقول الدكتور رفاعي، من 140 عضوًا. كان من بينهم سياسيون محترفون وشيوخ قبائل وشخصيات لديها رؤية مغايرة ولديها أساليب مختلفة لمعالجة الاحتقان وبؤر التوتر. يضيف: «بالتأكيد، كانوا يساعدون نائب البرلمان عن المحافظة، ويساعدون المحافظة في اتخاذ القرار المناسب».
أحمد الزملوط، رئيس مجلس أمناء مؤسسة سيناء للتنمية الاقتصادية، يعد من شباب مدينة العريش ممن كانوا يطمحون في تحسين أحوال الناس من خلال العمل السياسي. هو قيادي في حزب التجمع ذي التوجهات الاشتراكية. لكن بعد الثورة ضد مبارك والثورة ضد مرسي، شاهد على الطبيعة تعقيدات الوضع في سيناء. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد مجلس محلي.. الحرب على الإرهاب عطلت العمل السياسي، لدينا أفكار، ونرى أن الحل في التنمية». يقف على هذه الأرضية، مع الزملوط، كثيرون من وجهاء المجتمع في سيناء. لديهم خطط للقضاء على التطرف. يقوم بعضهم بالطرق على أبوب المسؤولين من أجل تقديم المساعدة. لكن من النادر أن تكون هناك استجابة ذات معنى، إلا إذا جاءت التعليمات من القيادات العليا في القاهرة. في بعض الأحيان يجهرون بآرائهم علانية في شوارع سيناء، متحدين الإرهاب.
في خضم هذا الصراع، بدأ المتطرفون يستهدفون هذا النوع من الطبقة الاجتماعية التي يُفترض أن لها القدرة على القيادة. جرت أعمال تصفية رهيبة. على ذلك، كما يشير الزملوط، بدأت شخصيات كثيرة في الانتقال للسكن خارج سيناء، من بينهم رجال أعمال وسياسيون وشعراء ومثقفون. عدد منهم اشتروا عقارات في العاصمة، مما يعطي انطباعًا بأن الرحيل سيطول لسنوات.
ومع ذلك، كما يفيد مصدر أمني في العريش، يبدو أن الخطر ليس في التعاون مع «داعش» من جانب بعض العناصر اليائسة فقط، بل يوجد خطر يتلخص في بيع معلومات قاتلة لجأ إليها، على هامش الحرب المستعرة، عدد من صغار العاملين في الأمن في سيناء بغرض التربح وجني الأموال. يضيف: «حتى لو كان عدد المتورطين صغيرًا، فردًا أو فردين، فإن آثاره كارثية، ليس فيما يتعلق بالتسبب في سقوط ضحايا من الجيش والشرطة ورجال الدولة فحسب، ولكن في تخريب ثقة المواطن في عناصر السلطة التنفيذية».
من جانبه، يشير مسؤول أمني آخر في سيناء إلى أن السلطات ألقت القبض على خمسة من عناصر الأمن في العريش، بعد أن اشتبهت في قيامهم بالتعاون مع «داعش» في سيناء.. «كانت هذه العناصر قد جاءت إلى سيناء في مأموريات أمنية من محافظات مصرية في الدلتا.. اشتبهت السلطات في أنهم يقومون بإبلاغ خلايا داعشية بتحركات قوات الأمن بمقابل مادي يحصلون عليه منهم.. هذا تسبب في حالة من الارتباك لبعض الوقت في سيناء».
يوضح قيادي محلي كان عضوًا في حزب مبارك، إن واقعة بيع المعلومات للمتطرفين خلّفت تأثيرًا سلبيًا.. «مثلاً الأجهزة الأمنية المختصة لم تعد تستجيب للاستغاثات التي ترد عبر الهاتف وتتعلق بنزاعات بين السكان أو غيرها من الجرائم العادية، خوفًا من أن يكون وراءها كمين لاستدراج الشرطة. الأمر أصبح يحتاج منهم لمزيد من التحريات قبل التحرك هنا وهناك، لكن المردود سيئ بطبيعة الحال». المشكلة اليوم (كما يقول الرئيس السابق لجهاز استطلاع الجيش المصري) تكمن في لجوء متطرفين في سيناء للاختباء في بيت من البيوت، أو وسط الناس، ولا أحد يستطيع أن يبلغ السلطات عنه، وإلا قاموا بتصفيته. هذا يعطيهم بعض الاستمرارية، ويؤجل مسألة أن نقوم بالقضاء عليهم مرة واحدة.. «لأنني لو ضغطت أكثر من ذلك، فيمكن أن يكون هناك تأثير على المدنيين الذين لا ذنب لهم. لا يمكن، لكي تضرب الإرهابي، أن تضرب البيت كله الذي يختبئ فيه وسط الأبرياء. أنا أنتظر إلى أن أخرجه من هذا الوسط، مثل الشعرة من العجين».
قامت السلطات بإخلاء مئات المنازل على الشريط الحدودي الملاصق لغزة، وهدم معظم الأنفاق التي كانت تربط سيناء بالقطاع، وهي أنفاق كان يتسلل منها المتطرفون والأسلحة والسلع المهربة. كانت تمثل تجارة بملايين الدولارات. يبدو أن توجس الناس يتزايد رغم الانتصارات على المتطرفين، التي أعلنت عنها السلطات في بيانات رسمية عديدة.
مع ذلك، يقول أحد رجال الأعمال في العريش، ممن يستعد للاستقرار في القاهرة، إن حالة الحرب خلقت طبقة مستفيدة من بين منخرطين بطريقة ما في العمل على مكافحة الإرهاب. بعضهم يتربح.. حتى من بين «البدو المقنعين»، حيث أساءت بعض تصرفاتهم إلى عمل القوات النظامية، مثل احتجاز أبناء عائلات ثرية دون جريرة وطلب أموال من ذويهم، تتراوح بين ألفي دولار وخمسة آلاف دولار، بحجة التوسط لإطلاق سراحهم، ويجري ذلك دون علم السلطات.
يعتقد أحد كبار شيوخ قبائل سيناء أن كل شيء تحت السيطرة الأمنية لكن «لا يوجد حسم.. يبدو أنه لا توجد رغبة في الحسم». وعن تفسيره، يقول إن هناك العديد من الأسباب، منها ما يتعلق بأطماع بعض الأفراد، خصوصًا من القيادات الوسطى ممن وجدوا في المحافظة ميراثًا يمكن الاستفادة منه في تحقيق ثروات مالية كبيرة في وقت قياسي. ويضيف أن البعض بدأ في استغلال الأنفاق مع غزة والتربح منها رغم التشديد الأمني. بذلت السلطات مجهودًا جبارًا لإغلاق نحو 95 في المائة من هذه الأنفاق، لكن هناك نحو 5 في المائة ما زالت تعمل، وهناك من يتربح منها، و«حتى الآن، يجري من خلالها تهريب دراجات نارية وسجائر وغيرها من السلع.. آخرها كمية كبيرة من طيور الزينة. نحو 270 طائرًا ملونًا كانت مطلوبة لأحد قيادات غزة. تم تجميع هذه الطيور في العريش بسعر الطائر الواحد 50 جنيها وبيعها لمندوب عبر النفق بسعر 300 جنيه للطائر الواحد بإجمالي 81 ألف جنيه (نحو 10 آلاف دولار)».
«كل مجتمع فيه الصالح والطالح.. هناك بعض رجال الأمن بالتأكيد شاركوا في مرحلة معينة واستفادوا». يقول الدكتور رفاعي، ويضيف: «يوجد السيئ في كل مجتمع، وهناك المستفيد من هذا الوضع.. هناك من يريد للوضع أن يستمر حتى تستمر الفائدة لهم. نحن لا ننكر أن هناك البعض من سيناء، وهناك البعض من رجال الأمن، وهناك بعض الفاسدين الآخرين الذين تربحوا، وأعتقد أنه من مصلحتهم عدم انتهاء كل هذه الأحداث، حتى لا تنتهي الفوائد التي يجنونها لأنفسهم».
وعقد الرئيس السيسي اجتماعات مع قيادات قبلية وبرلمانية من أبناء سيناء، لبحث واقع المحافظة واحتياجاتها، كما سبق للرئيس زيارة سيناء وأوفد عددًا من مستشاريه إليها، لكن الدكتور رفاعي، الذي قدم من خلال نيابته في البرلمان مقترحات لحلحلة الوضع في سيناء ولم تلقَ اهتمامًا يُذكر، يقول إن سبب مشكلة سيناء هم «الصغار لا الكبار».
ويضيف: «نحن (القيادات الشعبية في سيناء) حين نجلس مع المسؤولين الكبار، يكون تفهمهم واضحًا للقضية وللمشكلات، لكن للأسف الشديد، الذي يتعامل مع الناس على الأرض، هم الصغار وليس الكبار. هذا من الأسباب الرئيسية في استمرار وضع سيناء على ما هو عليه».
ويقول أيضًا: «منذ دخولنا البرلمان قبل سنة، تقدمنا باقتراح لتشكيل لجنة نوعية لتنمية سيناء، لكن للأسف الشديد لم يؤخذ بهذا الاقتراح. وطالبت بتشكيل لجنة لزيارة شمال سيناء وطرح المشكلات الموجودة على الأرض للبحث والحل، وتم تأجيل الزيارة.. حددنا جلسة استماع برلمانية حول سيناء، لكن تم تأجيلها، وطالبت بتعديل بعض الإجراءات الأمنية المتخذة التي تضيق على حياة المواطنين». وبعد قليل من الصمت يقول ممنيًا النفس: «كانت هناك وعود. وإن شاء الله سيتم إصلاح هذه الأمور.. الموضوع الأمني هو المسيطر على الوضع».
وتوجهت «الشرق الأوسط» إلى اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي والتعبئة القومية في البرلمان المصري، الذي يؤكد في البداية على أن «سيناء نطاق أمن قومي لمصر. ونطاق تأمين مهم، وبالطبع هي جزء رئيسي من مهمة اللجنة». وتحدث عن الأعباء الكثيرة التي تقوم بها لجنته في خضم عمل البرلمان لسن التشريعات (وفقًا للدستور الجديد). ويقول ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت لجنته التي تعد الأهم في هذا المجال قد قامت بأي زيارة أو عقدت أي جلسة استماع عن الوضع في سيناء: «لا.. لم نقم بعد بزيارات أو شيء من هذا القبيل، حتى الآن». لكنه يضيف موضحًا: «خططنا بالفعل لكي نقوم بزيارات لسيناء»، وسيكون ذلك «في الوقت المناسب». ويملك اللواء عامر خبرة في مشكلات سكان المناطق الحدودية، حيث كان في السابق محافظًا لمحافظة مطروح المجاورة لليبيا.
مما لا شك فيه أن القيادات التي تدير الحرب على الإرهاب في سيناء تحاول جاهدة الانتهاء من العملية بأقل أضرار ممكنة، ودون انتظار لتحرك الحليف الأميركي أو غيره. هذه الحملة دخل بها الجيش المصري إلى المنقطة «ج»، وذلك لأول مرة منذ عام 1967. إلا أن أحد مسؤولي الحملة يشير إلى عراقيل تسبَّب فيها «أصدقاء دوليون»، أي الولايات المتحدة، وهي دول كانت مهتمة باستقرار الوضع الأمني في سيناء أثناء عهد مبارك، وأثناء الزخم الخاص بحل القضية الفلسطينية وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة ككل. لكن الوضع تغير الآن، مشيرًا إلى أن مسألة وصول سلاح إيراني لسيناء، يعني أن طهران دخلت على الخط لاستغلال الوضع، «لكن لا أعتقد أنه سيكون لهذا تأثير على سير المعارك وحسم الحرب.. ومع ذلك ما زالت التحقيقات جارية حول هذا النوع من السلاح ومصدره الحقيقي».

يعتقد كثير من العسكريين المصريين أن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة يزيد أطماع دول في الهيمنة على الإقليم مثل إيران. من جانبه، يقول اللواء سالم عن «برود البيت الأبيض الأميركي» تجاه الحرب المصرية ضد «داعش» في سيناء إن الرئيس أوباما لا يريد أن يقدم دعمًا ولا تعاونًا، ومع ذلك «نحن كفيلون إن شاء الله بأعدائنا. بالنسبة لنا الخطوط واضحة؛ مَن يمول الإرهاب.. ومن يشجعه.. والدور الأميركي ليس خافيًا علينا».
ومن واشنطن يقول الباحث الأميركي، بارفي: «أتصور أن الولايات المتحدة تقدم لمصر معلومات استخباراتية، مثل الصور، وربما بيانات الأقمار الصناعية التي تأتي من اعتراض وكالة الأمن القومي، مثل المكالمات الهاتفية والإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية، خصوصًا تكنولوجيا المعلومات التي يحصلون عليها عند العمل على تنظيم داعش في العراق وسوريا.. لكنني لست متأكدًا إذا كان لدينا طائرات دون طيار تعمل هناك (في سيناء)».
ويعرب عن اعتقاده بأن أوباما ليس مهتمًا كثيرًا بأي شيء، ولكنه مهتم بالانتهاء من فترة ولايته.. «إنه لم يُظهر قدرًا كبيرًا من الاهتمام.. لا يريد التورط في المنطقة، ولم يكن سعيدًا جدًا مع ما حدث في مصر في 2013. أوباما لا يحبذ عقد أي صفقات أسلحة مع المصريين حاليًا.. هو ليس رئيسًا مثل بيل كلينتون الذي كان يجتمع مع قادة الدول ويحاول مساعدتهم».
أثناء الخروج من مدينة العريش بدت الحركة أقل من السابق. سيارات الأجرة ما زالت تبحث عن مسافرين وتربض مكانها في الميدان المهجور في يأس. وفي كمين الأمن رفع الجندي محمود قناعه، ولوح بيديه مودعًا، ثم أشار بعلامة النصر، وعلى وجهه ابتسامة عريضة ظلت تبتعد وتبتعد تحت شمس الصيف.



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».