مساعٍ لتوحيد صفوف الفصائل العسكرية لرفع مستوى تأثيرها تمهيدًا لجولات تفاوضية مقبلة

دراسة تضيء على مشكلات المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري وتوصي بإصلاحات

مساعٍ لتوحيد صفوف الفصائل العسكرية لرفع مستوى تأثيرها تمهيدًا لجولات تفاوضية مقبلة
TT

مساعٍ لتوحيد صفوف الفصائل العسكرية لرفع مستوى تأثيرها تمهيدًا لجولات تفاوضية مقبلة

مساعٍ لتوحيد صفوف الفصائل العسكرية لرفع مستوى تأثيرها تمهيدًا لجولات تفاوضية مقبلة

تسعى قوات المعارضة السورية لتوحيد صفوفها ورفع مستوى تأثيرها السياسي، لمواكبة المتغيرات الدولية المتسارعة، وتمهيدًا لحفظ دور مؤثر لها خلال العملية السياسية المقبلة، التي يتوقع باحثون سوريون أن تبدأ بشكل جدي في ربيع العام المقبل 2017.
المركز البحثي السوري المعارض «جسور»، كشف في دراسة أعدها ونشرها أمس، عن أن المعطيات تُشير إلى اقتراب الفصائل العسكرية الرئيسية في سوريا، من تشكيل جسم مشترك يقوم على تمثيلها سياسيا، بدعم من بعض الدول الإقليمية. ورأى أن مثل هذا الكيان يُعطي دفعًا للحل العسكري الذي ترغب فيه، أو لسحب البساط من تحت المؤسسات السياسية الأخرى. وهو ما يعني فعليًا سحب الشرعية من الائتلاف والهيئة على حد سواء، ما لم تتمكن المؤسستان من التعاطي مع هذه المعطيات بصورة فعالة واستباقية.
وقال المركز، في الدراسة التي حملت توصيف «تقدير موقف»، إن ظهور جسم مشترك للفصائل العسكرية «سيساعد في تعزيز موقع هيئة التنسيق الوطنية في بيئة المعارضة السياسية، باعتبارها الممثل للشرائح التي لا تمثّلها الفصائل وأنصارها، بعكس الائتلاف والهيئة العليا»، مشيرًا في الوقت ذاته، وحسب توقعات المركز، إلى أن التجاذب قد يستمر بين الائتلاف و«الهيئة العليا للمفاوضات» بما سيؤثّر «على شرعية وحضور كل منهما»، ويلفت إلى أنه «لا يُعتقد أن تشهد الساحة الدولية دعوة جدية لأي حل سياسي قبل ربيع 2017. ما يعني أن الفرص المتاحة لكلا المؤسستين ستكون محدودة أصلاً على المدى القصير والمتوسط».
المدير العام لمركز «جسور» محمد سرميني، قال موضحًا، إن فصائل «الجيش السوري الحر» التي تعمل منذ فترة بشكل مشترك على تنسيق البيانات التي تصدرها «رأت أنه من الضروري العمل على أمرين، هما: وحدة القرار السياسي، ووحدة القرار العسكري»، وتحدث عن «تضافر الجهود لإنجاز وحدة القرار السياسي». وتابع سرميني لـ«الشرق الأوسط» أنه بناء عليه «تم تشكيل لجنة مصغرة من مندوبي الفصائل المؤثرة (التي يبلغ عددها 22 فصيلاً وقّعت البيانات الأخيرة بشكل مشترك) وبدأت إعداد تصور عن هيئة سياسية تمثل الفصائل، ستكون مرجعية سياسية لها، ومن خلالها تأخذ مواقف في القرارات السياسية العامة، وفيما يتعلق بتمثيلها في المؤسسات السياسية».
وأضاف أن تلك المساعي تنطلق من واقع أن الفصائل، رغم حضورها، لا تتمتع بتأثير سياسي، بل تقتصر مشاركاتها على إبداء رأي يبدو أنه غير ملزم. وتجد تلك الفصائل التي تتمتع بحيثية كبيرة على الأرض، أنها غير قادرة على أن تكون شريكة في صناعة القرار السياسي، بالنظر إلى أن نسبة تمثيلها في الهيئة العليا للمفاوضات كانت متدنية، كذلك لم تجد لنفسها تمثيلاً بارزًا في الائتلاف السوري، حيث «تشعر بأن الائتلاف جسم غريب عنها وهي غير فاعلة فيه».
وحسب سرميني، فإن «بقاء الفصائل بشكلها الحالي من غير تمثيل سياسي بارز لها في المؤسسات السياسية، لن يغير نظرة المجتمع الدولي لها بوصفها ميليشيات، ذلك أن الدول الغربية تتعاطى مع المؤسسات الرسمية لناحية الأخذ برأيها، لذلك إذا لم تكن ضمن المنظومة السياسية المعترف بها، فإن كلامها يصعب أن يكون له وزن سياسي».
الدراسة التي حملت عنوان «المعارضة السياسية والخيارات المتاحة في المشهد السوري»، توقفت عند مشكلات المعارضة وخياراتها. وتوقفت بالذات عند ما وصفته بـ«الخفوت في المشهد السوري من جانبه السياسي في الشهور السبعة الأولى من عام 2016. ولم يشهد الصخب الذي عرفه في السنوات السابقة، سواء من ناحية الصراعات الداخلية المعلنة، أو من ناحية التجاذبات بين الكيانات السياسية المختلفة».
وإذ تحدثت الدراسة عن «صراعات صامتة» بين الكتل السياسية المختلفة داخل الائتلاف وخارجه، في إشارة إلى التباينات مع «الهيئة العليا للمفاوضات»، قال معدّوها إن أداء المعارضة السياسية وحضورها «يرتبط» بعدد من المحددات الداخلية والخارجية. و«هي التي تُساهم في رسم معالم المشهد المعارض في كل مرحلة»، بينها «البيئة الدولية، مع تحوّل المشهد السوري في سنواته الأخيرة إلى حالة من التدويل المعلن، وتأدية الفاعلين الإقليميين دورًا رئيسيًا في تفعيل أو تعطيل المؤسسات السياسية للمعارضة»، فضلاً عن «تأثير إنجازات فصائل المعارضة المسلحة وإخفاقاتها، وكذلك الأحداث والانتهاكات (مثل المجازر الكبرى) على الحضور السوري في المشهد السياسي والإعلامي».
لا يجد مركز «جسور» حرجًا في الإضاءة على تلك المشكلات، بالنظر إلى أنها تتحدث عن معطيات حرجة. ويقول سرميني إن «هذا النوع من الدراسات موجه لصناع القرار المحليين والدوليين»، كما أنه «موجه للفصائل العسكرية»، موضحًا أن تقديمها «ضروري لأن السوريين ضمن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، باتوا الحلقة الأضعف». وأضاف: «إذا لم يكن هناك تحرك سياسي وعسكري معارض للعب دور حقيقي، فإن الحل المفروض لن يكون للسوريين دور في اتخاذ القرار به، ونحن كسوريين نرفض أن نكون مجرد أداة تنفيذية لقرارات يتخذها الآخرون».
من ناحية ثانية، تمثل الدراسة صدمة لأطراف المعارضة لتوحيد صفوفها خلال الفترة المتبقية لتفعيل قضية الحل السياسي مرة أخرى، التي يرجح «جسور» أن تنطلق جديًا في منتصف العام المقبل 2017. وحسب سرميني: «في المعطيات السياسية، يصعب أن يكون هناك حل سياسي أو العودة إلى طاولة المفاوضات قبل تلك الفترة، كونه مرتبطًا بالمشهد الأميركي المقبل في ظل تغيير في الإدارة الأميركية وحصول ترتيب جديد»، فضلاً عن «المتغيرات الإقليمية التي لا يتوقع أن تصل إلى تفاهمات قبل هذا الوقت»، لجهة حالات التقارب الروسي والتركي والإيراني، التي لا تزال في بداياتها. وتُضاف إلى «المتغيرات العسكرية على الأرض، في ظل الجمود السياسي القائم، وعدم حصول أي خرق أو تقدم على مستوى الملف الإنساني».
تأهبًا لذلك، أوصى المركز «الائتلاف» السوري بإجراء إصلاح جذري في بنيته وتركيبته، بحيث يضمن للفصائل الفاعلة تمثيلاً حقيقيًا وتشاركيًا، بما يوقف بحثها عن تمثيل تشاركي خارج «الائتلاف»، على أن «تشمل عملية إعادة الهيكلة المطلوبة منح الفصائل الرئيسية حق التمثيل العسكري في الائتلاف، ومنحها مقاعد ذات أغلبية ضامنة أو معطّلة». كذلك «ينبغي على الائتلاف إجراء مراجعة مباشرة لدور الحكومة المؤقتة»، والإعلان عن مواقف سياسية واضحة تمكّنه من تمييز حضوره عن المؤسسات الإعلامية.
من ناحية أخرى، أوصى المركز «الهيئة العليا للمفاوضات» بإنتاج نظام أساسي خاص بها، يُحدد آليات لصناعة القرار فيها، وآلية لاختيار هيئتها العليا ورئيسها، وكيفية توسيع الهيئة وتداول العضوية فيها. كما أوصى الفصائل المسلحة بالوصول إلى صيغة مشتركة مع الائتلاف، تضمن للفصائل مشاركة فاعلة في صنع القرار، والتوقف عن تقديم رسائل سلبية إلى المجتمع الدولي، وإجراء مراجعة شاملة لخطابها السياسي، وأن تعمل بشكل مشترك مع الكيانات السياسية والمدنية في سوريا وخارجها، بما يمكن الفصائل من ترشيد أدائها السياسي، ويوفر لها قاعدة تشاركية تُساعدها على الاندماج في أي حل سياسي مقبل.



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.