الحشد الشعبي يرهب أهالي الخالدية بعد تحريرها من «داعش»

مئات العائلات تتقدم بدعوى قضائية بحق الميليشيات لخطفها أبناءها وقتلهم

جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
TT

الحشد الشعبي يرهب أهالي الخالدية بعد تحريرها من «داعش»

جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)
جانب من الدمار الذي حل بمسجد في جزيرة الخالدية من قبل عناصر تابعة للحشد الشعبي («الشرق الأوسط»)

دعا مجلس محافظة الأنبار، وقادة سياسيون، وأعضاء في البرلمان العراقي، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى تشكيل لجنة تحقيق لمتابعة ملف الانتهاكات التي تمارسها عناصر تابعة لميليشيا الحشد الشعبي في مدن الأنبار، التي تسببت في مقتل واختطاف الآلاف من أبناء المحافظة، وتدمير وحرق المئات من دور المواطنين في المناطق التي تم تحريرها من سيطرة تنظيم داعش، فضلا عن هدم المساجد ونهب الممتلكات، التي كان آخرها في مدينة الفلوجة، ثم في جزيرة الخالدية، وبالخصوص في منطقة الحامضية.
وقال عضو البرلمان العراقي، النائب عن محافظة الأنبار، أحمد السلماني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «عددا كبيرا من العناصر التابعة لقوات الحشد الشعبي ارتكبت انتهاكات وجرائم في منطقتي جزيرة الخالدية والحامضية، شرقي مدينة الرمادي، في أثناء عملية تحرير جزيرة الخالدية، إذ قامت تلك العناصر الإجرامية بهدم وحرق عشرات المنازل والمدارس والجوامع، بالإضافة لمجمعات الماء في جزيرة الخالدية، كما قامت بهدم أغلب منازل منطقة الحامضية المحررة منذ أكثر من 6 أشهر، وتجريف مساحات واسعة من أراضيها الزراعية، مؤكدين تنفيذ أجندات طائفية انتقامية في مدن الأنبار».
وأضاف السلماني: «إننا نثمن غاليًا دماء الشرفاء من (شهداء) قواتنا الأمنية بكل أصنافها، التي روت أرض الأنبار، في أثناء عمليات التحرير، ونطالب القائد العام للقوات المسلحة والقادة الميدانيين الموجودين في أرض المعركة بمحاسبة هذِه العناصر الإجرامية المندسة، والإيعاز لأفواج الطوارئ من الشرطة المحلية، التي هي بحدود العشرين فوجًا، في منطقتي الحامضية والبوعيثة، وكذلك تجهيز وتسليح أبناء هذِه المناطق الذين تطوعوا للعمل مع الشرطة في وقت سابق، وشكلوا فوج الطوارئ الحادي عشر».
إلى ذلك، أعلن رئيس مجلس محافظة الأنبار، صباح كرحوت، عن نية المجلس رفع شكوى قضائية تقدم بها المئات من العائلات التي تم خطف أبنائها وقتلهم وتعذيبهم، بعد اقتيادهم إلى أماكن مجهولة من قبل فصائل تابعة للميليشيات، وتدمير وحرق مناطق متعددة من مدن الأنبار، من بينها ما حصل خلال اليومين الماضيين في منطقة جزيرة الخالدية، وخصوصا منطقة الحامضية.
وقال كرحوت، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «مجلس محافظة الأنبار طالب، من خلال كتاب رسمي، رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق على الفور لمتابعة ملف حرق الدور وتفجيرها في منطقة الخالدية، وإدانة هذه الجرائم البعيدة كل البعد عن أخلاق العراقيين الشرفاء، وكذا القيادات والقوات الأمنية التي حررت أغلب مناطق الأنبار. ونحن اليوم أمام تحديات صعبة. وعليه، يجب أن يكون هناك توحيد للجهود مع القيادات الأمنية من أجل تحرير بقية مدن الأنبار ومناطقها من سيطرة تنظيم داعش، لا أن نمزق وحدة الصف والنسيج العراقي عن طريق ترك المجال للميليشيات الطائفية بخلق الفتنة بين أبناء الوطن الواحد».
وأضاف كرحوت أن «تلك الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين من أبناء الأنبار ومدنها، أفسدت وسوف تصعب من عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم، بسبب الدمار الذي خلفه سيطرة التنظيم الإرهابي والعمليات العسكرية، إضافة إلى الانتهاكات المتمثلة بحرق وهدم دور المواطنين، ونهب الممتلكات، وتدمير المنشآت الخدمية».
وبعد أكثر من سنتين من سيطرة تنظيم داعش على جزيرة الخالدية، تمكنت القوات الأمنية العراقية بمساندة فاعلة من قبل طائرات التحالف الدولي من تحريرها، واستعادة السيطرة على 90 في المائة من الأراضي التابعة لها، التي تعتبر آخر معاقل التنظيم شرق مدينة الرمادي، وأخطرها على مدن الأنبار على الإطلاق، بسبب ارتباطها بشكل مباشر مع صحراء الأنبار الممتدة مع الشريط الحدودي للعراق مع سوريا، وصولاً إلى مدينة الموصل، المعقل الأكبر لتنظيم داعش في العراق.
ولم تدم فرحة أهالي منطقة الجزيرة طويلاً بالنصر على «داعش»، بعد أن صدموا بحرق وتدمير مناطقهم من قبل عناصر تابعة للميليشيات. وبهذا الصدد، قال الشيخ جبار الدليمي، أحد وجهاء «جزيرة الخالدية»، إن «مناطق جزيرة الخالدية كانت قبل تحريرها من قبل قواتنا الأمنية تعتبر من أهم معاقل تنظيم داعش، وقد سيطر التنظيم عليها في مطلع عام 2014، بعد انسحاب القوات الأمنية منها».
وأضاف الدليمي أن «التنظيم قام بالاستيلاء على منازل الضباط والمنتسبين للأجهزة الأمنية وشيوخ العشائر والمدنيين الرافضين لوجوده وفكره، وبعد ذلك سرق جميع محتوياتها، وقام بحرقها، كما قام بإعدام كثير من شباب الخالدية بأساليب وحشية مختلفة، بعد أن اتهمهم بالتعاون مع القوات الأمنية عندما سيطر على المنطقة».
وتابع الدليمي: «استبشرنا خيرا بسماع انطلاق عملية تحرير جزيرة الخالدية من تنظيم داعش نهاية يوليو (تموز)، ولكننا تفاجأنا بمشاركة قوات الحشد الشعبي في العملية، دون مشاركة مقاتلي عشائر الأنبار، حيث بدأت العمليات العسكرية لتحرير الجزيرة بقصف عنيف لتلك الميليشيات بواسطة الصواريخ وقذائف الهاون، بشكل عشوائي على جميع المناطق في جزيرة الخالدية، رغم وجود مقاومة قليلة جدا لعناصر تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن «التنظيم انسحب أمام الحشد الشعبي، عندما دخلوا مناطق جزيرة الخالدية دون معرفة الأسباب، فيما تصاعدت المخاوف من قبل سكان المنطقة بعد أن بدأت عناصر الحشد الشعبي بأعمال انتقامية في مناطق جزيرة الخالدية عقب انسحاب التنظيم منها، حيث أحرقت عشرات المنازل بعد سرقة محتوياتها من الأثاث»، لافتا إلى أن «حجة الحشد الشعبي أن تلك البيوت يوجد فيها إرهابيون، ولكن الحقيقة أن تلك البيوت عائدة لنا، وهي خالية من عناصر تنظيم داعش، ورأينا بأعيننا كيف تقوم عناصر الحشد الشعبي بعمليات حرق لعشرات المنازل في جزيرة الخالدية، وذلك بدافع الكراهية والانتقام من أهالي المنطقة الذين اتهمهم الحشد بأنهم حاضنون لـ(داعش) ومؤيدون له».
من جانبه، أكد رئيس مجلس قضاء الخالدية علي داود وجود عمليات حرق لبعض المنازل في الجزيرة من قبل الحشد الشعبي، مشيرا إلى أن الحشد الشعبي لن يبقى في جزيرة الخالدية طويلاً. وقال داود في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «شهود عيان أكدوا لنا حدوث عمليات حرق وتدمير لمنازل المواطنين في المناطق المحررة من جزيرة الخالدية من قبل عناصر مندسة تابعة للحشد الشعبي، وقمنا على الفور بالاتصال بقيادات الحشد الموجودين هناك، وأكدوا لنا أن تلك المنازل يوجد فيها إرهابيون، وأن قواتهم تقاتل عناصر (داعش) المختبئين بها، وأن تلك المنازل تحترق إثر المواجهات».
وأضاف داود أن «قوات الحشد الشعبي لن تبقى في جزيرة الأنبار طويلاً، وما هي إلا أيام قليلة، فهناك تنسيق على انسحابها من جميع مناطق الجزيرة، واستلام الجيش والشرطة الملف الأمني بمساندة مقاتلي العشائر».
وبين تأكيد عمليات الحرق لمنازل المواطنين في جزيرة الخالدية ونفيها من قبل قيادات الحشد الشعبي، تبقى أعمدة الدخان تتصاعد من عشرات المنازل، الأمر الذي يؤكد حدوث الفعل.
وعادة ما يوجه سياسيون وسكان محليون سنة اتهامات متكررة لعناصر تابعة لقوات «الحشد الشعبي» بارتكاب «انتهاكات» بحق المدنيين السنة في المناطق التي يتم تحريرها من سيطرة تنظيم داعش، وهو ما يقابل بالنفي من قبل الحشد.
وتشكل «جزيرة الخالدية» التي تضم عددا من المناطق الزراعية الجزء الشمالي لقضاء الخالدية، وتضم مناطق البوعبيد والبوبالي والبوشعبان والبوعيثة والمحلامة والبوسودة، وتنبع أهميتها من وقوعها على حافة نهر الفرات من جهة الجنوب، وعلى الطريق الدولي السريع من جهة الشمال.
وقد حررت القوات الأمنية مدينة الرمادي، نهاية العام الماضي، من قبضة التنظيم، فيما بقيت بعض المناطق المحيطة بها خاضعة لسيطرته، وتواصل القوات العراقية حملة عسكرية واسعة لتحرير تلك المناطق، ولطرد مسلحي التنظيم المتطرف من محافظة الأنبار، وكذلك الزحف شمالاً نحو مدينة الموصل، المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في العراق.
ميدانيًا، أعلنت قيادة عمليات الأنبار عن مقتل 700 عنصر من تنظيم داعش منذ بدء العملية العسكرية التي شنتها القوات الأمنية العراقية لاستعادة السيطرة على جزيرة الخالدية، التي تبعد مسافة 23 كيلومترا إلى الشرق من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار.
وأكد قائد عمليات الأنبار اللواء الركن إسماعيل المحلاوي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «جزيرة الخالدية قد حررت بالكامل من سيطرة تنظيم داعش، ولم يتبق سوى جيوب قليلة لمسلحي التنظيم في منطقة زوية البوبالي، في أنفاق حفروها في تلك المنطقة، ويتم التعامل معها حاليًا من قبل وحداتنا المسلحة المنتشرة هناك».
وأضاف المحلاوي أن القوات الأمنية تعمل على تمشيط جميع مناطق جزيرة الخالدية، وإعادة انتشار توزيع الوحدات القتالية والعسكرية «بشكل يضمن معالجة أي خرق محتمل، مع الاستعداد للتوجه لاستعادة السيطرة على جزيرة الرمادي خلال الأيام القليلة القادمة». وتابع المحلاوي أن القوات الأمنية من الجيش والشرطة ومقاتلي العشائر والحشد بفئاتها المختلفة «تقاتل في خندق واحد ضد مسلحي التنظيم»، وأن هناك «دعما كبيرا من طيران التحالف الدولي وطيران الجيش لقصف نقاط تجمعهم في جزيرة الرمادي والمناطق الغربية».



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.