السفير اليمني في لندن: الحوثيون وصالح حرموا اليمن من أرقى مشروع في تاريخه الحديث

الدكتور ياسين نعمان لـ «الشرق الأوسط» : المملكة المتحدة صُدِمت بالانقلاب بعد إشادتها بمخرجات الحوار الوطني

الدكتور ياسين نعمان أثناء حواره مع «الشرق الأوسط»
الدكتور ياسين نعمان أثناء حواره مع «الشرق الأوسط»
TT

السفير اليمني في لندن: الحوثيون وصالح حرموا اليمن من أرقى مشروع في تاريخه الحديث

الدكتور ياسين نعمان أثناء حواره مع «الشرق الأوسط»
الدكتور ياسين نعمان أثناء حواره مع «الشرق الأوسط»

أطلق السفير اليمني لدى المملكة المتحدة، الدكتور ياسين نعمان، تنهيدة أعقبت حديثه عن اختياره لندن، لمزاولة عمله في الظرف الذي قال فيه إنه صعب جدا عليه وعلى اليمن وعلى الدبلوماسية اليمنية، واتكأ على 69 عاما من العمر والتجربة في فسيفساء السياسة اليمنية، وتحولاتها الحالية، بعد أن كان رئيسا لمجلس الوزراء في أولى سنوات الوحدة، إلى أن أصبح سفيرا منذ عام واحد، وبالتوازي مع الانقلاب والوضع الصعب الذي يعيشه اليمن.وفي الطابق الثالث من مبنى السفارة اليمنية، الذي كان قبل الوحدة في عام 1990 مقرا لسفارة اليمن الجنوبي في طريق كوينز غيت جنوب غربي العاصمة البريطانية لندن، قال السفير: «اليمن حرم من أرقى مشروع في تاريخه الحديث»، ويقصد الحوار الوطني، التجربة التي يقول إنها بهرت الغرب وعلى رأسه بريطانيا «تبخرت بعد هجوم الانقلابيين واحتلالهم صنعاء».
وتحدث نعمان الحائز درجة الدكتوراه في الاقتصاد من المجر عام 1981 في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» عن جملة قضايا يمنية، أبرزها الحوار الوطني، ودور القبائل، وتشخيص المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
وفيما يلي نص الحوار..
* بماذا خرج اليمن من الحوار الوطني؟
- خرج عمليا بحوار شاركت فيه كل القوى السياسية والاجتماعية والمرأة والشباب، وأعتقد أن الوثيقة النهائية لمؤتمر الحوار أنجزت.. ولذلك لم يكن هناك أي تحفظ إلا على بعض الجوانب المرتبطة بشكل الدولة، خصوصا موضوع الأقاليم، لكن مضامين الدولة تم الاتفاق عليها بشكل كامل، ولم يكن هناك عليها أي تحفظ من أي طرف من الأطراف.
* هل تعتقد الشرعية ستقبل بحوار جديد على غرار الكويت وجنيف؟
- أي أحد مر بتجربة عليه ألا يكررها بالمستوى نفسه. إذا لم تكن هناك قضايا واضحة. ومع ذلك يظل طريق السلام هو الأمثل. لكن إذا الحوثيون وصالح استمروا في هذا العبث والمجلس السياسي والتصويت البرلماني.. عمليا هم انقلبوا على الدولة ولن يعيقهم نصاب مجلس من غيره.
* هل من الممكن أن يعود الحوار بعد عودة الشرعية لليمن؟
- الحوار مهم في كل الأوقات، لكن لا يجوز أن نعيد الحوار فيما اتفقنا عليه. هناك مشكلة كما يبدو تحتاج إلى مزيد من البحث متعلقة بموضوع الأقاليم، وأيضا لا بد من حل مشكلة الجنوب، خصوصا بعد أن وصلت إلى هذا المستوى، وأنا أعتقد من الضروري بمكان أن يقف الجميع أمام هذه القضية خلال المرحلة المقبلة أمام مضامين الدولة بالشكل الذي تحقق، والذي كان من أرقى ما يمكن أن تصل إليه أي حوارات أخرى.
* كيف تقرأ المشهد السياسي حاليا؟
- تشكيل ما يسمى «المجلس السياسي» في هذه المرحلة والحوار كان على وشك أن يصل إلى صيغة توافقية مثل تلك التي قدمها ولد الشيخ، هو تكرار للانقلاب على الحوار الذي اعتاد عليه الحوثي وصالح.. ماذا يعني تشكيل «مجلس سياسي» في هذه اللحظة ونحن نبحث عن حل شامل لمشكلة الحرب وإخراج اليمن من هذا المأزق. الحل يكمن في إطار الانقلاب مرفوض. ولذلك منذ البداية كان يفترض أن يكون هناك اتفاق، وهذا ما تم كما يبدو لأي اتفاق. ولنتذكر أنه عندما سئل ولد الشيخ عن النقاط الخمس قال: إن الجميع متوافقون. هذا إذن إطار التفاوض، المرجعيات الثلاث. لكن ما تم ينسف كل هذه المرجعيات، وما قام به الانقلاب نسف مرجعيات التفاوض.
دستوريا أي خطوة يتخذونها بعد ذلك خارجة عن الأطر الموضوعة من محاولة شرعنة الانقلاب بهذا «المجلس السياسي». أيضا تتناقض موضوعيا ودستوريا مع المرجعيات، وهذا عمل عبثي، ومحاولة لخلق الحل في إطار الانقلاب وهو غير مقبول.
ولا أريد التكلم عن أفراد، لكن أعتقد بشكل عام أن ما يحدث هو تسوية داخلية، لكنها اتسمت بالهزالة وقلة الحيلة والضحك على الناس.
مشروع السلام هو المشروع المناسب لإخراج اليمن من كل مآزقه التاريخية. الحروب لم تكن مفيدة بأي شكل. ولذلك، في 2011 حملنا مشروع السلام، بالحوار والمبادرة الخليجية. هذه القوى هزمت مشروع السلام، بالحرب والانقلاب. وأيضا عندما كادت المفاوضات تصل إلى حل ووقعت الحكومة وقدمت التنازلات في سبيل السلام، إلا أن الطرف الآخر لم يقبل ولم يوقع. معنى هذا أنهم مصرون على السير في الطريق العسكري.
* هل لديهم قوة أكبر من الشرعية التي يساندها تحالف دول عربية كبرى؟
- ليس لدي خبرة عسكرية، لكن أقول إن الطرف الآخر مصر بشكل مستمر برفضه للحلول السياسية، والوضع الطبيعي أنها فرصة مناسبة لهم بإنهاء الحرب سياسيا.
* ماذا يتحتم على الشرعية في هذه الفترة خصوصا أن هناك مطالبة لدفعهم بالتحرك؟
- أولا، دعوة الناس للتظاهر وسط القمع الحاصل في اليمن والحشد في ظل القمع الذي يمارس ضد الناس في صنعاء وغيرها من المدن صعب. مع ذلك، فهم يخرجون، ففي تعز مثلا يخرج الناس ضد القمع والحصار الذي يمارس عليهم.
ثانيا، ما يتم من قبل الانقلاب من حشد وتجميع للناس عمل مظهري. هذا يتم في كل الأنظمة القمعية، وتجاربنا تقول ذلك.. يستطيع النظام القمعي جمع مليون شخص في منطقة واحدة وإظهار الصور الحشود وهم يرفعون الشعارات. لكن هذا كله لا يمثل أي حالة من حالات التعبير الحقيقي عما يدور في ذهن الناس من خيارات سياسية وخيارات اجتماعية. لكن هذا في المقابل لا يعفي الشرعية ولا يعفي الآخرين من أهمية التحرك السياسي والعمل مع الناس، خصوصا الحكومة التي يفترض أن تكون موجودة مع الناس بالذات في المناطق المحررة في اليمن، وهذا كلام يقال يوميا. وهناك أسئلة تدار، لأننا لا نعرف ما صعوبات الحكومة في هذا الجانب. وعليها أن ترد إذا كانت تواجه صعوبات، لا بد أن تواجه وتكشف للناس.. لا تكتفي بالصمت، أو الاحتفاظ بهذه الصعوبات لنفسها، لا بد أن تقول للناس هذه هي الصعوبات التي نواجهها، التي تمنعهم من الذهاب إلى عدن، أو المكلا، أو إلى مأرب.. وما الصعوبات التي تواجهها للحشد لتحرير تعز.
* لماذا تعز وحصارها والاستماتة من الانقلاب للسيطرة عليها؟
- أعتقد أن إصرار الحوثيين وصالح على تدميرها له أسباب تاريخية. تعز كانت في معادلة الدولة قبل الوحدة، هي الوجه الآخر، الوجه الموازي. يعني إذا أخذناها من ناحية تاريخية.. كان هناك وجهان للدولة. كانت تعز تعتبر بمثابة الوجه الآخر للدولة، بمفهوم أن الأئمة والسلطات والذين بعدهم رسخوا صيغة معينة للحكم بأن يكون الحاكم من شمال الشمال. ومناطق تعز تعتبر بمثابة الأراضي المحكومة، صحيح تشارك، لكن شكليا في مراكز رئيسية مثل الجيش، ومراكز صنع القرار كانت خارج تلك المعادلة. وكان يجري تعزيز البعد الطائفي المسكوت عنه في المعادلة بإبقاء تعز الوجه الآخر في الحكم الذي يجب عليه أن يكون رعويا وليس حاكما. وهي معادلة يجب الاعتراف بها، وهي ليست عقدة، لكن معادلة الحكم صيغت هكذا.. عندما جاءت الوحدة أرادوا تطبيق ذلك على الجنوب مثلما طبقوا على تعز، حتى إن التمثيل الشكلي للمحافظة يطرح التساؤلات، ومركز الحكم يظل قائما في المناطق نفسها التي تسيطر، ويبقى التمثيل لتعز شكليا ومهمشا، ولذلك معادلة الوحدة التي اقتسمت السلطة جرى تخريبها في حرب 94 لإبقاء الهيمنة.. هيمنة القوى الاجتماعية والسياسية ما قبل الوحدة.
* ما سر الهدنة الاقتصادية؟
- أولا: أحمل التقدير لمحافظ البنك المركزي الذي يحاول العمل مهنيا، رغم الضغوط التي تمارس عليه. ثانيا: كانت الفكرة بإجماع الدول المانحة الكبرى وصندوق النقد والبنك الدولي أن يبقى البنك المركزي هو الجامع حتى لا تتمزق الدولة، وكانت هناك التزامات طرحت في هذا الجانب على البنك المركزي وعلى وزارة المالية وعلى الأطراف الأخرى بمن فيهم الحوثيون، أن تبقى رواتب الجيش والمؤسسات المركزية تسير. لكن كيف جرى التصرف في هذا الوضع ليس لديّ تفاصيل. لكن المهم هو كيف تدهور الاحتياطي في سنة واحدة من 4.5 مليار دولار خلال سنة ونصف إلى نحو مليار دولار. كان المفترض في هذه الحالة أن تأخذ الجهات المختصة وتبرز الموضوع للعالم.. اليوم أرى تبادل رسائل وكلام عام لكن ليس فيه شرح تفصيلي لما حدث، لكن المحافظ يقول إن كل شيء مكشوف. لكن رواية الحكومة تقول إن المال استخدم في المجهود الحربي للحوثيين.
المحافظ لم ينف.. هو تحدث عن إنفاق. وما نطلبه منه هو إبراز هذا الإنفاق وتفاصيله. المفترض ألا يدور الحديث على الكلام العام بل التفاصيل مهمة. أليس هناك إنفاق؟ أليس هناك التزامات؟ اكشف لنا ما هو.. إذا كانت فقط أنفقت في مواد غذائية أو تنمية فاكشفها. التفاصيل لا بد أن تبرز. وبالتالي هناك دوما الإنفاق غير المنظور، وأعتقد المسألة ليست صعبة، ويمكن إبرازها للناس.
* هل بيد الشرعية أن تعين محافظا آخر إذا كان المحافظ الحالي يعاني من ضغوط من الطرفين؟
- الكلام هنا ليس على المحافظ، ولا أعتقد على مسألة محافظ. لكن السؤال ما الملاحظات على المحافظ. أشعر أن الناس قبلوا بأن يبقى «المركزي» واحدا بوصفه نوعا من إبقاء خلفية للدولة من دون تقسيم.
* كيف تقيم اهتمام بريطانيا بالملف اليمني؟
- المسار الذي أستطيع مشاهدته بدقة أن البريطانيين قريبون جدا من الوضع في اليمن منذ فترة طويلة. كانوا حاضرين منذ 2011 مثلا في العملية السياسية بقوة. حضروا في المبادرة والخطوات السياسية، وهم حاضرون وداعمون للحوار بشكل ممتاز. وكانوا أيضا من الدول التي صدمت بعدما حدث، في الوقت الذي كانوا يشيدون فيه بتجربة الحوار، صدموا بالانقلاب، ويدعمون الشرعية، وهذا هو موقفهم وما زال.
* كيف ترى الفرق عند تغير المسؤولين عن الملف اليمني في بريطانيا؟
- اتصالنا الدائم مع «يمن تيم»، وهو فريق خاص بمتابعة اليمن. لدينا اتصالات مستمرة معهم واجتماعات شهرية وأكثر من شهرية أحيانا، إلى جانب اللقاءات مع السفراء العرب.
* كيف ترى الفرق بين السير آلان دانكن المبعوث البريطاني السابق لليمن والوزير الجديد توبياس إلوود؟
- ما أفاد الآن دانكن زياراته المستمرة للمنطقة ولقاءاته اليمنيين مثلا. وإلوود، بالتأكيد عندما يتحدث عن المشكلة اليمنية يربطها بالمشكلات الأخرى في الشرق الأوسط، لأن كل القنوات الخاصة تصب لديه في المكتب، وهذا أيضا يعطيه بعدا جميلا
* كيف تستطيع القبائل اللعب في المعادلة الحالية اليمنية؟
- القبائل دائما سلاح ذو حدين في كل تاريخ الصراع حول صنعاء. وهي دائما كما يقال بين كر وفر، لكن مع كل ذلك قبل أي حساب لأي طرف متصارع، هي تحسب حساب نفسها بدرجة رئيسية: كيف تخرج مستفيدة؟ إما أن تتوزع بين الأطراف، وإما أن تتحرك بما يجعلها مستفيدة، وهذا هو الحاصل.
هناك جزء من القبائل لها مصالح مع الحوثي وصالح أو جزء منها وذهب إليهم. وللعلم القبائل انقسمت ما بين مستفيدة ومسحوقة. ليس كل قبيلة أو القبائل جميعها استفادت من حكم علي عبد الله صالح مثلا. لكن من استفاد ماديا وتجاريا يبقى مع النظام السابق. والمسحوقون ذهبوا إلى جهات أخرى للشرعية. لكن في الأخير ما يجمع القبيلة بوصفها منظمة داخلية هو مصلحتها. وبالمناسبة، لن تتقاتل القبائل فيما بينها، لكنها تعرف كيف تدير الصراع.
* هل يعتبر سلطان السامعي عضو مجلس الانقلابيين ضمن الحزب الاشتراكي؟
- الحزب له قيادات، ولا أتحدث نيابة عنهم. لكن ما أعرفه أن السامعي لم يشارك في أي اجتماع من اجتماعات الحزب. الحزب الاشتراكي له قيادة، لكني عرفت أن الحزب اعتبر مشاركته مع الحوثيين خروجا وانسحابا.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.