لبنان: التمديد «أهون الشرور» للقيادات الأمنية والعسكرية

غير مدرجة على بنود مجلس الوزراء اليوم.. وأثيرت مع قرب انتهاء ولاية قائد الجيش

لبنان: التمديد «أهون الشرور» للقيادات الأمنية والعسكرية
TT

لبنان: التمديد «أهون الشرور» للقيادات الأمنية والعسكرية

لبنان: التمديد «أهون الشرور» للقيادات الأمنية والعسكرية

لا يقتصر النقاش حول تمديد ولاية المسؤولين الأمنيين على كونه مادة للتجاذب السياسي بين الأقطاب السياسية الرئيسية في لبنان، بل يضيء على عمق الأزمة التي وصلت إليها البلاد والتي جعلت مع الاستثناء الدستوري قاعدة، وتعكس عجزًا سياسيًا عن التوافق على الملفات الداخلية، بدأت من التمديد للبرلمان لنفسه مرتين متتاليتين، ووصلت إلى الفشل في انتخاب رئيس للجمهورية لأكثر من عامين.
وتجدد النقاش حول التعيينات الأمنية للمرة الثالثة منذ عام 2013، إثر قرب انتهاء ولاية قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي بلغ الـ62 من العمر، ومددت ولايته مرتين متتاليتين، علمًا بأن النقاشات في الأروقة السياسية تشير إلى إمكانية التجديد له سنة إضافية، ليتم بذلك 44 عامًا في الخدمة الفعلية في الجيش. وتزامن النقاش أيضًا مع قرب انتهاء ولاية رئيس أركان الجيش اللواء وليد سلمان الذي يمنع القانون تمديد ولايته مرة أخرى، فضلاً عن انتهاء ولاية الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد خير في 21 أغسطس (آب) الحالي، الذي مددت ولايته مطلع العام الحالي.
ويأتي ذلك بعد سلسلة مراسيم تمديد لقادة أمنيين صدرت عن الحكومة منذ عام 2013. فبعد الفشل في الاتفاق على اسم لمنصب مدير عام قوى الأمن الداخلي في عام 2013، إثر انتهاء ولاية اللواء أشرف ريفي (وزير العدل الحالي)، تولى اللواء إبراهيم بصبوص مهام المدير العام لقوى الأمن الداخلي بالإنابة، استنادًا لقرار وزير الداخلية والبلديات، قبل أن يُعين مديرًا عامًا لقوى الأمن الداخلي بموجب المرسوم في أبريل (نيسان) 2014. وأُجّل تسريحه بموجب قرار وزير الداخلية في يونيو (حزيران) 2015، وتنتهي ولايته العام المقبل 2017. كما تم التمديد في وقت سابق لمدير المخابرات في الجيش العميد أدمون فاضل الذي أحيل إلى التقاعد مطلع العام الحالي، وعُين بدلاً عنه، في وقت يعتبر مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم غير ممدد له، كذلك مدير عام أمن الدولة اللواء جورج قرعة.
ويدخل الوزراء إلى اجتماع الحكومة اليوم، من غير أن يكون على جدول الأعمال بند التعيينات الأمنية. وأكدت مصادر رئاسة الحكومة لـ«الشرق الأوسط» أن ملف التعيينات الأمنية غير مدرجة على جدول أعمال مجلس الوزراء اليوم الخميس، مشيرة إلى أن جدول الأعمال «سيبحث البنود التي كانت على جدول الأعمال السابق ولم يتسنّ للحكومة مناقشتها».
لكن ذلك، لا يمنع أن يبادر وزير الدفاع لتقديم اقتراح من خارج جدول الأعمال، نظرًا لأن هذا الملف يعتبر قانونًا من صلاحياته. وكان أعلن وزير الدفاع سمير مقبل في وقت سابق، أن الواجب يقتضي أن يطرح وفق الآلية المتفق عليها للتعيين ثلاثة أسماء، وعلى مجلس الوزراء تعيين أحدهم، وفي حال لم يتم ذلك فإنه سيمدد مؤقتًا لقائد الجيش.
وباستثناء فريق عون في الحكومة اللبنانية، لا يمانع معظم الأقطاب التمديد لقائد الجيش اللبناني الذي تنتهي ولايته في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، على قاعدة أن لبنان، في هذه الظروف الأمنية التي يعيشها، لا يمكن أن يكون جيشه، الضابط الأمني للحدود، بلا قائد. ويعبر عن هذا الموقف وزير الإعلام رمزي جريج بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «أنا كوزير في الحكومة، مع التعيين في المواعيد المستحقة، إنما إذا كانت هناك استحالة في تعيين قائد جديد للجيش، لعدم توافق أركان الحكومة على اسم المسؤول الأمني، في هذه الحالة هناك إمكانية لتأجيل تسريح قائد الجيش لسنة واحدة»، مضيفًا: «بالنظر إلى الظروف الأمنية التي يعيشها لبنان، لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالفراغ في قيادة الجيش، وإذا سقط خيار التعيين، عندها يبقى التمديد أهون الشرور».
وتختلف قضية التمديد لقائد الجيش عن ملف رئيس الأركان اللواء الركن وليد سلمان، إذ يعتبر التمديد له غير جائز قانونًا، مما يضطر الحكومة لتعيين رئيس جديد للأركان، علمًا بأنه إذا لم تتمكن من تعيينه، فإن هناك آلية ليحل مكانه أحد الضباط في الأركان، ليكون رئيسًا بالتكليف.
ويكشف اللجوء إلى خيار التمديد، ترهلاً في الجسم السياسي اللبناني الذي يلتف على الأزمات، بحثًا عن مخارج، في ظل الفشل في التعيينات أو حل القضايا الخلافية. ويعتبر الفشل في انتخاب رئيس، رأس الأزمات، إذ يساهم وجوده في حل الكثير من القضايا التي تحتاج إلى قرارات بالإجماع من مجلس الوزراء بغيابها.
ويقول جريج إن قضية انتخاب رئيس للجمهورية تتصدر جميع الأولويات، وفشل ذلك «في ظل إصرار فريق على عدم إتمام النصاب القانوني لانتخاب الرئيس إذا لم يتم انتخاب مرشحه»، مشيرًا إلى أن الفشل بملء الشغور الرئاسي، «يترك ظلاله على سائر التعيينات»، مشددًا على أن «تعطيل انتخاب الرئيس، يؤدي إلى تعطيل سائر المؤسسات».
والواضح أن القاعدة الدستورية المتبعة في لبنان، كُسرت بغياب رئيس للجمهورية، بعدما خرقت بتمديد البرلمان لنفسه، حيث يعتبر ذلك «خرقًا للمبدأ الدستوري، إذ أصبحت عمليات التمديد عملية وجهة نظر»، كما يقول أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي سامي نادر لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن «خرق القاعدة الدستورية، وعدم احترامها، يحيلها إلى مادة للسجال السياسي».
وإذ يلفت نادر إلى أن «البلد بات خاضعًا للتجاذبات السياسية، مما يحول الاستثناء إلى قاعدة»، يرى أن الخلافات والتجاذبات «هي دليل عجز، ودليل سقوط المؤسسات وتوقف الحياة الدستورية»، كما أنها «دليل على عدم القدرة على الاتفاق على أصغر الملفات، كان أبرز دليل عليها ملف النفايات، وهو دليل عجز عن اتخاذ القرارات حول طاولة مجلس الوزراء».
ولم يشهد لبنان تجاذبات على التمديد للقادة العسكريين، إلا في السنوات الأخيرة، علمًا بأن قائد الجيش كان يعين من قبل رئيس الجمهورية قبل اتفاق الطائف 1989، بينما بات مجلس الوزراء مجتمعًا يعين قائدًا للجيش بعد الطائف، وفق آلية التصويت بالنصف زائد واحد.
وسجل في التاريخ العسكري، استدعاء الضابط المتقاعد العميد إسكندر غانم من الاحتياط في عام 1970، وتم تعيينه قائدًا للجيش بدلاً من العماد جان نجيم الذي قتل في حادث تحطم مروحية، وذلك بمرسوم من مجلس الوزراء، ليُحال مرة أخرى إلى التقاعد وتعيين العماد حنا سعيد مكانه قائدًا للجيش. كما أن العماد إميل لحود الذي تولى قيادة الجيش في عام 1989، تم التمديد له لمدة عامين في عام 1996، حين بلغ الستين عامًا من عمره، وتولى سدة الرئاسة في عام 1998 حين كان بعمر 62 عامًا.
وبحسب القانون العسكري، فإن الضباط من رتبة عميد، يبلغون سن التقاعد في عمر 58 عامًا، بينما يبلغ الضباط من رتبة لواء السن القانوني بعمر 59 عامًا، كما يبلغ الضباط برتبة «عماد»، (وهي الرتبة الحصرية بقائد الجيش) السن القانونية بعمر الستين عامًا. غير أن الجدل الأخير حول أحقية الضباط بالتمديد، يعود إلى استنباط قانوني حول سنوات الخدمة التي يفترض أن تبلغ 43 عامًا في الخدمة الفعلية للضباط برتبة لواء، و44 عامًا للضباط برتبة عماد.
ويرى رئيس مركز «الشرق الأوسط» للدراسات، العميد المتقاعد من الجيش اللبناني هشام جابر، أن التمديد للضباط الذي حصل في السنوات الأخيرة، هو «تمديد سياسي أكثر مما هو تمديد قانوني عسكري»، معتبرًا أن التمديد «يجب أن يكون حصرًا بموجب مرسوم من مجلس الوزراء»، لافتًا إلى أن إيكال المهمة لوزير الدفاع «تندرج ضمن إطار المخارج القانونية». ويرى أن التمديد لقادة الأجهزة الأمنية شهده لبنان «هو هروب إلى الأمام في بلد ينسحب فيه التعطيل على كل شيء»، مضيفًا: «يلجأون إلى التمديد لأنهم غير قادرين على تعيين أحد في ظروف التعثر السياسي التي يعيشها البلد».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.