حلب.. شهادة بين الحصار ومعركة فك الحصار عنها

«الأسد أو نحرق البلد» مكتوبة على جدار إحدى الغرف التي حررت من النظام

مقاتل من المعارضة في معركة الراموسة التي انطلقت بحلب يوم 6 أغسطس لفك الحصار عن المناطق الشرقية فيها («الشرق الأوسط»)
مقاتل من المعارضة في معركة الراموسة التي انطلقت بحلب يوم 6 أغسطس لفك الحصار عن المناطق الشرقية فيها («الشرق الأوسط»)
TT

حلب.. شهادة بين الحصار ومعركة فك الحصار عنها

مقاتل من المعارضة في معركة الراموسة التي انطلقت بحلب يوم 6 أغسطس لفك الحصار عن المناطق الشرقية فيها («الشرق الأوسط»)
مقاتل من المعارضة في معركة الراموسة التي انطلقت بحلب يوم 6 أغسطس لفك الحصار عن المناطق الشرقية فيها («الشرق الأوسط»)

يقفز «البيك آب» إلى الأعلى ثم يعود إلى الأرض، ويميل بنا السائق محمد أبو الشيخ يمنة ويسرة لتفادي الحفر الناتجة عن القصف الجوي، قلبي يزداد خفقانًا كلما اقتربنا من حي الراموسة؛ آخر المناطق المتبقية لفك الحصار عن الأحياء المحررة في حلب. كان ذلك يوم يوم 6 أغسطس (آب)، حيث انطلقت المرحلة الثالثة من المعركة.
ترتفع أصوات الاشتباكات كلما اقتربنا أكثر، ولا أستطيع تخمين أين نحن بالتحديد؟ فكل شيء أراه من النافذة عبارة عن خيوط أفقية؛ تنقطع مرات ثم ما تلبث أن تعود، يرفع «أبو الشيخ» صوت المسجل، «جبينك عالي وما بينطال يا هالجيش السوري الحر» تقول الأغنية؛ فيصدح بها كل من في «البيك آب»، شعورٌ غريب يجمع بين القلق، والفرح، والحماسة.
نصل حي الراموسة، لقد محيت معالمه تمامًا بعد أن تحول إلى جبهة قتال منذ دخول الجيش الحر إلى مدينة حلب في يوليو (تموز) 2012، فيدخلنا «أبو الشيخ» في متاهة؛ خنادق وممرات وسط المعامل المدمرة.
ننزل من «البيك آب»؛ أنا، و«فادي»، و«أبو الشيخ»، و«خليل» وووو.. ولا أدري كيف وسعنا داخله! ثم ارتدي الدرع الذي كتب عليه «PRESS»، وندخل في صالة كبيرة تحت الأرض ترتاح فيها عناصر من الجيش الحر، ويغط بعضهم في نوم عميق؛ وكأنهم لا يسمعون الانفجارات العنيفة التي تهز المكان. يعصب جميع المقاتلين رؤوسهم بشارة قريبة إلى اللون البرتقالي؛ إنها ضرورية في المعركة لتمييز الأصدقاء عن الأعداء، وترتسم على وجوههم ابتسامة خفيفة، ويرفعون إشارة النصر؛ كلما اقترب منهم «فادي» ليلتقط صورة.
المعركة كانت قد بدأت قبل ثلاث ساعات من وصولنا، انهارت الخطوط الدفاعية الأولى لقوات الأسد وأحرز الجيش الحر تقدمًا واسعًا، لا نستطيع الذهاب لخطوط الاشتباك المتقدمة؛ حتى لا ندخل مباني ترصدها النيران، وينبغي أن يرشدنا مقاتل خاض هذه المعركة إلى الطريق.
أثناء انتظارنا، أتأمل وجوه عناصر الجيش الحر التي يعلوها التفاؤل، وأتكئ على الحائط الذي كُتب عليه «يسقط الأسد.. عاشت سوريا حرة»؛ لتعود الذاكرة بي أيامًا إلى الوراء؛ عندما كانت وجوه جميع المحاصرين خائفة ومترقبة. في ذلك اليوم، بدت قوات الأسد، وقوات حلفائه: روسيا، وإيران، و«حزب الله» منتصرة في حلب، لا سيما عندما سيطرت على حيي «بني زيد» و«الليرمون» شمال حلب، فأطبق الحصار على الأحياء المحررة تمامًا. وبدأنا حينها - أنا ورفاقي - بالتفكير جديًّا في اتخاذ خطوات للتأقلم مع الحصار؛ الذي ربما قد يطول كثيرًا. تمكنت قوات النظام من حصار الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة، في 7 يوليو، ومنذ ذلك الحين بات دخول عربة خضار أو صهريج وقود أمرًا يستحق الاحتفال، الدخول إلى حلب كان أشبه بمحاولة انتحار، لكن بعد مضي أيام قليلة بات أمرًا مستحيلاً تمامًا. الخضراوات وكثير من المواد الغذائية بدأت بالنفاد من الأسواق، ماذا عسانا أن نفعل لمواجهة شبح الحصار؟ «خلونا نزرع».. جاءت الإجابة سريعة من صديقي «شامل». لكن أين نزرع؟ «في الطابق الأرضي هناك حوض للأزهار، نقلعها ونزرع مكانها؛ الكوسا والبندورة والخيار»، لم يكن باقي أصدقائي متحمسين للفكرة؛ فقد كانت قوتنا وعزيمتنا خائرتين تمامًا؛ فتقدم النظام جعل معنوياتنا في الحضيض.
لا خيار آخر؛ إما أن تزرع وتعمل، وإما أن تتضور جوعًا إذا ما استمر الحصار، استجمعنا قوانا في صبيحة اليوم التالي ونزلنا جميعًا للعمل.
حوض الأزهار كان تحفة نادرة، تفوح الروائح الجميلة من شجرتي «الغاردينيا» والياسمين؛ لكن هذا الجمال لا يقوى على مواجهة شبح الحصار، أو بالأحرى شبح الجوع؛ فقلعناها جميعًا، لكن وقبل أن نبدأ بالزراعة، سبقنا «جيش الفتح»، وفصائل أخرى معه في بدء معركة فك الحصار عن حلب في 31 يوليو.
دخول «جيش الفتح» إلى جانب «فيلق الشام» قلب موازين المعركة؛ فقد تمكنا في مارس (آذار) 2015 من تحرير محافظة إدلب بكامل ثكناتها العسكرية، وجبالها التي استعصت لفترة طويلة. في اليوم الأول للمعركة 31 يوليو، تمكنت الفصائل من تحرير تَلَّتَي «مؤتة» و«أحد»، و«مشروع 1070» التابع لحي الحمدانية جنوب حلب؛ هذا التقدم كان كفيلاً برفع معنويات المحاصرين إلى السماء.. لم أتمكن من النوم تلك الليلة؛ ليس بسبب أصوات الانفجارات، بل بانتظار أخبار التحرير. في صبيحة اليوم الثاني؛ كانت سماء حلب ملبدة بغيمة سوداء، المدنيون يساعدون الثوار لحجب الرؤية عن الطيران، من خلال إشعال إطارات السيارات. الجوامع كلها تكبّر. ومع حلول العصر تبدأ المعارك؛ لتختفي الحركة من الشوارع؛ ليس بسبب القصف فقط؛ فشغف متابعة أخبار المعركة يتملك الجميع هنا.
خمسة أيام، أحرز الثوار خلالها تقدمًا واسعًا، فاق التوقعات: «كلية المدفعية»، «تل المحروقات»، «قرية العامرية»، وغيرها باتت مناطق محررة. تبقى تحرير «حي الراموسة»؛ ليفك الحصار عن حلب، لكن الدور هنا كان من نصيب الثوار المحاصرين داخل حلب.
تنتشلني صرخات «أبو الشيخ» من بحر خيالاتي: «يلا بسرعة.. بسرعة»، فقد أتى مقاتل لجلب المياه وسيعود للمعركة، نتبعه؛ ندخل أحد الأنفاق، ونركض عندما نعبر منطقة مكشوفة، ونصل نقاط قوات النظام التي حُرِّرَتْ قبل ساعات. «الأسد أو نحرق البلد»، كانت مكتوبة وسط إحدى الغرف، وتحتها كومة من علب «المتة» وبدلات عسكرية.
أنبطح كلما سمعت صوت «شخرة» صاروخ «الفيل» عند انطلاقه، أو صوت قذيفة تشق طريقها في السماء، بحسب الفيزياء: القذيفة التي تصيبك لا تسمع صوتها؛ فهي أسرع من صوتها؛ لكن هذه القاعدة لا تقنع أفعالي اللاإرادية، إلا أنني في النهاية سلمت أمري للقدر.
على الخط الأول، يجتمع مجموعة من القادة الميدانيين يضعون خريطة أمامهم، «السيطرة على الفرن ومبنى البلدية تعني وصولنا إلى (جيش الفتح) في الطرف الآخر، وفك الحصار»، يضعون خطة سريعة، ومن ثم ينقسم المقاتلون إلى ثلاث مجموعات؛ كل مجموعة تذهب لاقتحام محور مختلف.
يطلق «معيوف أبو بحر» القيادي في الجيش الحر، قذيفة «آر بي جي»؛ معلنًا بدء الهجوم، وتتعالى صيحات التكبير، فيتبعه نحو عشرة اقتحاميين للهجوم على مبنى يرصد طريق الثوار، إلى «كلية التسليح»، حيث «جيش الفتح». تحتدم الاشتباكات، وأرى الرصاص على شكل خطوط حمراء؛ تعبر فوقنا لترتطم بالمبنى المجاور، يوثق «فادي» بكاميراته المعركة لحظة بلحظة، ونظل متابعين للتطورات من خلال أجهزة اللاسلكي، بينما تقصف الطائرات الروسية الخطوط الخلفية للاشتباك.
أقل من نصف ساعة مرت؛ ليعلن أحدهم عبر اللاسلكي: «الفرن صديق، البلدية صديق»، لم أصدق هذا الخبر؛ فهو لا يعني سوى شيء واحد؛ أن الحصار عن حلب قد كُسِر!
بعد دقائق يصرخ أحدهم عبر اللاسلكي؛ وهو يتلعثم بالكلام، فهمت مما قاله بصعوبة: «التقى الجيشان!»؛ أي الجيش الحر وجيش الفتح!! الكلمات تعجز هنا عن وصف شعورنا، وشعور من حولنا من المقاتلين، فرحة عارمة لم أشعر بمثلها في حياتي قط، يتبادل المقاتلون العناق، ويسجدون شكرًا لله، لا أدري كيف جاء أحدهم بعلبة من الحلويات العربية، وراح يوزعها على كل من يراه. فُكَّ الحصار عن أحياء حلب المحررة، قبل أن يتم الحصار شهره الأول، وانتهت معاناة ومخاوف 350 ألف مدني، المعركة لم تنته هنا، فمرحلة جديدة من المعركة قد بدأت، والهدف تحرير ما تبقى من حلب، ليست معركة سهلة، فإن النظام وحلفاءه لن يستغنوا عن العاصمة الاقتصادية بسهولة.. أعدكم بالكتابة عن تفاصيلها إن كان بالعمر بقية.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.